محكمة الشعب.. أعجب محكمة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
محكمة الشعب.. أعجب محكمة


مهازل المحاكمات العسكرية

الأستاذ هنداوي دوير أمام محكمة الشعب عام 1954م

وهل في المحاكم العسكرية الاستثنائية حين تُعقد لمحاكمة المدنيين إلا المهازل؟! ولِمَ تلجأ إليها الأنظمة الحاكمة والمحاكم المدنية قائمة لم تغلق أبوابها؟! وقضاتها الطبيعيون لم يعلنوا عجزَهم وفشلهم عن النظر في تلك القضايا مهما كانت خطورتها؟! ولِمَ يحرم المتهم المدني من قاضيه الطبيعي؟!

إنها الرغبة في التنكيل بالمعارضين السياسيين والمناوئين للأنظمة العسكرية المستبدة وإرهابهم أيًّا كان انتماؤهم.

وليست هناك مطيةٌ أذلُّ من المحاكم العسكرية؛ حيث القضاة أنفسهم من سدنة النظام والقوانين.. من تأليف وابتكار كهنة النظام وكل شيء فيها مُعَد بواسطة النظام، ومعد أيضًا لتحقيق أهداف النظام، ومحكمة الشعب نموذج صارخ للمحاكم العسكرية اجتمعت فيها كل سماتها وسوءاتها.

تشكيل المحكمة وقانونها

في أول نوفمبر أصدر مجلس الثورة أمرًا بتشكيل محكمة مخصوصة، سميت بعد ذلك بمحكمة الشعب، وكان أمر تشكيلها بموجب المرسوم التالي:

"تشكيل محكمة مخصوصة وإجراءاتها..

بعد الاطلاع على المادة 7 من الدستور المؤقت قرر مجلس قيادة الثورة:

- مادة (1): تشكل محكمة على الوجه الآتي.. قائد الجناح جمال مصطفى سالم عضو مجلس القيادة (رئيسًا) قائمقام أنور السادات عضو مجلس القيادة (عضوًا) بكباشي أركان حرب حسين الشافعي عضو مجلس القيادة (عضوًا)، وتنعقد المحكمة بمقر قيادة الثورة بالجزيرة بمدينة القاهرة، أو في المكان الذي يعيِّنه رئيسها وفي اليوم والساعة اللذين يحددهما.

- مادة (2): تختص هذه المحكمة بالنظر في الأفعال التي تعتبر خيانةً للوطن أو ضد سلامته في الداخل والخارج، وكذلك الأفعال التي تعتبر موجَّهةً ضد نظام الحكم الحاضر أو ضد الأسس التي قامت عليها الثورة، ولو كانت قد وقعت قبل هذا الأمر.

كما تختص المحكمة بمحاكمة كل من أخفى بنفسه أو بواسطة غيره متَّهَمًا بارتكاب الأفعال المنصوص عليها في الفقرة السابقة وتطلبه المحكمة، وكذلك كل من أعان بأي طريقة كانت على الفرار من وجه القضاء، كما تختص هذه المحكمة بالنظر فيما يرى مجلس قيادة الثورة عرضَه عليها من القضايا أيًّا كان نوعها، حتى ولو كانت منظورةً أمام المحاكم العادية أو غيرها من جهات التقاضي الأخرى، مادام لم يصدر فيها حكم، وتعتبر هذه المحاكم أو الجهات متخليةً عن القضية فتحال إلى المحكمة المخصوصة بمجرد صدور الأمر من مجلس قيادة الثورة بذلك.

- مادة (3): يعاقَب على الأفعال التي تُعرض على المحكمة بعقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة أو بالسجن أو بالحبس، المدة التي تقدرها المحكمة أو أي عقوبات أخرى تراها المحكمة.

- مادة (4): ينشأ بمقر قيادة الثورة مكتب للتحقيق والادعاء، يلحق به نواب عسكريون وأعضاء من النيابة العامة، يتولى رئاسته البكباشي أركان حرب زكريا محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة، وعضوية كل من البكباشي محمد التابعي نائب أحكام، والبكباشي إبراهيم سامي جاد الحق نائب أحكام، والبكباشي سيد سيد جاد نائب أحكام، والأستاذ عبدالرحمن صالح عضو النيابة، ويتولون التحقيق ورفع الدعوى بالادعاء بالجلسة، في الأفعال التي تختص هذه المحكمة بنظرها، ولهم حق الأمر بالقبض على المتهمين وحبسهم احتياطيًّا، ولا يجوز المعارضة في هذا الأمر.

- مادة (5): يُخطر المتهم بالتهم ويوم الجلسة- بمعرفة المدعي- قبل ميعادها بأربع وعشرين ساعة على الأقل، ولا يجوز تأجيل القضية أكثر من مرة واحدة ولمدة لا تزيد على 48 ساعة للضرورة القصوى، ويجب على المتهم أن يحضر بنفسه أمام المحكمة وإذا تخلَّف جاز القبض عليه وحبسه.

