الحج و العمرة ....فى الإسلام
بقلم : الإمام الشهيد حسن البنا
لبيك الهم لبيك ..ما أجمل عظمة الربوبية وما أعظم فضل الألوهية ..وما أجمل أن يتفضل الله على عباده فيدعوهم الى بيته العتيق ليغفر ذنوبهم ، و يطهر قلوبهم ، و يضاعف أجورهم ، و يجدد أرواحهم ، و يمنحهم من فيض فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
وما أجمل ان يتفتح المؤمن على هذا النداء العلوي ، و يتلقاه كما تتلقى الزهرة قطرات الندى ، فيحيا به و يسعد ، وييتجهز من فوره لاجابة دعوة الله و الانضمام الى وفده الكريم ، مهاجرا الى حرمه المقدس و بيته الامين ، هاتفا من أعماق قلبه : لبيك الهم لبيك .
أيها الاخ الكريم : ان كنت ممن سمعوا هذا النداء فاجابوا الدعاء و قدر لهم ان يكونوا فى وفد الله تبارك و تعالى ، فاعلم أنها غرة السعادة و فاتحة الخير كله ، و عنوان رضوان الله .. فما دعاك الا وهو يحبك ، وما ناداك الا ليمنحك ، و الله يعدكم مغفرة منه و فضلا ، والله واسع عليم، فهنئ نفسك بهذا الفضل المبين ، وتقبل منا تهنئة الاخوان المحبين، و اذكرنا بصالح الدعوات المشرقة ...و ان حالت دون ذلك الحوائل ، فصاحب الحجاج بقلبك ، ورافقهم فى أداء المناسك بروحك ، فان لك مثل ثوابهم ان شاء الله وصلى الله و سلم على سيد نا محمد القائل لاصحابه ما معناه : ان بالمدينه اقواما ما سرتم سيرا ولا قطعتم واديا الا شركوكم فى الأجر ، قالوا كيف يا رسول الله ؟ قال : 'حبسهم العذ ر' .
الحج فريضة من فرائض الله أمر بها عباده و كلفهم أدائها و أعد لهم جزيل الثواب ان فعلوها و توعد بأشد العقوبة من تركها وهو عليها قادر ولها مستطيع و هو ركن من أركان الدين الخمسة يتم بتمامه و ينقص بنقصه وهو من بين هذه الأركان عبادة العمر و تمام الامر وفيه نزل 'اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتى و رضيت لكم الاسلام دينا ' وقد وردت بذلك أيات الكتاب الكريم و أحاديث الرسول العظيم'
قال الله تعالى 'ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غنى عن العالمين' وهذا تركيب يدل على عظيم العنايه بالحج و تأكيد فريضته..الست ترى أن الحق تبارك و تعالى اعتبره دينا له على عباده فى قوله ' ولله على الناس حج البيت ، و ألست ترى أن الله تبارك و تعالى جعل مقابل القعود على أدائه الكفر وهو أشد المقت فقال تعالى 'ومن كفر فان الله غني عن العالمين' ولم يعهد هذا التركيب فى فريضة أخرى فى كتاب الله غير الحج نبيها على عظيم قدره وجليل أهميته .
وقال تعالى ' واتمو الحج و العمرة لله'
و المعنى أكملو الحج و العمرة خالصين لله و أنتم ممتثلين لاوامر الله مجبين دعوة الله . و لعلك لاحظت هنا أيضا فى هذه الآية أنه تبارك و تعالى جعل الحج و العمرة ملكا له تأكيدا للمعنى الأول و تنبيها على مزيد العناية بهذين العملين الجليلين .
وقال تعالى ' وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها و أطعموا البائس الفقير' سورة الحج
و المعنى أن الله تبارك و تعالى أمر خليله ابراهيم عليه السلام بعد أن أتم بناء البيت أن يعلن فرضية الحج منذ تلك الساعة فأمتثل أمر ربه و نادى فى الناس : أيها الناس إن ربكم بنى بيتا فحجوه ، وكان ذلك بمنزلة اعلان ما كان فى وقته عليه السلام وما سيكون بعده الى يوم القيامة من تقديس البيت و المبادرة الى حجه وعمارته .
و ذهب بعضهم الى أن الامر فى ذلك للنبى عليه و على آله و صحبه السلام و تكون الآية بذلك اعلاما بفريضة الحج فى الشريعة المحمدية ولكل وجهة . و الاول هو الذى عليه جمهور العلماء .
