كلمتي للمغفلين
الطبعة الثالثة
خطبة الطبعة الثالثة
الحمد لله يرزق من يشاء بغير حساب....
ما كان في خاطرنا أن نربح ماليا من الكتابة عن عبد الناصر وروز فلت وانقلابهما المسمى بثورة يوليو ولكن سبحان من لا يضيع أجر من أحسن عملا فقد انفجر الكتاب في السوق كأنه فيضان النيل قد عاد بعد أن خنقه عبد الناصر وحدد إقامته خلف السد واندفع الناس يتخاطفونه رغم الصمت التام الذي اعتصمت به الجوقة الناصرية فلم يجرؤ واحد منهم على توجيه كلمة نقد واحدة لحقيقة واحدة من الكتاب ولأجل الحلفان انفرد زلمة الشيخ بسبنا بعد أن سطا على العديد مما كتبناه ولكننا نعرف لماذا كتب ومن ثم نعذره بكل احتقار حتى لو قيل طالب القوت ما تعدى!! ولقد أسعفتهم جبهة ما يزعجها أن يروج كتابي وأن يدور الحديث عنه أسعفتهم بكتاب الست خورشيد فاندفعوا في نقده والاسم أصواتهم وأنا لم أقرا بعد كتاب الست خورشيد فقد انشغلنا في الطلب المتلاحق على كتاب ثورة يوليو الأمريكية) الذي نفدت طبعته الأولى خلال شهر واحد وداخل مصر وها هي ذي الطبعة الثانية على وشك النفاد، ولعلنا نكون قد أصدرنا الطبعة الثالثة عندما يصل هذا الكتاب للقارئ الكريم وما أحلى أن تنفد الطبعات وتنهال الأموال من القارئ المصري الكريم دون أن تشتري جهة ما نسخة واحدة من الكتاب فليمت عملاء ليبيا وكابول بغيظهم خسروا الدنيا والآخرة ورفض الشعب فكرهم ولو بالمجان...
ورغم الشوشرة المقصودة بكتاب الست.. غير أني لا أملك إلا أن أبدي دهشتي لموقفهم من كتابها الذي كما تشير التعليقات التي معه والتي ضده أنه قد أكد سلامة تحليلنا السياسي القائل بأن أخر ما كان يشغل بال هؤلاء الرجال هو مواجهة إسرائيل بل إن رجال هذا العهد الناصري وأقاوم نفسي لكيلا أقول العهر الناصري) كانوا حفنة من عباد الشهوات حولوا مصر وشعبها إلى فريشة لاستبدادهم وشهواتهم فعربدوا وفسقوا كما هو معروف ومتداول وورد بعضة في محاكماتهم حتى نقل عن حسين الشافعي الذي عينه عبد الناصر رئيسا للمحكمة التي حاكمت وأدانت وسجنت نفس الأشخاص الذين يدافع عنهم الناصريون الآن روي عن الشافعي قوله لما أطلع على خباياهم إن كان ده حصل يبقى اللي جرى لنا من اليهود شوية علينا لولا أن أسكته شمس بدران عندما ذكره بأنه وإن لم يشترك في حفلات خورشيد شفيق إلا أنه يسلم من نجاسة العهد.
سارع الشيوعيون واليساريون والناصريون يحتجون على كشف الستار عن الحياة الجنسية لحكام مصر وتحلوا بحياء الغوازي وتساءلوا كيف يسمح بنشر هذا العيب الذي ارتكب في أعراضنا ألا يفسد ذلك الأطفال؟ كأن العيب ليس في وقوعه بل في معرفته وتساءلوا ما أهمية أن نعرف التاريخ الجنسي للعصابة التي كانت تحكم مصر كأنها مسائل شخصية لأفراد عاديين وليس سلوك عناصر مسئولة تركت الوطن يهوى للضياع وباسم المعركة ووعد بفتح عكا استخدمت السلطات الرهيبة التي حازتها باسم هذه المعركة في فتح زجاجات الخمر وهتك الأعراض وغرس أعلامهم بين النهود والأفخاذ.
فهو فساد سلطة يجب أن يكشف ويدرس للأجيال حتى يعرف الناس كيف كانت ت.. ولا بلاش، خليها كيف كانت تحكم مصر وكيف كان البعض والبعضات يصلون ويصلن للقرب من السلطة؟
ولماذا بهم شبق لعودة هذا العهد ورعب من كشف حقائقه وأهم من ذلك حتى يتعاهد الأشراف لمنع عودتهم ولو كلفنا ذلك حياتنا فقد علمنا أن الشرف أغلى من الحياة وأن الوطن أغلى من الحياة وأن الوطن أغلى حتى من الشرف الفردي.
أما أن يستنكر التقدميون أن تنتقد فنانة أو راقصة أو حتى بغى والعياذ بالله السادة الحكام فهي مرحلة جديدة من الفكر الثوري الارستقراطي أكانوا يتوقعون أن تكشف فضائحهم الجنسية رابعة العدوية؟
هيك ثوار بدهم هيك مؤرخة ولكل شيء آفة من جنسه كما قال فنان مصر نجيب محفوظ ونصل إلى الإسفاف عندما يهاجمونها لأنها سكتت والطغاة أحياء بل حتى خضعت فلماذا تتكلم الآن؟
يا سبحان الله على فجورهم ألا يذكر الناس في بلادي كيف تنصل عبد الناصر وكتابه من مسئولية ما جرى بإدعاء أنه كان مسلوب الحيلة ضعيفا أما م إرهاب مجموعة عامر ونصر وعليش إلخ ومن ثم آثر الصمت فلم يتكلم ولم يعارض حتى خلصه جيش إسرائيل منهم فاستجمع شجاعته وتكلم فهل يطالب هؤلاء الست بأن تكون أشجع أو أشرف وأحرص على مصلحة مصر من جمال عبد الناصر الذي آثر سلامة رأسه على سلامة الوطن والعرض والشرف؟
وأخيرا لقدي قلنا من سنوات إن هؤلاء ليسوا بناصريين ولا يؤمنون أو يدافعون عن عبد الناصر بل يدافعون عن عبد الناصر بل يدافعون عن ارتباطهم بعصابات صلاح نصر وما تورطوا فيه من أعمال مع هذه العصابات، وما حصلوا عليه من مكاسب في ذلك العهد من هذه العصابات ثمن ما فرطوا ومن ثم فهم مع صلاح نصر ضد عبد الناصر وهم يعتمدون على جهل قارئيهم إذ المعروف تاريخيا أن عبد الناصر وهم يعتمدون على جهل قارئيهم إذ المعروف تاريخيا أن عبد الناصر قبض على صلاح نصر وقدمه للمحاكمة وأطلق عليه كتابه ينهشون سمعه وسمعة جهازه، ولعنا نذكر مقالة زوار الفجر التي لم تكتب إلا بعد أن قال لهم عبد الناصر بسك عليه وحكم على صلاح نصر بالأشغال الشاقة أو السجن لا أذكر ولكن عبد أن أدين بتهم تخل بشرف أمة كاملة ووقف في بلكونته يهدد بنشر فضائح عبد الناصر فكيف يكون الناصري من ناصر ونصر في نفس الوقت إلا إذا كان من الذين أوتوا سعة في الضمير لا تفوقها سعة إلا رحمة الله.
أعود لحديثنا فأقول إن رواج كتاب ثورة يوليو الأمريكية قد خلق طلبا شديدا على كتابي هذا كلمتي للمغفلين الذي كانت في الأسواق منه بعض نسخ الطبعة الثانية السيئة الإخراج والطبع حتى ضاعت منه فقرات، وتلقيت طلبا كريما بإصدار الطبعة الثالثة فحررناها وضبطناها وأصدرناها لتنعم بالرواج مع أخواتها ويصيبها من العز جانب خاصة أنها تضم قسما عن تفريط عبد الناصر في الوحدة العربية وجريمة فصل السودان لم يردا في الكتاب الآخر الذي ينفرد بدوره ببعض الفضول الجديدة.
وهذا الرواج إن عبر عن شيء فإنما يعبر عن فهم ووعي القارئ وأن محاولاتهم وسيطرتهم على أجهزة الإعلام والملايين التي ترصد لهم لم تؤثر في سلامة هذا الفهم ولا استطاعوا قتل الرغبة في معرفة الحقيقة من الأقلام الشريفة.
فالشكر لله أولا وأخيرا... والرحمة لوالدة طالما كررت على مسامعي.. (امشي صح يحتار عدوك فيك) وللوالد الحبيب الذي كان يقول لي اتخذ الموقف الذي يمليه عليك ضميرك فإن خسرت كان ربحك رضاء الضمير وإن ربحت كان ربحك مضاعفا وشكري واعتذاري لسيدة فاضلة وأولادها يعرفون أن أحب الناس يحرمهم من بقايا سنوات عمره، بل ويستعجل نهاية هذا العمر بما يكتب ولكنهم يشهد الله ما حولوا لحظة واحدة صرفي عن الكتابة كأنهم يعلمون أنني أكتب لكي أجنب جيلهم ما نزل بجيلنا ووطننا ....
وأتقدم بشكري لمناضل أصيل ومدافع عن حرية الكلمة دفع ثمنا غاليا لمواقفه ضد الطغيان وعاني ما يكفي لفك رقبة جيل بأكمله.. هو الأستاذ محمود عبد المنعم مراد الذي كعادته لم يخف في الحق لومة لائم فتحدى قرار الصمت.
وأيضا للرجل الذي كانت مكالمته في فجر اليوم الثاني لصدور الكتاب، وحماسته للكتاب رغم ما بيننا من جفوة درسا تعلمته في الموضوعية والحب في الحق وحده..
وإلى اللقاء يا قارئي في طبعات جديدة وكتب جديدة ليغبظ الله بها الكافرين ويشفي صدور قوم مؤمنين منهم من قتل ومنهم من سجن ومنهم من عذب... وفي النهاية تجرعوا كأس الذل على يد إسرائيل حربا وسلاما ويريدونهم أن يهتفوا للرامي.. من مشي على تاريخهم مستهزئا ولو استطاع لمشي على الأهرام؟
لم يكن في خاطري الكتابة عن عبد الناصر في هذا الوقت فهذا العمل الكبير حجما وتأثيرا يأتي على قائمة التسعينات بإذن الله، لعدة أسباب تكونت عندي قناعة بها عند ترتيب ما أتمنى إنجازه، وذلك في عيد ميلادي الخمسين عندما قررت أنه قد حان وقت التخلي عن الصحافة والتفرغ للعمل الفكري والتاريخي في شكل كتب أو نشرة محدودة التوزيع بعيدة عن التعليق المباشر على الأحداث اليومية، فقد كان على أن أفرغ من وضع تاريخ صحيح للحركات الإسلامية بعيدا عن تشويهات التاريخ الصليبي الاستعماري وكان على أن أفرغ من سلسلة تاريخ مصر الحديث التي أصدرت منها كتابي عن الحملة الفرنسية والحركة الوطنية في السودان وكان على أن أطرح تصوري لفكر الحركة الإسلامية المنشودة وكان المقدر أن أفرغ من ذلك كله في نهاية الثمانينات ثم يأتي الدور على تحليل الناصرية بعد التمهيد التاريخي لفهمها كظاهرة أو مرحلة في تاريخ مصر ذلك أن عنصرا أساسيا في تخبط جيل الناصرية وحيرته أنه قد تعرض لعملية تجهيل مقصودة بما سبقها من قرون في تاريخ مصر بل وتاريخ العرب وربما كان هذا التفريغ ضروريا لكي تبرز المنجزات فلم يكن أمام أبطال ليلبوت من فرصة للحوار مع غاليفار إلا بتقييده بالحبال وطرحه أرضا..
كما كان ذلك التجهيل والتشويه ضروريا حتى يمكن سلب رجالات التاريخ المصري أفضالهم وحتى يجلس أحمد فؤاد في مقعد طلعت حرب ويعتبر ذلك إنجازا ثوريا ومكسبا شعبيا وحتى يعتبر الجيل المبتور التاريخ أ بناء سد علي النيل يقرض أجنبي وخبرة أجنبية بل وتنفيذ أجنبي ودون مساهمة مصرية تذكر من الناحية التكنولوجية يعتبر عملا خالد بطوليا عجائبيا يكفي لمحو كل ما حدث من أخطاء وخطايا لأنهم لا يعرفون أن محمد علي مثلا بني القناطر الخيرية التي كانت في ظروفها وظروف مصر منذ ما يقرب من مائتي سنة عملا خارقا لم يتأت للملوك الكبار وكانت نتائجها ولا تزال على جغرافية مصر واقتصاد مصر وإنسان مصر ما لا سبيل إلى مقارنته بأيه أحلام معلقة على السد العالي.
بناها محمد علي قبل أن يوجد في مصر مهندس مصري واحدا وبناها بدون أن يقترض مليما من الخارج يرهق به ميزانية عدة أجيال لا يعلم إلا الله عددها ولم يهتف مرة واحدة جنبني القناطر ولا سجل التاريخ له خطبة واحدة حول بناء القناطر أو المؤامرة الدولية ضد بنائها كما لا يعرف هذا الجيل أنه في ظل الاستعمار البريطاني أمكن أن تقيم مصر خزان أسوان 1903 ونتائجه المحققة حتى الآن توق التوقعات المحتملة للسد العالي...
كان الأمل أن يفرج عن التاريخ المصري حتى يمكن تقييم حركة 23 يوليو على ضوء منجزات الشعب المصري بل والحكومات التي سيطرت على مصر سواء في عصور الاستقلال أو الاحتلال وما استطاعت تحقيقه بفضل إمكانيات مصر ولزيادة حصتها من ثروة شعب مصر.
وكان القصد أتاح أيضا وثائق أكثر باعتبار أن مصادر تاريخينا لا تزال في أرشيفيات الدول الكبرى، وكان الظن أن يبدأ الإفراج عن الوثائق الأمريكية ابتداء من عام 1983 أي بعد مرور الثلاثين سنة القانونية فإذا ما وصلنا إلى التسعينات كان متاحا لنا على الأقل الفترة بين 1952 إلى 1960 وهي كافة جدا وليست حاجتنا للوثائق للاقتناع أو الاكتشاف فنحن كنا وما زلنا شهود عيان، وما توصلنا إليه من معرفة تؤكده الحقائق كل يوم وإنما نحتاج الوثائق للذين لا يؤمنون إلا بعد أن يدسوا من معرفة تؤكده الحقائق كل يوم وإنما نحتاج الوثائق للذين لا يؤمنون إلا بعد أن يدرسوا أصابعهم في الجرح أو بالأحرى حتى ندس أصابعنا في جرحهم وعلى أية حال لم يعد الانتظار ضروريا فالتطورات الجارية في الدولة الأمريكية منذ وصول الرئيس ريغان وسيطرة اليمين قد فرضت من القيود على نشر الوثائق وخاصة المعلقة بنشاط المخابرات الأمريكية ما يؤكد أنه لن يتاح للمعرفة وللمؤرخين إلا النذر اليسير بعد أن ألغى مفعول قانون حرية المعلومات الذي صدر في فترة الثورة الليبرالية التي اجتاحت أمريكا عقب حرب فيتنام وفضيحة ووترجيت..
أما السبب الأهم في نظري لقراري السابق بتأجيل الكتابة، فهو أن يفعل عامل الزمن فعله في الكاتب والقارئ فتبرد حدة الأحداث وتتحول إلى تاريخ له سلبياته وإيجابياته ولا يمكن لكاتب مثلي أن يدعي الحياد في الكتابة عن انقلاب 23 يوليو وأنا كمواطن مصري عاش أحداثها كاملة وأثرت في حياتي ومستقبلي الشخصي والمهني والوطني والقومي يستحيل أن يكون المرء محايدا في الحديث عن حركة أعطته أحلى أيام عمره وأتعس نكسات وطنه...
كيف أدعي الحياد، إزاء تصفية الاستعمارين البريطاني والفرنسي وقد دام احتلالهما وامتهانهما لأمتنا العربية ما يقر من قرن ونصف قرن؟
كيف ضحيت بأحلى سنوات عمري في سبيل تحقيق الجلاء عن مصر أكون محايدا إزاء هذا الجلاء وقد تحقق بل ومرتين وقد عشت حتى رأيت بريطانيا تهزم في غزو مصر لم تهزم في عام 1882 برغم كل إعجابنا وحبنا للبطل أحمد عرابي وما أظن أن فرحة قد غمرت قلبا مثل فرحتي بقيام الثورة الجزائرية مع التسليم وقتها باستحالة انتصارها في عمر جيلنا فما بالك بتحقيق ذلك الاستقلال في أقل من عشر سنوات؟
هل استطيع أن أنسى الهزة الوطنية والقومية التي غمرت القلب والروح والعقل بإعلان تأميم قناة السويس وتصفية المصالح الأجنبية في الاقتصاد المصري وتخليص القطن من قرداجي ومزراحي وإعلان الوحدة المصرية السورية وسقوط حكم نوري السعيد وطرد غلوب باشا وكلها كانت أحلام المراهقة وعرائس الشباب؟
وكيف أكون محايدا إزاء خروجنا من دائرة النفوذ الأنجلو فرنسي ودخولنا في عصر الهيمنة والإسرائيلية والنفوذ الأمريكي الروسي.
وكيف أكون محايدا وقد كان ثمن الجلاء فصل السودان ولو خيرت في مطلع الخمسينات بين بقاء الاحتلال ألف عام وقبول فصل السودان لما اخترت أبدأ فصل السودان وقد كان شعار مصر من رئيس الوزراء إلى أصغر مصري تقطع يدي ولا يقطع السودان قالها زعيم وادي النيل الخالد ووفي بها.
هزمنا بريطانيا وفرنسا وتركنا غولدا مائير تقول عن حرب سيناء الأولى ومن بين الثلاثين ألف عسكري مصري الذين انطلقوا هائمين كالمجانين في الرمال، التقطنا خمسة آلاف أسير فقط لكي نبادلهم جميعا بالأسير الإسرائيلي الوحيد الذي أسره المصريون.
أهذا جرح يشفي؟ لا والله سيصحبني إلى القبر، ولولا أنه غسل بالدم وببرقية غولدا في حرب رمضان أيقظ كسينغر الآن لأننا نريد المساعدة اليوم فغدا ربما يكون قد فات الآن لولا ذلك لبعث جيل بأكمله مجروح العرض يوم القيامة.
أيمك أن أكون محايدا وأنا أكتب عن هزيمة 1967 التي لم تترك قيادتنا ثغرة واحدة يمكن أن ينفذ منها النصر العربي إلا وسدتها, ولا غلطة يمكن أن يستفيد منها العدو لم ترتكبها؟
ما بين فرحة تأميمي القناة وبين الحسرة وعبد الرحمن البيضاني يعد رجاله بأنه اتفق مع مصر على تخصيص دخل القناة لدعم ثورة عبد الله السلال؟
ما بين الفرحة بالوحدة ومرارة الانفصال وانتكاسة ثورة العراق وتمزق الوطن العربي وتحول ثورة الجزائر إلى قوة نشطة معادية لمصر وانهيار مكانة مصر ودور المصرين بل واحترامهم في سائر الدول العربية.
ما ين تمصر الاقتصاد المصري وتدمير هذا الاقتصاد والقضاء على فرصة مصر لبناء الوحدة الاقتصادية العربية وحول مصر وقيادة مصر حتى لم يبق في السوق العربية إلا الخادمة المصرية وفول مدمس قها ونحن الذين أقمنا أول شركة طيران عربية وأول بنك عربي وأول مصنع سماد عربي وأول صحيفة عربية وأول جماعة عربية وأول صناعة عربية بل نحن الذين كانت نقود العالم العربي تسمى على أسمنا المصاري والمدهش أن ذلك كله حصل في الفترة من 24 إلى 1952 ودمر في فترة أقل من 1954 إلى 1981؟
كيف أكون محايدا وقد تحولت مصر إلى سجن كبير اختفت فيه كل مظاهر وشكليات الديمقراطية وضرب فيه رئيس مجلس الدولة علقة ونودي فيها على شيخ كلية دينية في سجن حمزة البسيوني يا شيخ شادية فيرد مجيبا من هول ما نزل بإنسانيته من إذلال وشنقت السلطة لأول وآخر مرة في تاريخها بإذن الله كتابا ومؤلفين وجها بذه في الفقه والأدب والتفسير وهو مالم يجرؤ الاستعمار البريطاني الملقب بعدو الإنسانية على ارتكابه وهو يحتل مصر بثمانية ألف نجندي كيف أكون أنا محايدا والقانون في إجازة وما بين ذكريات أمجاد يا عرب أمجاد وشكوى بريطانيا سيدة فن الإعلام من ضراوة ونجاح الإعلام المصري وبين تراجع صحافة مصر إلى المرتبة الثالثة في كل البلاد العربية حمل كل خطاياي الإعلام الناصري بل أصبح رمزا لكل ما هو سيء إعلاميا.
مستحيل أن يدعي المرء الحياد في الكتابة عن زعيم وصل إلى السلطة وكل شيء في مصر أكبر منه ومات وهو أكبر من مصر وكل ما فيها!!مستحيل.
