نظام الحكم في الإسلام.
بقلم: صالح عشماوي
موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين
المقدمة
خرجت علينا جريدة "الأخبار" المصرية بمقال أطول من ليالي الشتاء تحت عنوان "نظام الحكم .. في الإسلام" بقلم المستشار "محمد سعيد العشماوي" وفي هذا المقال قسم سيادة المستشار الحكومات إلى "حكومة الله" و"حكومة الناس" .. وإلى "حكومة مدنية" و"حكومة دينية"
ومضى قائلاً:
- "والحكومات التي تحكم بما أنزل الله لا تكون أبدًا إلا في عهد رسول أو نبي، بحيث لا يجوز تصور وجود هذه الحكومة بغير رسول أو نبي" وهذا هو نفس المعنى بل هذه هي نفس الألفاظ التي وردت في مقال لكاتب آخر. فهل هذا هو مجرد توارد خواطر؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ أم هو مخطط دبر بليل من ورائه جهات وجبهات؟!
عودة إلى العصرية
ويستطر المستشار العشماوي قائلاً:
- "أن الشريعة لم تنص على نظام للحكم محدد لا يتغير، ثابت لا يتبدل. لذلك فإن الصحيح أن نظام الحكم الإسلامي السديد هو النظام الذي ينبع من "واقع المجتمع" و"ظروف العصر" ويأخذ بأرقى الأساليب في الإدارة والتنظيم وأرقى الأشكال في "نظم الحكم العالمية" وهذه كلمة حق يراد بها باطل ..
- فالإسلام حقًا لم يحدد "قالبًا" واحدًا وثابتا لنظام الحكم، ذلك لأن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لتطبق في كل زمان ومكان فوضعت القواعد الكلية والخطوط الرئيسية لنظام الحكم مثل اختيار الشعب للحاكم عن طريق البيعة ومبدأ الشوري وإقامة العدل والحرية والمساواة ثم تركت التفاصيل والجزئيات والوسائل والأشكال التي تتغير حسب الظروف وتختلف من عصر إلى عصر ومن مكان إلى مكان..
- ولكن ليس معنى هذا أبدا أن المسلمين أحرار في أن يختاروا نظام الحكم الذي ينبع من "واقع المجتمع" وإن أصبح هذا المجتمع فاسدا متحللا من أخلاق الإسلام وآدابه، ولا من "ظروف العصر" وإن طغت على هذا العصر تيارات مادية ملحدة أو استغلالية، وليس معنا أيضا أن يأخذ المسلمون بشكل من نظم الحكم العالمية وإن خالف مبادئ الإسلام وأصوله.
الحكومة في الإسلام
يمضي المستشار سعيد العشماوي قائلاً:
- "فالحكومة في الشريعة الإسلامية حكومة مدنية تحكم باسم الشعب وليست "حكومة دينية" تدعي أن حكمها هو حكم الله .. إن الذي يدعي أن حكمه هو حكم الله إنما يدعي ذلك ليضفي على حكمه تقديسًا. ويكسب رأيه عصمة ويضفي على أمره حصانة .. وهي أمور ليست من حق أحد أن يدعيها".
- ولا أدري متى يتوقف أعداء الإسلام وخصوم نظامه وحكمه عن الافتراءات والمغالطات؟ إن الإسلام لا يعرف "الحكومة الدينية" التي يدعي الحاكم فيها أنه اكتسب الحكم من "الحق الإلهي" وأن حكمه مقدس، وذاته مصونة، وهو معصوم من الخطأ، ولا يسأل عما يفعل أمام الشعب.
- ولكن الإسلام يرسم للمسلمين حكومة يختارون لرئاستها رجلا منهم، ليست له قداسة، ولا لرأيه عصمة، يحكم بما أنزل الله، ويطبق الشريعة الإسلامية في الداخل.
- ويبلغ رسالة الإسلام للعالمين. وهو مسئول أمام الشعب، ومن حق كل مسلم أن ينقد رأيه، وأن يرده عن الخطأ ويدله على الصواب بدليل من الكتاب والسنة وهو يعزل إذا خالف الشرع أو خرج على مبادئ الإسلام.
