الحوار من أجل التعايش داخل المجتمع الإسلامي

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الحوار من أجل التعايش داخل المجتمع الإسلامي
في إطار (حوار الحضارات من أجل التعايش)


الأستاذ الدكتور عز الدين إبراهيم .. المستشار الثقافي بوزارة شؤون الرئاسة


مقدمة

1 - منذ أن انطلق الصوت الإسلامي من القمة الإسلامية الثامنة في طهران، ثم القمة الإسلامية التاسعة في الدوحة، بالدعوة إلى (حوار الحضارات)، تعبيراً عن رسالة الإسلام السمحة في التعارف، والتعاون على البر والتقوى، والجنوح إلى السلام، وتصحيحاً للتوجه الذي ذاع في الغرب تحت شعار (صراع الحضارات) - والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، لا تألو جهداً في تجسيد هذا التوجه الإسلامي الإنساني بصفة رسمية نيابة عن منظمة المؤتمر الإسلامي.


2 - هذه الورقة تحاول أن توجه الأنظار إلى أهمية التعايش الداخلي في المجتمع الإسلامي ذاته، أي داخل أقطارنا، وفيما بين أهلينا. فغني عن البيان أن العالم الإسلامي في مسيرته الطويلة خلال أربعة عشر قرناً، قد استوعب حضارات، وضم أعراقاً وأجناساً من البشر، وتعامل مع عدد من اللغات، وظهرت فيه مدارس ومذاهب واتجاهات، وما زالت تجد عليه أفكار وأيديولوجيات. ومع أن عبقرية الإسلام والحضارة الإسلامية قد صهرت كل هذه المكونات في بوتقة واحدة، وأنتجت منها هذا النسيج الذي يتصف بالتكامل والتشابه والتعاطف، وإلى حد غير قليل من التوحيد - فإن هذا لا يعني إلغاء هذه المكونات، لأن أحداً لم يسع إلى ذلك أو يقدر عليه، ورضي العالم الإسلامي بصفة (التعددية داخل إطار الوحدة)، وصدق الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)(2) وصدق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إذ قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(2).


3 - والاهتمام بشؤون بيتنا الإسلامي من داخله، ليس إنكفاء على الذات، وابتعاداً عن مسار العالمية في حوار الحضارات، وإنما هو استجابة ضرورية لاعتبارات ثلاثة:


أولها: أنه إذا لم ننجح في تحقيق التعايش السمح داخل أقطارنا، فإننا نفقد مصداقية الدعوة إليه على الصعيد العالمي، ونكون ممن يقولون ما لاَ يفعلون.

وثانيها: أن التوجه نحو التعايش الداخلي يقودنا سريعاً إلى وضع البرامج والآليات للتنفيذ، ويحتم علينا إيجاد الحلول والاجتهادات الشرعية والإجراءات الواقعية، لتحقيق هذا التعايش، ونكون بذلك قد ضربنا المثل الحسن لغيرنا، وشجعنا على تحقيق التعايش الحضاري الشامل في عالمنا.

وثالثها: أن العالم يمر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، بفترة عصيبة اختلط فيها الحق بالباطل، ولخوض في الظلم بدعوى تحقيق العدالة، وتصنيف العالم بدوله وشعوبه وحضاراته إلى أشرار وأخيار، حتى بدا الداعون إلى حوار الحضارات وتقارب البشر وكأنهم مثاليون خياليون مسرفون في البعد عن الواقع.

وفي هذا الوقت الصعب يتمسك العالم الإسلامي بدعوته العالمية الإصلاحية، ولكنه في الوقت نفسه، يتجه إلى ما يلزم ويمكن تحقيقه من هذه الدعوة في مجتمعه الخاص وداخل بيته.


4 - على أن المجتمع الإسلامي متعدد الأقطار، ولكل قطر منها شأنه الخاص في أمور التعايش. ففي بعض هذه الأقطار تبرز أهمية التعايش الديني، كما في مصر والسودان ولبنان، وفي بعضها الآخر يكون للتعايش اللغوي أهمية خاصة كما في الجزائر، وفي معظمها تبدو الحاجة واضحة إلى التعايش السياسي والأيديولوجي بين أصحاب التوجهات المختلفة، وما زلنا بصفة عامة نحتاج إلى توثيق التعايش المذهبي وتراضي الجميع بمذاهبهم الأصولية والفقهية التي هي تراثهم الديني والحضاري والعلمي المشترك. ولذلك يكون من المفيد تخصيص فقرة لكل نوع من أنواع التعايش الذي نتطلع إلى تأكيده وتعزيزه، لأن أصوله بحمد الله راسخة، وإنما المقصود مداومة التحسين.

وسنعرض فيما يلي إلى ثلاثة أنواع من التعايش وهي: التعايش الديني، والتعايش الْعِرْقِي واللغوي، والتعايش المذهبي.


التعايش الديني

1 - الإسلام هو الدين السائد في أقطار العالم الإسلامي. ومع ذلك، فإنه حيثما كانت المسيحية موجودة قبل مجيء الإسلام إلى قطر ما، فقد بقيت على ما كانت عليه بكنائسها وأتباعها وممارساتها عملاً بأحكام الدين الإسلامي الحنيف الذي لا يُكره أحداً على الدخول فيه، ويُبقي الشأن الديني على ما كان عليه.

ويظهر هذا بوجه خاص في مصر ذات الأغلبية الإسلامية حيث يوجد للكنيسة القبطية كيانها المتميز بحكم وجود بابوية الكرازة المرقسية فيها، ووجود أتباع لها في الحبشة وجنوب اليونان وغيرهما. وفي لبنان يكاد عدد المسلمين يكون متساوياً مع عدد المسيحيين الذين ينتمون إلى الكنائس المحلية، كما يوجد في سوريا وفلسطين وغيرهما بأغلبية إسلامية. وفي بعض الأقطار يشكل المسلمون أكثرية أو أقلية متفاوتة النسب كما في أندونيسيا والصين وجمهوريات آسيا الوسطى وأفريقيا، وغيرها، والبلاد التي هاجر إليها المسلمون في أوربا والأمريكتين وأستراليا. والمعايشة في هذه الأماكن ليست مع المسيحية وحدها، بل هناك أديان أخرى كالهندوسية والبوذية.

ولا مناص، والحال على ما ذكرنا، أن يتعايش المسلمون مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى بالحسنى والمعروف، ووفقاً للهدي الإسلامي، وما تقتضيه مصالح جميع الأطراف في أمور الحياة والمعاش والمواطنة المشتركة.

2 - والعلاقة بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى المتعايشين معهم تحكمها، من وجهة النظر الإسلامية، بشكل عام مبادئ خمسة:


الأول: الاعتراف بوجود الدين الآخر، اعتراف وجود وتعايش لا اعتراف صحة، عملاً بقوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين)(3) والآية عامة في مدلولها وليست مقصورة على السبب المباشر لنزولها، ثم إنها محكمة في وصفها وليست منسوخة لانعدام الدليل على النسخ (4) ولا تعارض بين هذه الآية وآيتي آل عمران (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسلام)(5) و(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلْن يُقْبَلَ مِنْهُ)(6) لأن هاتين الآيتين تتضمنان الحكم بالصحة أو عدمها، وهو مختلف عن الحكم بجواز وجود الآخر.


الثاني: عدم الإكراه في الدين، لقوله تعالى: (لاَ إِكْراه فِي الدِّين)(7)، وقوله (أفأنت تُكْرِه الناسَ حتى يَكُونُوا مؤمِنِين)(8) وقوله (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكفُر)(9). ولم يؤثر في تاريخ الإسلام أنه أكره قوماً على اعتناقه. وقد درس بعض المؤرخين غير المسلمين هذه المسألة وشبهة انتشار الإسلام بالسيف، وشهدوا بأن انتشار الإسلام كان بالحسنى، وأبطلوا دعوى السيف إبطالاً قاطعاً (10).

الثالث: التعامل مع غير المسلمين بالبر والقسط، لقوله تعالى: (لاَ يَنْهَاكُمْ الله عن الذين لم يُقاتِلُوكم في الدِّين ولم يُخْرجوكم مِنْ دِيارِكُمْ أنْ تَبرُّوهمْ وتُقْسِطُوا إليهم إن الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِين)(11)، والبر والقسط مشروطان بعدم العدوان أو الإخراج من الديار، وإلا فالحكم وارد في الآية التالية: (إنَّمَا يَنْهاكم اللهُ عَن الذين قَاتَلُوكُمْ في الدِّين وأخْرجوكُمْ من دِيَارِكُمْ وظاهَرُوا على إِخْرَاجِكُمْ أن تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمُ فأُولئِكَ هُمُ الظَّالمون)(12). ولا حاجة إلى التنبيه إلى أن المقصود بالديار ما تكون أصلاً مِلكاً للمسلمين. أما الإخراج من ديار هجرة أو زيارة أو إقامة مؤقتة فحكمها رهين بقانون أصحابها.