ولذلك كنت أتهرب وأحاول أن أكسب وقتا بتأجيل الكتابة إلى أن كانت عودتي لمصر بعد غيبة دائمة خمس سنوات وهجرة قاربت على الخمسة عشر عاما ورأيت البعث الناصري في كل مكان فالحوار الخاطئ الذي يدور حول من هو الأسوأ الرئيس الراحل أم الرئيس الأرحل قد رجح كفة الرئيس الأرحل جمال عبد الناصر ونسي المتحاورون أن عبد الناصر هو الذي اختار السادات نائبا له بل الأحرى أنه هو وحده الذي بقي إلى جانبه حتى الرمق الأخير بعد أن تمت تصفية وإقصاء كل رجالات مصر وأعضاء مجلس الثورة وإن أنور السادات جزء لا يتجزأ من حركة 23 يوليو مفهوما وأسلوبا وأنه المتمم لمرحلة عبد الناصر مع الفاروق بين أنفاق الوارث والدنيا مقبلة واستجداه وقد جدبت الموارد وأفلست الخزائن.
جمعت عددا من الكتب الناصرية التي تزخر بها المكتبات والأرصفة المصرية وهالني ما قرأت فالتجهيل والتشويه مستمران ولكن بشكل أكثر سوقية وأكثر ابتذالا.
وسمعت عن محاولات إنشاء حزب ناصري يستأنف المسيرة ورأيت الجامعة الأمريكية بالقاهرة تتحول إلى أكبر مركز للناصرية؟
ولم أدهش بل لعلي رأيت ما توقعته بالحرف، ولو كان غير ذلك لكان للدهشة ما يستوجبها وللحيرة ما يبررها فالجامعة الأمريكية في بيروت هي مركز اليسار هذا ومن دراستنا هذه إن شاء الله سيجد القارئ ما يقتنع به أنه من الطبيعي جدا أن تكون الجامعة الأمريكية هي قلعة الناصرية ومركز تفريخ الجيل الجديد من الناصريين ومعهد تنظير وتنميق وترويج الفكر الناصري.
وقررت أن أقول كلمتي للمغفلين وليس للتاريخ كما فعل محمد نجيب وإذا كنت لا أستطيع أن أعد القارئ بأن أكون محايدا أو غير منفعل في كتاباتي أذلا يملك القلوب إلا الله فإني أعده بما يرضيه وينصفني معه...
- 1- ألا أقدم واقعة واحدة غير مثبته المرجع.
- 2- إن اعتمد بالدرجة الأولى على شهادات الناصريين والمصادر الأجنبية التي لا تحتمل الشك على الأقل ف الواقعة التي نستشهد بها فعندما تقول غولدا مائير أن أيزنهاور أصر على الانسحاب بلا قيد ولا شرط ويؤكد نفس الحقيقة سلوين لويد، لا يمكن أن نتهمهما بالشيوعية وتشويه سمعة أمريكا خاصة عندما تؤكد الوثائق هذه الحقيقة وعندما تتفق رواية مصطفى أمين ومايلز كوبلاند على دور كيرمت روزفلت في مصر، من حقنا أن نرفض إنكار هيكل المتهم الأول.
- 3- أن ألتزم بالموضع وهي غير الحياد في عرض سلبيات وإيجابيات العهد الناصري مع التأكيد أن ما أقدمه من وقائع قد تحريت صدقه بكل ما في طاقة باحث أو مؤرخ أما التحليل الذي وصلت إليه فهو لا شك معرض للخطأ قابل للرفض والنقض ومقارعة الحجة بالحجة.
- 4- ولا أزعم أنني أشيد بعبد الناصر أو أدينه فذلك متروك للقارئ ولا أزعم أنني سأهدي جيلا من الضلال بل غاية ما أصبو إليه هو أن أسجل خبرتي ومعايشتي قراءاتي للجيل القارئ اليوم فإذا كان المصر والعرب أن يخوضوا تجربة ناصرية جديدة، فعلى الأقل ندخلها عن وعي هذه المرة.
وقد يتساءل لماذا أركز على هيكل والجواب ليس فقط للمكانة التي أحتلها القارئ اليومي فإذا كان مقدرا لمصر والعرب أن يخوضوا تجربة ناصرية جديدة، فعل الأقل ندخلها عن وعي هذه المرة.
وقد يتساءل القارئ لماذا أركز هيكل والجواب ليس فقط للمكانة التي أحتلها في العصر الناصري تلك المكانة التي تشكل في حد ذاتها سؤالا ضخما بل عريضة اتهام حافلة للنظام الناصري، ولا لأنه هو المتصدي الأكبر للترويج للناصرية بل لأنه أحد الحلقات الرئيسية في العلاقة الأمريكية الناصرية لأن هيكل كما جاء في كتاب حبال الرمال ولم يعترض هو ولا اتخذ أي أجراء ضد المؤلف والناضر قد جندته المخابرات الأمريكية كعميل في أوائل الخمسينات وأصبح بطريقة ما المتحدث الرسمي باسم الوطنية الناصرية والقومية العربية ومن ثم فإنه يعرض قصة الناصرية من زاوية يهمنا التصدي لها.
كذلك استعنت بشهادات رجالات 23 يوليو ومن المؤيديني لها في إطارها العام حتى وإن اختلفوا في تفاصل تدور حول أشخاصهم في الغالب أو حول كارثة وطنية لا مجال لقبولها الأمن مأجور.
وقد ركزت على قضية العلاقة مع الأمريكان والمواجهة مع إسرائيل ومعركة 1956 والاستبداد السياسي باعتبار أن هذه قضية اشبعت بحثا، ويعترف بها الناصريون أنفسهم ويعترون عنها بما تحقق من انتصارات في ميادين محاربة الاستعمار والوحدة العربية، والتصدي لإسرائيل ...إلخ.
وربما يرى البعض أن فصل الأمريكان باريس كان أجدر به لو أخر إلى نهاية الكتاب على أساس أنه النتيجة التي تثبتها هذه الدراسة ففيه نتحدث عن علاقة الأمريكان بحركة 23 يوليو ومن ثم فلا بد أن نمهد للقارئ حتى يصل إلى القناعة بما ندعيه عبر الحقائق والتحليلات لتاريخ الناصرية ومواقفها والتي كشفنا فيها مدى التزوير الذي تعرض له هذا التاريخ.
ولكنني رأيت أن أبدأ به فصول الكتاب حتى وإن صدمت القارئ وحجتي في ذلك أنني لم أستهدف أبدا ثبات تهمة التآمريين الناصرية والأمريكان حتى يمكن أن يكون ذلك هو عبرة الكتاب ونتيجته المنطقية!
لا ليس هذا هدفي ولا هو بالهدف الذي يستحق أن يقتصر عليه الجهد، وأنا أكرر ما قلته في أكثر من موضع أنه ليس من أهدافي أن أسئ إلى عبد الناصر أو أن أدينه بتهمة ما تماما كما لم يكن بيني وبين الشريف حسين ثأر شخصي ولا مصلحة ممكنة أو ممنوعة والرجل قد مات قبل أن أولد إنما أردت بتحليل العلاقة بين ما أسموه بالثورة العربية الكبرى، والمخابرات البريطانية إلقاء الضوء على ما تولد عن هذه العلاقة وترتب عليها من نتائج مازالت أمتنا تعاني آثارها إلى اليوم كذلك أردت بكشف العلاقة بين حركة 23 يوليو والمخابرات الأمريكية أن أكشف للشعب العربي التاريخ السري الذي أشار إليه رجل المخابرات الأمريكية ومدير شئون ثورة 23 يوليو عندما قال إن المؤرخين والدارسين الذين لا تتاح لهم معرفة التاريخ السري للأحداث لا يمكنهم أن يفسروا مثلا لماذا تجنب عبد الناصر الحرب مع إسرائيل في ظروف كان النصر فيها محتملا بينما قاد بلاده إلى حرب محتومة الخسارة.
وهذا الجهل بالتاريخ السري أوقع البعض في تفسيرات مجنونة مثل اتهام عبد الناصر بأنه عميل إسرائيل أو أمة يهودية هذا الإسفاف بل السخف الأحمق.
إن سلوك عبد الناصر الأحداث التي مرت والمواقف التي تبدو كالألغاز والتي تجعل بعض الناصريين المخلصين يرفعون أيديهم في حيرة العاجز، يطرحون السؤال ويعترفون باستحالة الإجابة عليه في إطار المنطق المفترض للناصرية كل هذا لا يمكن فهمه بدون معرفة مفتاح شخصية عبد الناصر، بدون الاطلاع على التاريخ السري لناصرية، بدون اكتشاف المعامل س الذي به وحده يمكن حل كل المعادلات المجهولة في الحقبة الناصرية.
والمعامل س هو تلك العلاقة التي انعقدت بين مجموعة جمال عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار من جهة وبين المخابرات الأمريكية من جهة أخرى عشية الثورة وبعد نجاحها وربما إلى عام 1964- 1965 .
وهكذا كان من الطبيعي والمنطقي أن نبدأ بهذا الفصل حتى ولو شكل ذلك صدمة للقارئ، بل ربما دفع البعض ممن يخشون الحقيقة فيبغضونها إلى التوقف عن متابعة بقة الفصول لأننا نبحث عن تفسير لا عن إدانة، ولا يمكن فهم مواقف الرئيس عبد الناصر من السودان والجلاء والعدوان الثلاثي وإسرائيل وصفقة السلاح إلا على ضوء هذه العلاقة فضلنا أن نطرح التفسير أولا ثم نستخدمه في تحليل الأحداث، فتتأكد صحته مرتين مرة كحقيقة موضوعية مرة بتطابقه مع النظرية العامة تماما كما أمكن اكتشاف بعض الكواكب بالحساب ثم ثبتت صحة الاستنتاج بتقدم آلات الرصد، مع الفارق في حالتنا هو أننا اتبعنا الأسلوب العكسي أي رأينا بالدليل الحسي علاقة الثورة بالأمريكان فلما استخدمنا هذه العلاقة في تفسير الأحداث تأكدت صحتها لأنها قدمت التفسير المعقول.
ويجدر أن نؤكد هنا ما أكدنا في فصول الكتاب من أن تنظيم الضباط الأحرار كان في مجموعة تنظيما مصريا وطنيا خالصا، نشأ من دوافع مصرية وبنوايا وطنية صادقة وأن غالبيته العظمى لم تعرف لا وقتها وربما إلى الآن هذه الصفقة التي عقدت مع المخابرات الأمريكية بل أننا نذهب إلى أن عددا كبيرا من أعضاء مجلس الثورة لم تكن لهم معرفة بذلك.
وقد أشرنا لذلك في غير هذا الموضع ولكننا نرجع هنا أنه لا يوسف صديق ولا البغدادي ولا حسين الشافعي ولا رشاد مهنا ولا كمال الدين حسين، كان لهم علم بذلك، كما نقطع أن خالد محي الدين لم يشترك فيها إما أنه أحس بها أو لم يحس فتلك قضية لا نجزم فيها كذلك نعتقد أن صلاح سالم اكتشفها مبكرا وفي خلال أزمته في السودان وحاول أن يوازنها بعلاقة مع الروس فاحترق وأن جمال عبد الناصر وعامر وذكريا وأنور كانوا على علم بها منذ البداية وأن كان نورا قد بقي بعيدا سواء عن ذكاء منه أو خوفا منه، أو إهمالا لشأنه يضاف إليهم في حدود ما وصلنا إليه علي صبري وحسن التهامي غير أن علي صبري قصة أخرى تماما إذ نعتقد أن له دورا أخطر من ذلك.
كما نؤكد هنا أن جمال عبد الناصر لم يكن عميلا للأمريكان ولا كانوا يصدرون إليه الأوامر بل كما قال مايلز كوبلاند المسؤل من قبل الcib عن مصر وعبد الناصر في الفترة من 1953- 1955 ولو أن كرميت روزفلت والمستشارون الذين بعثهم إلى مصر ستيف مييد وجيمس إيكلدغر، وبول ليبرغر، وآخرون لم يكونوا يديرون عبد الناصر بأكثر مما يسيطر عليه الروس اليوم إلا أن تلاقي أفكارهم مع أفكاره جعل فلسفته تلقى عطفهم وتأييدهم ومن ثم فإن ما فعله عبد الناصر يصرف النظر عن موافقة الغربيين أو عدم وافقتهم فهذا لا يهم إزاء حقيقة أن هذا الذي فعله قد نال تأييد فريق من الغربيين لا شك أن إخلاصهم المطلق لمصالح بلادهم وإن هؤلاء الذين أيدوا عبد الناصر كانت توجههم المبادئ المقبولة في الغرب.
أنها لعبة شديدة التعقيد أراد عبد الناصر فيها أن يوظف الولايات المتحدة لخدمة أهدافه التي كانت بلا شك وطنية في جوهرها، شريفة في مقصدها ولكنه أخطأ وخسر لسبب بسيط هو عدم التكافؤ بين اللاعبين وهذه هي العبرة التي نهدف إلى استخلاصها وتقديمها للمشتغلين بالسياسة والذين سيشتغلون بها يوما ما أنه لا يمكن أن تنجز ثورة بمؤامرة وأنه لا يمكن أن تتحقق مصالح الشعوب من خلال التعاون مع أعرق الاستعماريات المتعارضة المصالح والمواقف مع الأمة العربية وخاصة منذ سيطرة إسرائيل على السياسة في الولايات المتحدة.
إن هذه الصلة التي بدت في البداية صحية وضرورية وحققت نتائج باهرة.. مثل النجاح المدهش في سهولته للانقلاب ومثل شل القوات البريطانية ومنعها من التدخل، ثم إجبار بريطانيا العظمى على قبول الانسحاب من السودان ثم خلع محمد نجيب وتثبيت ناصر ثم إحباط الغزو البريطاني الفرنسي وطرح عبد الناصر زعيما للقومية العربية بل والمساعدة في تحرير الوطن العربي من الاستعمارين البريطاني والفرنسي إلا أن هذه العلاقة أو الحبل السري بين الناصرية والمخابرات الأمريكية كان يدمر في الجذور بقدر ما يبهج بالزهور الوقتية وخاصة فيما يتعلق بالصدام العربي الإسرائيلي والوحدة العربية والبناء الحقيقي لقدرة مصر الذاتية ففي هذه الميادين عملت هذه العلاقة على تدمير ما كان قائما وقادتنا إلا الإفلاس المطلق في الحقول الثلاثة فقد خرجت إسرائيل في المواجهة الإسرائيلية الناصرة بأعظم نصر تحقق في أي صدام من نوعه منذ انهيار الإمبراطورية البيزنطية أمام العرب ودمرت أسس الوحدة العربية وتحولت من إمكانية قبل ظهور ناصر إلى مستحيل عند وفاته وإلى اليوم كذلك تدهور مصر من مكانة الدولة الأولى في الشرق الأوسط في كل شيء إلى .... ما نعرفه...
وهذا السر الخفي هو الذي جعل بعض تصرفات النظام الناصري تبدو وكأنها تصدر من جهة إسرائيلية إذ لا شك في أنها كانت من حيث نتائج لمصلحة إسرائيل مما جعل البعض كما قلنا يتخبط فيضع تفسرا بروتوكوليا لها ولا ننكر أن المخابرات الإسرائيلية كان لها وجودها في بعض المراكز الحساسة في النظام الناصري بدليل بعض ما حدث في 1967 ولكن التفسير الذي وصلنا إليه عن هذه التأثيرات الإسرائيلية على القرار المصري هو أنها تمت عبر المخابرات الأمريكية وما كانت تتمتع به هذه المخابرات من ثقة الزعيم فإذا أضفنا إلى ذلك الحقيقة المعروفة وهي أن المخابرات الأمريكية هي أكثر الأجهزة الأمريكية تعرضا لتأثير الموساد أو المخابرات الإسرائيلية أمكننا أن نتوقع أن تكون بعض النصائح التي قدمتها المخابرات cia والتي أربكت القيادة الناصرية وأسقطتها في أخطاء أجادت إسرائيل الاستفادة منها يمكن أن نتوقع أنها موعز بها من عناصر الموساد داخل المخابرات الأمريكية ومن استرعى الذئب ظلم.
واعترف أن العنصر الإسرائيلي قد ألح علي إلحاحا شديدا في هذه الدراسة عندما كنت أجد معظم الخيوط والأحداث والقرارات الناصرية تصب في قناة واحدة هي: مصلحة إسرائيل حتى فكرت أن أجعل عنوان الكتاب كلمات على قاعدة التمثال وسيجد القارئ آثار ذلك في بعض الصفحات مشيرا بذلك إلى ما ذكره توفيق الحكيم عندما شكل لجنة لإقامة تمثال لعبد الناصر بعد وفاته فبعث إليه مصري مهاجر يقترح إقامة التمثال في إسرائيل في إسرائيل انطلاقا من حقيقة أنه إذا روجت خريطة المنطقة على ضوء ما حققته من مكاسب في العهد الناصري فستفوز إسرائيل بكل الجوائز من الميدالية الذهبية إلى الخشبية فخطر لي أن تكون فصول هذه الدراسة هي الحيثيات لإقامة التمثال أو الكلمات أو المنجزات التي تنقش على قاعدته.
ولكن عندما تعمقت في الدراسة تأكد لي صدقي وطنية ومصرية عبد الناصر وأنه فعلا أحس بخطر إسرائيل ابتداء من عام 1954ولكن علاقته بالمخابرات الأمريكية وما أثاروه في نفسه من خوف وما ربطوه به من تعهدات وما أوهموه من وعود بتسويات كل هذا أفسد فكره وشل يده وأجبره على شن معارك واتخاذ قرارات كانت كلها للأسف في صالح إسرائيل ومعظمها لم يكن يهدف إلا إلى تجنب المواجهة الحقيقية ومحاولة كسب الوقت حتى يأتي الحل الأمريكي.
أما كيف فسدت علاقة عبد الناصر بالأمريكان ولماذا انهارت استراتيجيته في التعاون المصري الأمريكي والذي كان يحمل إمكانية ولو نظرنا لتحجيم الدعم الأمريكي لإسرائيل ومن ثم ترجيح كفة القوى المحلية في المنطقة في الصراع العربي الإسرائيلي ؟؟؟؟
فالسبب في اعتقادي هو أيضا تلك الصلة الخفية مع الأمريكان فلو كانت هذه الصلة استراتيجية معلنة ومتفق عليها من جانب القوى الوطنية في مصر، لاتخذت مسارا أخر غر الذي اتخذته تلك العلاقة السرية المشبوهة بالحتمية والتي ظلت شبهتها تطارد الزعامة الناصرية حتى فيما بينها وبين نفسها والتي كانت تحتاج باستمرار إلى المهرجان ضد أمريكا في العلن لإخفاء ما يجري في الخفاء وللحصول على الشعبة المطلوبة كشرطي استثمار والاستفادة من هذه العلاقة الأمريكي بمؤسساته الدستورية والديمقراطية والصهيونية وإذا كان زكريا محيي الدين قد اعترف أن اللعبة كانت محتومة الفشل وفسر ذلك بالمؤسسات الأمريكية وعصبية عبد الناصر فإننا نفسر قوله وهو الذي اعتاد أن لا يتكلم فإذا نطق لا يكلم الناس إلا رمزا نقول أنه يقصد التأثير اليهودي على الأجهزة الأمريكية وبالتالي صعوبة أو استحالة تأييدها لمصر أو لبلد عربي إلا في إطار ما يخدم إسرائيل وأيضا صراع هذه الأجهزة وعدم انضباطها من وجهة نظر أعني وزير داخلية حكم مصر منذ جوهر الصقلي ومن ثم لا يمكن التحكم في تصريحات أعضاء الكونغرس ولا في تصرفات المسئولين مما يثير عصبية عبد الناصر وبالتالي يقع في الاستفزاز فيرد عليه باستفزاز أشد فهو يقول: إن مصادقة الأمريكيين هو أمر قريب من المستحيل لأن في البناء السياسي لها يؤثر على استراتيجيتها ويدلل على ذلك بأنه خلال فترة الصداقة التي قامت بين مصر والولايات المتحدة في السنوات الأولى للثورة استطاعت إسرائيل أن تكون عاملا مؤثرا في زعزعة هذه العلاقات ويضيف قائلا: خصوصا إذا كنا نستجيب بسرعة للأحداث وتكون انفعالاتنا هي أساس سياستنا.
وهذا يرجع إلى العلاقة السرية إلى تصور عبد الناصر أن المخابرات ستحل له مشكلة النفوذ الإسرائيلي في الأجهزة الأمريكية وستحقق مطالبه من وراء الكونغرس ووزارة الخارجية كما سنرى ومن ناحية أخرى فإن هذه العصبية كانت مقصودة لإخفاء العلاقة السرية كان من الضروري التطرف في سب أمريكا ورصد كل حركة أو تصريح في جميع أرجاء العالم والرد عليه بأكثر الصور علانية على أساس أن هذه التطرف في التصريحات يخفي العلاقة ويساعد على القيام بالدور الإيجابي البناء.
ثم تطورت الأمور فأصبح هذا هو مورد مصر الأساسي عندما كفت عن الإنتاج والتصدير ولم يبق أمامنا من مصدر للعملة الصعبة إلا المهرجان أو السيرك المفتوح لكسب متفرجين أو رأي عام عالمي ومن ثم نبتز بهم الدول الكبرى لتدفع ثم سكوتنا أو كما كتب هيكل في عام 1964 أن سياسة مصر الخارجية هي استثمارات لأنها تعود بفوائد عملية وسياسية لمصر في شكل مساعدات اقتصادية من أمريكا وعسكرية من روسيا ولم يكن أمام النظام الناصري من حل آخر بعدما رفض طريق الثورة الحقيقية وبناء القوة الذاتية معتمدا على طاقات المصريين ووحدة عربية حقيقية تجمع الإمكانيات العربية في اتجاه واحد بناء ولأنه صدق ما قاله له الخبراء الأمريكان حتى لو حصلت على البليون دولار التي تحتاجها لخطتك الخمسية، وحتى لو نجحت هذه الخطة حرفيا وحتى لو عمل كل مصري بأقصى طاقته وحتى إشراف أفضل الخبراء الأجانب فإن أفضل ما تتوقعه هو منع هذا البلد من التقهقر للوراء، لن تقدم لهم لقمة عيش أفضل ولا تعليم أفضل ولا رفاهية للعشب لا شيء أفضل لأن زيادة النسل تأكل الفرق.
