كلمة الى أبناء الصحوة الاسلامية

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كلمة الى أبناء الصحوة الاسلامية


راشد-الغنوشى-مسئول-النهضة-التونسية.png

الشيخ راشد الغنوشي

قد يبدو المشهد العام لحال البلاد والأمّة تغشّيه المظالم والأحزان والآلام: جوع وخوف ومعتقلات ودماء ودموع وهزائم وفقر وبطالة واحتلال ومقت، حتى اسودّت الدنيا من حول المواطن المسكين وتحيّر بين استبداد ابن البلد وقهر الاحتلال ..أيهما أشدّ وطأة وأنكى شرورا!

وإذا كان احتلال فلسطين يسجل السبق فيما تبقى من الاحتلالات التي ظنّ أن زمنها ولى وانقضى مع القرن الماضي فإن احتلال العراق وقبلها أفغانستان يسجل ظاهرة نكوصية وشاذة عن مسار التاريخ.

كما أن منطقتنا تسجل سبقا على صعيد الاستبداد فهي تكاد تنفرد بين أنظمة العالم في قدرتها على الاستمرار واستعصائها عن كلّ محاولات التغيير والاختراق الديموقراطي ..

فهل من غريب وقد انسدت الآفاق أمام المواطن العربي ولا تفتح إلا على أحد خيارين أحلاهما مرّ الاستبداد أو الاحتلال: صدام أو بوش، أن يبلغ الهمّ والغمّ المتراكم على أفئدة الشبيبة خاصة أن يصل الأمر إلى حدّ اتخاذ قرار الهروب من الواقع الآسن إلى الانتحار المباشر الذي تحول لاول مرة في تاريخنا الى ظاهرة تبعث على الانشغال، أو إلى أشكال غير مباشرة مثل الإقبال على المخدرات وأشباهها؟

غير أن المشهد العربي ومنه التونسي لم يتمحّض لسواد الليل الحالك، فلا تزال في الأفق الداكن نجوم ثاقبة وأخرى تطلّ بين الحين والآخر تشيع الضياء وتبعث الأمل وتبشر بانزياح الظلمات وتنادي إلى صبح قريب.. "أليس الصبح بقريب"؟.

فعلى صعيد المشرق تمثل المقاومة المتصاعدة للاحتلال في فلسطين و العراق ،وما حققته المصالحة الوطنية في السودان من تقدم، والافراج عن آلاف المساجين الاسلاميين في مصر،وخروج القطر الليبي الشقيق من ربقة الحصار،نجوما مضيئة في ليالي الاستبداد والاحتلال الحالكة المخيمة على الامة.

أما على الصعيد الوطني،فمع أنه انضافت إلى تعاسات الاستبداد من قمع طال حتى أركان الديكور مثل التليلي والسحباني الذين جوزيا جزاء سنمّار.

اللاهم لا شماتة،ولكن الدرس واضح: من أعان ظالما سلطه الله عليه.ومن رضي البيات في عرين الأسد فلا عجب إن افترسه يوما.. انضافت الى ذلك كوارث توصف عادة في مصطلح العلمانيين بأنها طبيعية مثل الفياضانات التي لم تشهدها البلاد منذ أكثر من قرن والتي أتت على أرواح – نسأل لها الرحمة – وعلى ممتلكات عشرات الآلاف من المواطنين المضروبين أصلا بالبطالة والقمع ولم يكن تأمينهم داخلا في حساب رجال الأمن ..نسأل الله أن يعوض أهلنا في مصابهم خيرا.

أما في النظر الكوني الشامل،نظرالمومنين فإن هذه الكوارث-من جفاف وطوفان- هي بعض حصاد ما كسبت الأيدي من الإفساد في الأرض والتنكب عن عدل الله وشرعه وهديه في التعامل مع الموارد الطبيعية التي سخرها للانسان إن في مستوى الأفراد أو المجموعة.

"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون"الروم39.فمن سنين سنين الى الطوفان.نسأل الله العفو والعافية.

غير أنه في سماء تونس تلتمع إضاءات وبشائر لعل أهمها الانعطافة الواسعة للمجتمع التونسي في كل المستويات وخاصّة الشباب نحو الدين وتعاليمه ورموزه من صلاة وحجاب وكتاب ومناشط جادة .

وتتجلى أهميتها في دلالاتها العظيمة ومنها حيوية المجتمع التونسي وأصالته الإسلامية العميقة التي أذكتها الحركة الإسلامية المعاصرة خلال ربع قرن والتي استعصت على خطط التجفيف والاستئصال والحصار التي تعرض لها الاسلام ودعاته وتراثه، وقدمت للبلاد نماذج عظيمة من الرجال والنساء علما وأدبا وشجاعة وصبرا على البلاء ومرابطة على نهج الوسطية السمحاء،بعيدا عن كل ضروب الغلو والتشدد والتعانف.