- وهذا هو ما حصل فعلاً في صدر الإسلام وفي عهد الخلفاء الراشدين وسجله التاريخ الإسلامي. وها هو ذا أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب المسلمين بعد مبايعته فيقول: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم" وها هو ذا عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين يقول للمسلمين "من رأى منكم فيّ اعوجاجًا فيقوّمه" فيقوم له رجل من عامة المسلمين ويقول له: "لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا"!
- فلم يغضب عمر، ولم يسلمه ولم يحله على "محكمة عسكرية"، ولكنه قال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر بالسيف" بل لقدوقف عمر أمير المؤمنين يخطب يوما داعيًا إلى عدم المغالاة في المهور فتقوم له امرأة وتعترض رأيه مستشهدة بآية من القرآن الكريم، فينزل عمر على رأيها ويقول "أصابت امرأة وأخطأ عمر"!
- هذه هي الحكومة الإسلامية كما قررها الإسلام وكما أقامها وطبقها الخلفاء الراشدون. لا تقديس لأحد ولا عصمة لرأي، ولا حصانة لأمر .. وهذا هو نظام الحكم وهذه هي "الحكومة الإسلامية" التي ينادي بها الإخوان المسلمون والدعاة إلى حكم الإسلام ونظام الإسلام.
الحكومة الدينية والإسلام
فأين هذا من "الحكومة الدينية" التي لا يقرها الإسلام؟ إنما قامت الحكومة الدينية في أوروبا المسيحية في العصور الوسطى المظلمة حيث كان الملوك والأباطرة يدعون "الحق الإلهي" ويضفون على أنفسهم القداسة، ويكسبون رأيهم بالعصمة، ولا يسمحون لأحد بنقدهم ولا يخضعون لمشورة.
ثم قام الصراع بين "الإمبراطور" وبين "البابا" الذي كان من حقه أن يتوج الإمبراطور قبل أن يمارس سلطاته وانتهى هذا الصراع المرير بفصل الدين عن الدولة.
ما ذنبنا نحن المسلمين وليس في ديننا "بابا" وليس في الإسلام "إمبراطور"؟ وما لنا نحن المسلمين و"الحكومة الدينية"؛ وليس في الإسلام "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولكن في الإسلام "قيصر وما لقيصر لله الواحد القهار".
الإسلام .. ورجال الدين!
يمضي المستشار سعيد العشماوي قائلاً :
- "والحكومة لا تكون دينية لأن أفرادها من رجال الدين .. "والإسلام لا يعرف "الأكليروس" و"الكهنوت" و"رجال الدين" ولكن في الإسلام "علماء" في الدين كما أن هناك علماء في كل فرع من فروع العلم. ويستطيع كل مسلم أن يتفقه في دينه ويكون عالمًا من علماء المسلمين.
ويسترسل المستشار العشماوي قائلا:
- "ولا تكون الحكومة دينية لأنها تطبق أحكام الشريعة، فالمجتمع الإسلامي هو الذي يطبق أحكام الشريعة بكل فرد فيه. والشريعة تعد كل فرد في المجتمع لكي يكون عادلاً ولو على نفسه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى التقوى"!
ولم يخبرنا سيادة المستشار عن الحكم فيما إذا ظلم المسلم أو أتى منكرًا أو خرج عن التقوى .. من الذي يتولى حسابه؟ هل يطبق الشرع على نفسه بنفسه؟ فإذا سرق قام بقطع يده، وإذا زنى يجلد نفسه أو يرجمها ؟ أم أن "الحاكم المسلم" هو الذي يقيم حدود الله وينفذ شريعته على الخارجين عليها؟
الشريعة نظام حياة
ويمضي المستشار قائلاً:
- "والحكومة لا تكون دينية لمجرد تطبيق الحدود والقصاص، ففي العصر الحديث توجد سياسات أخرى لا تقل أهمية في المجتمع عن الحدود، ومن ذلك السياسة القضائية والتربوية والاقتصادية والعسكرية"
- وهذا الذي يقوله سبقناه إليه مرارًا، وقلنا إن الشريعة الإسلامية أسمى من أن تنحصر في قطع الأيدي وجلد الظهور وأشمل من أن تتجمد في نصوص صماء بين جدران المحاكم وقد لا ترى طريقها إلى التنفيذ، ولكن الشريعة الإسلامية منهاج للحياة في كل ناحية من نواحيها سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية.