ووصل عجز مصر التجاري إلى 400 مليون عملة صعبة في البيانات الرسمية بينما لم يكن الموجود الحقيقي يزيد عن ثلاثة ملايين دولار وفي 1966 جاء في تقرير أمريكي أن مصر لو باعت ذهبها كله لما كفى لدفع استيراد شهر واحد.
وقد أشار مصطفى أمين في رسالته لعبد الناصر إلى قناعة الرئيس المصري بسياسة المهرجان أو لعب دور الدولة الكبرى لكي تدفع لنا الدول الكبرى بصحيح وذلك عندما قال: أن الأمريكي قال له لو اهتم جمال عبد الناصر بشئون بلده الداخلية فقط وابتعد عن موضوعات التدخل في الكونغو والعراق واليمن فإن الحكومة الأمريكية مستعدة لأن تساعد مصر ماليا مساعدات ضخمة فقلت له على لسان سيادتكم أنكم مقتنعون بأنه لولا نفوذنا الخارجية لما اهتمت أمريكا بنا ولما أعطتنا دولارا واحدا ولو أننا بقينا على حالنا في الداخل ما استطعنا أن نتحول إلى دولة كبيرة ولا أن نحصل على برنامج واسع من المعونة وذلك بمواقفنا في الخارج.
وهكذا فحتى عام 1965 كانت أمريكا تقدم ثمانين بالمائة من الخبز الذي يأكله المصريون أو الرغيف المدعوم ودخلت مصر في الحلقة المفرغة التي أشار إليها مايلز كوبلند عندما قال ضروريا لتمويل المهرجان يعني لابد أن تتدخل مصر في الكونغو لتحصل على دعم من أمريكا وروسيا ولكن جانبا مهما من الدعم ينفق على حملة الكونغو وهكذا من الكونغو للعراق لسوريا للجزائر .... للمغرب... لغانا.. لليمن حتى جفت الاعتمادات وانفض المهرجان ولم يبق إلا الإفلاس.
أن رجال المخابرات الأمريكية الذين اتصلوا بتنظيم الضباط الأحرار وتعاونوا مع مجموعة عبد الناصر كانت تحركهم ثلاثة أهداف.
- 1- منع قيام ثورة راديكالية حقيقية في مصر.
- 2- حماية إسرائيل.
- 3- تصفية الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في العالم العربي وإحلال النفوذ الأمريكي وليس الروسي محلهما.
ولا جدال في أنهم حققوا الهدف الأول والثاني بتفوق ولكن الجدل حول أهداف الثالث لما يبدو لبعض المؤرخين وكأن النفوذ الروسي قد دخل المنطقة بفضل الناصرية وهذا صحيح جزئيا ولكن يجب ألا ننسى عنصر الوفاق بين الروس والأمريكان الذي ظهر في عنفوان الناصرية وإن الصدام الحقيقي في المنطقة كان بين أمريكا من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى وإن الأمريكان اكتفوا بتدمير كل القوى التي يمكن أن تحول المنطقة إلى دول شيوعية ترتبط إلى الأبد مع الاتحاد السوفيتي وقد صفي عبد الناصر الحركة الشيوعية في العالم العربي وتاكتيكات لعبة الأمم، فرضت على الإنجليز أو الأمريكان الاستعانة بالدب الروسي نكاية ف النسر الأمريكي أو الأسد البريطاني مع اطمئنان كل من المتصارعين الاستعماريين إلى أن التخلص من الدب الروسي سهل وممكن في اللحظة المناسبة كما حدث في حالة مصر والصومال والعراق على سبيل المثال وسنرى خلال هذه الدراسة أن أهم خطوة في العلاقة المصرية الروسية كانت بعلم الأمريكان أن لم نقل تشجيعهم.
ويجدر أن نشير هنا إلى تجربة مماثلة حدثت في العالم العربي، وللأسف فإن نفس التزوير والرغبة في خداع النفس، والتشبث بالأوهام، منعت من دراستها الدراسة الواجبة ولو حدثت هذه الدراسة لربما تجنب قادة حركة 23 يوليو الوقوع في نفس الخطأ ولربما تجنبوا أن يأتي مؤرخ فيطلق على حركة 23 يوليو اس ثورة كيرميتي روز فلت كما أطلقنا نحن على ثورة الشريف حسين أو (الثورة العربية الكبرى) لقب ثورة (لورنس) .
ففي الحرب العالمية الأولى كانت بريطانيا تحتل معظم العالم العربي ومصر والسودان وتعتبر الجزيرة العربية في منطقة نفوذها وكان العدو هو تركيا وهي أيضا الإمبراطورية الآفلة التي تستعد بريطانيا لوراثتها، وكانت بريطانيا تخشى أن ينضم العرب للأتراك تحت تأثير الرابطة الدينية أو حتى بالحس السياسي الذي كشف لهم ما تدبره لهم بريطانيا وفرنسا.
ولذلك قامت المخابرات البريطانية بتدبير، ما وصف بعد ذلك بالحدث الفريد من نوعه، وهو الاتفاق مع الشريف حسين علي إعلان الثورة العربية ضد دول الخلافة وبقية القصة معروفة إذ كانت هذه الثورة أحد العوامل في تمكين الاستعمارين البريطاني والفرنسي في المنطقة فتقاسما الوطن العربي كأنه فريسة بلا حول ولا طول... وأعطيت فلسطين لليهود بلا اعتراض جدي من الثوار.
وسيجد المؤرخ تشابها غريبا في إحداث الثورتين الشريفية والناصرية وبعض المؤرخين يسلكهما في خيط واحد في سجل تشريفات القومية العربية سيجد نفس اللامبالاة بالصهيونيو في البداية بل والأمل في التصالح معها وسيجد هذه العلاقة العاتبة المتوقعة ....(الشاكية) ...(المتوترة) والتي ستنهي بهزيمة عسكرية فادحة هنا وهناك وفي المرتين يتساءل المؤرخ لماذا اندفع الشريف حسين إلى محاربة عدو أقوى منه وأقدر على إنزال الهزيمة الساحقة به وفق كل المعلومات المتاحة وذلك في عام 1926 ضد السعوديين ولماذا انساق عبد الناصر إلى هزيمة 1976 بعد نصف قرن؟ ... ويستحيل الوصول إلى جواب مقنع إذا ما أصر المؤرخ على إغفال هذا العنصر في الحالتين الارتباط مع المخابرات البريطانية ومن ثم تصور استحالة تخلي الإنجليز عنه، وفي الحالة الثانية الارتباط مع المخابرات الأمريكية والظن بأن الولايات المتحدة ستتقدم بحل آخر لحظة ولن تسمح بقيام الحرب.
أوجه كثيرة للشبه يمكن أن يجدها المؤرخ أو حتى القارئ الذكي وقد أشرنا بالتفصيل لثورة لورنس في كتابنا القومية والغزو الفكري الصادر عام 1966 وكذلك في كتابنا السعوديون والحل الإسلامي الصادر عام 1980 ويمكن لمن شاء الرجوع إليهما..
وبعد ...
فقد كانت في مصر ثورة حقيقية وطنية تجمعت خلال الحرب العالمية الثانية، وتفجرت بقرار الوفد التاريخي بإلغاء المعاهدة وكان تنظيم الضباط الأحرار جزءا من هذه الثورة وكان عبد الناصر وطنيا مصريا يتطلع لانجاز هذه الثورة، ولكنه بطبيعته الانطوائية فضل الانقلاب العسكري على الثورة وبطبيعة الشك في نفسه، والتقدير الزائد لأهمية سلامته الشخصية أراد أن يؤمن هذا الانقلاب بالاتفاق مع المخابرات الأمريكية وبتعطشه الزائد للسلطة وقناعته بأن مصير مصر والأمة العربية رهين باستمرار في هذه السلطة مهما كان الثمن... حدث ما حدث...
ما نتلو عليك بعضه.
الفصل الأول:الأمريكان ياريس!!
رأي هيكل بمناسبة الحديث عن دور أمريكا أو الشريك الرابعة في حرب السويس فرصة لكي يتعرض لخرافة تقول بأن الولايات المتحدة كانت على اتصال بقيادة ثورة 23 يوليو قبل قيامها وإنها كانت في سرها قبل إذاعته.
وقد بدأ تعرضه لهذه الخرافة التي هي للأسف أقوى من الحقيقة بقوله: إن بعض الذين يروجون لهذه الخرافة، يعتمدون لسوء الحظ على رواية أوردها المستر مايلز كوبلاند في كتابه لعبة الأمم دون أن يسألوا أنفسهم سؤالا بسيطا، هو من هو مايلز كوبلاند؟
ولا أظن أن القارئ لكتاب لعبة الأمم، وما كتب عنه في الصحف الأمريكية والعالمية كان بحاجة إلى طرح هذا السؤال البسيط فالرجل قد عرف بنفسه وبوظائفه والمهمات التي عهد له بها واتصالاته في مصر مع هيكل نفسه والرئيس عبد الناصر والعديد من المسئولين المصريين وكلها أسماء رسمية وذات صفة عليا في الجهازين الأمريكي والمصري.
وكان الأحرى بهيكل أن يرد أولا على تعريف الكاتب والناشر بما يلزكوبلاند، قبل أن يقرعنا على عدم السؤال وقبل أن يعرفنا هو بمن هو مايلز كوبلند فإن فضحي الرجل كان أسهل ألف مرة لو قال هيكل بصراحة يقول ما يلز كوبلندا فإن فضح الرجل كان أسهل ألف مرة لو قال هيكل بصراحة يقول مايلز كوبلندا أنه كان يعمل في السفارة الأمريكية من كذا وهذا غير صحيح والدليل على كذا وكذا أو أنه كان عضوا في لجنة تخطيط سياسة الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية وهذه هي وثيقة من الخارجية الأمريكية تثبت أنه لم يعمل بها أو أنه يدعي أنه سلم حسن التهامي مبلغ الثلاثة ملايين دولار هدية المخابرات الأمريكية لعبد الناصر وهذا تكذيب من حسن التهامي مبلغ الثلاثة ملايين دولار هدية المخابرات الأمريكي لعبد الناصر، وهذا تكذيب من حسن التهامي يؤكد أنه لا يعرف الرجل ولم يحدث أن استقبله في شقته بالمعادي ..إلخ...
لو فعل هيكل ذلك لحق له أن يقرعنا بسؤال: من هوما يلزكوبلاند، ولكنه لا يملك أن يكذب معلومة واحدة مما قاله الرجل عن نفسه فلجأ إلى أساليب الردح المعتادة في البلدان المختلفة (دا كان عايز يشتغل ولم نقبل تعينه وعندنا جوابات منه...إلخ.).
يقول هيكل: مايلز كوبلاند- وهو يعترف بذلك في كتابه أحد موظفي إدارة المخابرات المركزية الأمريكية الذين عملوا في مصر فترة من الزمن.
صحيح وهذا ما قاله الرجل وافتخر به بل قدمه كوثيقة ودليل على صدق معلوماته، ولكن هيكل يقفز فوق هذه الحقيقة ليستنج أنه لا يمكن أن يؤلف وينشر إلا بموافقة المخابرات الأمريكية وبالتالي فالهدف هو تلطيخ سمعة جمال عبد الناصر كجزء من حملة الدعاية السوداء كما يسمونها ضد الثورة وقائدها.
ثم يؤكد أن للرجل ملفات كاملة في الحكومة المصرية تضم خطابات بإمضاء يطلب فيها أموالا من الحكومة المصرية لينشئ لحسابها إدارة مخابرات وهناك تأشيرات على هذه الخطابات بالرفض وبينها خطابات بتوقيع مايلز كوبلاند يشكو فيها من أن جميع المصريين المسئولين لا يقابلونه ولا يردون عليه، بينما هو يريد أن يخدم، ولا يطلب من مصر إلا ما يستطيع أن يعيش به ويحافظ على مستواه وتأشيرات على هذه الخطابات بمنع دخوله إلى مصر وبعدم حاجتها إلى خدماته وبأنها ليست مسؤولية لا عن معيشته ولا عن مستوى معيشته.
وبينها خطابات بتوقيع ما يلز كوبلاند يبدي فيها استعداده لحذف وتغيير كل ما لا ترضى عنه مصر في كتابه لعبة الأمم وتأشيرات عليها بعدم الرد عليه.
ويتساءل هيكل في النهاية ولست أعرف لماذا لا تنشر كلها أو ينشر بعضها أج في مواجهة ما يكتبه وينشره كوبلاند؟؟
سؤال مهم جدا...
وهو بالمناسبة ليس موجها ضد نظام السادات أو غيره حتى لا نقول بمؤامرة لتشويه سمعة الزعيم، وإن السلطة المصرية تخفي هذه الأدلة التي تبرئ ساحته وساحة ثورته، فالخطابات موجودة من أيام عبد الناصر على رواية هيكل والكتاب عرض للتنقيح والحذف على حكومة عبد الناصر، وصدر والزعيم حي يحكم، فكان الأحرى أن تبادر السلطات الناصرية بنشر تلك الخطابات إن كانت حقا تكشف زيف كوبلاند ولا تعزز روايته؟
وهو مالم تفعله الزعامة الناصرية ولا حكومة السادات مما يجعل سؤال هيكل يثير أكثر من سؤال على أن الأدلة التي أوردها السيد هيكل وهو طرف مباشر في الموضوع تؤكد صحة المعلومات التي أوردها مايلز كوبلاند، ولا تضعفها فضلا عن أن تنفيها لهذه الأسباب:
- 1- الرجل كان موظفا في المخابرات الأمريكية، وليس موظفا عاديا كما سنرى، ومن ثم فهو ليس بالصحفي الذي يستنتج أو ينقل من مصدر آخر مثلنا، بل هو شاهد عيان، عاشر الأحداث وساهم فيها، وهو يروي ما عاشه بدقة تفصيلية مثل أين كان الاجتماع ومع من وماذا حدث عندما دق الباب وعرف أنه السفير البريطاني فخرج له عبد الناصر...
- 2- وهو لا يروى فقط عن المصريين الذين قد لا يملكون الرد ولا ندري لماذا، ولا عن الأموات كما يفعل هيكل، بل عن مسئولين أمريكيين أحياء، ولهم أجهزة مهمتها الرد على كل حرف خاطئ يتعلق بهم ولا يعقل أن يصدر موظف كبير في وزارة الخارجية والمخابرات مثل مايلز كوبلاند كتابا في أمريكا ينسب فيه لقاءات وأحاديث واجتماعات لكبار المسئولين الأمريكيين كلها من نسج الخيال أو يزيف ما جرى فيها ولا يصدر تعليق في هذه الوقائع الأساسية وأن كان أكثر من مصدر قد صحح له وقائع تفصيلية.
- ولولا أنه كان موظفا في المخابرات الأمريكية وليس عميلا لما كان لكتابه أو شهادته هذه الأهمية التي تنبغ فقط من أنه موظف في المخابرات الأمريكية.
- 3- الرجل على صلة وثيقة بالحكومة المصرية، ويعتبرها مسئولة ولودابيا عن الحفاظ على مستوى معيشته إذا قبلنا رواية هيكل ولا دليل عليها إلا شهادته وهي أكثر من مجروحة ولا يعقل أن يأتي أفاق من فرنسا مثلا، ليس له أية صلة بالحكومة المصرية ويشكوانها لا تعطيه ما يحفظ له مستوى معيشته الذي اعتاد عليه.
- 4- وهذا كلام صاحب عشم وصاحب أفضال سابقة وصاحب إسرار يحذر من أن الجوع كافر وإن ذلك قد يضطره إلى مالا يحب ويضرك يابيه؟
- ولا أحد يأتي بكتاب كله أكاذيب ثم يساومك على حذف بعض الأكاذيب؟ لا ليس هكذا فن البلاك مايل... والأستاذ هيكل خير من يعرف أساليب الابتزاز الإعلامي والدعاية السوداء والرمادي والمكروهات الابتزاز لا يكون إلا على فضائح والفضيحة لابد لها من أصل حقيقي ومن ثم لا يمكن إلا أن يكون مايلز كوبلاند شاهد مهم، ولديه وقائع تمس سمعة النظام المصرين وبالذات بعض الأشخاص وأنه وثيق الصلة بالحكومة المصرية التي حد كتابة الخطابات واقتراح إنشاء جهاز مخابرات خاص لهم على ضوء ما شاهدوه وعرفوه من خبرته، ويشكو من إهمالهم، ويساوم على حذف بعض ما لديه من معلومات هذا كله يؤكد أن لعبة الأمم لم يكن قصة خيالية وهذا ما نصل إليه من أدلة نفي هيكل إما الأدلة الحقيقية فصبرا علينا...
يبقى سؤال: لماذا سمحت المخابرات الأمريكية بنشر هذا الكتاب؟
- ويبادر هيكل فيسد علينا الطريق بطرح إجابة: إنها مؤامرة لتشويه سمعة الزعيم ونحن لا نرفض هذا التفسير أبدا، بل بالعكس نجد أنه محتمل جدا، فالعلاقات منذ 1964 أو 1965 كانت قد تدهورت تماما بين واشنطن والقاهرة، والأجهزة الأمريكية المؤيدة لناصر كانت الولايات المتحدة قد اتخذت قرار تحجيمه إن لم يكن إسقاطه فلا عجب ولا غرابة أن تحاول الأجهزة الأمريكية تشويه سمعته ولكن الأستاذ هيكل وهو خبير يعرف أن أجهزة المخابرات عندما تقرر تشويه سمعة زعيم فهي تلجأ إلى أحد أسلوبين أو هما معا: الإشاعات وهذه لا يعرف مصدرها، ولا يمكن الدفاع عنها، ولكنها تخلق التشويش المطلوب وهذه قد تكون كاذبة وملفقة لا يهم فلا أحد يتحمل مسئوليتها وهذا ما استخدم ضد محمد نجيب والنحاس وصلاح سالم...إلخ..
الأسلوب الثاني... هو نشر وثائق تدين هذا الزعيم، وتسيء إلى سمعته، وأحيانا نادرة تكون الوثائق مزورة بإتقان بالغ ولكنها في هذه الحالة لا تنسب أولا تصدر بشكل واضح من الجهة التي تريد ترويجها لسبب بسيط هو أو الزعيم أو المسئول يستطيع بما يملك من سلطات إثبات تزويرها وبالتالي تفقد هذه الجهة التي أصدرتها مصداقيتها عند الناس وهو عنصر مهم جدا لنجاح حملاتها بل حتى أكاذيبها في الظروف الحرجة لا يمكن أن تصدر وثيقة علنية على لسان المخابرات الأمريكية ضد رئيس دولة تتحدث عن اجتماعه وتنسيقه برجالها دون أن يكون ذلك أصلا لأن الناس لن تصدق المخابرات الأمريكية بعد ذلك وجانب مهم من نجاح هذه الأجهزة وقدرتها في السيطرة على العملاء والمتعاونين هو هذه الوثائق التي تملك نشرها والتي تفقد قيمتها إذا طعن فيها بالكذب أو إذا قبلنا منطقة هيكل بأنه يستحيل نشرها، وهو المنطق الذي يغررون به بالعملاء عند بادية تجنيدهم للعمل، بأن خطيئتهم في الحفظ والصون!!
نعود للسؤال .. لماذا نشر هذا الكتاب؟
والجواب لابد أن يشمل العديد من الكتب والأخبار والقوائم والتقارير التي نشرت ابتداء من هذه الفترة وكلها تتضمن معلومات حقيقية عن نشاط المخابرات الأمريكية وأجهزتها وعملاءها ثبتت صحتها أو على الأقل لم يقدم حتى الآن دليل ينفيها وفي حالات قليلة جدا قام المعنيون برفع قضايا ضد الناشرين..
ولسنا ندعي أننا نملك القدرة على تحديد كل الأسباب التي تدفعي المخابرات الأمريكية التي نشر بعض وثائقها في فترة من الوقت فهذه الأجهزة وصلت إلى مستوى من التكنيك والتعقيد، يفوق الفهم العادي وأحيانا يخرج عن دائرة حسابات منظميه!!
ولكن عجزنا عن الفهم لا يدفعنا إلى نفي وجود هذه المخططات فليس كل الناس بوسعهم فهم نوعية العلاقة بن روسيا والولايات المتحدة، ولا كيف تكون انجولا شيوعية ومع السوفيت وحكومتها تعيش على حماية الكوبيين ومصدر دخلها الوحيد الذي تدفع منه مرتبات الكوبيين، هو النفط الذي يملكه الأمريكيون.
ومرة قلت أن السياسة هي الآن رياضة عليا أو ما يسمى في المدارس بالرياضة الحديثة والذين يحاولن فهمها بمبادئ الحساب أ والرياضيات القديمة يفشلون فشلا ذريعا ولكنها علم موجو وضروري وهو وحده يفسر الكثير من غرائب العلم فنحن نواجه قضايا كالفيروسات، قد لا نستطيع رؤيتها بل ولا نملك تحصين أنفسنا ضدها ولكن تجاهلها هو انتحار.