وفى الايات الكريمة بيان بعض فوائد الحج من المنافع الدنيوية و الاخروية و دوام ذكر الله وهو صقل النفوس و نور الافئدة و طمانينة القلوب و الطهارة الحسية والمعنوية و الوفاء بنذور البر و الطواف بالكعبة المشرفة وتعظيم حرمات الله تبارك وتعالى و شعائره .
عن ابى هريرة رضرى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم 'العمرة الى العمرة كفارة لما بينهما و الحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة ' اخرجه البخارى و مسلم و الترمذى و النسائى و ابن ماجه .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما ' تابعو بين الحج و العمرة فانهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد' أخرجه النسائى ..
و معنى المتابعة بين الحج و العمرة تكرارهما مرات لمن يستطيع ذلك حرصا على هذه المزية : مزية التطهر من الذنوب و الآثام – أو المتابعة بينهما بمعنى الجمع بينهما فيحج ثم يعتمر مرة أو مرات فتحصل له هذه الفضيلة كل ذلك تحت هذا اللفظ الجامع و من استكثر من الخير استكثر من ثوابه .
و عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'من حج لله فلم يرفث و لو يفسق رجع كيوم ولدته أمه ' رواه البخارى و النسائى و ابن ماجه
و المعنى أن من حافظ على آداب الحج فترك اللغو و الحرام فقد تطهر من ذنوبه و غفر الله له خطاياه فيعود نقيا مغفورا له .
وعن أبى هريرة رضى الله عنه ' الحجاج و العمار وفد الله عز و جل و زواره .. ان سألوه أعطاهم و ان استغفروه غفر لهم و ان دعوا استجيب لهم و ان شفعوا شفعوا ' رواه ابن ماجه وابن حبان .
و عنه رضى الله عنه قال : ' سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل ؟ قال ايمان بالله و برسوله قيل ثم ماذا ؟ قال : ثم الجهاد فى سبيل الله .. قيل ثم ماذا قال ثم حج مبرور ' رواه البخارى ومسلم . و الحج المبرور هو الذى لا يعقبه معصية الله .
و عنه رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' من مات ولم يحج فليمت ان شاء يهوديا وان شاء نصرانيا ' اخرجه الترمذى .
وفى ذلك اشد الوعيد للذين يستطعون الحج و يقعدون عنه تكاسلا عن أدائه و أهمالا لشأنه و تضيعاً لحقه وغفلة عن تأكد فرضيته وفى الحديث روايات .
وقد كان عمر رضى الله عنه يقول 'هممت ان أبعث رجالا الى هذه الامصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربو عليهم الجزية ماهم بمسلمين' رواه سعيد فى سننه .
و عن ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'استمتعوا من هذا البيت فانه هدم مرتين و يرفع فى الثالثة ' رواه البزاز و ابن حبان و الحاكم .
و المعنى ان النبى صلى الله عليه وسلم يأمر أمته باغتنام فضل و جود الكعبة المشرفة التى جعلها الله بركة وهدى ورحمة وأمنا قبل أن تذهب بها حوادث الدهر اذا ما أذن الله بانقراض الدنيا فقد هدمت قبل البعثة ثم بنيت ، بناها العمالقه مرة و بنو جرهم مرة أخرى ثم هدمها قصي بن كلاب جد النبى صلى الله عليه وسلم فى القرن الثانى قبل الهجرة و شيدها تشيدا محكما و سقفها بخشب الدوم و جذوع النخل و بنى بجانبها دار الندوة ثم هدمها السيل و بنتها قريِش و النبى سنه 35 فى قصة الرداء المشهورة ، و لعل الاشارة فى الحديث الى هاتين المرتين لاهميتهما وما عداهما كان ترميما له و استكمالا لأسباب متانتهما أو أن العدد فى الحديث يفيد التكرار دون الحصر و يوشك أن يهمل الناس أمر الحج فيرفع الله بيته و يستأثر به و ينزع البركة السابقة من أهل الارض الذين أغفلوا نداء ربهم و أهملو فريضة حجهم و هجروا سيدهم .
و من ذلك تعلم تأكد فريضة الحج و عظيم ثواب الله لمن وفاها و شديد العقوبة لمن تركها و تكاسل عن أدائها .