التستر والتمحك في الدين
ويختم سيادة المستشار افتراءاته قائلاً:
- "فلا يتمحك أي الحاكم المسلم في الدين حين يخطئ ليتحصن فيه، ويتمحك بالشريعة يوم يطغى ليحتمي فيها، ولا يرسف في "الرجعية" ويدعي العيش على نهج "السلف" أو يرسخ في "الجهل" ويزعم أن العلم والفن والثقافة رجس من عمل الشيطان..!
- من قال من علماء المسلمين ودعاتهم، أن العلم والثقافة رجس من عمل الشيطان ..؟! ليس في الدنيا دين أعلى من منزلة "العلماء" وأشاد بالعلم مثل الإسلام.
الهدف من هذه الحملة
وأخيرًا ما الهدف من هذا المقال، الذي حشد فيه سيادة المستشار تلالا من المغالطات والافتراءات وخلط الحق بالباطل. وحرف الكلم عن مواضعه؟ لقد دس في وسط هذا الركام والحطام والطوفان، السم فقال أن أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالأحوال الشخصية والمسائل الدينية والتجارية مطبقة جميعها في القوانين النافذة(!) أما الحدود فهي تستلزم شروطًا دقيقة لتطبيقها يصعب توافرها!
وهناك جرائم أخرى لم تشملها الحدود ومن حق الحاكم أن يضع لها عقوبات إعمالاً لنظام التعزير وهو أمر مطبق كذلك. "ومن ذلك يتبين أن أحكام الشريعة مطبقة ونافذة فعلاً " ولا أدري لماذا نسي أو بلع سيادة المستشار الحكم "بالربا" في القانون المدني على سبيل المثال؟
ولنا أن نتساءل:
- إذا كانت أحكام الشريعة مطبقة ونافذة فعلاً كما يقول المستشار فهل يعتبر لغو هذا الكلام الذي يقوله ويكرره الدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب. في كل تصريح له أو محاضرة عن الشريعة الإسلامية وضرورة تطبيقها.
وعن مشروعات القوانين التي تقنن الشريعة وستعرض على مجلس الشعب في دورته الحالية لإقرارها؟ أليس من واجب الدكتور صوفي أبو طالب أن يوقف هذا التطاول على شرع الله الذي ينادي بتطبيقه.
وما معنى هذا التصرف الذي لجأت إليه الحكومة فألفت لجنة برئاسة الدكتور جمال المرصفي وهو مستشار أيضًا لتقنين الحدود الإسلامية؟ وأخيرا وليس آخرًا ما معنى أن يؤلف مجلس الشعب الحالي أربع لجان لتقنين الشريعة الإسلامية وتنتدب الحكومة الحالية أحد وزرائها وهو وزير الأوقاف للإشراف على أعمال هذه اللجان؟ما معنى كل هذا يا سيادة المستشار؟
لقد وضح أن خصوم الحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية يسلكون سبيلين مختلفين لتحقيق هدف واحد. أما السبيل الأول كما رأيناه في مقال تعرضنا له في العدد الماضي فهو إدخال (اليأس) على قلوب المؤمنين من قيام حكومة إسلامية في العصر الحاضر!
وأما الأسلوب الثاني كما رأيناه في مقال المستشار سعيد العشماوي فهو "الخداع" وإيهام المسلمين ومحاولة إقناعهم بأن أحكام الشريعة الإسلامية مطبقة ونافذة فعلا، وأن الحكومة في ظل النظام الحاضر هي حكومة مدنية تحكم بما أنزل الله وليس في الإمكان أبدع مما كان..!
ألا فليعلم هؤلاء جميعا أن شعب مصر مسلم ومؤمن ولن يدخل "اليأس" إلى قلبه أبدًا، وسيصمد ويثابر على المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية والحكم بما أنزل الله، وليعلموا أيضًا أن هذا الشعب المؤمن قد بلغ من "الوعي" والنضج مالا يدع مجالاً لأن يخدعه عن أهدافه مخادع.
فيوفروا إذن مجهودهم ومقالاتهم لأنهم إنما يبنون قصورهم على الرمال .. ويحرثون في البحر .. وسيحبط الله أعمالهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا .. "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون"
المصدر
- مجلة الدعوة العدد (43) محرم 1400هـ ديسمبر 1979م.