فلنسلم أولا أن جانبا من الإجابة على سؤال لماذا تنشر المخابرات الأمريكية أو موظف سابق في المخابرات الأمريكية هذه الأسرار؟ هو سؤال فوق مستوى فهمنا وإذا كنا نفتح أفواهنا في بلاهة اليوم عندنا نقرأ أن ثورة 23 يوليو بكل شعاراتها ومغامراتها وأمجادها بدأت بعلاقة خفية مع المخابرات الأمريكية، فلا يجوز أن نرفض هذه الحقيقة لمجرد أن جانبا من الإجابة على سؤال لماذا يخبروننا صعب الفهم...
ثم نضيف هذه الحقائق...
- 1- قانون حرية المعلومات وقد صدر عام 1966 وهو لا يمنح الشعب فقط حرية نشر المعلومات بل يحبر الأجهزة الحكومية على تقديم المعلومات لمن يطلبها وهو النص المكمل لحرية الإعلام إذ أنه طالما ظلت المعلومات محظورة فلا سبيل لمعرفة الحقيقة ومن ثم لا ممارسة حقيقيةي لحرية الاختيار وصدور هذا القانون ليس كما وصفه وليم شوكروس الكاتب البريطاني ومؤلف كتاب نيكسون- كسينغر وتدمير كمبودياي) وهو الكتاب الذي نشر أكبر مجموعة من الوثائق السرية الأمريكية عن تآمر الحكومة الأمريكية على تدمير كمبوديا رغم حيادها فقد وصف الكاتب البريطاني قانون حرية المعلومات بأنه تحية لثقة المجتمع الأمريكي بنفسه.
- نحن لا نرى لك بل نعتقد أنه كان تعبيرا عن ثورة، وفي نفس الوقت محاولة لإجهاض هذه الثورة التي تنامت في الستينات ضد الأخطار الفادحة التي ارتكبتها المؤسسة الأمريكية وتوجت بكارثة فيتنام والتي لولا هذا الانفراج ولولا الانفتاح الليبرالي الذي خفف الضغط عن المثقفين الأمريكيين لربما أدى إلى تغييرات أكثر عمقا في التركيبة الأمريكية.
- ولكن هذه الحريات التي تتابعت من حرية المعلومات إلى حرية الفاحشة، وما أدى إليه من مبالغات لعل بعضها كان مقصودا ومدبرا مثل نشر قائمة بأسماء موظفي المخابرات الأمريكية الأمريكان في الخارج مما أدى إلى تعرضهم لحوادث اغتيال ومثل نشر أو إحباط بالنشر لكثير من عمليات أمريكا مما أدى إلى ردة فعل سنتعرض لها
المهم أنه في هذه الفترة من 1966 إلى وصول ريغن للحكم وبداية الهجمة اليمنية لإعادة الهيبة والجدية والسرية لأجهزة الدولة تسبرت ونشرت حقائق كثيرة جدا كان الشرق الأوسط هو أقلها للأسف كما شهد هيكل نفسه بأن ما نشر عن الشرق الأوسط لا يكاد يذكر مما نشر من أسرار ونشاط المخابرات الأمريكية في مناطق أخرى من العالم ولهذا أسبابه التي تؤكد أن قبضة المخابرات الأمريكية لم تحطم تماما حتى في هذه الفترة والمعروف أن هذه الأجهزة تتقن فن مقاومة الانفجارات أو التغييرات المفاجئة والمؤقتة وإذا كانت بريطانيا العظمى أو الديمقراطية تمكنت من حرق خطأ مسودة الاتفاق البريطاني الفرنسي الإسرائيلي فلم يعد لها وجود واستحال عثور أي محقق أو مؤرخ عليها فإن الموظفين المخلصين في المخابرات الأمريكية يستطيعون في تلك الفترة الشاذة إخفاء بعض الملفات أو التعلل بعد وجودها أو البحث عن ثغرة في القانون... إلخ.
- وهناك أيضا تفسيرات أخرى فالمخابرات الأمريكية تهتم بحفظي الوثائق عن عملائها في الشرق الأوسط لأن العملاء يعمرون في السلطة وفي الخدمة أكثر ولأن وهو السبب الأهم في اعتقادي أن الحريصين على الاستفادة من قانون حرية المعلومات في بلدان العالم الأكثر تقدما أكثر بكثير جدا من الذين حاولوا الاستفادة منه في الشرق الأوسط أو من العالم العربي بالذات فأنشط العناصر وأقدرها وأبرزها على الساحة العربية هي صاحبة المصلحة في عدم نشر هذه الوثائق وإلا فأين هي المؤسسة التي توجهت فورا إلى واشنطن وطلبت هذه المعلومات؟
- العجز والكسل واللامبالاة والجهل كلها حجمت الخسائر، فلم ينشر إلا النذير اليسير ولأسباب عديدة قد تكون منها الأسباب الشخصية التي نسبها هيكل لمؤلف لعبة الأمم الذي أكد ما جاء في كتابه أكثر من وثيقة منها على سبيل المثال كتاب حبال الرمال لمؤلف لا يمكن أن تعلق ذرة من الغبار على سمعته ومدافع مخلص عن الحق العربي وكذلك ما جاء في رسالة مصطفى أمين الصحفي المعروف ورئيس هيكل إلى الرئيس جمال عبد الناصر وعندما يقول مصطفى أمين لعبد الناصر ف خطاب لم يتصور أنه سينشر يوما ما كلفتني أن أذهب أنا وهيكل وأقول لما يلز كوبلندا كذا وكذا فإن من حقنا لا أن نصدق رواية كوبلاند عن نفسه فقط بل وأن نطرح أكثر من علامة استفهام حول تجاهل هيكل لمايلز كوبلاند ومحاولة نفي أي علاقة به أو حتى أنه قابله أو أنه كان يشغل مكانة مهمة وعلى اتصال وثيق بالسلطة المصرية على أعلى مستوياتها.
- لماذا هذا الإنكار؟ إلا أن كان هيكل يعرف أن فيه شبهة وما الشبهة في الاتصال بمسئول أمريكي؟ إلا أن كان مسئولا من نوع خاص؟
- وقد ثبتي أن ما نشر في هذه الفترة من عملاء أمريكا في أوربا صحيح وأن ما نشر عن دور المخابرات الأمريكية وبالذات كيرميت روزفلت في خلع حكومة مصدق بإيران وإعادة الشاة حقيقي مائة بالمائة ومن الحقائق المسلم بها كذلك ما نشر عن دور هذه المخابرات في انقلاب حسني الزعيم وما نشر عن الصحف التي كانت تصدرها أو تمولها المخابرات الأمريكية مث مجلة حوار وإذا كان من الممكن أن يتسرب من المخابرات الأمريكية نبأ عمالة رئيس وزراء الهند، بل ومرتبه الذي يتقاضاه من المخابرات الأميكية وهو لا يزال يعمل في السياسة الهندية؟ بل ويعرف المبلغ الذي يصرف من المخابرات الأمريكية لا حد رؤساء الدول العربية الأحياء وقت كتابة هذه السطور فلماذا نستغرب نشر عمالة أحد الصحفيين خاصة وأن اتصالاته بالأمريكيين وتقديمه المعلومات لهم سابقة على الثورة وواردة في وثائق رسمية تحمل طابع وزارة الخارجية الأمريكية؟
- 2- يجب أن نضع في الاعتبار أيضا أن المخابرات الأمريكية مثل المجتمع الأمريكي غريبة التكوين غريبة الفلسفة قد تكون على درجة عالية في التكنيك والتكنولوجيا ولكنها تفتقر إلى التقاليد إلى شرف المهنة إلى الالتزام من قبل العاملين فيها وذلك لإفقار المجتمع كله لروح وطنية فلا مجال لمقارنتها بالمخابرات البريطانية أو الروسية حيث يسودها نظام أشبه بالرهبنة والتبتل في المخابرات الأمريكية عدد كبير من العاملين بها ينشقون ويفضحون أسرارها ربما عن نزعات ليبرالية وهي صفة أصيلة في الإنسان الأمريكي إلى جانب العنصرية والغرور والإجرام والعنف إلخ... وبعضهم لمجرد الكسب فهم يستغلون مراكزهم للعب في البورصة أو عقد صداقات لتكوين شركات بعد تقاعدهم مع عملاءهم في البلدان الأخرى ولذلك لا نستبعد أن يكون مايلز كوبلند قد تحرك بدافع انتهازي وأنه حاول فعلا مساومة السلطة المصرية التي لا تصدق أنه يستطيع نشر هذه الأسرار أو أنه أراد أن ينشر كتابا ناجحا فاستغل ما لديه من معلومات وحقائق.
- 3- يجب أن نضع في الاعتبار أن إعلان دور المخابرات الأمريكية في تدبير ثورة العصر وخلق أكبر زعيم في العالم الثالث هو نوع من الترويج والدعاية للمخابرات الأمريكية في وقت كانت تتعرض فيه لحملات نقد قاسية وفقدان ثقة فقد كان يهمها أن تروج عن عملياتها الناجحة والأجدر أن يتساءل هيكل لماذا نشر كيرميت روزفلت عراب الثورة المصرية وهو ليس مجرد موظف في المخابرات الأمريكية بل نائب مدير المخابرات ورئيس العمليات في الشرق الأوسط كله لماذا نشر دوره في الانقلاب على مصدق؟
- هل كان ذلك جزءا من الدعاية السوداء لتشويه سمعة الشاة لا بل دعاة للمخابرات الأمريكية وجذب للحكام وزالرغبين في العمالة وأيضا من قصور وعجز النظام الأمريكي وقد احتج الإنكليز الأعرق في فن الإفساد والتآمر على زهو الأمريكيين علنا بدورهم في خلع مصدق .
- 4- القانون الأمريكي حتى قبل صدور قانون حرية المعلومات كان يحدد فترة زمنية معينة يتحتم بعدها نشر الوثائق وبالطبع تستطيع هذه الأجهزة أن تخفي إلى حد ما وثيقة ترى أن نشرها يشكل ضررا فادحا للمصالح الأمريكية أما العملاء فلا أهمية لهم انتهى دورهم فيقذف بهم مزبلة التاريخ كالليمونة بعد عصرها...
- 5- كما سنرى من عرض كتاب مايلز كوبلاند أن عملية الثورة المصرية كانت من تدبير جانب معين في الإدارة الأمريكية وأن العملية في النهاية من وجهة نظر دافع الضرائب الأمريكي والسياسي العادي كانت عملية فاشلة خاطئة أضربت بأمريكا ولم تفدها ومن هنا كان من مصلحة المخابرات الأمريكية أن تدافع عن نفسها والكتاب كله يدور حول هذه القطة ولا تنسى أنه مكتوب للأمريكيين فلا يزيد عدد من قرأه من المصريين عن بضع مئات هذه النقطة هي: أن خطة المخابرات الأمريكية والسياسي العادي كانت عملية فاشلة خاطئة اضرب بأمريكا ولم تفدها ومن هنا كان من مصلحة المخابرات الأمريكية أن تدافع عن نفسها والكتاب كله يدور حول هذه النقطة ولا تنسى أنه مكتوب للأمريكيين فلا يزيد عدد من قرأه من المصريين عن بضع مئات هذه النقطة هي: أن خطة المخابرات الأمريكية في إنجاح ودعم ثورة 23 يوليو كانت صائبة ولكن الأجهزة الأمريكية الأخرى أفسدت المخطط وتسببت فيها حدث من تناقض ثم صدام بين القاهرة وواشنطن.
فهو دفاع عن المجموعة التي بدأت لعبة الانقلاب العسكري في المنطقة من سوريا ومصر وإيران ثم ثلاث دول عربية أخرى على الأقل لا نستطيع ذكرها بسبب الجبن ولكي لا يتسع الخرق على الراتق ولا شيء أكثر من ذلك وإن كان يستحيل على متوسط الذكاء إلا أن يخمنها.
- 6- ثم لا يخفي التعقيد الذي تمت به عملية 23 يوليو، فهي كما سنشرح ليست انقلابا أمريكيا من طراز انقلابات أمريكا الجنوبية أو الانقلابات السورية وقد غضب عبد الناصر جدا عندما ظن أن وزارة الخارجية الأمريكية تريد معاملته على هذا الأساس.
- وقد حدث انشقاق بالغ في السنوات الأخيرة بين مصر والولايات المتحدة كما لعبت التناقضات الشخصية دورها بين العناصر المشتركة في اللعبة وربما كان نشر بعض الحقائق عن شخص ما هو فرصة أذن لصحفي كبير خرج عن أصول اللعبة بدافع الحقد الشخصي فغدر بعميل أكبر منه تاريخيا وأقدم منه فكان أن سربت المخابرات الأمريكية معلومات جديدة لحقيقة قديمة قد نسيت تماما.
- 7- وأخرا فإن السؤال الذي يمر بالخاطر هو أن نشر معلومات مايلز كوبلاند، وكراين و غيرهما هل أدى إلى تغيير أو حتى تساؤل أو أضعاف لمركز ومناصب ودور الأشخاص الذين تناولتهم هذه المعلومات وأكدت دورهم في التعامل مع المخابرات الأمريكية؟
أن هذه الأجهزة تتعامل مع البلدان المختلفة كما يتعامل الإنسان مع الحيوانات لا يهمه أن يتحدث بأسراره أمامها أو أن يتعرى أمامها فهي غير قادرة على الاستفادة من ذلك ونحن نعرف مقدما أن الكثير سيلقون بهذا الكلام جانبا ويستعيذون بالله من تشويه سمعة الزعيم الخالد.
وقبل أن ننتقل لقصة الثورة والمخابرات الأمريكية ودفاع هيكل المتهافت نشير إلى أن الموجة الليبرالية قد انحسرت في الولايات المتحدة بزوال ذكريات فيتنام ومع الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدل البطالة والردة المحافظة بعد موجة الانحلال مما أدى كله إلى انتشار موجة وطنية دينية محافظة دفعت بالجناح اليميني في الحزب اليميني الجمهوري إلى السلطة وبدأت حكومة ريغن تعيد تنظيم الأجهزة وتفرض احترام المؤسسات وأسرارها.
قدم ريغن مشروعا للكونغرس باستثناء المخابرات الأمريكية من قانون حرية المعلومات كما كسبت المخابرات الأمريكية في عهد ريغن كل القضايا التي رفعتها ضد موظفين سابقين فيها أو ناشرين حاولوا نشر معلومات عن نشاطها دون موافقتها وفي 1980 حكمت المحكمة الدستورية العليا الأمريكية ب 6 أصوات ضد 3 في قضية سنيب ضد الولايات المتحدة قضت بحق المخابرات الأمريكية في مراقبة ما ينشره موظفوها السابقين مدى الحياة للتأكد من أنهم لم يذيعوا معلومات سرية وحكمت المحكمة أن أي شخص وقع هذا العقد عند التحاقه بالخدمة ولم يعرض مؤلفاته على المخابرات قبل نشرها حتى ولو كانت تتضمن معلومات غير سرية يكون قد خرق أو أخل بتعهده وعلى هذا أجبر فرانك سنيب وهو محلل سابق لشئون شمال فيتنام في المخابرات الأمريكية أجبر على أن يعيد للحكومة كل ما حصل عليه من عائدات كتابه: decent interval وجاء في حكم المحكمة مبادئ عامة تجعل من الممكن تطبيق شروط الرقابة المسبقة على النشر على عشرات الألوف من الموظفين حتى خارج cia الذين لهم اتصال بالمعلومات المحظورة وكان كارتر آخر الليبراليين أو أخر مرحلة الانقلاب والتسيب أو أن شئت تطويق الثورة بالانفراج قد أصدر قانون عام 1978 بترجيح حق الجمهورية في المعرفة عند تصنيف الوثائق إلى محظور ومباح فيقتصر الحظر على مالا مجال للشك في خطورته على الأمن الوطني أما ما يحتمل الشك فيفرج عنه الجمهور.
وقد ألغي ريغن هذا القرار في 2 أبريل 1982 فأعفى الموظفون من أي اعتبار لحق الجمهور في المعرفة والزموا في حالة الشك بترجيح الحظر، وألغي شرط خطر على الأمن الوطني.
وفي 11 مارس 1983 صدر قانون رئاسي أي لا يعرض على الكونغرس يحظر على طائفة كبيرة من الموظفين العاملين والسابقين نشر أي معلومات قد تكون سرية وقد لاحظ الرئيس نيكسون أن قائمة الطعام في البيت الأبيض يكتب عليها سري
وقال ريتشرد ويللر نائب المدعي العام أن هدف تشريعات الرقابة المسبقة على النشر هو تقديم أسلوب معقول لمنع الموظفين الذين على اتصال بالمعلومات السرية من نشرها كما أصدر الرئيس ريغن قانون حماية الأشخاص العاملين في المخابرات وهو يمنع نشر أسماء الأشخاص المتعاونين بطريقة ما مع المخابرات الأمريكية حتى ولو كانوا قد ارتكبوا جرائم معاقب عليها بموجب القوانين الأمريكية وقد وصفه فيليب كيرلاند، أستاذ القانون في جامعة شيكاغو بأنه أوضح عدوان قام به الكونغرس على الحرية الأولى في وثيقة الحقوق.
وفي أكتوبر 1983 حكمت المحكمة العليا بحق المخابرات في رقابة أي مادة تنشر عنها وحذف ما تراه مخلا بالأمن.
وتقرر إعادة تسجيل تاريخ المخابرات على شرط ألا يتاح لأحد خارج المؤسسة على الإطلاق وإلى الأبد أو كما صرح المتحدث باسم ال CIA (دال بترسو) سيبقى هذا سري إلى الأبد واشنطن بوست 19/ 10/ 83)
ويوصف ستانسفيلد تيرنر رئيس المخابرات الأمريكية الأسبق بالهمجي لأنه كان من أنصر الانفتاح ونشر المعلومات.
ووصف التشريع الجديد بأنه سيحرر الCIA من العبء الثقيل والفريد من نوعه المتأتي من قانون حرية المعلومات فإن الوكالة ستحتفظ بجميع ملفاتها عن العمليات تحت الحظر على مدى المستقبل المنظور.
ولعل هذا يوضح أن الولايات المتحدة مرت بفترة انفلات ولا أقول ثورة ولا راديكالية وإن كان طلبة أمريكا في الستينات شكلوا أكبر قوة ثورة في العالم وقتها أدت إلى رغبة في معرفة ما يجري في أحشاء المجتمع الأمريكي ثورة الفرد الأمريكي أو المؤسسات الليبرالية ضد النمو السرطاني لأجهزة الأمن وهؤلاء هم الذين آمنوا عن حق بتصفية المؤسسة السلطوية الأمريكية لأنها إذا كانت تبنى الإمبراطورية الأمريكية في الخارج بهذه الأساليب القذرة فإنها لابد كما تؤكد عبرة التاريخ أن تمتد إلى الداخل وبنفس الأساليب وتسلب المواطن حريته وأمنه واستقلاليته أو خصوصياته وهذا ما أكدته فضائح المباحث الفيدرالية وفضيحة ووترغيت وتغلغل المخابرات الأمريكية في الصحافة والجامعات وإجراء تجارب بشعة على مواطنين أمريكيين فرأى هؤلاء أن نشر فضائحها وسيلة من وسائل تصفيتها أو تطهيرها أو تطوير أعمالها إلى مستوى أكثر أخلاقية.
وكان هناك كما ذكرنا الذين نشروا هذه الأسرار كوسيلة من وسائل الكسب بنشر كتب أو مقالات مثيرة وهناك من استخدموها كنوع من البلاك ميل أو الحساب صراعات مراكز القوى وهو ما حدث بالنسبة للشرق الأوسط فالخلاف بين وكلاء السلاح أدى إلى استعانتهم بموظفين سابقين في المخابرات الأمريكية نشروا معلومات عن عمالة وعمولات الوكلاء المنافسين.
في تلك الفترة الشاذة من تاريخ أمريكا وتاريخ الإمبراطوريات عموما نشر الكثير من حقائق الممارسات الأمريكية المخالفة للشعارات المعلنة عن المبادئ والقيم الأمريكية مثل مذبحة ماي لاي في فيتنام ومثل كتاب لعبة الأمم ومثل دور أمريكا في الانقلاب الإيراني والانقلاب اليوناني ولكن القوى المضادة استطاعت أن تنظم حملة ضخمة لم تقتصر على الولايات المتحدة بل اتخذت طابعا عالميا من قبل الحكومات والمؤسسات والعملاء الذين ثاروا ضد هذا الانقلاب وهددوا بمنع التعاون مع أمريكا التي لا تستطيع أن تحفظ سرا مما ساعد على تقوية التيار الداخلي فأعيد الانضباط وانتهى المهرجان فهل نستفيد من القليل الذي تسرب في لحظة الفوضى؟.
هيهات فقد استولى الثوار في طهران على وثائق السفارة الأمريكية كاملة وأعادوا لصقها بعدما قطعت، وبها أسماء الكثير من العملاء والمثير من المعلومات فأين هي؟ ومن استفاد منها؟
ألم يشاهد قوم إبراهيم أصنامهم محطمة وملقاة على الأرض مجرد نفايات فهل شكوا فيها أو كفروا بها فضلا عن الإيمان بإبراهيم؟ بالعكس راحوا يجمعون الحطام ويلصقونه لإعادة تركيب (الألهة) وكان همهم الأول وشغلهم الشاغل هو البحث عمن فعل ذلك بآلهتنا لا لمكافأته على كشف الحقيقة لهم بل لحرقه في النار تأكيدا لإيمانهم بالنفايات الملقاة على الأرض بالأصنام المحطمة وتأكيدا لإبراهيم أن كل ما بذله لإثبات كذب هذه الآلهة لم يزدهم إلا يقينا بالأصنام الخالدة الذي تآمر إبراهيم على تشويه سمعتها.