الرابع: تخصيص أهل الكتاب وخاصة المسيحيين بتعامل متميز، فقد أجاز الإسلام ذبيحة أهل الكتاب، كما أجاز الزواج من نسائهم. وخص القرآن الكريم المسيحيين بوصف حميم وهو مودتهم مع المسلمين بقوله: (وَلَتَجِدَنَّ أقْربَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمنوا الّذِين قالُوا إِنَّا نَصَارَى ذلِكَ بأنَّ مِنْهُم قِسيسِين ورُهْباناً وأنَّهمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)(13).


ومن المناسب لوجود المسلمين في بعض البلاد مع غيرهم ممن ليسوا من المسيحيين وأهل الكتاب أن نذكر أن فقهاء المسلمين قد توسعوا في تفسير آية إباحة ذبيحة أهل الكتاب والزواج منهم، فجعلوها شاملة كل من كان لهم كتاب على افتراض نسيانه أو فقده فشمل هذا التفسير الموسَّع كل من لهم دين وإيمان من المجوس والهندوس والبوذيين وأمثالهم. وعلى هذا التفسير الموسَّع تفهم آية المائدة (اليوم أحِلّ لكم الطَّيباتُ وطعامُ الذين أُوتُوا الكتابَ حِلٌّ لَكُم وطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُم، والْمُحْصنَات مِِنَ المؤمِنَاتِ والْمُحْصنَاتُ مِنَ الذينَ أُوتُوا الكتَابَ مِن قَبلِكُمْ)(14).


الخامس: التفاهم مع غير المسلمين بالحوار بالتي هي أحسن، لقوله تعالى: (ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتَابِ إلاَّ بالتي هي أَحْسَنُ)(15)، وأما غير أهل الكتاب ففيهم عموم الحكم من قوله تعالى: (وَجَادِلُهُم بالَّتِي هي أحسنُ)(16)، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مالك والشافعي «سُنُّوا بِهِم سُنَّة أهل الكتاب». والحوار هنا هو عمومه في أمور الدين والدنيا، وكل ما من شأنه أن يكفل حسن التعايش مع الجميع.


3 - إن المبادئ الخمسة التي أوردناها حَرِيَّة بأن تساعد على حسن التعايش الديني مع غير المسلمين، لأنها تحكم المجالات والملابسات التي يمكن أن تعكر صفو التعايش. لكن ذلك وحده لا يكفي، إذ لكل مجتمع إسلامي ظروفه الخاصة به، والناشئة إما عن تراكمات تاريخية أو ثقافية، وإما عن مستجدات لم تكن معروفة من قبل، ولابد لها من معالجة جديدة خاصة بها. وأول وسائل المعالجة هي حصر هذه الظروف في كل قطر على حدة ومعرفة ما تسببه من مشكلات ثم اقتراح الحلول الملائمة.

ولا نستطيع في هذه الورقة المختصرة أن نحصر مشكلات كل المجتمعات الإسلامية، وحسبنا هنا أن نختار مجتمعاً نتخذه عيِّنة للدراسة، وليكن المجتمع المصري الذي يكوّن فيه المسلمون حوالي 90 % من السكان، والأقباط 10 % وربما أكثر قليلاً. لكن الأقباط في مصر أصلاء، وكانوا أصحاب الدار قبل وصول دعاة الإسلام من عرب الجزيرة، ومع الهجرة والاختلاط واعتناق الدين الوافد والنمو الطبيعي بالتزاوج، وصل عدد المسلمين إلى ما هم عليه الآن دون أن يغيّر هذا من الوصف الأصلي للأقباط الذين بقوا على دينهم، وثبتوا في أماكن إقامتهم.

والعلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها صحية بصفة عامة، وبين الفريقين تعايش حسن، وتعاون متميز في رعاية المصالح الوطنية. وفي فترة الصراع ضد الاستعمار البريطاني رفع الفريقان علماً معروفاً متميزاً تعانق فيه الهلال مع الصليب. وظل هذا العلم رمزاً للوفاق الوطني والتعايش الإسلامي. ومع ذلك فإن بين الفريقين مشكلات تحتاج إلى حل، وقد عبروا عنها بصراحة كاملة في كتابات صادرة عن أقباط ومسلمين. ومنها على سبيل المثال كتاب الدكتور نبيل بباوي بعنوان "مشاكل الأقباط في مصر وحلولها". ونكتفي في هذه الورقة بذكر ثلاث مشكلات هي:


1 - الوضع القانوني للأقباط في مصر، وهل هم مواطنون أم أهل ذمة وعليهم الجزية.

2 - حقهم في بناء الكنائس وترميمها.

3 - الأمان المتبادل وخاصة لأماكن العبادة.


4 - إن التوصيف الشرعي التاريخي لوجود أهل الكتاب في الدولة الإسلامية هو دخولهم في عقد الذِّمّة الذي يعني أنهم دخلوا في عهدة المسلمين وذمتهم وتكفلت الدولة الإسلامية بحمايتهم، وفي مقابل ذلك أعفوا من الخدمة العسكرية. وفي الوقت الذي يدفع فيه المسلمون الزكاة يقوم أهل الذمة بدفع الجزية. وفي الحقوق المدنية يتمتع أهل الكتاب بأحكام القاعدة الإسلامية عن المسلمين وغيرهم «لهم ما لنا، وعليهم ما علينا»(17).

ودونما دخول في الظروف التاريخية والمبررات التي أدت إلى هذا التوصيف، أو محاولة بيان المدلولات الإيجابية لعقد الذمة وتطبيقاته في الفترة الزمنية التي طبق فيها - فإن الدولة الإسلامية ذاتها قد دخلت في طور جديد في القرنين الأخيرين وقبيل نهاية الخلافة العثمانية. وفي سنة 1856 م، أصدر السلطان عبد المجيد خان فرماناً ينظم العلاقة مع أتباع الأديان غير الإسلام في الدولة الإسلامية (ومصر جزء منها)، بتأكيد المساواة المفصلة بين المسلمين وغيرهم أمام القانون، وفتح باب الخدمة العسكرية لغير المسلمين. وفي مصر أيضاً حصلت تطورات مشابهة منذ أن تولى محمد علي باشا حكم مصر. وأصدر ابنه محمد سعيد باشا في ديسمبر 1855 م، أمراً يوازي الفرمان العثماني يقضي بإلغاء الجزية عن الذميين(18).

وعند صدور أول دستور عثماني سنة 1876 م، أسقطت عبارة (أهل الذمة)، والتزمت بذلك الدساتير العربية ومنها الدساتير المتتابعة في مصر، وتكررت عبارة «المساواة في جميع الحقوق والواجبات بين جميع مواطني الدولة على اختلاف أديانهم وأعراقهم»(19). وبهذا يصبح التوصيف القديم، مع الجزية، في خَبَر كان وانقضى. وأصبح توصيف (المواطنة) في مصر هو المستعمل للمسلمين والأقباط على حد سواء(20).

ومن هذه المراجعة التاريخية والموضوعية، يتضح أن مشكلة (الوضع القانوني) للأقباط في مصر ليس لها وجود إلا في ذهن من لم يراجع التاريخ الذي ذكرناه. وفي الوقت الذي أطري فيه الدراسة المنصفة للدكتور بباوي التي تضمنت الحقائق السابقة، فإنني أستغرب صدور كتاب آخر للأستاذ أمين ناجي يحمل عنوان "لن نعيش ذميين" والأمل أن يتبدد هذا التحسس والتشكك بإذاعة الحقائق حول هذا الموضوع.