- مادة (6): للمحكمة أن تتبع من الإجراءات ما تراه لازمًا لسير الدعوى، ولا يجوز المعارضة في هيئة المحكمة أو أحد أعضائها.

- مادة (7): تجري المحاكمة أمام هذه المحكمة بطريقة علنية إلا إذا قررت جعل الجلسة سرية لأسباب تراها، ويصور الحكم ويُتلى في جلسة علنية ويصدِّق عليه مجلس قيادة الثورة، ويجور له تخفيف الحكم إلى الحد الذي يراه.

- مادة (8): أحكام هذه المحكمة نهائية ولا تقبل الطعن بأي طريقة من الطرق أو أمام أي جهة من الجهات، وكذلك لا يجوز الطعن في إجراءات المحاكمة أو التنفيذ.

- مادة (9): يُعمل بهذا الأمر من تاريخ صدوره.. القاهرة في أول نوفمبر 1954 م.

وفي 6 نوفمبر أُطلق على المحكمة اسم (محكمة الشعب)، وفي 28 نوفمبر تألَّفت ثلاث دوائر فرعية لهذه المحكمة:

الأولى برئاسة اللواء/ صلاح حتاتة

الثانية برئاسة القائمقام/ حسين محفوظ ندا

الثالثة برئاسة قائد الجناح/ عبد الرحمن شحاتة عدنان


تقييم المحاكمات

أشار الكثير من هؤلاء المؤرخين إلى فساد هذه المحاكمات لعدة أسباب، من بينها:

1- أن القضاة فيها يمثلون المجني عليه وهو مجلس قيادة الثورة، وهذا ما أشار إليه القاضي عبد القادر عودة وهو يدافع عن نفسه أمام المحكمة؛ باعتباره قاضيًا سابقًا، ولكن كان رد القاضي الجاهل عليه فظًّا غليظًا:

"المتهم: حضرات القضاة.. أنا متهم بتهمة لو صحت لكنت الجاني وأنتم المجني عليهم.. ولست أعلم أن جانيًا ارتاح لأنْ يحاكمَه مجنٍ عليه".

جمال سالم: ليس لك الحق في هذا الاعتراض مطلقًا.

المتهم: أنا لا أعترض.

جمال سالم: ولا تلميحًا.. تقدر تتكلم مضبوط إتكلم ما تقدرشي نجيب لك محامي".

2- افتقار القضاة لأي خبرة قانونية أو دراسة سابقة للقانون، كان قضاة المحكمة- ثلاثتهم- أعضاءً بمجلس قيادة الثورة، والمجلس هو الذي يقدم المتهمين للمحاكمة، وممثلوه هم الذين يصدرون الأحكام ثم يشتركون في التصديق عليها، ولهم أن يوقفوا تنفيذ الحكم ولو كان بالسجن خمسة عشر عامًا (وتلك مهزلة أخرى.. فالقانون لا يعرف سجن 15 سنة مع إيقاف التنفيذ.. فإيقاف التنفيذ يشمل أحكام الحبس وليس أحكام السجن!!).

ومن نماذج السقطات الشنيعة التي وقعت بتلك المحاكمات:

(أغفل جمال سالم- رئيس المحكمة- أثناء المحاكمة تكليف الادعاء بتقديم شهود الإثبات الذين ضبطوا الجاني لحظة ارتكاب الجريمة.. وكانوا- وبالمصادفة- من العاملين بمديرية التحرير، وهؤلاء الشهود معروفون بأسمائهم ووظائفهم.

رغم أن أي طالب بالسنة الأولى بكلية الحقوق يعلم أن أول شهود يستمع إليهم هم شهود الإثبات الذين لهم صلة بضبط الجاني أو مشاهدة الجريمة أو اكتشاف سلاح الجريمة.. ولكن هؤلاء الأربعة لم يدلوا بشهادتهم عند محاكمة الجاني؛ ولعل الادعاء خشي أن يقدمهم، ويقدم خديوي آدم- العامل الذي عثر على المسدس- حتى لا تتخبط أقوالهم، ويظهر شيء محظور كانوا يسعون لإخفائه).

3- سرعة وصورية إجراءات المحاكمات، ومن أسوا ما يدل على صورية هذه المحاكمات وعدم جديتها ما ورد بالمادة (5) من أمر تشكيلها:

(يخطر المتهم بالتهم ويوم الجلسة- بمعرفة المدعي- قبل ميعادها بأربع وعشرين ساعة على الأقل، ولا يجوز تأجيل القضية أكثر من مرة واحدة ولمدة لا تزيد على 48 ساعة للضرورة القصوى)، ثم ما نطق به ممثل الإدعاء في أولى جلسات المحاكمة:

(المدعي العام: المتهم لما أعلناه بالادعاءات سألنا إذا كان له محامٍ فقال معندهوش محام، وقانون تشكيل المحكمة لا يستلزم وجود محام مع المتهم، والقضية جاهزة ونطلب نظرها)، ثم هذه السرعة الغريبة في إنهاء القضايا، ومحاكمة هذا العدد الضخم من المتهمين في فترة وجيزة جدًّا؛ فقد عُقدت أول جلسة لمحكمة الشعب صباح الثلاثاء 9/11/1954 م، واستمرت إلى 2/12/1954 م، وبدأت الدوائر الفرعية عملها ابتداءً من 5/12/1954م.