لهذا اجتمعت الامة على فرضية الحج على القادر المستطيع ثم ذهب ابو حنيفة و مالك و احمد وبعض أصحاب الشافعى و من أهل البيت زيد ابن على و الهادى و المؤيد بالله و الناصر الى أنه واجب على الفور ، فمن استطاع لزمه الاداء لوقته و دليلهم فى ذلك ما رواه ابن عباس عن النبى ص قال : 'تعجلو الى الحج ' يعنى الفريضة فان أحدكم لا يدرى ما يعرض له ' رواه أحمد ' وما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أفضل أو أحدهما عن الاخر قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ' من أراد الحج فاليستعجل فانه قد يمرض المريض وتفضل الراحلة و تعرض الحتجة ' رواه أحمد و ابن ماجه .
و ذهب الشافعى و الاوزاعى و ابو يوسف و محمد ومن أهل البيت القاسم ابن ابراهيم و أبو طالب الى أنه واجب التراخى و احتجبوا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم حج سنه 5 أو 6 و لكل و جهة هو موليها .
و أما العمرة :
فقد رأى و جوبها فى العمر مرة الامام أحمد بن حنبل و هو المشهور عن الامام الشافعى رضى الله عنه قال اسحق و الثورى و المزنى و الناصر و دليلهم فى ذلك أن الله تبارك و تعالى قرن الحج بالعمرة فى الاية الكريمة : 'و اتموا الحج و العمرة لله '
و أكد ذلك عندهم حديث أبى رزين العقيلى ' أنه أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال ان أبى شيخ كبير لا يسطيع الحج و لا العمرة و لا الطعن فقال حج عن ابيك و اعتمر ' رواه الترمذي و أبو داود و النسالئى وصححه الترمذى ، وقد روي القول بالواجب عن على وابن عباس و ابن عمر و عائشة و زين العابدين وطاووس و الحسن البصرى و ابن سيرسن و سعيد بن جبير و مجاهد و عطاء .
و المشهور عن المالكية أن العمرة ليست بواجبة وهو قول الحنفية و زيد ابن علي والهادوية ، و حجتهم فى ذلك ما أخرجه الترمذى و صححه أحمد و البهيقى وبن أبى شيبه و عيد بن حميد عن جابر بن عبد الله 'ان اعرابيا جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أخبرنى عن العمرة أواجبة هى ؟ فقال لا و أن تعتمر خير لك' .
و لهذا لا خلاف بين الائمة فى أنها مطلوبة و فى أنها من القربات الى الله تبارك و تعالى
و أما زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم
فمطلوبة و قربة من الله تبارك و تعالى فقد روى الدارقطنى باسناد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'من حج فزار قبري بعد وفاتى فكأنما زارني فى حياتي' وروي لهذا المعنى آثار أخرى .
و ذهب بعض العلماء الى تضعيف هذه الاثار ولم يأخذ بها .. على أن زيارة القبور عامة مطلوبة بقوله صلى الله عليه وسلم ' كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فانها تزهد فى الدنيا و تذكر الاخرة ' رواه ابن ماجه عن ابن مسعود وفى حديث آخر عن أنس ' كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها . فانها ترق القلب و تدمع العين و تذكر الاخرة ولا تقولوا هجرا' رواه الحاكم . فاذا صح طلب زيارة قبور عوام المؤمنين فقبور الاولياء أولى بذلك لما فيها من زيادة العظة . و قبر الرسول صلى الله عليه وسلم أولى و أولى لما فيه من العظة و البركة معا .
و الاحتجاج على المنع بحديث ' لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام و المسجد الاقصى ومسجدى هذا ' رواه أحمد و البخارى و مسلم و أبو داود
و النسائى و ابن ماجه و غيرهم : احتجاج فى غير موضع الخلاف . فان الحديث انما يضع حجه لمنع شد الرحال لمساجد غير الثلاثة المذكورة و أما ما عدا ذلك من الاغراض الجائزة شرعا فلا يكون الحديث حجة فى منع شد الرحال لها . و قد أطال كثير من الباحثين فى هذا الذي ذكرت خلاصته و الله يقول الحق وهو يهدى السبيل .
و فقنا الله و اياكم الى حج بيته و زيارة رسوله ، و كتب لنا ولكم القبول – آمين .
المصدر
- مقال:الحج و العمرة ....فى الإسلامموقع:الشبكة الدعوية