على أن التغير في الموقف الإسلامي قد عمَّقه منذ نصف القرن السابق صدور دراسات فقهية وحقوقية متنوعة تتجه جميعها هذه الوجهة بإعادة التوصيف القانوني للمسيحيين في مصر وفي غير مصر، ومن دول المسلمين(21). وقد سبق للفقيه القانوني المصري الدكتور عبد الرازق السنهوري أن نبه إلى ضرورة استحداث اجتهادات فقهية لمواجهة التطور الذي طرأ على دولة الإسلام الواحدة بعد سقوط الخلافة العثمانية، وظهور الدول الإسلامية المستقلة بصورتها الراهنة. واقترح لهذه الاجتهادات تسمية (القانون الدولي بين الدول الإسلامية)(22). وإذا كنا قد ذكرنا في الموضوع كتابين لباحثين قبطيين يتضمنان التساؤل، فمن إتمام الكلام ذكر كتاب لباحث مصري مسلم يتضمن الجواب بشكل واضح وموثَّق، وهو كتاب "مواطنون لا ذميون" للأستاذ فهمي هويدي(23).


5 - والمشكلة الثانية لا تتعلق في واقع الأمر بحق الأقباط في بناء كنائسهم أو ترميمها، لأن هذا الحق مقرر باعتباره فرعاً عن حقهم في إتباع الدين الذي اختاروه ولم يُكرهوا على تركه. وقد أكد القرآن الكريم على السنة الإلهية في حماية دور العبادة سواء أكانت صوامع أم كنائس أم مساجد، لأنها أماكن يذكر فيها اسم الله كثيراً. قال تعالى: (ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعْضٍ لَهُدِّمتْ صوامعُ وبيَعُ وصلواتُ ومساجدُ يُذكَرُ فيها اسمُ الله كثيراً. ولَيْنْصُرَنَّ الله مَنْ ينصُرُه، إن الله لقويٌّ عزيز)(24)، وإنما تكمن المشكلة في الإجراءات الإدارية التي فرضتها الحكومة الإسلامية في التراخيص للأقباط بالبناء أو الترميم.

وقد كانت هذه الإجراءات في الماضي، أي في زمن الخلافة العثمانية، مطولة وشديدة المركزية، لدرجة أن الإذن بالبناء والترميم كان يصدر من الآستانة مركز الدولة، وفقاً للتشريع المسمى (الخط الهمايوني لسنة 1856 م). على أن التشريع نفسه كان منصفاً للأقليات الدينية وحامياً لحرياتها ومصالحها. لكن المركزية كانت طابع الدولة في جميع تصرفاتها الإدارية.

أما الآن فقد حلت المشكلة بصورة مرضية للأقباط بصدور قرار رئيس الجمهورية في مصر لسنة 1999 م، الذي جعل ترميم دور العبادة بما في ذلك الكنائس والمساجد على حد سواء من اختصاص الأقسام الهندسية المختصة في الإدارات المحلية. أما الإذن ببناء كنائس جديدة فيلزم صدوره من رئاسة الجمهورية بعد بحثه وإجازته من قبل هذه الإدارات. والبحث يشمل التأكد من ملكية الأراضي المختارة لبناء الكنيسة وحجم الأقباط المحتاجين إليها، وموافقة مرجعياتهم الدينية على إنشائها، وقرب الموقع أو بعده من المساجد والأضرحة والتجمعات السكانية الإسلامية، وما إلى ذلك من اعتبارات الملاءمة والأمن والحذر من الاحتكاكات التي يلزم تجنبها، وصدور التصاريح من رئاسة الجمهورية يقصد به ضمان هذه الاعتبارات لصالح الجميع. ولا يشك عقلاء المسلمين والأقباط في أن هذا الخيط المتبقي من القيود سوف تزول الحاجة إليه بنجاح التعايش الديني واستقرار تقاليده(25).


6 - والمشكلة الثالثة هي فقدان الأمن بين المسلمين الأقباط، في بعض المناطق بصعيد مصر بصفة خاصة، بما في ذلك الاعتداء على الكنائس. وقد أخذت المشكلة بعداً إضافياً بالاعتداء على جموع السائحين الذين يفدون إلى مصر بكثافة، ويغلب أن يكونوا من بلاد أوربية أو أمريكية أي مسيحية.

والمشكلة ببعدها المحلي متبادلة بين الجانبين الإسلامي والقبطي، ولكن المعروف أن الجانب الإسلامي أكثر تورّطاً وضلوعاً فيها. وإنما ذكرنا صفة (التبادل) لأن العنف في صعيد مصر قد يقع أحياناً لأسباب شخصية أو ثأرية أو محلية، ويكون متبادلاً. وسواء أكان العنف لدافع ديني أم لدافع محلي، فهو جُرم مستنكر. وهو من وجهة النظر الإسلامية نقض لمواثيق التعايش بين مسلمي مصر وأقباطها، واعتداء على بيوت العبادة المصونة شرعاً، وتجاهل لوصية النبي صلى الله عليه وسلم بالبر في حق أقباط مصر «استوصوا بأقباط مصر خيراً، فإن لكم فيهم نَسَباً وصِهْراً»(26).

ثم إن المشكلة ببعدها العام، أي الاعتداء على السائحين وإرهابهم، فهي تتضمن جُرماً آخر مستنكراً، لأن الاعتداء عليهم سواء أكانوا نصارى أم يهوداً أم أتباعاً لديانات أخرى، فهو من الكبائر التي نهى الإسلام عنها، بل هو من (الحِرَابة) التي تضيف إلى جريمة القتل جرائم الإرهاب والغدر وإثارة الرعب بغير الحق. وقد أعطى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده خلفاؤه، الأمان «لجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض وغربها»، وأن يحمي جانبهم ويدافع عن «كنائسهم وبيَعهم وبيوت صلواتهم، ومواضع الرهبان، ومواطن السُّياح، حيث كانوا: من جبل، أو واد، أو مغار، أو عمران»، وأن يحرسهم «من كل أذى، ومكروه، أو مؤونة، أو تبعة» مما هو موثق ومعروف في مراجع العهد النبوي والخلافة الراشدة(27).

وقد عولجت هذه المشكلة في مصر من جانبيْها الأمني والفكري معالجة نرجو أن تكون قد نجحت في اجتثاث جذورها، فقد كانت سلطات الأمن في مصر حازمة وحاسمة في ملاحقة هذه الجرائم، كما أن مشيخة الأزهر لم تكتف بإصدار التحذيرات الدينية من هذه الانحرافات، بل أصدرت كتاباً موسّعاً يعالج موضوع العنف والإرهاب والتطرف الديني، وشاركت وسائل الإعلام في حملاتها بالندوات والمحاضرات والإيضاحات لتصحيح التوجهات المتطرفة.


7 - ولمشكلة فقدان الأمن، والاعتداء على الكنائس، وتحويل بعض الكنائس إلى مساجد وكذلك بعض المساجد إلى كنائس - امتداد محزن عبر تاريخ الاحتكاكات الدينية بين المسلمين وغيرهم، بل وبين أتباع كافة الأديان فيما بينهم. ومن النماذج التاريخية لذلك تحويل مسجد قرطبة الكبير إلى كاتدرائية سنة 1238 م، بعد انتصار الإسبان على المسلمين في المدينة، والرد التركي على ذلك بتحويل كنيسة أياصوفيا (سانتا صوفيا) إلى مسجد سنة 1453 م، بأمر من السلطان محمد الفاتح بعد احتلال القسطنطينية. ومنذ سنوات قليلة هدم الهندوس مسجد بابري في ولاية أوتار بردايش بالهند، بدعوى أنه أقيم سنة 1528 م، في موقع معبد هندوسي مبني في المكان الذي ولد فيه الإله الهندوسي راما. وبسبب النزاع حول المسجد والمعبد وقعت حوادث مؤسفة راحت ضحيتها مئات الأرواح من الطرفين. ويقال إن في الهند قصتين شبيهتين لمسجدين بنيا في مكان معبدين هندوسيين في موتارا، وكاشي، ويمكن أن يُثارا في المستقبل القريب.