وتأمل كل الأسماء التي وردت في كتاب لعبة الأمم كمتصلين بالمخابرات الأمريكية تجدها مازالت بعد 1969 في مكانها على القمة أو عادت للتألق بعد فترة خفوت وكأن ساحرا ما يجدد حيوتها ويدفع بها إلى قمة الأحداث.
خذ مثلا حسن التهامي الذي يعد من الحلقة الضيقة التي كانت تعرف كل شيء والتي تعاونت تعاونا مطلقا مع المخابرات الأمريكية وبالذات مع مايلز كوبلند حتى أنه هو الذي عد وتسلم الثلاثة ملايين دولار التي قدمت رشوة أو هدية للزعيم الخالد هذا الحسن تهامي يتساءل رجل طيب من الذين نكتب لهم هذا الحديث يتساءل في حيرة ما الذي جعله يظهر من جديد ويأتي به عبد الناصر وزيرا في حكومته بعد هزيمة 1967؟ والحاج أمين هويدي كان مديرا للمخابرات ويعرف أنه ما من سبب منطقي أو معقول يجعل عبد الناصر يتخطى الأربعين مليونا ويختار هذا الذي يتظاهر بالجنون المطلق وزيرا والذي لا يملك أية مؤهلات ظاهرة تصلح لتولية ناظر مدرسة فضلا عن وزير والذي سقط في منطقة الظل، وهي المنطقة التي يسميها المصريون وراء الشمس ولا أحد يعود منها ولكنه عادة وأصبح وزيرا في عهد عبد الناصر بل ولعب دورا حاسما في تحديد خليفة عبد الناصر؟
الحاج أمين هويدي يحكي لنا بعض الطرائف عن سلوك التهامي هذا في مجلس الوزراء منها أنه كان ينصحهم ألا يتعبوا أنفسهم في بحثي إزالة أثار العدوان لأنه رأى سيدنا الخضر الذي أكد له أن اليهود سينهزمون وسيخرجون من مصر ويضرب الحاج هويدي كفا بكف ويقول ولا تسألوني لم أستوزره عبد الناصر؟ فهذا سؤال يضاف إلى عشرات الأسئلة التي تحير ولا أجد لها جوابا وعزائي أنني لست وحدي في حيرتي (ص80 من كتاب: مع عبد الناصر لأمين هويدي)
بئس العزاء هذا وما تشفع لك كل علاقات التعجب هذه وإذا لم يسألك القراء التفسير فسيسألك ضميرك والتاريخ وليتك توقفت عند هذه الحيرة التي تشير إلى الشكوك في نفسك مما تخشى أن تهمس به لنفسك ولكنك حاولت أن تلتمس بارد العذر أو تافه لتعين هذا الدجال الذي لا يستحي في اجتماع مجلس الوزراء من السخرية من جهود المجلس في إجلاء العدو عن أراضينا فيبتسم قائلا: لم تجهدون أنفسكم هذا أنني موقن من انسحابهم وسيرسل الله عليهم طيرا أبابيل وترتسم على شفتيه الابتسامة الهازئة.
يقول هويدي وهو يستعيد بالله من محاولة كشف النوايا بما جاء به عبد الناصر وفاء للزمالة القديمة وربا لجمع الشمل.
وكان عبد الناصر في تلك الفترة مزق آخر بقايا الزمالة القديمة، ويقوم بأكبر عملية تمزيق للشمل عرفتها مصر منذ مذبحة القلعة، وما بين منتحر ومسجون، حتى داخل أسرته لم يحترم زمالة ولا مصاهرة ولا عشرة العمر والشقة إياها ومن ثم فلا مجال للحديث عن عاطفة نبيلة تجعله يقبل ويصر على هذا الرجل في ظروف ما بعد النكسة..
وهويدي قرأ مايلز كوبلاند وقرأ حديثه عن السلوك غير المنطقي في سياسات الشرق الأوسط وأنه لا يمكن فهمه إلا بإضافة المعامل س أي عنصر المخابرات الأمريكية ويعرف أن التهامي هو أحد أعمدت المعامل س هذا ولكنه يرفض أن يواجه هذا التفسير فيغمض عينيه ويصرخ كالعذراء التي يحدثونها عن خيانة حبيبها (مش عاوز أعرف) لقد جاء حسن التهامي بعد النكسة لكي يعيد ترميمي الجسور مع القوى الخفية التي ساندت النظام أطول مدة ممكنة إلى أن استحال عليها الدفاع عنه وها هو عبد الناصر يثبت أنه مستعد للحوار رغم ما فعلوه فيه بحرب 1967 وها هو صديقك في مجلس وزرائي يمارس الشيطنة على الاستهبال ويتحدث عن تأكيدات الخضر بانسحاب اليهود والذي معاه الاس يعرف من هو سيدنا الخضر المقصود ومن أين تأتي أحلام التهامي عن الفانتوم أبابيل!!
أما الرئيس السادات الذي كانت استراتيجيته تقوم أساسا على إقناع الأمريكان بأن النظام المصري على استعداد لأن يكون الممثل رقم واحد لأمريكا في المنطقة ولا داعي للبحث عن أصدقاء آخرين وأن مصر تابت وأنابت بعد علقة 1967 ولن تشك ولن تتذمر ولن تساوم أو تتدلل كما فعل المرحوم بل أمريكيون كنا وأمريكيون نبقى أبدا السادات أبرز التهامي وصوره في كل مكان ومناسبة وأطلقه يساوم ويدبر ويفاوض حتى قاده إلى كامب ديفيد وجلس خلفه يصلي وقد تحقق الهدف الذي اتفق عليه قبل 25 سنة حافلة بالآلام والخداع.
وبنفس التفسير يمكن أن نفهم إخراج مصطفى أمين من السجن وإحضار علي أمين من البدو وتسليمهما الأهرام وأخبار اليوم معا وعجلت إليك ربي لترضى!
فهل أضر نشر كتاب ماليز كوبلند أحد؟؟
يقرر هيكل لم يكن هناك اتصال بين الثورة والولايات المتحدة قبل 23 يوليو وقد صاغها بحذر تحوطا للمستقبل فلم يقل المخابرات الأمريكية وهي موضوع الحديث ونحن نستبعد بل ننفي أن تقوم الولايات المتحدة بهذا الاتصال قبل الثورة والاتصال الذي يحمل هذه الصفة الولايات المتحدة هو الذي يتم عن طريق السفير الأمريكي أو مبعوث من وزارة الخارجية.
لا مصر ليست اليمن حيث يدبر القائم بالأعمال المصري الانقلاب اليمين بالتليفون ويعطي المال والحبوب المنشطة لقائد الانقلاب بشكل شبه علني.... لا .. في حالة مصر لا يمكن تصور قيام اتصال مع الولايات المتحدة لأن الولايات المتحدة لا تخاطر بمثل هذا الاتصال لما يترتب على اكتشافه من مشاكل مع السلطة المصرية بل مع الكونغرس والرأي العام الأمريكي.
ولكن المخابرات الأمريكية اتصلت وهذا ما سنثبته من الوقائع والمعلوما ومنها تعمد هيكل إخفاء حقائق لإحساسه بما فيها من إدانة مثل تاريخ أول زيارة لكرميت روزفلت.
ويبرز هيكل انفتاح الثورة المدهش والمخالف لكل الشعارات والافتراضات إذا ما كانت ثورة يبرره بأن الولايات المتحدة الأمريكية لها وضع مختلف عن بقية القوى الكبرى وقتها وكانت صورة الولايات المتحدة في ذلك الوقتي من سنة 1952 مازالت صورة مقبولة خصوصا إذا قورنت بغيرها لم يكن لها دور استعماري في المنطقة بينما كانت بريطانيا وفرنسا غارقتين في تاريخ استعماري طويل وقديم وفوق ذلك فإن الولايات المتحدة كانت خارجة من الحرب العالمية ضد هتلر كان قد مضى على ذلك سبع سنوات تخللتها فلسطين وحرب كوريا والتهديد النووي إلخ ولكنه أفاق فاجر والعالم كله يلتفت بالإعجاب لطاقتها الهائلة التي كسبت الحرب ضد النازية ولأسلوب حياتها التي كانت السينما الأمريكية ترسم صورة جذابة له.
وستلاحظ أن الأفاق قد حذف أية إشارة إلى دور أمريكا في خلق إسرائيل وما أثاره ذلك من كراهية عامة ضدها في العالم العربي وهو مضطر لذلك حيث يستقيم دفاعه بأن الصورة كانت أكثر من وردية في العالم العربي عن أمريكا ومن ثم اندفع الشبان الأغرار من أعضاء مجلس الثورة إلى أحضان أمريكا...
كذب بالطبع وإن يكن حذف إسرائيل من تحديد الموقف مع أمريكا ظاهرة فسرها ميلز كوبلند بأن هذه المجموعة من الناصريين لم تكن تعير قضية فلسطين اهتماما كبيرا وقد رد حمروش على هيكل في هذه النقطة فأغفل إسرائيل أيضا عندما قال: لم تكن صورة الولايات المتحدة عند المصريين كما حاول أن يرسمها محمد حسنين هيكل في كتاب عبد الناصر والعالم بقوله كانت الولايات المتحدة تحيط بها كل معاني النجاح والفتنة براقة متسامية على الفشل الذريع الذي من به الاستعماريون القدامى وكان الناس متجاوبين مع فكرة قيام الأمريكيين بدور رئيسيي في الشرق الأوسط ومستعدين لقبولها لم يكن ها التصور صحيحا فإن كافة القوى الوطنية كانت ضد السماح للأمريكيين بأداء دور سياسي بديل لدور انجلترا ظهر ذلك في سياسة الوفد وأحزاب مصر الفتاة والوطني الجديد والتنظيمات الشيوعية والجماهيرية فقد كشفت أمريكا الستار عن موقفها أثناء عرض النقراشي لقضية مصر على مجلس الأمن.
وإذا كن سنقد رأي هيكل فأننا لا نعارضه كما سنشرح بل نركز على أهمية تفسيره هذا...
الولايات المتحدة كانت قد خرجت بهزيمة فادحة في كوريا وكانت سمعتها في الحضيض في العالم العربي بتحيزها لإسرائيل وللدور الذي لعبته في إقامة إسرائيل حتى أن تنظيم الضباط الأحرار كان يصدر منشوراته بالشعار الذي ساد الجماهير المصرية وقتها وهو يسقط الاستعمار الأنجلو أمريكي إلى أن تم الاتصال بالأمريكان وطلب جمال عبد الناصر من خالد محيي الدين حذف كلمة أمريكي وقد أدلى خالد محيي الدين بهذه الشهادة وهو على أتم الوفاق والولاء والإشادة بالزعيم الخالد فلا مجال للشك في روايته خاصة وقد أيدها كبار الحدتاويين الذين ساهموا في تلك الفترة في طبع المنشورات ولا حظوا التغيير فالحق مع حمروش عندما قال أن أحدا من المثقفين أو السياسيين المصريين الوطنين لم ينظر إلى أمريكا بنظرة محمد حسين هيكل والحق مع هيكل لأنه عبر عن وجهة نظر العملاء والمعاونين والمراهنين على دور للولايات المتحدة في مصر والعالم العربي لأن المثفين اكتشفوا منذ أواخر الأربعينات الدور الذي لعبته أمريكا في دعم الصهيونيو وتأييد الاستعمار القديم ومعاداة حركة التحرير ثم كان احتلال اليونان وحرب كوريا التي مزقت صورة بطل الحريات، بل وأيضا المارد الذي ثبت أنه نمر من ورق أمام جحافل الصينيين وقد زادت شعبية الوفد عندما رفض دخول حرب كوريا إلى جانب الأمريكيين المكروهين ولقد رفضت الحكومة السعودية تجديد اتفاقية قاعدة الظهران:
لأن ذلك يستفز مشاعر المواطنين العرب لموقف أمريكا من فلسطين.
ولكن قيادة الأمة العربية المقبلة لم تكن مشاعرها مستفزة والحمد لله بل كانت متأثرة بأفلام أمريكا هكذا يقول محمد حسنين هيكل .
وإليك رأي الأمريكان في الأمريكان فقد جاء في تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي الصادر في واشنطن بتاريخ بتاريخ 27 ديسمبر 1951 أي قبل سبعة شهور من الثورة وتحت عبارة سري جدا:
أصبحت الدول العربية تنظر بعدم ثقة إلى الولايات المتحدة في السنين القليلة الأخيرة بسبب مسئوليتها في إقامة إسرائيل.
وفي اجتماع سفراء الولايات المتحدة باسطمبول في الفترة من 14- 21فبراير 1951 جاء الآتي في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الاجتماع.
إن نفوذ الولايات المتحدة في البلاد العربية ربما لا يكون في مثل سوءه في عام 1947 و 1948 ولكن على أية حال ليس قويا كما كان في 1945 أما بالنسبة لإسرائيل وليبيا فإن نفوذنا لا يزال عاليا.
بل إن عام 1951 بالذات شهد المزيد من التدهور في موقف أمريكا وتصاعد الموجة المعادية لها في العالم العربي كله ومصر بالذات لأسباب عديدة منها موقفها من إلغاء المعاهدة ومشاريع الدفاع المشترك ورفض تسليح مصر أيضا للدعم الذي قدمته لإسرائيل وقد ورد في مذكرة هنري فيلارد من إدارة التخطيط السياسي إلى مدير الهيئة الآتي:
التلغرافات الواردة من الشرق الأدنى تشير إلى ردود الفعل الأولية لسياستنا الجديدة الجزئية للمساعدات الاقتصادية والعسكرية للدول العربية وإسرائيل كما أقرها الرئيس ترومان ج في 17 مارس 1951 وردود الفعل هذه يمكن وصفها بأنها شيء إلا أنها مقبولة فالمسئولون عن العرب مجتمعين (25 مليون دولار) بالإضافة إلى أن العرب ينظرون إلى الخمسين مليون دولار التي اعتمدت لتوطين اللاجئين كوسيلة لتحرير إسرائيل في مشكلتهم وعلى سبيل المثال قال وزير الخارجية المصري محمد صلاح الدين ج لكافري (السفير الأمريكي في مصر ج) أنه صعق لاقتراح 25 مليون دولار لإسرائيل و 25 مليون للعرب رئيس وزراء الأردن ووزير خارجيتها عبرا عن دهشتهما وخيبة أملهما وزير خارجية العراق ركز كثيرا على عدم التوازن وانتقد بشدة غير عادية سياستنا في مساعدة إسرائيل والصحافة السورية نظرت للبرنامج بالشك في أنه خطط لمحاباة إسرائيل إن المرارة الأساسية والأصلية بالنسبة لسياستنا نحو إسرائيل مازالت كما هي وتلون كل تفكير العرب.
إلا هيكل وصحبه من رجال ثورة 23 يوليو لم تكن في قلوبهم أية مرارة تحول دون فتح قلوبهم والتعاون مع الولايات المتحدة في تحرير مصر والحق مع هيكل فإن أحد المفاتيح الرئيسية لفهم تاريخ الناصرية هو أنها لم تنبعث أبدا من التناقض المصري الإسرائيلي ولم يكن في أهدافها الجادة محاربة إسرائيل حتى يونيه 1967...
وهيكل حريص على تأكيد أن الاتصال بين الأمريكان والريس ثم بعد الثورة ولكن الثورة التي يقدمها لهذا الاتصال تثير أكثر من شبهة فهو يقول كلف أحد أعضاء مجلس الثورة عبد المنعم أمين بتولي عملية فتح الباب مع الأمريكان فدبر لقاء في منزله على النيل بين جمال عبد الناصر والسفير الأمريكي جيفرسونكافري.
ولا يفسر لنا سر هذا اللقاء الغريب فالثورة في الحكم وجمال عبد الناصر حاكم مصر والسفر الأمريكي هو ممثل الحكومة الأمريكية الرسمي أمام مجلس الثورة في بلاط جمال عبد الناصر فلماذا لا يستقبل عبد الناصر السفير الأمريكي بصفة رسمية أو حتى غير رسمية في مكتبه ويبحث معه السياسة المصرية الأمريكية إذا كان الاجتماع باسم مجلس الثورة وسمعة الأمريكان ممتازة كما شهد هيكل لماذا يتم الاجتماع في شقة؟ وعن طريق شخص يقول المؤرخون الناصريوني الآن أنه كان وثيق الصلة بالسفارة الأمريكية ؟
لماذا هذا الجو الغريب والمريب.
ويقول هيكل أنه في هذا اللقاء قال عبد الناصر للسفير الأمريكي أنه يريد مساعدة الولايات المتحدة في إقناع بريطانيا بالجلاء كما طلب مساعدة اقتصادية وسلاح أما عن إسرائيل فقال: إن إسرائيل ليست شاغله الآن ونظرته إليها على أي حال أنها ليست خطرا يهدد مصر؟
وقد قال ماليز كوبلاند أن نجم هيكل تألق لأنه كان بارعا في تحلية أراء الأمريكان وآراء عبد الناصر ومن ثم لا يجوز أن نتوقف كثيرا عند التحلية والصنعة في العرض وإنما يكفينا الاتفاق في الجوهر بين ما قرره كوبلاند وما أثبتته الأحداث من أن السودان لم يكن في برنامج عبد الناصر فهو طلب المساعدة في الجلاء فقط وأهم من ذلك أن نقطة اللقاء بين الرئيس والأمريكان هي استبعاد الخطر الإسرائيلي قبول عبد الناصر أو تطوعه بإعلان أنه لا يشغل باله وهذا ما قاله كوبلاند بالضبط الذي نسب إلى هذه اللامبالاة بفلسطين انفتاح قلب المسئولين في واشنطن لاقتراح الCIA تأييد الانقلاب المنتظر.
وإذا كان هيكل يؤيدي رواية كوبلادن وغيره عن حضور كيرميت روزفلت إلى مصر بعد الثورة وفي تحديد صفته بأنه المسئول الأول في إدارة المخابرات المركزية الأمريكية عن الشرق الأوسط إلا أنه يحاول إيهامنا دون أن يتورط صراحة بأن هذه الزيارة الأولى لكرميت روزفلت وهو غير صحيح بل مثير للريبة فكيرميت كما تؤكد كل الوقائع والوثائق جاء إلى القاهرة منذ 1943 على الأقل وكان في مصر من يناير إلى مارس أو مايو 1952 حيث أجرى اللقاء التاريخي مع فاروق ثم مجموعة عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار وقرر دعم انقلاب هذه المجموعة والتخلي عن فاروق كما سنرى تفصيله وهيكل يؤكد هنا باطمئنان أو أول لقاء بين جمال عبد الناصر وكيرميت روزفلت تم في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر 1952.
ونحن لا نجادل في هذه لأننا لا نملك دليلا قاطعا على وقوع هذا اللقاء فقد حرص كتاب مايلز كوبلاند على تعمية هذه النقطة ولو أنه أكد وقوع أكثر من لقاء بين كيرميت روزفلت والمخابرات الأمريكية من جهة ورجال ثورة 23 يوليو أو أعوان عبد الناصر إلا أنه لم يشر صراحة لوقوع لقاء مباشر بين الرجلين ولا يمكننا الاعتماد على ما جاء في تقرر كيرميت روزفلت الشفوي لرؤسائه من أنه وجد في مصر الرجل المناسب الذي تتوفر فيه كل الصفات المطلوبة لجعل السلطة في مصر مستقرة وتجاوبة مع المصالح الأمريكية وربما لم يصل علم ذلك اللقاء بين الرأيسين إلى مايلز كوبلاند فهو من الأسرار العليا جدا ونحن نستبعد أن يقدم رجل في خبرة ومكانة كيرميت روزفلت على المخاطرة بدعم انقلاب في مصر من مجرد المعلومات التي قدمها عملاء المخابرات الأمريكية ولقاءات مع أعوان زعيم هذا الانقلاب إلا أننا التزمنا ألا نأخذ بالشبهات والتصورات بل بالحقائق أو الأقوال المنسوبة صراحة لأشخاص محل ثقة ومن ثم سنسقط من أدلتنا واقعة اجتماع مباشر بين ناصر وروزفلت قبل 23 يوليو 1952.
ويشير هيكل في هذا الموضوع إلى واقعة غريبة تثير أكثر من سؤال فهو يقول أن الرئيس عبد الناصر كلفه بمهمة خاصة في الولايات المتحدة في نوفمبر 1952 وقال له أن كثيرين سوف يحاولون الاتصال بك بحكم معرفتهم بالصداقة بيننا ص 71).
وكل المصادر التي كتبت عن ليلة الثورة، أكدت هذا اللقاء الغريب الشديد البرود بين عبد الناصر وهيكل في منزل محمد نجيب وأن هيكل تظاهر بأنه لا يعرف عبد الناصر وطلب تعريفه به وأن عبد الناصر سأل من هذا؟ إلخ..
فهل يتفق ذلك مع وصول الثقة بين الاثنين في أقل من شهرين إلى حد تكليفه بمهمة سرية في أمريكا؟ وهذه العبارة الغريبة الكثيرون سيحاولون الاتصال بك بحكم معرفتهم بالصداقة بيننا؟ ... من هم الكثيرون في الولايات المتحدة الذين كانوا يعرفون الصداقة بين عبد الناصر وهيكل في نوفمبر 1952 والكثيرون في مصر لم يكونوا يعرفون عبد الناصر ولا أهميته في الثورة في هذا التاريخ المبكر جدا فضلا عن معرفة أهمية هيكل بحكم صداقته مع عبد الناصر.