- استمرت محاكمة محمود عبد اللطيف إلى 20/11 أي لمدة أسبوعين.

- استغرقت محاكمة الأستاذ الهضيبي 3 أيام

- ويوسف طلعت يومًا واحدًا 27/11

- وحوكم إبراهيم الطيب وهنداوي دوير في يوم واحد 29/11

- وفي يوم 30/11 حوكم خمسة من قيادات الجماعة معًا في يوم واحد.


وفي الدوائر الفرعية كان الأمر أعجب

ففي يوم 9/12 نظرت 28 قضية، وفي 11/12 نظرت 21 قضية، وفي 12/12 نظرت 13 قضية، وفي 13/12 نظرت 19 قضية، وفي 18/12 نظرت 40 قضية، وفي 21/12 نظرت 48 قضية، وفي 28/12 نظرت 42 قضية، وفي 9/2/55 نظرت 69 قضية أمام الدائرة الفرعية الثالثة.

4- شمول المحاكمات والأحكام لتلك الأعداد الضخمة بما يعني الأخذ بمبدأ المسئولية الجماعية ودون الاقتصار على منفذي الجريمة والمحرِّضين عليها.

5- قسوة الأحكام وعدم تناسبها مع الجريمة المنسوبة للمتهمين (شروع في القتل) وبناؤها على أسباب سياسية فقط، وهذا باعتراف جمال عبد الناصر نفسه لأحمد حسين.

ويضاف لذلك (عدم إحالة اوراق المتهمين المحكوم عليهم بالإعدام إلى فضيلة المفتي للتصديق عليها).


6- مسلك رئيس المحكمة الشاذ وسخريته وتهجمه على المتهمين والشهود بصورة منفرة.

7- مسلك المحامين المنتدبين للدفاع عن المتهمين؛ إذ كانوا يتعاملون مع المتهمين والشهود وكأنهم ممثلو إدعاء وليسوا محامين.


محكمة الشعب في نظر المؤرخين والباحثين

شهد بمهزلة هذه المحاكمات أو مأساتها كل من شاهدها أو قرأها:

يقول الكاتب الأمريكي ريتشارد ميتشل: "أما المحاكمات نفسها فكانت نموذجًا لا يُنسى لما تملكه الحكومة الثورية وما تضفيه على نفسها من حقوق تتعلق أصلاً بحكم القانون؛ إذ اتضح منذ البداية أن آخر شيء ترمي إليه الحكومة هو إيضاح القضية، وتقدير مدى إدانة كل فرد فيها.

بل إنه في الحالات التي عَيَّنت فيها المحكمة المحامين طرح هؤلاء أسئلةً وأبدَوا ملاحظات كان من الأخلق أن تُترك لممثل الاتهام، أما رئيس المحكمة جمال سالم فقد كان تصرفه أقرب إلى تصرف المدعي العام:

كان يقاطع دون تحرج إجابات الشهود إذا لم تعجبه الإجابة، وكان يضع الكلمات في أفواههم، فيتقوَّل عليهم ما لم يقولوا، وكان أحيانًا يستعمل التهديد ليفرض عليهم الإجابة التي يريدها، وكانت الأسئلة تصاغ بحيث تستبعد أي رد إلا ما تريده المحكمة، وكان يوقف كل محاول للتخفيف من توتر الموقف.

بل إنه كان يتبادل مع الشهود في بعض الأحيان الشتائم الوضيعة، وفي غالبية هذه الحالات كانت الشتائم تنهال من جانب المحكمة وحدها، وكانت تواجه شاهدًا بآخر، وقد زُيِّفت شهادة أحدهما لتثير الشاهد الآخر، وسُمح للحضور أن يشاركوا في الضحك على الشهود والهزء والسخرية بهم وسبِّهم، وكانت أكثر الأسئلة في مثل هذه المواقف غير متعلقة بالجريمة، وتضمنت فيما تضمنته أسئلةً تتعلق بإعراب القرآن وتفسيره بقصد إحراج الشهود وإرباكهم.

أما الشهود أنفسهم فقد كانوا مشوشين، وبطبيعة الحال خائفين، وفي أغلبية الأحوال غير صريحين ولا صادقين، وطفحت الأدلة بالتناقض؛ وذلك لأن المحكمة من ناحية كانت توجه الشهود؛ ولأن الشهود أنفسهم كانوا غير راغبين في الكلام من ناحية أخرى".


للمزيد عن حادثة المنشية ومحكمة الشعب

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

ترجمة لبعض المتهمون في القضية

.

تابع ترجمة لبعض المتهمون في القضية

أحداث في صور

وصلات فيديو

.

أقرأ-أيضًا.png
ملف الإخوان وجمال عبد الناصر