لقد عولجت هذه المشكلات في الماضي بأساليب غير حاسمة. منها تحويل الموقع المتنازع عليه دينياً إلى مزار سياحي كما في استنبول بشأن (أياصوفيا)، وقرطبة بشأن الكاتدرائية و-اللاموثكيتا) (كذا)، بمعنى تعطيل الرسالة الدينية لكل من الكنيسة والمسجد كما هو واضح في أياصوفيا بوجه خاص. ومنها إحالة النزاع إلى القضاء، مع التأجيلات المتتابعة كما هو حاصل في الهند. وقد حاول أمير الشعراء أحمد شوقي أن يسهم في تهدئة التنازع في استنبول بقصيدة اعتذارية مطلعها:

::::كنيسةٌ صارتْ إلى مَسْجِدِ ::::::::هديّة السَّيّدِ للسَّيِّدِ

::::كانتْ لعيسى حَرَماً فانتهتْ ::::::::بِنُصْرَةِ الروح إلى أحمدِ


ولعل أفضل حل لأمثال هذه المنازعات حفظه التاريخ، هو (الحل الدمشقي) لموضوع الجامع الأموي وكنيسة القديس يوحنا المعمدان. إذ أقام المسلمون بعد دخول دمشق بقيادة خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما مسجداً شرقي كنيسة القديس يوحنا التي كان المسيحيون قد شيدوها في موقع المعبد الكلداني الروماني الذي كان موجوداً هناك لمدة طويلة. وبقي المسجد والكنيسة متجاورين زمناً. وبزيادة عدد المسلمين من جهة وتناقص عدد المسيحيين في المقابل، ومع اختلاط دقات الناقوس مع الأذان، فاوض المسلمون جيرانهم المسيحيين لكي يتنازلوا عن الكنيسة لتوسيع المسجد، فأبوْا، وبقي الحال كذلك حوالي سبعين سنة، حتى نجح الخليفة الوليد بن عبد الملك في عقد اتفاق يتنازل بموجبه المسيحيون عن الكنيسة على أن يُعوّضوا عنها بأربعة مواقع لأربع كنائس جديدة في دمشق، مع مبلغ سخي من المال لمواجهة النفقات. وأنشئت الكنائس الأربع وسميت إحداها كنيسة يوحنا المعمدان، وما زالت موجودة إلى الآن(28). ولما أثير الموضوع لدى الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بعد ذلك، زاد في التعويض المالي، ورضي المسيحيون. فالتسوية قد تمت بالحوار والتراضي لا بالقهر، واستمرت الكنيسة والجامع في أداء رسالتيهما، وتوسع الوليد بن عبد الملك في بناء الجامع الأموي على النحو المعروف عنه(29).

ولذلك، فإنه بمناسبة عقد هذه الندوة في دمشق، عن "الحوار من أجل التعايش"، ومن أجل التوصل إلى حل دائم لمشكلة تبادل أماكن العبادة، فإنني أقترح على منظمة الإيسيسكو، والسلطات الدمشقية، عقد مؤتمر عالمي لممثلي الأديان، في مدينة دمشق، للتوصل إلى عقد مشترك بما يأتي:


1. الالتزام القاطع في المستقبل بتحاشي تغيير أماكن العبادة عن هيئاتها ومسمياتها وتبعياتها الدينية التي أنشئت عليها.

2. حل ما يكون قد بقي من منازعات قديمة حول تبديل أماكن العبادة عن هيئاتها الأصلية بالحسنى والتراضي، دون اللجوء إلى وسائل الهدم والاعتداء والقهر.


التعايش العرقي واللغوي

1 - انتشر الإسلام من جزيرة العرب بسرعة فائقة، وامتد من «غانة إلى فرغانة» كما كان يقال سابقاً، أو من الصين إلى المحيط الأطلسي بالتعبير الأكثر دقة. واستوعب في طريق انتشاره أمماً وأعراقاً ولغات وثقافات، وألواناً من البشر والألسنة والعادات والتقاليد يصعب حصرها بدقة، ولكن أشهرها من حيث الأعراق: العرب، والفرس، والأتراك، والهنود، والفينيقيون، والصينيون، والمصريون، والروم، والبربر، والأفارقة. ولكل من هؤلاء ثقافاتهم ولغاتهم وآدابهم الأصيلة، ثم المولدة بسبب الاختلاط.


وبصفة عامة يمكن القول بأن الإسلام قد نجح في صهر هذه الأعراق جميعاً ومزجها معاً. وحيثما لم ينجح الصهر الكامل، فقد نجح التعايش إلى حد كبير أو معقول. ويرجع الفضل في ذلك إلى تعاليم الإسلام، وليس بالضرورة إلى سلوك الحكام. فالقرآن الكريم يدعو إلى التعارف والتآخي وتذكُّر الأصل الواحد، كما أجملت ذلك آية الحجرات (يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وأنْثَى وجَعَلْنَاكُم شُعُوباً وَقَبْائِلَ لِتَّعَارفُوا. إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُم)(30). والحديث الشريف يحض بقوة على نبذ العصبية العِرْقِية والقبلية وعصبية اللون واللسان، ويؤكد الأخوة الإسلامية العامة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذِمَّتهم أدناهم، وهم يدُ على مَنْ سِوَاهُم»(31). وقوله «يَأَيُّهَا النَّاسُ إنَّ ربَّكُم وَاحِد، وإنَّ أَبَاكُم وَاحد ألا لا فضلَ لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأَحْمَرَ على أسود، ولا لأسْود على أحمر، إلا بالتقوى»(32)، وقوله: «ليس منا مَنْ دعا إلى عصبية، وليس منا مَنْ قاتل على عصبية، وليس منا مَنْ مات على عصبية»(33)، وقد نُشِّئ المسلمون على هذا التوجُّه، وحُفِّظنا ونحن صغار قول الشاعر:


::::الناس من جهة التمثيل أكفاء ::::::::أبوهمُ آدمُ والأم حواءُ

::::فإنْ يكن لهم من أصلهم شرفُ ::::::::يفاخرون به فالطين والماء


2 - وقد رصد التاريخ تطورات هذا الانصهار والتعايش التدريجي بين المسلمين، وبيّن كيف أن المسلمين قد عانوا قديماً من الشُّعوبية، ومن الانقسام إلى ثلاث فُرَق، تفضّل أولاها العرب على الأعاجم (وهم غير العرب)، وتفضل الثانية الأعاجم، بينما تساوى الثالثة بين الفرقتين. ومع ذلك فإن الثالثة نفسها لم تسلم من تهمة الشعوبية، كما هو مُفصَّل في التاريخ(34).

ولكن المهم هو أن الأعراق قد تعايشت في ضوء الهدي الديني والمساواة المدنية في الحقوق والواجبات. لكن التعايش يمكن دوماً أن يهتز إذا أثيرت النعرات وأحييت العصبيات، كما حصل في نهاية الخلافة العثمانية، إذ ظهر التعالي الطوراني في تركيا، فرد عليه العرب بالثورة العربية الكبرى سنة 1916 م، وبدأت بلاد ذات عراقة تاريخية مثل مصر تعلن أن الأولية لمصر، وشعارها المتدرج (مصر أولاً) ثم (مصر أولاً وأخيراً). وما ذاع في مصر يمكن أن يذيع مثله في غيرها، فلكل قطر تاريخه وأمجاده، ولا يُنيم الفتن العِرْقية أكثر من تذكر الهدي الإسلامي، والحرص على العدالة والمساواة.

ولا نستطيع أن نقرر بدقة أن المجتمع الإسلامي يعاني في الوقت الحاضر من احتكاكات عِرْقِيّة، اللهم إلا ما ظهر منها ممزوجاً باعتبارات سياسية. كما في مناطق الأكراد في تركيا والعراق وإيران، وفي مناطق البربر الأمازيغ في الجزائر والمغرب، وما بين أفارقة جنوب السودان وشماله. ولكنها جميعاً أوضاع قابلة للحل والتسوية بيسر، متى صدقت النيات، واستدعي العلاج التاريخي من الهدي الديني، والإنصاف المدني، والأخوة الوطنية والإسلامية.


3 - ومع الأعراق تأتي الثقافات. وقد نجحت الحضارة الإسلامية في تاريخها في التواصل الحضاري، حتى إنه من المستحيل تمييز أو عزل أيٍّ من العطاءات: العربية، أو الهندية، أو الفارسية، أو الإغريقية، أو التركية أو غيرها - عن التركيب الحضاري الإسلامي المتداخل والمتكامل. ومن الذي يستطيع أن يتجاهل الأثر العربي في اللغة والأدب، والأثر الهندي في الرياضيات والطب، والأثر الفارسي في الإدارة والسياسة، والأثر الإغريقي في الفلسفة والحكمة، والأثر الصيني في الصناعة، والأثر التركي في الحكم والحرب. وقد حفل الأدب العربي بصفحات في ذكر خصائص الأعراق. وليس مقصودنا هنا تعدادها فهي معروفة، وإنما المقصود أن نبين أن المجتمع الإسلامي قد عرف خصائص مكوناته، وتعاملَ الجميع بالتعايش الحسن والاحترام المتبادل.


4 - ومع الأعراق أيضاً تأتي اللغات. وقد كان موقف الحضارة الإسلامية من اللغات الاعتراف بكل لغة محلية على حدة، مع إعطاء الأولية للغة الواحدة الموحِّدة، وهي لغة القرآن الكريم. وقد قبلها الجميع على العين والرأس حينما قُدمت بهذا الوصف، الذي يعززه نضجها وثراؤها وآدابها ونماؤها المستمر.