غير أنّه في ظل الغياب المفروض على تلك النماذج التي أسست للصحوة الاسلامية المعاصرة في أرض جامع الزيتونة وعقبة،يخشى على هذه الصحوة المباركة أن تنال منها رياح الغلوّ والتشدّد فتميل بها صوب هذا المنحدر أو ذاك فتضيع طاقات وأرصدة هذه الصحوة وتتبدد هدرا في جدليات عقيمة بل مدمّرة، إحياء لموات فتن وخلافات حدثت بين الأصحاب الكرام في أول الإسلام، هم فيها بين مجتهد مصيب ومخطئ، وقد اتفق جمهور علماء الإسلام على كفّ الألسن عن الجميع إلاّ بالذكر الحسن لسوابقهم العظيمة والدعاء لهم والاستغفار "والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا.." (الحشر 10) .

فأيما مسعى يبذل في إحياء وتأجيج تلك الخلافات ذات الطابع السياسي خلافا حول الحاكم أو نهج الحكم في صدر الإسلام إنما هو ضرب من إيقاظ الفتن النائمة وصرف للأمة عن مواجهة مشاكلها الراهنة خوضا في مشكلات عفا عنها الزمن،مع ما في ذلك من إيغار للعداوات وأسباب الشقاق في أمّة محمد عليه السلام، في وقت هي أحوج ما تكون فيه الى وحدة الصفّ حول أصول الإسلام وثوابته مما هي محلّ إجماع المسلمين من أجل مواجهة المشاكل والتحديات الوجودية التي تواجه المسلمين مثل التجزئة والاحتلال والاستبداد.

نصيحتي لإخواني وأبنائي في هذه الصحوة المباركة أن يعرضوا عن مثل هذا الجدل وأن يمسكوا ألسنتهم عن الولوغ في هذه الفتنة "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون" (البقرة 134) وأن يحثوا التراب في وجه مثيريها: "الفتنة نائمة ملعون من أيقظها" وأن ينصرفوا بدل ذلك إلى توثيق عرى الأخوة الإسلامية وإصلاح النفس وطلب العلم وتبليغ دعوة الإسلام في ثوابتها المعروفة عقائد وشرائع وحلال وحرام.

غير أن للتشدد والغلو وهدر الطاقات في الجدليات صورا أخرى يتمحور ظاهرها حول مقصد نبيل هو الحرص على نقاء عقائد المسلمين من ضروب الشرك الظاهرة والخفية ومن البدع والمنكرات والعودة بكل جوانب حياتهم الدينية الى أصولها في الكتاب والسنة: "فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول" (النساء 59) وهي دعوة حق وأس في كل إصلاح.

ولا مناص من تطهير عقائد المسلمين وعباداتهم من كل ضروب الشرك والبدع.ولقد أنجزت الحركة الاسلامية في تونس ومثيلاتها إنجازات مهمة على هذا الصعيد ولا تزال الحاجة قائمة الى المتابعةولكن في رفق ودون غلو ودون إرباك للاولويات.

إن الدعوة الى العود بالدين الى أصوله كلمة حق وأصل ركين إلاّ أنه قد خالطها أحيانا عند بعض الدعاة تشدد وغلو بلغا حدّ تكفير المسلمين واستباحة دمائهم بفتاوى مستندة إلى نصوص مبتسرة لم يشهد لها جمهور الفقهاء قديما وحديثا.

وقد تتأسس عليها مناهج متشدّدة في التغيير تسرع إلى تكفير المخالف و هدر دمه وسائر حقوقه،وهو ما أضرّ بالدعوة بهذه الدعوة أيّما إضرار وجعل بأس المسلمين بينهم كما زج بالامة الإسلامية في معارك استعدت عليهم الأمم .. لم يجن الإسلام منها وأهله غير تشويه الصورة والسمعة والحصار والاحتلال ودعم مؤسسات القمع على كلّ صعيد مما لم يفد منه غير أعداء الإسلام والأنظمة الديكتاتورية.

وقديما قيل: يفعل الأحمق بنفسه ما يفعل العدوّ بعدوّه.

ولذلك جاء النص على تقييد الدعوة الى الله بالحكمة والتبصر"قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني"يوسف. واشترط العلماء في النهي عن المنكر مراعاة جملة من القواعد منها أن لا يفضي ذلك إلى منكر أشدّ، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يقرأصحابه على نهي المغول عن شرب الخمر.

قال دعوهم.

وعلل ذلك بهذه القاعدة:إنما نهى الله عن الخمر لأنها تصرف عن الصلاة والطاعة بينما هؤلاء إذا أفاقوا قتلوا المسلمين.

إنّ التشدّد في التصوّر وبساطة النظر إلى الواقع والانصراف عن فقه المقاصد وفقه الموازنات وفقه المصالح والأولويات والاستعلاء عن أئمة الفقه بزعم الاستمداد المباشر من المصادر مع ضعف التأهّل لمثل هذه المهمّة، بعض أسباب فشوّ فكر التشدّد والتكفير واستخدام القوّة في غير موضعها مما كان له بالغ الضرر على دعوة الإسلام في مواطن كثيرة في سوريا و مصر و الجزائر . ويخشى أن نفس الأسباب ونفس الأفكار تقود إلى نفس النتائج.وبالخصوص مع الحرب المتواصلة على دعاة الوسطية والاعتدال وعلى كتبهم.