لابد أن نفترض لكي يستقيم هذا الادعاء أو لتفسر هذا القول أحد الفروض التالية:
- 1- أن رواية المؤرخين عن لقاء بيت محمد نجيب صحيحة ومن ثم فرواية هيكل أكذوبة كاملة أختلقها وهكذا يمكن القول أن هيكل لديه الجرأة على أن ينسب لجمال عبد الناصر حوار بين أقواس للتدليل على أنه نص وهو بلا أساس لا حدث ولا يمكن حدوثه وهذا ينسف كل رواياته.
- 2- أن يكون هيكل صادقا وهذه زلة لسان وتكون مقابلة محمد نجيب تمثيلية بارعة من الاثنين هيكل الجيد التدريب وناصر المشهور بقدرته على الكتمان والحذر الشديد فيما يتعلق بسلامته الشخصية وسمعته السياسية ومن ثم فالصلة بينهما قديمة ومن أيام حصار الفالوجا كما كان الشائع قبل نشر تلك الروايات السخيفة عن لقاء الغرباء في منزل محمد نجيب وعبد الناصر كان يتحدث عن الكثيرين الذين يعلمون كل شيء مثل كون عبد الناصر هو الزعيم الحقيقي للثورة وأن هيكل هو صديقه الحميم فمن هم؟ لا يعقل أنهم رجال الكونغرس آخر من يعلم ولا الصحفيون بل فئة خاصة..
- 3- أن تكون رواية هيكل صحيحة واستنتاجات شهود لقاء منزل محمد نجيب الانقلاب وعملوا على سرعة قيام الصداقة بيننا.
ونحن نميل للتفسير رقم اثنين والصورة التي في ذهننا أن المخابرات الأمريكية عرفت من هيكل ومصطفى أمين بوجود تنظيم الضباط الأحرار ونظم هؤلاء اللقاء بين هذا التنظيم وكيرميت روزفلت وأن هيكل كان الأوثق صلة بعبد الناصر بحكم سنه وبراعته في تنفيذ ور التابع الذي ربط نفسه بمصير سيده في نفس الوقت الذي يقدم فيه المعلومات والأفكار لهذا السيد بينما كان مصطفى أمين يتمتع باحترام أكثر عند الجانب الأمريكي وشك وتوتر من جانب عبد الناصر وأخيرا فلا أدل على تناقض مشاعر ر جال الثورة مع الموجة الشعبية العامة في مصر أنه فور قيام الثورة كان التصرف الطبيعي من رجالها الذين لم يؤتوا من العلم إلا قليلا أنهم قاموا باعتقال مصطفى وعلي أمين ليتدخل أولو العلم ويفرجون عنهم مع الاعتذار بعد ست ساعات!
أما أن الأوان أن نترك هيكل ونعود إلى الجذور وحديث المعلمين لا الصبيان؟
لقد شاعت رائحة الدور الأمريكي منذ اللحظات الأولى للانقلاب عندما رأى الناس السفير الأمريكي جيفرسون كافري خبير الانقلابات كما عرف منذ تعينه في القاهرة وكتبت عنه الصحف التقدمية رأوه يتصرف كعراب النظام الجديد ويشرف على ترحيل الملك فاروق ويتعهد بسلامته ثم ربطوا ذلك بما كتبه الصحفي الأمريكي الوثيق الصلة بالمخابرات الأمريكية جوزف السوب في صحف الولايات المتحدة قبل 23 يوليو عن انقلاب عسكري قادم في مصر وقد بعث مصري مقيم في الولايات المتحدة وقتها بالمقال إلى مصر كدليل على ما تدبره المخابرات الأمريكية ليصبح هو بعد سنوات من المفتيين بثورية الناصرية تماما كالكاتب الذي استقبل كافري بعض تاريخه في تدبير الانقلابات وإجهاض الثورات ثم أفتى بأن هذا الخبير خاب تدبيره في مصر.
ورأى الناس الثورة تبعد الصحفيين الوطنين وتعتقلهم وتقرب رجال أخبار اليوم المؤسسة الرجعية الموالية للاستعمار بإجماع الحركة الوطنية في هذا الوقت حتى أصبحي تلميذها البكري محمد حسنيني هيكل هو الذي يحدد الوطنية من المحيط للخليج ورأوا قبول النقطة الرابعة وتجميد قضية فلسطين وضرب المؤسسات والأحزاب والحركات الوطنية ثم ساد الإرهاب وانعدمت الرؤيا وتعقدت الرواية وكانت فترة التيه..
فلما ظهر كتاب لعبة الأمم هربوا منه لأنهم لا يريدون أن يتذكروا إلى أن مات المارد، وحطمت الأقفال فبدأت تتسرب بعض الأقوال ولكن يسيطر علي الجميع الرعب من هول الحقيقة خاصة أنه ما من أحد إلا وقد تورط في 23 يوليو بموقف ما أو تأييد أو مساهمة نعم كلنا كنا للأسف أشباه المثقفين أو المثقفون المزيفون الذين توقع تقرير المخابرات أن يهبوا لتأييد الثورة بغباء أو انتهازية.
قيل على لسان خالد محيي الدين أن عبد الناصر طلب منه حذف عبارة الاستعمار الانجلو أمريكي واستخدام عبارة الاستعمار فقط أو الاستعمار البريطاني وذلك في منشورات الضباط الأحرار قبل الثورة.
وكتب في حادثة الثلاثة ملايين دولار التي دفعتها المخابرات الأمريكية للرئيس جمال عبد الناصر وكان هيكل قد حاول أن يلبسها لمحمد نجيب ففشل وإليك ما كتبه أحمد حمروش:
على قدر ما طالت مفاوضات التسليح على قدر ما انتهت في سرعة عملية تقديم 3 مليون دولار كمنحة شخصية من المخابرات المركزية الأمريكية إلى رئيس الدولة وهي قصة أثارت اهتمام الكثيرين لما أحاط بها من جدل بدأت القصة باقتراح من عميل المخابرات الأمريكية ما يلز كوبلاند التي كشف أسرارها في كتابه لعبة الأمم عندما قال أنه لولا نشره لها لظلت خمسة آلاف سنة تحير علماء الآثار ذلك أنها انتهت إلى بناء برج القاهرة ويحدد مايلز كوبلاند تاريخ إعطاء المبلغ لضابط المخابرات (ايهماج) حسن التهامي الذي أخذه وأحصاه في منزله بالمعادي ووجده ناقصا عشرة دولارات في شهر نوفمبر 1954 أي نفس الشهر الذي حصلت مصر فيه على الأربعين مليون كمعونة اقتصادية وينفي هذا التحديد ما نشره محمد حسنين هيكل في كتابه عبد الناصر والعالم من القول بأن المبلغ قد سلم إلى اللواء محمد نجيب الذي كان أنذاك رئيسا للوزراء وأصر نجيب على أنه فهم أنه ليس للمخابرات الأمريكية علاقة بذلك المبلغ وأنه أرسل من الرئيس أيزنهاور الذي خصص اعتمادات مالية لبعض رؤساء الدول ليتمكنوا من تجاوز مخصصاتهم المقيدة بالميزانية من أجل الدفاع عن أنفسهم وعن بلادهم ضد الشيوعية وهنا طلب عبد الناصر على حد قول هيكل أيداع المال في خزينة إدارة المخابرات وأمر بعدم صرف أي شيء إلا بإذن مجلس قيادة الثورة.
ينفي تحديد تاريخ تسليم المبلغ ذلك لسبب بسيط هو أن محمد نجيب لم يكن رئيسا للوزارة في هذه الفترة بل كان رئيسا للجمهورية بلا عمل حتى 14 نوفمبر ثم معتقلا في المرج بعد ذلك وكان حسن إبراهيم وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية يحضر كافة مقابلاته ويراقب كل تصرفاته مما يبعد تماما فكرة عدم معرفة جمال عبد الناصر بوقوع مثل هذا الحادث.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الأمريكيين ما كانوا ليعطوا مثل هذا المبلغ لمحمد نجيب وهو رجل معزول عن الحياة العامة تدفقت عليه الهجمات عقب إطلاق الرصاص على جمال عبد الناصر وربطت بينه وبين الإخوان المسلمين وكان على وشك أن يحاكم معهم.
هذا إذا أردنا استبعاد رأي ماليز كوبلند كما ورد في كتابه.
وعندما قرأ محمد نجيب ما نره هيكل في كتابه رفع عليه قضية أمام محكمة الجيزة واضطر هيكل للاعتذار على صفحات الأهرام واثبت محمد نجيب أمام المحكمة قوله بأن الواقعة موضوع الادعاء غير صحيحة على الإطلاق وصمت هيكل مؤثرا الانسحاب من خطأ أساء به إلى سمعة الرجل.
والواقع كما رواها مايلز كوبلاند حافلة بالتفاصيل وهي كالأتي على لسانه في كتابه المنشور بالولايات المتحدة، والذي لولاه لما عرفت قصة الملايين الثلاثة، ولا تعرض لها هيكل أبدا قال إنه شخصيا عاد إلى نيويورك في أواخر صيف 1953 حيث قدمت اقتراحا بإعطاء ناصر مبلغا بصفة شخصية لتطوير حراسته وحل بعض المشاكل الداخلية الصعبة وأن ترسل الحكومة الأمريكية لعبد الناصر سيارة كاديلاك مصفحة واحد رجال البوليس لتنظيم حرسه الخاص وجهاز إنذار على بيته، ومعدات تحطيم المظاهرات كما اقترح إعطاء مصر أربعين مليون جنيه وعبد الناصر ثلاثة ملايين وقد تمت الموافقة، ولما جاء الخبر إلى القاهرة باعتماد المبلغين اعتبر السفير الأمريكي فكرة الهداية الشخصية فكرة سخيفة وقال لي أنه لن يسلم هذا المبلغ لعبد الناصر إلا أنت وقام كافري بزيارة محمد فوزي في اليوم اتالي وحدثه عن الأربعين مليونا ولم يشر بحرف إلى ثلاثة ملايين ولما كان موقف كافري قد أثار الشكوك في نفسي فقد ذهبت إلى حسن التهامي بحث معه مسألة الثلاثة ملايين وقلت له أن الحكومة الأمريكية لا تلح عليهم وإنما أريد أن أخبرك أنها تحت تصرفكم إذا شئتم وحسن التهامي الذي كان يشغل ضمن مناصب أخرى مركز رئيس الحرس الخاص لعبد الناصر وهو بالمناسبة الذي أشار إليه عبد الناصر في حادثة محاولة الاغتيال في فلسفة الثورة قال لي (مش حنغلب في الاستفادة بثلاثة ملايين دولار خلينا نشوفهم).
وبعد الحصول على تأكيد شخصي من عبد الناصر بأن الثلاثة ملايين مقبولة فعلا أبلغت كافري الذي قال لي بلهجة حانقة أن المبلغ قد وصل هذا الصباح مع رسول من بيروت وبعد مشاورة المختصين بالسفارة اتفقنا على أن تحركي تحت الحراسة مسافة خمسة أميال إلى منزل حسن التهامي في المعادي سيثير الشبهات ولذلك اتجهت في سيارة أحمل حقيبتين فيهم ثلاثة ملايين دولار نقدا واستقبلني حسن التهامي في منزله بالمعادي يحيط به حارسان مصريان دون اهتمام أو حماسة وبدأنا نعد النقود عددناهم مرتين لنكشف أنهم 990و 999و 2 دولارا وعلق حسن أخيرا لن نتعارك على عشرة دولارات وركب ومساعداه سيارة مرسيدس إلى بيت عبد الناصر.
ثم حكي قصة برج القاهرة الذي بني من المبلغ وقال إن حسن التهامي كان يسميه ووقف روزفلت وقد كتب العبارة بالعربية بالحروف الإنجليزية ولكنه عندما ترجمها للإنجليزية وهو يتقن العربية ولكن بالطبع كمستشرق ترجمها انتصاب روزفلت ROOSEVLTS ERECTION وهذا دليل أنه لم يخترع العبارة ولكن أخطأ ترجمة كاملة وقف أو ترجمها له مساعد لا يعرف ما هو الوقف و الأوقاف.
ماذا تثبت هذه القصة؟
تثبت أولا الروحية التي يتعامل بها هيكل مع وقائع تلك الفترة وهي استعداده للكذب الكامل وتزوير التاريخ وتبديل الأشخاص وهي ليست مسلكية خلقية بل شعور بالإثم شعور بخطورة ما تنطوي عليه الحادثة ولذلك لا يتورع عن الكذب ونقل التهمة إلى محمد نجيب وكان ظنه أن الرجل شاخ، أو أن ذاكرته أو شجاعته ستخونه ولكن عندما جره إلى القضاء وهو يعرف أنه كاذب مزور وأن أمره سيفضح في المحكمة وأخطر من ذلك أن المحكمة قد تقلب الدفاتر، وتفتح الملفات خاصة وأن محمد نجيب قد اتهمه علنا وفي كلام مكتوب ومنشور بأن المخابرات المصرية قدمت له ولعبد الناصر تقريرا بأن محمد حسنين هيكل عميل للسفارة الأمريكية فلم يستطع أن يلجأ للقضاء كما فعل الطاهر الذيل محمد نجيب في هذه الواقعة على الأقل لذلك أثر محمد حسنين هيكل أن ينسحب مرة أخرى وذيله بين رجليه الأولى نصيحة محمد فوزي ألا يلجأ للقضاء ومحمود فوزي رجل أرقم يعرف السر، وصدقه النصح، والمرة الثانية عندما اعتذر لمحمد نجيب وتراجع فهذه الواقعة لا تثبت فقط تزور وكذب محمد حسنين هيكل وإنما تشير إلى وجود سر خطير يحرص هيكل على إخفائه لو بالتزوير.
كذلك ثبتت الرواية، أن المخابرات الأمريكية قدمت ثلاثة ملايين دولار لرئيس ثورة 23 يوليو ولسنا نتحدث هنا عن رشوة أو فساد فالكل متفق ونحن في مقدمتهم على سخافة العمل وعلى أن عبد الناصر رفض أن يمس المبلغ أو أن يحتفظ منه بدولار واحد ولو فعل لما استحق أن يوجد اسمه في التاريخ ولا شغل بالنا دقيقة واحدة فلا أحد يتحدث عن رشوة ولا فساد وإنما مغزى الواقعة هو طبيعية العلاقة بن المخابرات الأمريكية وثورة 23 يوليو، وأن استطعت أن تصدق وقوع هذه القصة بين المخابرات الأمريكية وهوشي منه أو حتى فيدل كاسترو فهي ثورة ووجب قطع لساننا فالسؤال هو لماذا تهتم المخابرات الأمريكية والحكومة الأمريكية بحماية قائد ثورة يوليو؟ والمفروض والمشاع أن كل المؤامرات على حياته هي من تدبير هذه المخابرات؟ لماذا كانت الحقيقة مخالفة تماما للشائع والذائع في أجهزة الإعلام الناصرية؟
لماذا
كذلك أورد حمروش، نقلا عن خالد محي الدين رواية تعزز القول بأن المخابرات الأمريكية لعبت دورا حاسما في تصفية نجيب إذ قال خالد محيي الدين أن ممثل صحيفة نوفيل أوبزر فاتور قال له خلال فترة الصراع يوم لم يكن الكثيرون في الشارع السياسي لمصري يراهنون على انتصار جمال عبد الناصر واحد ضد عشرة أن جمال سيكسب المعركة ضد نجيب وأن مجلس القيادة قد أعطى إشارة للأمريكيين بأنهم سيوافقون على المعاهدة وإدخال تركيا في بند السماح بعودة قوات الإنجليز للقناة وسنجد في رواية كوبلاند وأيفيلاند ومصطفى أمين ما يؤكد أن المخابرات الأمريكية رجحت كفة ناصر على نجيب بل أن أحد أساطن الأجهزة السرية الأمريكية يشك في تأمر هذه المخابرات مع ناصر في حادثة المنشية للقضاء على نجيب.
وينقل حمروش سرا خطيرا همس له به زكريا محيي الدين وهو: أن هذه السرعة في توقيع الاتفاق كانت نتيجة وساطة أمريكية كما ذكر لي زكريا محي الدين استهدفت حل المشكلة بين البريطانيين والمصريين لخلق جو مناسب لربط مصر بسياسة جديدة في المنطقة أما مايلز كوبلاند فلا يهمس بل يقدم لنا قصة الوساطة كاملة واسم الوسيط ترى من يكون إلا عراب الثورة نفسه؟
وتخيل هذا المشهد في هافانا وقد اجتمع مجلس الثورة الكوبي في الأيام الأولى للثورة وبعدما استقرت أقدامها وأعلن فيدل استرو أنه قرر تعيين رئيس المحكمة العليا رئيسا للوزراء فيهمس جيفارا ف أذن راؤول كاسترو فإذا براؤول يقول: أسف لا نستطيع تعيين المرشح لأن السفارة الأمريكية تعترض عليه فهو من أناصر السلام!
أو إذا شئت مزيدا من الفكاهة فتخيل حدوث ذلك في هانوي في مجلس قيادة الثورة الذي يرأسه هوشي منه.
المنظر طبيعي في سايغون أو سيول عاصمة كوريا الجنوبي أو القاهرة للأسف فهذا ما يرويه حمروش عن رفض تعيين السنهوري قال:
بعد قرار عزل علي ماهر بدأ البحث عن اسم رئيس وزراء جديد ويبدو أن السنهوري كان المرشح الأول ولكن علي صبري همس في أذن جمال سالم، وكان حاضرا لهذا الاجتماع باعتباره سكرتيرا لمجموعة الطيران وقال جمال سالم أنه يجل السنهوري ويعرف قدرته ويعترف بجدارته ويثق في إخلاصه للحركة كما بدا واضحا في تأييده لقانون الإصلاح الزراعي ولكنه لا يستسيغ إلا الصراحة والإخلاص في عرض السبب الذي يجعله مرغما على العدول عن ترشيحه وكان السبب كما قال جمال سالم هو أن الأمريكان سوف يعترضون على الترشيح لأن بعض الصحف العربية نسبت إليه في أواخر عهد الملك السابق وأثناء حكم الوفد أن له ميولا يسارية وفسر السنهوري ذلك بأنه وقع نداء ستوكلهم للسلام.
والرواية إلى هنا توحي بأنه اجتهاد من علي صبري مسئولي الاتصال بالأمريكان في ذلك الوقت ولكن خالد محيي الدين يكمل القصة: إن الأمريكيين كانوا قد أبلغوا على صبري بذلك عندما شعروا باقتراب السنهوري من مجلس القيادة ورجوع الأعضاء إليه في كافة مشاكلهم الدستورية
فنحن أمام فيتو أمريكي صريح على مجرد الاقتراب من موقع نداء استكهلم للسلام وكراهية الأمريكان لمن يوقع نداء السلام في ذلك الوقت مفهومة ولكن رضاهم وثقتهم عن مجلس الثورة غير مفهومه أما انصياع مجلس الثورة لهم فهو المحير العجيب إذا لم نعترض بالمعامل س).
وأيضا قصة يوسف صديق الذي يعد تاريخيا وباعتراف الجميع الآن، أنه هو الذي نفذا الانقلاب ووضعه في السلطة ولولاه لما قامت الثورة كان عمره في هذه الثورة قصيرا جدا والسبب هو الأمريكان ياريس!!
يوسف صديق، هو من المجموعة التي لم تكن لها علاقة بالأمريكان ولا علم بما جرى معهم من اتفاق وما كان له أن يكون فهو يساري أو حتى عضو في تنظيم ماركسي إذ صدقنا رواية حمروش أو إذا أخذنا عضوية حدتو على محمل الجد ولكن لا جدال في وطنيته ويساريته ومعاداته الاستعمار الأمريكي وهذا توجه يوسف صديق إلى بني سويف وخطب كما كان يخطب الوطنيون المصريون في عام 1952 وقال أن الحركة لا شرقية ولا غربية فلم تذع الإذاعة تسجيل خطابه، واحتج أولو العلم من أعضاء مجلس قيادة الثورة على إعلان هذا الموقف الذي أثار رجال السفارة الأمريكية وبعث الضيق في نفوسهم على حد قولهم وكان الحياد مرفوضا في هذه الفترة من الغرب وتعرض يوسف صديق بعد ذلك لمضايقات من زملائه أعضاء المجلس وسرعان ما خرج يوسف صديق من المجلس يناير 1953 واضطهد.
حمروش ومن قبله محمد عوده لديهم الوعي والمعلومات ولكنهما يخشيان الاعتراف بالحقيقة التي تؤيدها المعلومات التي يقدمونها هم الثاني وصف جيفرسون كافري ومن أشهر مديري الانقلابات في وزارة الخارجية الأمريكية ويضم سجله سلسلة طويلة من الانقلابات تقارب الثلاثين في أمريكا الجنوبية والوسطى وكان كافري أول سفير أمريكي في فرنسا بعد التحرير في فترة أزيح ديجول عن الحكم وطرد الشيوعيون من الائتلاف الوزاري وجذب الاشتراكيون للولايات المتحدة وأصبحت فرنسا قاعدة لمشروع مارشال ثم لحلف الأطلنطي.