وفي إطار الاحترام المتبادل، ومعرفة اللغات الشائعة بمواقعها في أقطارها، واعترافها بالأولية للغة العربية، بما يسمى في عصرنا الحاضر اعتبارها اللغة الرسمية الأولى للمجتمع، تعايشت هذه اللغات، بل وأخذ بعضها من بعض. ومن يدرس الأوردية، والسواحيلية والبامبرية، والتركية، والأمازيغية، والكردية، بل والفارسية ذات التاريخ الأدبي المتميز - يجد نفسه أمام لغات متآخية ليس بينها حواجز، كما أنه ليس من إحداها على الأخرى تعال.

وحيثما يحصل الخلل في هذه المعادلة اللغوية يرد التشكّي، وتبرز العصبية اللغوية التي تستدعي من ورائها أصولها من العصبيات الثقافية والعِرقية. ومن عبارات التشكي المعروفة البيت الذائع للمتنبي حينما اشتكى من الجهالة بالعربية وهو يزور شِعْب بَوّان في فارس فقال:


::::ولكن الفتى العربي فيها ::::::::غريبُ الوجه واليد واللسان


5 - وفي المجتمع العربي مشكلتان لغويتان، لا مناص من تدبرهما في سياق الأخذ بجميع أسباب التعايش في المجتمع. ومن التوفيق أن نذكر أن إحدى هاتين المشكلتين قد حُلّت على مستوى التشريع الرسمي، وبقي أن تسمح الظروف السياسية المتطورة بالتطبيق الفعلي بصدق وسهولة، إذ لا يوجد ما يعوق ذلك، ونعني بذلك مشكلة اللغة الكردية في إطار الجمهورية العراقية.

إن الأكراد جزء عزيز من الأمة العربية والأمة الإسلامية. وسواء أكانوا في الأصل عِرْقاً قائماً بذاته، أم كانوا منحدرين من أصل عربي أو أصل فارسي، فالقوم لا يُجحد وجودهم ولا يُتجاهل دورهم في التاريخين العربي والإسلامي. وإن لم يكن لهم سوى شرف القيادة منذ الغزو الصليبي على يد صلاح الدين الأيوبي، إلى أن تم إجلاؤهم وتحرير القدس والمسجد الأقصى منهم، لكفاهم ذلك فخراً.

والذي يهمنا بيانه هنا هو توصيف الهوية اللغوية للأكراد. فقد كانت لهم قبل نشأة الجمهورية العراقية شكواهم من عدم إعطاء اللغة الكردية مكانتها، والتي لا يُقصد بها مزاحمة المكانة المقررة من الجميع للغة العربية.

وبقيام الجمهورية أنصف الأكراد سنة 1958 م، وأبرزت هويتهم بسماحة وعدالة، ونص دستور الجمهورية على أن «العرب والأكراد شركاء في هذه الأمة». وكان لهذا النص المجمل تفصيلاته المريحة للأكراد. وفي سنة 1968 م اعتمدت الهوية الكردية بشكل أكثر وضوحاً في إطار الوحدة العراقية واعتبرت اللغة الكردية اللغة الرسمية الثانية في العراق.


إلا أن الوضع بين الأكراد والعرب قد تدهور تدهوراً محزناً وغير عادل، في عهد الرئيس صدام حسين، وبعد سقوطه ودخول الأمريكيين وحلفائهم إلى العراق، وظهور التوجه السياسي نحو الفيدرالية، ووجود حكم ذاتي في المناطق الكردية. وأملنا أن ينجلي هذا الوضع في أقرب وقت، وأن يتوصل العرب والأكراد وغيرهم من أهل العراق إلى صيغة تعايش معقولة تتفق مع التاريخ الحضاري العتيد الذي بني لعدة عقود زاهرة على الوحدة والتآخي. ولا تردد لدى كاتب هذه الورقة في تأكيد حق الأكراد في التمتع بالمنزلة الكريمة التي تليق بتاريخهم في إطار الوحدة الوطنية للعراق، وكذلك حقوق ديارهم في نوال الرعاية التنموية المستحقة، وتكريم لغتهم، فبتكريمها، تُكَرَّم العربية التي هي "أم اللغات" ولدى العرب والأكراد أجمعين.


6 - والمشكلة اللغوية الثانية هي مشكلة اللغة الأمازيغية أو البربرية في الجزائر. والبربر أو الأمازيغ هم أيضاً جزء عزيز من الأمة العربية والأمة الإسلامية. ومع أن التاريخ يحدد وصفهم بأنهم عِرْق قائم بذاته وممتد الوجود من أطراف مصر على طول الشمال الإفريقي وحتى ربوع المغرب، فقد اندمجوا في الأمة العربية الإسلامية، وشاركوا في مد سلطانها، وبناء حضارتها. ودونما نسيان للغتهم الخاصة اعتزّوا باللغة العربية، واندرجوا مع أشقائهم العرب في الجزائر تحت وصف المرحوم ابن باديس - وهو نفسه من أصل بربري - في قوله المشهور:


::::شعب الجزائر مسلم ::::::::وإلى العروبة ينتسب


والعرب في مغرب الأمة ومشرقها لا يجحدون هذه الحقائق، ولا ينسون من رجالات البربر يوسف بن تاشفين، ومحمد بن تومرت، ويعقوب المنصور بطل معركة الأراك، وفي العصر الحديث أحمد بن بلّه، كما لا ينسون مفكريهم وعلماءهم من أمثال ابن طُفَيل وابن رُشد.

والمعروف أن شعب الجزائر متصرف في ثلاث لغات هي العربية لغة القرآن، والأمازيغية، وأخيراً اللغة الوافدة الفرنسية. وظلت الجزائر تتعامل مع هذه اللغات بواقعية دون أن يستنكر أحد أهمية أي منها، مع إعطاء الأولية للعربية التي هي لسان الدين والأمة العربية الواحدة. ولكن التطورات السياسية الأخيرة في الجزائر قد خلقت من موضوع "الأمازيغية" مشكلة لا مبرر لاستمرارها، ولا داعي لتحميلها من الظنون ما يجعلها نقطة مفاصلة بين أبناء الوطن الواحد.

وأخيراً جاء الاعتراف بالأمازيغية ودَسْترتها (أي اعتماد الدستور إياها)، وبقي الاتفاق على التفاصيل من قبل الجهات التشريعية في الجزائر. ولا شك أن الصراع الدموي الذي شهدته الجزائر خلال العقد الأخير، قد ألقى بظلال كثيفة على العلاقات العربية البربرية، ولكننا نتمنى لجهود المصالحة التي تجري أخيراً هناك أن تنجح وتستقر، ويقبل الجميع نتائجها، سياسياً، وتنموياً، واجتماعياً، ولغوياً. ودون تدخل في تفاصيل هذا الموضوع الذي لا يحيط به بدقة إلا الجزائريون أنفسهم، أجازف بتقديم بعض الملحوظات التي أرجو أن تسهم في تجلية بعض الجوانب لهذا الموضوع، مع الإعراب عن التفاؤل عن قرب الخروج من الأزمة واعتماد الحل الذي يرضى به الجميع(35).


الملحوظة الأولى:

هي أننا نعيش في زمن التعدد اللغوي، وهي ظاهرة آخذة في التزايد وليست في الانحسار. وأوضح مثال وأنجحه للتعدد، ما هو حاصل في سويسرا؛ إذ توجد فيها ثلاث لغات رسمية هي الفرنسية، والألمانية، والإيطالية، ولغة رابعة ليست رسمية وهي اللغة الرومانية. وفي بلجيكا ثلاث لغات رسمية المقدم منها للاستعمال اللغتان الأوليان وهي: اللغة الهولندية Dutch، واللغة الفرنسية واللغة الألمانية. وفي إنجلترا تستعمل المنطقة الغربية منها لغة الولْش Welsh، وهي هناك اللغة الرسمية إلى جوار اللغة الإنجليزية. وعليه، فإن ما اتجهت إليه الجزائر ليس بدْعاً في التعامل اللغوي في إطار الوحدة الوطنية التي تُعتبر صيانتها شرط صحة لأي تعدد.