وبهذا الصدد فإنه لا يفوتني أن أوجه تحية ود وكلمة نصح الى أبنائي الأحباب أبناء الصحوة الثانية المباركة أن ينصرفوا عن التفكير أنهم ينطلقون من أرض خالية بيضاء يستطيعون ان يغرسوا فيها ما شاءوا، وان اهلها ليسوا على شيء من الدين فقد انطلقنا نحن في الصحوة الأولى من منطلقات مشابهة ثم اكتشفنا بعد حوالي عقد من الزمان وقد خالطنا مشاكل الناس الحقيقية وبدأنا نطّلع على تراث البلاد الغني وتجربتها الإصلاحية الإسلامية الثريّة فاضطرنا ذلك الى التواضع والتفاعل مع مشاكل الناس وتراث البلاد الديني..

عرفنا الثعالبي وبن عاشور والقليبي ولخوة والنيفر وعبد الرحمن خليف وبدأنا نتصفح الدفاتر الثرية لإرث الإسلام في هذه البلاد الذّى أسس إجماع أهلها وهمّش فكر التشدد الخارجي وشطب مذاهب الغلوّ في حب آل البيت. ومن الدفاتر المؤسسة لهذا الإجماع كتابات الفقيه العظيم عبد الله ابن أبي زيد القيرواني والإمام سحنون والمازري وابن عرفة وابن عاشور وخليف ..إلخ.

نصيحتي الخالصة إلى أبنائي وإخواني من شباب الصحوة المباركة أن لا يهدروا طاقاتهم في مجادلات عقيمة وألا يسرعوا في الاستعلاء على تراث البلاد الديني الذي صنع الوحدة والإجماع فيها وصانها عما تكتوي به بلاد كثيرة من نيران الفتن.. خذوا لكم ما يكفي من الوقت ولا تتعجلوا في الاختيار وابذلوا ما يكفي من الجهد للتفقه في تراث البلاد القديم والحديث ومنه ما كتب العلامة المجدد الدكتور عبد المجيد النجّار والشيخ محمد الهادي الزمزمي والشيخ عبد الرحمن خليف فضلا عن شيوخهم ممن ذكرت ولكم بعد ذلك أن تطالعوا في فكر الحركة الإصلاحية المعاصرة كما صاغه الأفغاني وعبدة ورشيد رضا والكواكبي والبنا وكما طوره شيوخ الحركة الإسلامية المعاصرة: محمد الغزالي ويوسف القرضاوي وأبو الأعلى المودودي ومالك بن نبي وعبد السلام ياسين والشهيدان سيد قطب وباقر الصدر.

ابدؤوا بأفضل مما بدأنا به وأفيدوا من تجربتنا واحذروا من فكرة الانطلاق من أرض جدباء حتى لا تكونوا- وأعيذكم بالله أن تكونوا- على صلة بمنطق أهل جهنم: " كلما

دخلت أمة لعنت أختها.." (الأعراف 38) منطق أهل الجنة أهل الإيمان: "والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا ربنا انك رؤوف رحيم" (الحشر 59 ).

ومع بعض الغبش تظل هذه الصحوة العارمة المباركة أهم النجوم الثاقبة البارقة في ليل تونس مبشرة بقرب انقشاعه إن شاء الله إذا هي بحثت عن استعادة الإجماع مجددا إلى بلد مزقت نخبته مذاهب التشدد العلماني وما انبنى عليها من مصالح فئوية لا تزال تعمل ليل نهار على توسيع الهوّة بينها وبين جماهير الناس.

مطلوب من الصحوة أن تستعيد الى البلاد ونخبتها وجماهيرها الإجماع ولن يكون بحال إلا على كلمة سواء من الوسطية الإسلامية في التصوّر والاعتدال والتدرّج في التنزيل واستهداف جمع كلمة النخبة والجماهير حول مطالب مشتركة في العدل والحرية على قاعدة المواطنة أي اشتراك الجميع بالتساوي في امتلاك هذا الوطن واشتراك الجميع في واجب الدفاع عنه وتحريره من الاستبداد من أجل إرساء قواعد العدل كما جاءت بها الشريعة الغرّاء وأقرّتها المواثيق الحقوقية المعاصرة.

" إن أريـدُ إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب"

المصدر

للمزيد عن الشيخ راشد الغنوشي

مؤلفات وكتابات الشيخ راشد الغنوشي

.

أقرأ-أيضًا.png

مفات متعلقة

مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

ألبوم صور الشيخ

وصلات فيديو

تابع وصلات فيديو

.

أقرأ-أيضًا.png
ملف الإخوان في تونس

.