هذا الذي قهر ديجول وطرد الحزب الشيوعي الفرنسي وجذب الاشتراكيين الفرنسيين لأمريكا وحول فرنسا فرسنا ذاتها، لقاعدة لحلف مارشال ونظم ثلاثين انقلابا في أمريكا الجنوبية والوسطى عينته أمريكا في مصر ليجرب حظه فخاب فاله وذهب سحره وبطل مكره ولا ندري أيضحك علينا حمروش أم يضحك على نفسه وهو يقول: ولكن كافري جوبه في مصر بحركة شعبية متصاعدة أضعفت من فرص القدرة على أحداث انقلاب مشابه لما حدث في سوريا.
انقلاب سوريا أمريكاني وانقلاب فرنسا أمريكاني أما مصر فهي أم الدنيا ولكن المعلومات تحرق أصابع حمروش فهو يعرضها لو من باب إعطاء كتابه مسحة منطقية ولكن يستعيذ بالله بعد كل فقرة فهو يؤكد لنا اتصال المخابرات الأمريكية بالضباط الأحرار ولكنه يقسم على أن جمال عبد الناصر لم يتصل شخصيا وهو يؤكد حدوث التقاء الأهداف ولكن ينفي أ،هم سيطروا علينا حيرة المتورط والنادم والمشدوه لغفلته التي تبينها متأخرا جدا أو بالأحرى لانتهازيته التي جعلته يخفي ما يعلم ويخدع نفسه يقول أن الولايات المتحدة كانت ترقب انتفاضات الفلاحين في حذر شديد لأنها رأت فيها إرهاصات ثورة شعبية جامحة يمكن أن تنتهي إلى تغييرات اجتماعية جذرية تتناقض فتتعارض في داخلها مع أهداف الاستعمار والإمبريالية العالمية.
ولذا كانت فكرة الإصلاح الزراعي وإرادة في أحاديث المسئولين الأمريكيين الذي تدفقوا على مصر بعد حريق القاهرة كانوا يطلبون إصلاحات اجتماعية تمنع اشتعال ثورة شعبية وانبرى الدكتور الإصلاحات الاجتماعية ويشكل جمعية الفلاح ويطلب من علي ماهر أن يدعو الملك إلى التنازل عن نصف أرضه للشعب وكون جمعية الفلاح وقد اكتشف اليساريون أن مثل هذه الجمعية أنما تستهدف إطلاق البخار من المرجل الشعبي حتى لا يتفجر في وجه الاستعمار فأطلقوا عليها اسم جمعية الفلاح الأمريكاني وذلك لما أحاط بالدكتور أحمد حسين من سمعة تربط بينه وبين المسئولين الأمريكيين المتدفقين على مصر ووضح من اتصالات الأمريكيين برجال السياسة المصرية أن الإصلاح الزراعي كان أحد العروض التي يقترحونها كما روي مصطفى مرعي عندما اتصلوا به قبل 23 يوليو ورفض الموافقة على فكرتهم في تحديد الملكية عن أي طريق يتعارض مع الدستور.
الأعمى يستطيع أن يستنتج من هذا أن قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدرته الثورة كان مطلبا أمريكيا ولكن صاحبنا أعمى القلب ولذلك فهو يتبع هذا التحليل الذي أرضى به الأذكياء بشهادة ترضي المغفلين ولكن لما تحركت قوات الجيش ليلة 23 يوليو لم تكن فكرة القضاء على الإقطاع نابعة من فكر أمريكي ليه؟
لنراجع ما لدينا من حقائق طبقا لشهادته:
- 1- مصر تغلي بنذر ثورة فلاحية تحمل شتى الاحتمالات ليس فقط تصفية الإقطاع أو كبار الملاك التصفية الثورة الجذرية بل أيضا إطلاق تلك القوة الأسطورية التي لم تتحرك إلا بضعة شهور في ثورة 19 وعلى نطاق جزئي ولو ثار الفلاح المصري ثورة شاملة ذات أبعاد وطنية وطبقية لتغير وجه المنطقة .
- 2- كان الأمريكيون أو أجهزتهم تتدفق على مصر وتراقب هذا بحذر شديد وتصميم على منع هذه الثورة التي تتناقض مع أهداف الاستعمار والإمبريالية .
- 3- ولذلك فكروا في حل تجهض هذه الثورة ويحمي أولا يتناقض مع الأهداف الاستعمارية والإمبريالية فطرحوا حل الإصلاح الزراعي ولا جديد في ذلك فقد طبقوه في كل بلد نجحوا في تنفيذ انقلاب عسكري فيه وآخرها إيران فالانقلاب الأمريكي يقترن غالبا بالإصلاح الزراعي حتى يمكن اعتبار إعلانه قرينة على أمريكية الانقلاب.
- 4- تحدث المسئولون الأمريكيون الذين تدفقوا على مصر بعد حرق القاهرة عن الإصلاح الزراعي لمنع الثورة وتبني مطلبهم السياسي الشديد القرب منهم بل اتصلوا بمصطفى مرعي واقترحوا عليه تطبيق الإصلاح الزراعي أو تحديد الملكية بغير الطريق الدستوري يعني بإجراء ثوري فرفض واكتشف اليساريون ما يجري وعرفوا أنها لعبة أمريكية وأنها ضد الثورة، وليست ثورة...
- ثم جاءت 23 يوليو ولم تكن قد أعدت للقضاء على الإقطاع مشروعا أو خطة كاملة وفجأة تبني مجلس الثورة المشروع وقاتل عليه.
ثم يقسم لنا أنه لا صلة بين ذلك وبين الجهد الأمريكي لفرض الإصلاح الزراعي عظيم وموافقون ولكن إلا يسمح لنا أن نستنتج الآتي على الأقل:
- 1- الإصلاح الزراعي لم يكن يتعارض مع الأهداف الاستعمارية والامبريالية بل على العكس كان على هوى الإمبريالية الأمريكية على الأقل فهي اقترحته قبل الثورة.
- 2- الإصلاح الزراعي كان عملا مضادا للثورة الفلاحية وليس عملا ثوريا ويجدر أن نشرح قليلا للمغفلين من خرجي مدرسة التجهيل السياسي فهم لا يعرفون الفرق بين الثورية والإصلاحية وبين الاستعمار القديم والاستعمار الجديد.
الاستعمار الأمريكي بحكم تكوينه ومصالحه يعادي أية ثورة طبقية ثورة تحرر قوي الشعب وتحقق تغييرا جذريا في النظام المصالح الاستعمارية واقتطاع حصة من السوق العالمية التي تستثمرها هذه المصالح وهذا هو جوهر الصراع بين الدول الاستعمارية والدول المستعمرة ويمكن أن تضاف عوامل محلية لكل بلد منها في حالتنا النفط وإسرائيل..
ولذا فإن أي إجراء يحول دون الثورة هو أهون ضررا ولا شك أن الإصلاح الزراعي بالأسلوب الأمريكي يحقق هذا الهدف لما يخلقه من تعقيدات في العلاقات الاجتماعية والطبقية في الريف تشغل الجماهير عن الثورة الحقيقية فالعلاقة القديمة كانت بسيطة ومفهومة طبقة كبار الملاك تملك الأرض والسلطة وفي مواجهتها الفلاحون بلا أرض ولا سلطة ومطلبهم واضح: الحصول على الاثنين معا: الأرض والسلطة والعدو واضح والصدام معه سيجر إلى الصدام مع الاستعمار الذي يسنده ومن ثم تصبح الثورة الطبقية وطنية في نفس الوقت.
أما بعد قانون الإصلاح الزراعي فقد ارتكبت الصورة رغم ضآلة ما تم توزيعه فقد ظهر طابور من الملك ولا أحد يعرف موقعه من السلطة ولا أحد يساهم أو يشارك في السلطة أيضا لا أحد يستطيع اتهام السلطة بوضوح بأنها مع العدو الكل في حرب ضد بعضهم البعض وقبل الإصلاح الزراعي كان الفلاح بعد الإصلاح الزراعي فإن العداء الذي يمزق الريف الآن هو بين المالك الصغير والمستأجر حيث أصبح المستأجر هو الذي يستغل المالك الصغير المغبون وبذلك يستحيل اتفاق الطبقتين على موقف من السلطة وهذا سر خروج الريف من خريطة الثورة في المستقبل القريب على الأقل.
ويمكن أن نضيف أن طبقة كبار الملاك كانت قد ارتبطت تاريخيا واقتصادياي بالاستعمار القديم ومن ثم فإن الاستعمار الجديد يهمه تحطيمها لاقتلاع جذور الاستعمار القديم ومراكز نفوذه وإمكانيات تحركه..
ثم إليك ما أضافه حمروش لمعلومات مايلز كوبلند وما اعتذر به عن حقائق مايلز كوبلاند.
اتصالات خارجية
ولم يقتصر اتصال الضباط الأحرار بالقوى والتنظيمات السياسية المصرية فقط ولكنه امتد ليشمل أيضا مندوبي وزارة الخارجية والمخابرات المركزية الأمريكية الذين استثارتهم منشورات الضباط الأحرار وانتصارهم في انتخابات نادي الضباط فبذلوا غاية جهدهم للتعرف عليهم واكتشاف آرائهم ومحاولة اجتذابهم.
وكانت حلقة الاتصال مع ضباط في المخابرات المصرية طبيعة عمله تسمح له بالاتصال بالملحقين العسكريين الأجانب بينما هو مرتبط بالضباط الأحرار وبجمال عبد الناصر شخصيا.
ولم تتسع حلقة الاتصال بين المسئولين الأمريكيين وبين الضباط الأحرار رغم اعتمادهم على الصحفي المقرب منهم محمد حسنين هيكل رئيس تحرير آخر ساعة في ذلك الوقت ورئيس تحرير الأهرام فيما بعد لأنه لم يكن قد تعرف بجمال عبد الناصر أو غيره من قادة تشكيل الضباط الأحرار حتى ذلك الوقت أو اكتسب ثقتهم وكان حريق القاهرة حافزا لنشاط الأمريكيين في المنطقة فقد أرسل دين اتشيسون وزير الخارجية مندوبا عنه استعاره من وكالة المخابرات المركزية هو كيرميت روزفلت لدراسة الأحوال في مصر.
ونشرت مجلة التايم في أكتوبر 1951 مقالا جاء فيه أن الموقف في مصر أشبه ما يكون بالموقف في اليونان سنة 1947 حين اضطرت انجلترا نظرا لضعفها إلى سحب قواتها من اليونان فحلت أمريكا محلها واستأنفت القيام بدورها حتى لا تترك فراغا يتسرب منه النفوذ السوفيتي وأمريكا أعدت عدتها للموقف منذ زمن بعيد حتى لا تفاجأ كما فوجئت في إيران ووضعت مشروع الشرق الأوسط.
وبدأ الصراع الخفي بين بريطانيا وأمريكا ونجحت المخابرات المركزية في تدبير انقلاب حسني الزعيم في وسوريا وهو أول محاولة لنقل أسلوب الحكم المفضل لدى الإمبريالية الأمريكية والذي مارسته لزمن طويل في أمريكا اللاتينية وهو حكم العسكريين الذين يقمعون الثورات والقلاقل الداخلية ويعملون مباشرة لحساب الشركات والاحتكارات الأمريكية.
وابتدأ الصراع الانجلو أمريكي بانقلاب دبرته بريطانيا هو انقلاب اللواء سامي الحناوي وردت عليه الولايات المتحدة بانقلاب ثالث بقيادة اللواء أديب الشيشكلي وركزت الولايات المتحدة اهتمامها بعد ذلك على مصر فعينت جيفرسون كافري سفيرا لها بالقاهرة وهو من أشهر مدبري الانقلابات في وزارة الخارجية الأمريكية ويضم سجله سلسلة طويلة منها تقارب الثلاثين في أمريكا الجنوبية والوسطى كما ذكر محمد عودة في كتابه ميلاد ثورة.
وكان كافري أول سفير أمريكي في فرنسا بعد التحرير في فترة أزيح فيها ديجول عن الحكم وطرد الشيوعيون من الائتلاف الوزاري وجذب الاشتراكيون للولايات المتحدة وأصبحت فرنسا قاعدة لمشروع مارشال ثم لحلف الأطلنطي.
ولكن كافري جوبه في مصر بحركة شعبية متصاعدة أضعفت من فرص القدرة على إحداث انقلاب مشابه لما حدث في سوريا وقد أسرع هو وسفراء انجلترا وفرنسا وتركيا لتقديم مذكرتهم المشتركة إلى محمد صلاح الدين وزير الخارجية المصرية التي تدعو إلى إقامة دفاع مشترك فور إلغاء المعاهدة وهي المذكرة التي أعلن مجلس الوزراء المصري رفضها أمام البرلمان.
ولذا كان حريق القاهرة فرصة مواتيه أنعشت آمال الامبريالية الأمريكية في التسرب إلى مصر ووضع قبضتها على مركز الحركة السياسية فيها أعلن دين اتشيسون وزير الخارجية الأمريكي في 31 يناير قوله أن قيادة الشرق الأوسط ليست اقترحا يمكن قبوله أو رفضه وحكومته مازالت تقرير بريطانيا على عدم اعترافها بإلغاء مصر لمعاهدة 1936 ويقول تشرشل وترومان في بلاغ مشترك إن أفضل وسيلة لإزالة التوتر الراهن في مصر هي قبول قيادة الشرق الأوسط.
ولم يكن رجل المخابرات المركزية كيرميت روزفلت مندوب وزارة الخارجية الأمريكية ورئيس بعثتها إلى مصر بعد حريق القاهرة غريبا على المجتمع المصري، فقد عمل في مصر خلال الحرب وتوطدت صلته بالملك فاروق، ووقف إلى جانبه خلال أزمة 4 فبراير 1942 وأعد له مقابلة مع الرئيس فرانكلين روزفلت خلال زيارته لمصر عام 1945 ولم يبد أ كيرمت روزفلت مهمته الجديدة من فراغ فإن السياسة الأمريكية كانت لها نقط ارتكاز أقامتها خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت الوزا رة الوفدية قد وافقت على مشروع النقطة الرابعة الأمريكي الذي يتيح للولايات المتحدة التغلغل باسم المعونات الاقتصادية والخبرة الفنية لها وتعرضت بسببه إلى هجمات عنيفة ظهر في الصحف خلال عام 1951 ووصلت إلى حد مهاجمة الطليعة الوفدية له في بيان نشرته الاشتراكية يوم 22 يونيو 1951 تتهم فيه أمريكا بأنها سند الاستعمار البريطاني ف مصر.
وكان جيفرسون كافري نشيطا في مقابلاته وعلاقاته فقد نشرت الصحف مجلة الجمهور المصري عدد 22 يناير 1951 أن هنا مشروعا لإنشاء مكتب أمريكي إنجليزي مصري لمقاومة الشيوعية ردا على المظاهرات المعادية التي تهتف بسقوط الاستعمار الأنجلو أمريكي وإن مكتب الصحافة الأمريكي يعمل على كسب بعض كبار الصحفيين ويطالب بمبالغ كبيرة لزيادة نشاطه.
وكان مصطفى أمين صاحب دار أخبار اليوم قد أصدر كتابا باسم أمريكا الضاحكة فيه دعاية للمجتمع الأمريكي يمكن مقارنته بكتاب الإنجليز في بلادهم الذي أصدره حافظ عفيفي.
وكانت السفارة الأمريكية قد نشطت في الاتصال بعدد كبير من السياسيين المصريين ف محاولة لاجتذابهم إلى صفها كان حافظ رمضان لا يخفي صلته بالأمريكيين ويقول فتحي رضوان أن حافظ رمضان كان يتصل بمستر إيرلاند ميتشار السفارة الأمريكية بأمل الضغط على البريطانيين كما صرح عبد الرحمن عزام أمين الجامعة العربية بقوله أننا على استعداد للتحالف مع أمريكا.
ويقول مصطفى مرعي أن الأمريكيين قد اتصلوا به ثلاث مرات للتعاون معهم على أسس رفضها قال لهم أنه ضد الملك وليس ضد النظام وأنه مع الديموقراطية وضد الحكم الفردي ورفض اقتراحا خاصة بتطبيق قانون الإصلاح الزراعي وأبلغهم أنه يفضل تطوير قانون عضو الشيوح محمد خطاب بحيث يضطر كل من يملك أكثر من 300 فدان إلى بيعها.
ويدل اتصال الأمريكيين بمصطفى مرعي على أنهم كانوا يمهدون لنوع جديد من الحكم كان يرفضه ولتشجيعه للإصلاح الزراعي بطرق غير دستورية وهذا يفسر سياستهم التمهيدية لقبول انقلاب يتفادى أخطار الانتفاضات الشعبية بتحقيق بعض إنجازات اجتماعية شكلية مع تثبيت قبضة السلطة الخاضعة للإمبريالية الأمريكية المهددة للديمقراطية الشعبية.
وكان أ؛مد حسين وزير الشئون الاجتماعية في وزارة الوفد والذي استقال منها في صيف 1951 هو أحد أصفياء السياسة الأمريكية يدعو لسياسة إصلاح اجتماعي تتفادى خطر الثورة وقد اقترح على علي ماهر أن يطلب إلى الملك مكافحة للشيوعية وتصفية للسخط الشعبي إعلان تنازله عن أملاكه أو عن نصفها للشعب مثلما فعل شاه إيران فيما بعد أثناء معركة البترول كمقدمه لضرب الحركة الشعبية هناك كما أنه اعتذر عن عدم الاشتراك في وزارة علي ماهر عندما عارض في رفع شعار التطهير قبل التحرير.
كان أحمد حسين يؤدي دورا نشطا بين الساسة المستقلين بدعوى محاربة الفساد وقد اتصل بعد خروجه من الوزارة الوفدية بنجيب الهلالي واتفقا على أسس التخطيط والعمل بعد التخلص من الوفد.
ولكن كيرميت روزفلت كان قد كون من دراسته لمصر رأيا آخر وجد أن الملك أعجز من أن يؤدي دورا إيجابياي في إصلاح النظام لم يكن الملك من ذلك النوع من الرجال الذين كان روزفلت يبحث عنهم فقد كان الملك فاقدا القدرة على تركيز أفكاره وكم من جلسة أبدى فيها تفهما عميقا لما يدور في مملكته ووافق على اتخاذ بعيض الإجراءات الأساسية في خطة روزفلت ولكنه في اليوم التالي يختفي عن الأنظار مفضلا ممارسة هوايته في العربدة والجنس وضاربا عرض الحائط بكل ما اتفق عليه في اليوم السابق ولا يحرج في الأسبوع التالي من اتخاذ إجراء ينسف خطة روزفلت برمتها وقد أمضى روزفلت في القاهرة الشهرين الأولين من سنة 1952 مع الملك يلهوان بتنفيذ مخططا الثورة السلمية وذلك بأن دفعا رجلي الحكم القويين مرتضي المراغي وزكي عبد المتعال لخلق أزمة وزارية بينما أ,عز الملك إلى البوليس السري لجمع الأدلة والوثائق ضدهما ليثبت حين تحين الفرصة أنهما عميلان للمخابرات المركزية الأمريكية ثم قام الملك بتكليف نجيب الهلالي ذي الشهرة الواسعة والسمعة الجيدة بتولي مهام رئاسة الوزراء ولكن الملك لم يستدعه بلباقة كافية مما جعل الهلالي يرفض تسليم الوزارة حتى اتصل به روزفلت سرا وأسر له بأنه إذا لم يتسلم رئاسة الوزارة ويقوم بتطهير جهاز الدولة من المرتشين والفاسدين ويكون رائدا للثورة السلمية فإن الثورة لن تبقى سليمة أبدا.
وهكذا يفسر مايلز كوبلند في كتابه لعبة الأمم موقع وحركة مرتضى المرغي وزكي عبد المتعال ويلقى الضوء على حقيقة المدور الذي كان مفروضا أن يؤديه نجيب الهلالي ويكشف محاولة التمسك بثورة سلمية تحاشيا لثورة غير سلمية.
ويحاول مايلز كوبلند في كتابه لعبة الأمم الإيحاء بأن جمال عبد الناصر كان على اتصال بكيرميت روزفلت عندما ذكر وقد أخبر عبد الناصر كيرميت روزفلت صراحة أنه مع ضباطه لن يسنوا ذلك الإذلال الذي لا قوه على أيدي الإسرائيليين عام 1948 إلا أن نقمتهم ستنصب بالدرجة الأولى على كبار ضباط الجيش المصري ثم بقية حكام العرب والبريطانيين وأخيرا على الإسرائيليين.
وكان ذلك في معرض حديثه عن اهتمام الأمريكيين بتوضيح موقف المصريين من قضيتين هامتين أولاهما إسرائيل وثانيهما القومية العربية ويبدو حديث جمال عبد الناصر كأنما وجهه لروزفلت قبل 23 يوليو إذ أن كبار ضباط الجيش جميعا عدا قلة محدودة جدا منهم قد عزلوا وأحيلوا إلى التقاعد فور نجاح حركة الجيش.
ولكنه لا يوجد دليل واحد على أن جمال عبد الناصر قد اتصل شخصيا بكيرميت روزفلت قبل الحركة ولو أن اتصالات بعض زملائه بالأمريكيين قد جعلته يطلب من خالد محيي الدين عدم استخدام عبارة الاستعمار الأنجلو أمريكي في منشورات الضباط الأحرار والاكتفاء بذكر الاستعمار البريطاني وكان ذلك في شهر مارس 1952 وذلك للتأييد الذي لمسه هؤلاء الزملاء من المسئولين الأمريكيين في المنطقة.