الملحوظة الثانية:

هي أن الاعتراف بالأمازيغية هو من تحصيل الحاصل، لأنها كما ذكرنا موجودة، ومتوارثة، ومستعملة أو معروفة لدى مساحة كبيرة من الجزائريين، وربما يساعد التشريع الجديد حينما تكتمل إجراءاته على ضبط العملية التعليمية في المدارس، بحيث تحدد المناطق التي تُدَرَّس فيها اللغة الأمازيغية بصفة إجبارية «وهي فيما نقدر مناطق الأمازيغ»، والتي تُدَرَّس فيها بصفة اختيارية «وهي المناطق الأخرى»، كما تحدد المراحل التعليمية المناسبة لذلك.


الملحوظة الثالثة:

هي أنه مهما يكن حجم العناية التي ستُعطى للغة الأمازيغية، فإنه لا يجوز أن يقلل ذلك من العناية الموجهة إلى اللغة العربية، والتي يستمر تدريسها إجبارياً في جميع المناطق الجغرافية، وجميع مراحل التعليم العام، باعتبار أنها اللغة الرسمية الأولى للمجتمع والدولة، كما أنه لا يجوز أن يضعف ذلك من مسار حركة التعريب التي التزمت بها الجزائر من مدة، ونجحت في تطبيقها تدريجياً. ويلزم في الوقت نفسه أن تُضاعف الجهود لتحسين وسائل تدريس اللغة العربية وتطويرها لتحبيبها لدى الناشئة وتيسيرها على سائر المتعلمين. ثم إن العناية بهاتين اللغتين لا تحول دون التزوُّد بأي من اللغات الأجنبية اللازمة للبحث العلمي والاتصالات والتعامل العالمي الفسيح، وهي بترتيب العلاقة التاريخية بها الفرنسية والإسبانية والإنجليزية.


الملحوظة الرابعة:

هي ضرورة تجريد هذه المشكلة اللغوية من التلوين السياسي الذي أحاط بها من داخل الجزائر وخارجها، لأن العناية بأي لغة هي عناية بقواعدها وآدابها وإبداعاتها، دون المساس بانتمائها الوطني ولا بولاء المتحدثين بها لتراثهم الحضاري. وإنه من المقرر أنه لا العرب يقللون من شأن البربر والأمازيغية، وما ينبغي لهم، ولا البربر يريدون الانسلاخ عن وصفهم التاريخي كأشقاء أو توائم للعرب، وما ينبغي لهم كذلك. فالفريقان من بربر وعرب هم أبناء دين واحد، وأفلاذ حضارة واحدة هي الحضارة الإسلامية التي صنعها العرب والعجم والبربر وغيرهم بالتضامن الكامل، وما زالت تحوطهم على مدى أربعة عشر قرناً وامتدادها المستقبلي. وما دامت اللغة العربية هي لسان الحضارة الإسلامية المشتركة، والخالدة، والمتطورة - فإن الارتباط بها، دون إهدار الأمازيغية، هو ارتباط وجود (Être) واكتساب (Avoir)، وتطوير (Développer).


7 - وفي المجتمع الإسلامي الكبير مشكلات عِرقية ولغوية، لا مجال لمعالجتها في هذا البحث المختصر، وقد اكتفينا في الدراسة بالعيّنة المختارة نيابة عن الكل، والمقصود هنا الإشارة إلى أهمية التقارب والتعايش داخل هذا المجتمع مهما تعددت أعراقه ولغاته، وأن نتعامل مع اختلاف الألسنة والألوان على أنه من آيات الله المباركة. قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِه خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ واخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُم وأَلْوَانِكُم إنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالمين)(36).


التعايش المذهبي

1 - في كل دين مذاهب وفِرق. وفي الإسلام مثل ذلك. ومقتضى التعايش الصحي في المجتمعات أن تتقارب هذه المذاهب، وأن تتعارف، وأن تتعاون فيما تتفق عليه ويعذر بعضها بعضاً فيما تختلف حوله.

وقد مرت المذهبية في التاريخ الإسلامي في أطوار، إذ تلبست أولاً بالسياسة لأن الخلاف بدأ بقضية الخلافة والحكم، فَوُجدت الاتجاهات الأموية، والشيعية، والزُّبيرية، والخوارج، وكأنها أحزاب سياسية. ثم تلونت المذهبية بالفكر الكلامي فتميزت السُّنة، والمعتزلة، والشيعة، والخوارج، وفروعها كفِرق عَقَدِية وكلامية. ثم تشعبت بالاجتهاد الفقهي فظهرت مذاهب السنة الأربعة، ومذاهب الشيعة ومنها الاثنا عشرية والزيدية، ومذاهب أخرى كالإباضية والظاهرية وهكذا.

ولكل طور كُتُبَه التي ترصد تجمعاته، وتسجل آراءه، وتدون أحكامه، فكانت كتب المِلل والنِحل، وكتب الفِرق، وكتب الفقه وفقاً للمذاهب. وتجمعت من ذلك ثورة علمية كبيرة، تثقل كاهل المراجعين من جهة، وتوسع مجالات البحث والنظر والمجادلة من جهة ثانية، ولكنها تُفْضي في النهاية إلى أهمية التلاقي والتفاهم والتقارب والتعايش بالحسنى، والإفادة من كل ما لدى الفرقاء من علم وحكمة، وأخيراً التآخي بالمعروف لما فيه صالح الجميع.

ومما ساعد على تعايش مذاهب الإسلام أنها ليست كثيرة، فهي محصورة في تجمعين رئيسين: تجمع أهل السنة، وأتباعه يقاربون الـ 80 % من المسلمين، وتجمع الشيعة ولا يقل أتباعه عن 18 % (وقد يكونون أكثر)، والمذاهب الباقية تشغل النسبة الصغيرة الباقية.

2 - وليس من المبالغة أن نسجل ما توصل إليه أهل السنة من تقارب فقهي. فقد تضاءل الشعور بالفوارق المذهبية، وأزيلت المنابر المستقلة لكل مذهب، وأصبحت الجماعات في أي مسجد جماعة واحدة يصلي فيها الشافعي خلف المالكي، والحنفي خلف الحنبلي، لا يزعجهم أن يقبض هذا ويُرسل ذاك، ولا يحرجهم أن يَقنُت إمام بإسْرار قبل الركوع، وأن يَقنُت غيره بجَهْر بعد الرفع من الركوع، وشاع بين الناس مقولة البوصيري «وكلُّهم من رسول الله ملتمِسُ».

ومع أن المعاهد الدينية، في مصر مثلاً، ما زالت تدرس المذاهب الأربعة بصفة مستقلة، وقد يختار الدارس منذ بداية عهده بطلب العلم مذهباً بعينه بقصد التخصص في فقهه وأحكامه، فإن الدارس لا يقيد نفسه بهذا المذهب في التعبد والفتوى كما كان يحصل في الماضي.

وظهرت منذ مدة كتب (الفقه عل المذاهب الأربعة) وهي تدون ما اتفق عليه في متن الكتاب من أعلاه، وتدوّن ما انفرد به كل مذهب في هامش الكتب. فمن رغب العلم بأقوال الأئمة كل على حدة وجد بغيته، ولكن القراء جميعاً يخرجون من مطالعة هذه الكتب بشعور التقارب والوحدة. بل إنهم يجدون في تعدد الآراء ثروة وسعة، لذلك شاعت أيضاً مقولة «اختلافهم رحمة».

ثم ظهرت بعد ذلك كتب (فقه السنة)، أي عرض الأحكام الفقهية مستخلصة من أدلتها من الكتاب والسنة، مع إيراد آراء المذاهب بأمانة، ومناقشة أدلتها، قبل بيان الحكم الفقهي بالتلخيص، أو الترجيح، أو الاجتهاد. وقد يترك الرأي النهائي للقارئ بعد عرض الآراء والأدلة. ومن أمثلة هذه الكتب كتاب "فقه السنة" للمرحوم الشيخ سيد سابق، و"الفقه الإسلامي وأدلته" للدكتور وهبه الزحيلي.

ومجمل القول، أن المذهبية داخل دائرة أهل السنة، قد سادها التقارب الشديد والتعايش الكامل أو ما يقرب منه.


3 - أما المذاهب الأخرى فقد وجهت إليها دراسات معاصرة جادة. من أشهرها بقلم عالم سني كتاب "إسلام بلا مذاهب" للدكتور مصطفى الشكعة، وقد رصد فيها المذاهب الإسلامية "الحية" بأمانة وموضوعية وروح وفاقية. ولابد أن يكون لعلماء الشيعة الأجلاء دراسات موازية، وربما لقاءات وجهود تؤدي إلى مزيد من التفهم والتقارب والتعايش. والذي يريد أن يعرفه كل راغب في التعايش المذهبي، أن يكون المذهبان الشيعيان الكبيران الاثنا عشرية والزيدية، على اتصال ووصال مع المذاهب الشيعية الأخرى: الشيعية بأقسامها، وغيرها(37).


4 - يبقى موضوع التعايش المذهبي الرئيس في العالم الإسلامي، وهو تعايش السنة والشيعة. ويمكن أن يُضم إلى ذلك التعايش مع المذهبين الآخرين: الإباضية والظاهرية.

وقد شهدت السبعون سنة الأخيرة جهوداً قوية في هذا الاتجاه، تبلورت في ثلاثة اختراقات للتقارب والتعايش وهي:


الاختراق الأول:

بدأ ذلك في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، على يد العالم الشيعي محمد تقي القُمّي رحمه الله الذي قصد مصر وعلماءها، ومنهم مشايخ الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي، والشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت رحمهم الله. وأنشأ الشيخ القُمّي في القاهرة (دار التقريب بين المذاهب)، وعقد عشرات الاجتماعات للعلماء، كان من نتائجها:


1. إزالة الوهم بصعوبة التلاقي والتقارب، وتبديد الظن القديم لدى بعض السنة بأن الشيعة الإمامية هم من الغلاة، ولدى بعض الشيعة بأن إخوانهم أهل السنة من "النواصب" أي الذين ناصبوا آل البيت بالعداء وغمط الحقوق.


2. صدور فتويين للمرحوم الشيخ محمود شلتوت، تنص أولاهما على إدراج (الفقه الإمامي) ضمن دراسات الفقه والفقه المقارن في الجامع الأزهر، وتنص الثانية على جواز التعبد بالمذهب الإمامي. وإذا كان التعبد بالمذهب الإمامي من تحصيل الحاصل لدى الشيعة الاثنا عشرية، فإن صدور الفتوى بالإجازة من الإمام الأكبر شيخ السنة له مغزاه الكبير(38).


3. اتفاق علماء السنة والشيعة المجتمعين تحت مظلة دار التقريب، على الالتفاف حول العقائد والأصول المجمع عليها، وإعذار بعضهم بعضاً في الفرعيات التي ليست من شروط الإيمان، ولا ركناً من أركان الدين، ولا إنكاراً لما هو معلوم من الدين بالضرورة. ولهم على ذلك تفريعات مهمة مدونة(39).


وقد فتح هذا الاختراق موضوع (التقريب بين المذاهب) على مصراعيه، وألفت فيه كتب، وأصبحت فكرة التقريب سائغة لدى الناس(40).


الاختراق الثاني:

هو اختراق تشريعي وأكاديمي باعتماد المذاهب الثمانية وهي المذاهب السنية الأربعة، والإمامية والزيدية من الشيعة، والإباضية، ومذهب ابن حزم الظاهري. وقد وقع الإجماع على ذلك، عند وضع القانون المدني في مصر وسوريا والإمارات في السبعينات، وكان من أعلام هذا الصنيع الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله. كما حصل عندما أصدرت دولة مصر (موسوعة الفقه الإسلامي) وهذا هو المنهج المقرر لدى مجمع الفقه الإسلامي في جدة حيث يشترك في أبحاثه ودراساته علماء من هذه المذاهب. وبحصول هذه السوابق، استقر هذا المنهج لدى العلماء والباحثين، بالرجوع إلى هذه المرجعيات المذهبية في جميع الأبحاث والتشريعات.

ويعمل الآن مجمع الفقه الإسلامي في جدة بالتعاون مع مؤسسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية على إصدار (موسوعة القواعد الفقهية) وسوف تكون أيضاً وفقاً للمذاهب الثمانية. وبهذا يكون هذا التقليد العلمي الوفاقي التعايشي قد استقر والتزم به.


الاختراق الثالث:

وهو معاصر. إذ تبنت ثلاث مؤسسات جهود التقريب ومنهجه وتابعت نشاطاته. وهي المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) بالرباط، ومجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، ومؤسسة ثالثة متخصصة في شؤون التقارب والحوار في طهران.

وبوجود هذه المؤسسات الثلاث، يُرجى أن يتابع نشاط التقريب بعد أن كان قد توقف أو تباطأ في الثمانينات بسبب الظروف المحزنة للحرب الإيرانية العراقية، ثم حرب الخليج، التي شكلت كل عمل بناء في وقتها.


5 - واقتراحان جديدان قد يشكلان اختراقاً رابعاً:


الأول منهما: امتداد لجهود التقريب، بالتركيز على مرجعية الحديث النبوي لدى كل من السنة والشيعة. فالمعروف أن المصدر الثاني للتشريع لدى الفريقين هو السُّنة. ولكن السُّنة قد دونت لدى الفريقين تدويناً منفصلاً، وهي عند السنة ستة كتب معروفة وهي: "البخاري" و"مسلم" و"سنن أبي داود" و"الترمذي" و"النسائي" و"ابن ماجه" بالإضافة إلى "مسند" أحمد و"موطأ" مالك. وهي عند الشيعة أربعة كتب هي: "الكافي" للكليني، و"التهذيب" و"الاستبصار" للطوسي، و"من لا يحضره الفقيه" للقمي. وقد بذل أهل السنة جهوداً في تجميع كتبهم، فكان من ذلك "جامع الأصول" لابن الأثير ثم تجريده وتيسيره، و"جمع الجوامع" للسيوطي، ثم تهذيبه بـ"كنز العمال" وغيرها. كما توجه علماء الشيعة نفس هذه الوجهة فعكفوا على إخراج كتاب جامع لما في الكتب الأربعة وسموه "المسند"(41).

والدارس لكتب الحديث لدى الشيعة يدهشه أن المشترك بين ما ورد فيها كبير جداً، ولذلك فإنه من المفيد استخراج هذا المشترك من كتب الفريقين وضمه في كتاب واحد يسمى مثلاً "المشترك من الأحاديث النبوية بين السنة والشيعة". ويشمل الكتاب على تخريج الأحاديث وذكر مصادرها من الكتب العشرة. وبهذا يسهل على المتفقه والباحث العلمي معرفة ما هو معتمد لدى الفريقين، كما يستقر لدى المثقف العام، أن الخلاف بين الفريقين في الأحاديث مبالغ في معرفة حجمه، وأن مردّ التوهم بذلك إلى تعدد الروايات وتعدد المراجع.

ومن تتمة القول أن نذكر أن جماعة من المهتمين بالتقريب في دولة الإمارات العربية المتحدة قد شرعوا فعلاً في تنفيذ هذه الدراسة قبيل الحرب العراقية الإيرانية، فلما قامت تلك الحرب تأجل صنيعهم ثم توقف. والمشروع الآن معروض على من شاء من المشتغلين بالتقريب للقيام به(42).


والاقتراح الثاني: هو إضافة مسار جديد لحركة التقريب، يمكن أن يسمى مسار التعايش بين السنة والشيعة. ولا تناقض بين المسارين إذ أن أولهما يركز على تقليل الخلافات، وتفسير المبهمات، ومضاعفة وجوه التشابه والتلاقي. وأما ثانيهما فيركز على علاقة الأتباع بعضهم ببعض، بمعنى أن يلتقي ممثلون لعلماء السنة والشيعة ومثقفيهم، ويتفقوا على وثيقة تعايش تحدد عناصرها، ويُلتزم بها، وتُتَّخذ إجراءات المتابعة لذلك. وتتضمن هذه الوثيقة - ضمن ما يُرى تضمينها - على العناصر الآتية:


1. عدم التكفير أو الإخراج من الْمِلَّة.

2. تحاشي التجريح للرموز التاريخية للفريقين من آل البيت والصحابة.

3. عدم الخوض في أحداث التاريخ الماضية، واعتبار موضوع الإمامة والخلافة لا مبرر لإثارته.

4. للمسلمين قبلة واحدة، والمشاركة في الجماعات جائزة بين الجميع إمامة ومأمومية.

5. المسلمون أمة واحدة يتشاركون في السرّاء والضرّاء ويواجهون الشدائد والكوارث الطبيعية بروح الأخوة الإسلامية.

6. تعارف المسلمين من سُنَّة وشيعة واجب، ومن ذلك إفادة كل منهم من علوم الآخر وفقهه وكتبه.

7. وأيّاً ما كانت الجهود التي يتخذها السُّنَّة والشيعة، وأتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، فإن التعايش المذهبي داخل المجتمع الإسلامي، تحضّ عليه تعاليم الدين الحنيف، وتقتضيها مصالح الأمة. وقد خطت الأمة في طريق التقارب والتعايش خطوات مباركة نأمل أن تُتابع وتزداد.

8. تحريم الاعتداءات على الأرواح والمساجد والحسينيات وأماكن التجمع، والإكراه على تغيير أماكن الإقامة.

9. الوقوف صفاً واحداً في وجه الاعتداءات الخارجية التي تحتل أجزاء من الوطن الإسلامي وتزرع الفتنة بين السُّنَّة والشيعة.

10. تأييد جهود التقريب التي يقوم بها العلماء المؤهلون من الفريقين.

الهوامش

  • (1) سورة الحجرات، 49: 10.
  • (2) البخاري ومسلم وأحمد.
  • (3) سورة الكافرون، 109: 6.
  • (4) انظر الشيخ حسنين مخلوف، صفوة البيان لمعاني القرآن، الشروق، 1982، ص. 29.
  • (5) سورة آل عمران، 3: 19.
  • (6) سورة آل عمران، 3: 85.
  • (7) سورة البقرة، 2: 256.
  • (8) سورة يونس، 10: 99.
  • (9) سورة الكهف، 18: 29.
  • (10) سير توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم، مكتبة النهضة، القاهرة، 1970.
  • (11) سورة الممتحنة، 60: 8.
  • (12) سورة الممتحنة، 60: 9.
  • (13) سورة المائدة، 5: 82.
  • (14) سورة المائدة، 5: 5؛ وانظر تفسير المنار، ج 6، ص. 185 حيث وردت فقرة بعنوان (فصل في طعام الوثنيين ونكاح نسائهم). وآراء الفقهاء في الموضوع متفاوتة، وفي الرخصة مندوحة لمن يواجهون ضرورة التعايش مع الهندوس والبوذيين في الهند وأندونيسيا والصين. والصابئون أيضاً أهل كتاب عند أبي حنيفة.
  • (15) سورة العنكبوت، 29: 46.
  • (16) سورة النحل، 16: 125.
  • (17) عبد الكريم زيدان، أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، دار بغداد، 1976، ص. 70، 78، 81 وما بعدها.
  • (18) نبيل لوقا بباوي، مشاكل الأقباط في مصر وحلولها، القاهرة، 2001، ص. 22.
  • (19) عبد الكريم زيدان، أحكام الذميين، ص. 83.
  • (20) الرأي الذي أوردناه هو ما ينادي به كثير من العلماء المعاصرين، الذين يجتهدون في الملاءمة بين الحكم الأصلي في "عقد الذمة والجزية"، وبين التطورات المعاصرة في المجتمعات الإسلامية حيث يؤدي غير المسلمين الخدمة العسكرية ويدفعون الضرائب المقررة على سائر المواطنين باستثناء "الزكاة" المترتبة على الالتزام بالدين الإسلامي. وقد اخترنا هذا الرأي لرجحان حجته كما بينا. وإلا فإن المسألة ليست موضع إجماع ومن بين العلماء المعاصرين من يرى أن إبقاء عقد الذمة أكثر نفعاً لغير المسلمين من إلغائه.
  • (21) انظر مثلاً: وهبة الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي، دار الفكر، بيروت، ط. 2، 1965،

ص. 699؛ فريد عبد الخالق، في الفقه السياسي الإسلامي، دار الشروق، القاهرة، 1998، ص. 181؛ محمد سليم العوا، في النظام السياسي للدولة الإسلامية، القاهرة، 1997، ص. 53.

  • (22) توفيق الشاوي، فقه الشورى والاستشارة، دار الوفاء، المنصورة، مصر، 1992، ص. 209.
  • (23) فهمي هويدي، مواطنون لا ذميون، دار الشروق، القاهرة، ط. 3، 1999، وفي هذا المرجع وما سبقه استقصاء لآراء الفقهاء القدامى والمحدثين في معالجة موضوعي عقد الذمة والجزية، وكذلك بقية موضوعات السياسة الخارجية للدولة الإسلامية مثل تقسيم الدنيا إلى دار إسلام ودار حرب ودار عهد، ومدى الحاجة إليه حالياً.
  • (24) سورة الحج. 22: 40.
  • (25) بباوي، مشاكل الأقباط، مرجع سابق، ص. 55.
  • (26) الطبراني، وابن سعد، الطبقات، ج 8، ص. 254؛ وانظر: كنز العمال، أحاديث 19، 23-34 والنسب إشارة إلى هاجر أم إسماعيل، والصهر إشارة إلى مارية القبطية أم إبراهيم. وقد أسلمت ودفنت بالبقيع.
  • (27) محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، بيروت، ط. 3، 1969، ص. 153 وما بعدها.
  • (28) ذكر لي بعض الدمشقيين أن الكنيسة موجودة عند باب توما.
  • (29) في موضوع الكنيسة والجامع ثلاث روايات اعتمدنا أوثقها. والرواية الثانية هي إقامة المسلمين مسجدهم مكان الكنيسة من أول يوم، وهي رواية يكذبها التاريخ وتتناقض مع معاهدة خالد بن الوليد مع مسيحيي دمشق. والثالثة هي تقاسم الكنيسة بين المسلمين والمسيحيين، وهو غير معقول لأن التقاسم لمدة 70 سنة يولد الخصومة حتماً ولم يثبت حصول ذلك. (انظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص. 463؛ دائرة المعارف الإسلامية، بالإنجليزية، الطبعة الجديدة، ج 6،

ص. 648؛ المقدسي، أحسن التقاسيم، الترجمة الإنجليزية، ص. 144؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج 9، ص. 122).

  • (30) سورة الحجرات. 49: 13.
  • (31) أبو داود وابن ماجه وأحمد.
  • (32) البخاري من خطبة الوداع.
  • (33) مسلم والنسائي وأبو داود.
  • (34) أحمد أمين، ضحى الإسلام، ط. 10، ج 1، ص. 49.
  • (35) راجع بحثاً للدكتورة خولة طالب الإبراهيمي بعنوان «الصراع اللغوي في الجزائر»، جريدة الاتحاد الإماراتية، بتاريخ 30/4/2002.
  • (36) سورة الروم، 30: 22.
  • (37) عبد الكريم بي آزار الشيرازي، الوحدة الإسلامية، مؤسسة بيروت، 1975، ص. 222.
  • (38) قيل إن الشيخ قد عدل عن فتواه قبل وفاته، ولا دليل بين أيدينا على ذلك، والفتوى منشورة، (انظر الشيرازي، الوحدة الإسلامية، ص. 22).
  • (39) من العلماء المشاركين غير من ذكر أعلاه: الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، والشيخ حسن البنا، والشيخ أمجد الزهاوي، والشيخ الألوسي، والشيخ علي مؤيد إمام الشيعة الزيدية، والشيخ مرتضى آل ياسين من النجف وعلماء من مذاهب السنة الأربعة، ومن السياسيين محمد علي علوبة باشا والدكتور مصطفى مؤمن وغيرهم.
  • (40) انظر مثلاً: مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، وقد ذاع الكتاب بأكثر من خمس عشرة طبعة بما يدل على تقبل فكرته؛ مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية، مجموعة دراسات بتصدير الشيخ عبد الله العلايلي، بيروت، 1994؛ الوحدة الإسلامية ما لها وما عليها مجموعة دراسات بتقديم محمود حمدي زقزوق، بيروت، 1994.
  • (41) محمد أبو زهرة، الإمام الصادق، دار الفكر العربي، القاهرة، ص. 435. وبسؤال العالم الإمامي آية الله الشيخ محمد علي تسخيري عن كتاب "المسند" الذي أشار إليه الشيخ أبو زهرة، أكد الخبر وصحح التسمية بنحو "الأحاديث المتفق عليها لدى الشيعة".
  • (42) المشروع خطط له كاتب هذه الورقة، ووافقه عليه العالم الهندي الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الذي تهيأ للمشاركة بحكم تخصصه في علوم الحديث الشريف وتعامله مع الكمبيوتر في التحقيقات. ورشح اسم الدكتور حسين نصر وهو أكاديمي شيعي للمشاركة. ولما عُرض الأمر على رجل الأعمال الإماراتي السيد محمد مهدي التاجر سفير الإمارات في المملكة المتحدة، أعلن عن التزامه بجميع تكاليف المشروع.


للمزيد عن الدكتور عز الدين إبراهيم

مقالات وأبحاث بقلمه

مقالات متعلقة به

.

تابع مقالات متعلقة به

أخبار متعلقة به