والمقطوع به أن الأمريكيين قد وجدوا في النشاط السري لحركة الضباط الأحرار بعض ما يحقق لهم أهدافهم في المنطقة ولكنهم لم يستطيعوا أبدا أن يكونوا مسيطرين عليه وعندما عاد كيرميت روزفلت إلى واشنطن في مايو 1952 بعد إقامة امتدت ثلاثة أشهر قدم تقريرا إلى وزير الخارجية الأمريكية دين اتشيسون حسب روايةي مايلز كوبلند في كتابه لعبة الأمم تضمني النقاط الآتية:
- 1- لم تعد الثورة الشعبية التي كان يسعى إليها كل من الإخوان المسلمين والشيوعيين وتخشاها وزارة الخارجية الأمريكية وإرادة في الحسبان.
- 2- لم يعد هناك أي أمل في إبعاد الجيش عن القيام بانقلاب قريب وأثنائه عن عزمه على استلام السلطة رغم كل التحفظات التي كان يبديها واضعوا مخططاتنا في واشنطن من أن تكون النتائج مشابهة لما جرى في سوريا على أيدي العسكريين.
- 3- إن قادة الانقلاب المحتمل يرفعون شعارات قياسية تخالف ما اقترحه كثير من المراقبين الدبلوماسيين وتجعل منهم وهم في السلطة طرفا لينا ومرنا في أية مفاوضات نخوضها معهم كما أنها تزيد من فرصتهم في النجاح.
- 4- يجب أن نوافق الحكومة الأمريكية على إقصاء الملك فاروق وربما النظام الملكي نهائيا في مصر تفسح المجال أمام السفير كافري لإظهار قلقه المصطنع على سلامة الملك فاروق وإذ صح أن كيرميت روزفلت قد وصل إلى هذه النتائج فإن هذا لا يعني ارتباط تنظيم الضباط الأحرار بالمسئولين الأمريكيين ارتباطا عضويا ولا يدل على أن حركتهم تتم بتوافق وتنسيق مع الاتجاهات الأمريكية وإنما يدل على اتساع دائرة معرفتهم وخبرتهم السياسية في دول تتعرض لأزمات وطنية وحركة جيوشها في مواجهة هذه الأزمات.
- 5- وفي هذه المرحلة فعلا صيحة المناداة بالحاكم العاقل المستبد قد علت وترددت ووصلت إلى الذروة سواء في الخارج أو الداخل.
- 6- نشر الكاتب الأمريكي ستيوارت السوب مقالا في صحيفة شيكاغوصن تايمز يقول فيه إذا كانت بريطانيا قد استطاعت فيما مضى أن تحافظ على سيادتها على مصر بخلق الباشوات وجعلهم أصحاب النفوذ وبرشوتهم بعد ذلك ليكونوا أداة تسهيل مصالح بريطانيا الاستعمارية فإن هذا الطريقة لم تعد عملية ولا مجدية اليوم إن الشعب الفقير قد أخذ يستيقظ ويشعر بالضيق الفاحش اللاحق به ثم أنهى مقاله بقوله إن الحديث عن انعاش الديمقراطية في بلد كمصر يعيش فيه أغلبية الشعب عيشة أحط من عيشة الحيوانات هو لغو فارغ أن مصر لا تحتاج إلى ديمقراطية بل تحتاج إلى رجل فرد إلى رجل ككمال أتاتورك ليقوم بالإصلاحات الضرورية اللازمة للبلاد لكن مشكلة مصر في كيفية العثور على الديكتاتور فليس بين رجاله من لديه المؤهلات اللازمة للديكتاتور وكتب إحسان عبد القدوس مقالا بعنوان أن مصر في حاجة إلى ديكتاتور فهل هو علي ماهر؟
تحمس فيه للدفاع عنه وقال أنه معروف عنه أنه يعتد برأيه إلى حد لا يسمح معه للوزراء بالتفكير ثم قال ومصر تقبل معه أن يعتد برأيه إلى حد أن يصبح ديكتاتورا للشعب لا على الشعب ديكتاتورا للحرية لا على الحرية ديكتاتورا يدفعها إلى الأمام ولا يشدها إلى الوراء.
وفي نفس الوقت تقريبا ظهرت عدة مقالات كتبها جوزيف السوب من نادي الجزيرة بالقاهرة قال فيها أن فاروق قد فقد أهليته وإن الوفد حزب لا يمكن الاعتماد عليه وأن الأمل الوحيد في الجيش وقد أثارت هذه المقالات التي نشرت في أمريكا اهتمام المبعوثين المصريين هناك ودفعت الدكتور إبراهيم سعد الدين عضو الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي ومسئول معهد الدراسات الاشتراكية فيما بعد إلى كتابة مقال لمجلة الكاتب دون توقيع تحدث فيه عن احتمال وقوع انقلاب عسكري.
وكانت صحف دار أخبر اليوم هو المنبر الذي تنطق منه الدعاية للسياسة الأمريكية فهي تمدح السراي والملك وتهاجم الوفد وتحاول التشهير به ثم تنقلب إلى غمز السراي عندما تتبلور السياسة الأمريكية وتفقد الثقة في قدرة الملك على الإصلاح وقد أوضح وقوة ونادت بالإصلاح وكان منطقها في محاربة الإنجليز خذ منهم ما تستطيع ثم حارب من جديد ولعل صحافة أخبار اليومي كانت تمثل حيرة الشباب في البحث عن بطل وعبرت في كثير من مقالاتها وتحقيقاتها عن هذا الأمل الذي تجمع حوله الناس.
وفي غمرة البحث الأمريكي وراء خفايا الحياة السياسية في مصر ومحاولة معرفة البطل الذي تحدثت عنه صحف أخبار اليوم وقف جهاز اكتشافهم الحساس عند ظاهرة لم تكن وقتها ذات أثر كبير في حياة الجماهير اليومية ولكنها أظهرت بادرة مثيرة في أخطر جهاز منظم في مصر وهي انتخابات نادي ضباط الجيش التي دفعت اسم محمد نجيب إلى الضوء أهـ.
نلخص ما جاء في نقل وتعليق حمروش على كلام مايلز كوبلند:
- 1- حمروش يعترف وهو لا يملك غير ذلك أمام الأدلة الدامغة على وقوع اتصال بين الضباط الأحرار ومندوب وزارة الخارجية والمخابرات المركزية الأمريكية قبل 23 يوليو التنظيمات الثورية لا تتصل بالمخابرات الأمريكية بل تحاول المخابرات الأمريكية الوصول إليها لتدميرها وتسليمها للسلطة.
- ولكننا أمام تنظيم ثوري في القوات المسلحة يسعى للاتصال بالمخابرات الأمريكية ومن الظلم البين إشاعة الاتهام هكذا بين الضباط الأحرار فمعلوماتنا والوقائع والأدلة تؤكد أن حلقة محدودة جدا هي التي اتصلت وهي التي كانت تعرف بهذا الاتصال بينما كان التنظيم في أغلبيته الساحقة وطنيا لا يدور بخياله أحد من أفراده أن يتمي اتصال مع المخابرات الأمريكية.
- 2- المخابرات الأمريكية اتصلت بتنظيم الضباط الأحرار، ولم تشي به إلا إلى الإنجليز ولا إلى السراي.
- 3- يتطوع الأستاذ حمروش فيضرب عصفورين بحجريتهم هيكل بأنه كان أداة أو وسيلة الأمريكان الصحف المقرب منهم محمد حسنين هيكل ولكنه يؤكد أن حلقة الاتصال بين المسئولين الأمريكيين وبين الضباط الأحرار لم تتسع وحجته على ذلك أن هيكل لم يكن قد تعرف بجمال عبد الناصر أو غيره من قادة تشكيل الضباط الأحرار حتى ذلك الوقت أو اكتسب ثقتهم قد أوضحنا وجهة نظرنا على علاقة هيكل وعبد الناصر ونضيف أن الأمريكان لم يكونوا تحت رحمة معرفة هيكل بالضباط الأحرار لن هؤلاء باعتراف حمروش هم الذين سعوا للاتصال بالمخابرات الأمريكية وفي رأينا أن أكثر من ضابط في المجموعة الملتصقة بعبد الناصر كانت له اتصالات مع الأمريكان بينما كان دور هيكل هو حلقة الوصل بين المخابرات الأمريكية وعبد الناصر..
- 4- اعترف بوصول كيرميت روزفلت إلى مصر في الفترة ما بين حريق القاهرة و 23 يوليو 1952 وتبنى معلومات مايلز كوبلاند كاملة في أن.
- 6- المخابرات الأمريكية نظمت انقلاب حسني الزعيم في سوريا وهو أول محاولة لنقل أسلوب الحكم المفضل لدى الإمبريالية الأمريكية والذي مارسته لزمن طويل في أمريكا اللاتينية وهو حكم العسكريين الذين يقمعون الثورات والقلاقل الداخلية ويعملون مباشرة لحساب الشركات والاحتكارات الأمريكية ولم يقل لنا لماذا تضن علينا أمريكا بهذا النظام المفضل لها؟
- 8- ركزت أمريكا على مصر فعينت فيها كافري وهو خبير انقلابات كما رأينا.
- 9- الحركة الشعبية في مصر أضعفت قدرة كافري على إحداث انقلاب مماثل لما جرى في سوريا ولكن أماله وآمال جماعته انتعشت بحريق القاهرة.
- 10- اتصالات الأمريكان مع مصطفى مرعي تدل على أنهم كانوا يمهدون لنوع جديد من الحكم يتنافر مع الديمقراطية وتطبيق الإصلاح الزراعي بطريق غير دستورية وهذا يفسر سياستهم التمهيدية لقبول انقلاب يتفادى أخطار الانتفاضات الشعبية فلما وقع أنكروه.
- 11- حاول الأمريكان القيام بثورة سلمية في إطار النظام الملكي وهنا غير كيرميت روزفلت رأيه وحمروش مازال يتبنى كل معلومات مايلز كوبلاند إلا الحرام وقرر روزفلت أن الملك حالة ميئوسة وأنه لا سبيل لمنع الجيش من الاستيلاء على السلطة.
- 12- يصر حمروش على نفي الاتصال الشخصي بين روزفلت وعبد الناصر قبل الحركة وهذه لا نصر عليها ولكنه يؤكد وقوع اتصال بين بعض زملاء عبد الناصر والأمريكان أدت إلى طلب عبد الناصر بناء على طلب الأمريكان أو لتسهيل المفاوضات لا ندري ج من خالد محيي الدين عدم استخدام عبارة الاستعمار الأنجلو أمريكي في منشورات الضباط الأحرار والاكتفاء بذكر الاستعمار البريطاني وكان ذلك في شهر مارس 1952 وهو كما قلنا ينطبق مع تاريخ الاتفاق الذي ذكره كيرميت روزفلت.
- 13- يقطع بأن النشاط السري لحركة الضباط الأحرار يحقق بعض أهداف الأمريكان في المنطقة ولكنه يبادر فيقسم بأنهم لم يستطيعوا أبدا أن يكونوا مسيطرين عليه ما علينا المهم اتفقت أهداف الإمبريالية الأمريكية ونشاط الضباط الأحرار كما عرضته عليهم مجموعة عبد الناصر قبيل الثورة أما حكاية السيطرة فهذه حديثها يطول جدا
- 14- يقول أن صح أن كيرميت وصل إلى هذه النتائج تقريره إلى واشنطن المنقول من لعبة الأمم فإن هذا لا يعني ارتباط تنظيم الضباط الأحرار بالمسئولين الأمريكان ارتباطا عضويا ولا يدل على أن حركتهم تتم بتوافق وتنسيق مع الاتجاهات الأمريكية.
- دفاعه أسوء من الاتهام.
- من قال أن الضباط الأحرار ارتبطوا عضويا بالمخابرات الأمريكية.؟
- حمروش لا يؤمن إلا بالارتباط العضوي.
- وأين في العالم ارتبط نظام حكم ارتباطا عضويا بمخابرات أجنبية إلا إذا تصورنا حكومة من مايلز كوبلاند ومييد وايكلبر غر وهيكل ومصطفى أمين و التهامي؟
- 15- بدأ الحديث علنا في الصحف الأمريكية عن انقلاب عسكري وخطأ ممارسة الديمقراطية في مصر ولا بد أن يسبقها إعداد ورفع مستوى الشعب في ظل حكم قوي وهو نفس ما قال مايلز كوبلند أنه تم الاتفاق عليه بين الثورة والمخابرات الأمريكية ما رأيكم أن نستدعي مايلز كوبلاند نفسه للشهادة من خلال كتابه لعبة الأمم؟
لعبة الأمم كتاب صدر في عام 1969 لمؤلفه مايلز كوبلاند ورغم الشهرة الذائعة التي نالها الكتاب والإشارة إليه والنقل منه في سائر المؤلفات العربية التي صدرت بعده وتعرضت بشكل أو آخر لنظام عبد الناصر أو للفترة التي تحدث عنها المؤلف إلا أنه ما من ترجمة كاملة أمينة قد جرت للكتاب ولا هو متاح للقارئ في مصر ولا نال حقه من الدراسة والتحليل أو حتى الرد والتفنيد وإنما اكتفت السلطات الناصرية بحظر دخوله إلى مصر ولم يتغير القرار بعد وفاة ناصر واكتفى الأستاذ محمد حسنين هيكل بإصدار بلاغ من طائفة البيانات التي تعود أن تصدرها في الأهرام فأعلن أن الكتاب مرفوض لأن مؤلفه يعلم باعترافه في المخابرات الأمريكية.
ولعبة الأمم هواسم أطلق على جهاز أقيم في واشنطن في فترة من الوقت، تابع للمخابرات الأمريكية كانت تجري فيه لعبة أو مسرحية سياسية أو قل فكرة شيطانية من الأعيب المخابرات العالمية، إذ يتقمص موظف شخصية زعيم من زعماء الدول التي تهم سياستها الولايات المتحدة وتجمع له الأجهزة كل المعلومات عن هذا الزعيم يوما بيوم فضلا عن تاريخ حياته منذ طفولته وعقده ومكونات نفسيته وثقافته وقراءاته وأبطاله ومستشاريه ومن ثم تصبح مهمة هذا الرجل أن يتنبأ بردة فعل هذا الزعيم إزاء فعل من قبل الولايات المتحدة أو غيرها.
وإذا كانت الإثارة هي في هذه الفكرة أعني قدرة هذه الشخصية على التنبؤ مقدما بتصرف الزعيم الذي يمثله فإن الأهمية أو العائد في نظري هو في اهتمام وقدرة الأجهزة من خلال هذه اللعبة على تجمع المعلومات عن الزعيم موضوع الاهتمام وربما تكون هذه اللعبة قد لعبة دورا في دفع الأحداث في عالمنا في اتجاه معين من خلال دراسة شخصية الزعيم ومعرفة مفتاح هذه الشخصية مثل حب المال أو النساء أو التمسك بالسلطة مهما كان الثمن أو كراهية مزاحم على الزعامة سواء أكان هذا المزاحم من الداخل أو من الخارج أو معرفة نوعية العلاقة داخل المجموعة الحاكمة ...إلخ
المهم والذي يعنينا هنا أن مايلز كوبلند مؤلف الكتاب كان الشخص المكلف بتمثيل أو تقمص شخصية الرئيس جمال عبد الناصر ومن ثم فهو ليس الغريب المتطفل الذي صوره لنا هيكل لغرض أكثر من واضح وهو كما عرفه الناشر الأمريكي أحد الذين ساهموا في تنظيم المخابرات الأمريكية كلها وهو رئيس المخابرات الأمريكية في مصر إذ المعروف أن المخابرات الأمريكية لها وحدات إقليمية تسمى محطة ومصر في تلك الفترة كانت أهم ومركز الشرق الأوسط كله، وقيادة العالم العربي
وإليك كلمة الناشر على غلاف كتاب لعبة الأمم وقد تكون فيها مبالغة وإنما لا يمكن أن تضم الأكاذيب لأنها موجهة للقارئ الأمريكي أولا...
مايلز كوبلاند الذي كان موظفا في وزارة الخارجية والرجل الذي ساعد في تنظيم المخابرات الأمريكية دبلوماس سابق ورجل أعمال وخبير في شئون الشرق الأوسط وأحيانا لاعب في لعبة الأمم كتب كتابا مثيرا طريفا عن الدبلوماسية الدولية السرية ولكي يبرز فكرته عن لعبة الأمم اختار مستر كوبلاند واقعة تاريخية هي وصول عبد الناصر إلى السلطة حيث كان مستر كوبلاند لاعبا في هذه الدراما أنه يشرح كيف تدبر الانقلابات والاغتيالات والرشاوي ويسمى الأشياء بأسمائها ويشرح كيف تعمل الأجهزة الأمريكية مع وضد بعضها ويشرح بالتفصيل الجانب التآمري والمخادع الذي تمارسه الأجهزة الحكومية غير الرسمية مثل نشاط (السيئ أي أيه) وأن هذا الجانب هو دائما الأكثر فعالية وأن يكن مجهولا من الرأي العام كما يوضح كيف استطاع قائد مصر عبد الناصر ج أن يطور فرعه الخاص بلعبة الأمم.
لكل الذين يريدون معرفة كيف تدار السياسة الخارجية فعلا يقدم مايلز كوبلندا كتابا وثائقيا لا خيالات فيه أكثر إثارة من قصص الجواسيس الخيالية.
كتاب لعبة الأمم يكشف المناورات والألاعيب التي تميز سياسة الدول الكبرى ويكشف الأفعال السرية التي لا علاقة لها بما يقوله السياسيون والرسميون للشعب
وفي المقدمة يقو المؤلف أن المؤرخين يعجزون مثلا عن تفسير لماذا أحجم عبد الناصر عن شن الحرب على إسرائيل في ظروف كان النصر فيها محتملا بينما قاد بلاده إلى هزيمة محققة في 1967 ويرد على تساؤله بأن المؤرخين لا يعرفون القصة خلف القصة أو ما وراء الستار لأن هذه القصة السرية تحجب عنهم.
ويقول أنه عندما عرض مسودات الكتاب على أحد الدبلوماسيين نصحه بعدم النشر لأنه لا يجوز أن يسيء إلى حكومتنا في أعين الجمهور ولكنه لم يوافقه لعدة أسباب منها أن من حق المواطنين الأمريكان ج أن يعرفوا الحقيقة عن حكومتهم وإن رجال هذه الحكومة هم مجرد بشر وأنه إذا كان المواطن الأمريكي يشعر بالفخر لأن حكومته ذات مسلكية أخلاقية عالية إلا أن هذا المواطن سيكون نومه أهدأ إذا ما عرف أن خلف الستار يوجد له رجال قادرون على مواجهة خسة السوفيت بخسة مماثلة.
لقد ركزت على الشرق الأوسط ومصر بالذات أساس لأنني كنت هناك كثيرا كضيف لم يدعوه أحد ولأنني ساهمت في كثير من الدبلوماسية السرية، التي حكمت السلوك اللامنطقي في تعامل زعماء الشرق الأوسط مع الغرب ودبلوماسية الغرب مع حكومات الشر ق الأوسط.
وأنه أراد أن يوضح أنه إذا كانت سياستنا الخارجية قد تعثرت بعض الوقت فإن السبب لم يكن بسبب قرارات غير حكيمة اتخذها المسئولون بقدر ما كانت بسب خطأ الفهم وسوء استخدام أجهزتهم في التعامل مع مشاكل لا يمكن أن تحل بالوسائل العادية أن الأخطاء التي ارتكبتها حكومتنا في التعامل مع الرئيس ناصر هي نموذج شديد الوضوح هنا أبدت أن أقدم للقراء والمؤرخين في المستقبل صورة لمعالجة حكومتنا لسياستها الخارجية بالوسيلة التي هي دائما الأكثر حسما ولو كانت غير معروفة للجمهور وقد حذفت كل الأسرار المحظورة بموجب نظم الأمن الحكومية إلا التي أصبحت فعلا في علم قوي أجنبية بسبب تسربها من قبل أو بفعل الجاسوسية أو بسبب نشرها على أية حال لم أكتم شيئا من أجل الوفاء للشلة.
لأسباب عديدة فإنني اعتبر أن عمليتنا التي تشمل الرئيس ناصر، هي أفضل حادثة تاريخية لعرض كيف تعمل استراتيجيتنا المزدوجة القيم الأخلاقية.
عندما كنا نجلس حول الطاولة في الفترة التي كنت فيها ألعب دور عبد الناصر كان يبدو لنا جميعا أنه لا يمكن أن تستمر اللعبة بدون عبد الناصر.
أن دراسة كيف أدرنا اللعبة مع ناصر لنا دروسا قيمة حول استراتيجيتنا في التعامل مع أمثاله.
وهويعتقد وأثبتت الأحداث منذ تاريخ نشر الكتاب صدق توقعه أن نموذج ناصر من القادة الإفروآسيويين سيأتون باستمرار للعب الدور الذي سنحدد معالمه في ما يلي من الصفحات.
لأنه في هذه البلدان التي تبدو حالتها ميئوسة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ليس أمام القائد المحلي إلا أحد حلين إما أن يصرخ يسقط الاستعمار ويهتف له الغوغاء بينما بلدهم يسير إلى الدمار، أو أن يقبل المعونة ويرضى بمركز العميل للاستعمار أو لموسكو وقال أن النموذج الناصري هو الأقدر على البقاء بين زعماء الدول المفلسة هذه وأن عبد الناصر كان تسعين بالمائة ناصري ولذلك كان أطولهم عمرا بينما نكروماه كان سبعين بالمائة فقط.
ودعنا من فلسفته وزهوه كالطاوس لأنه جعل منطقة مثل الوطن العربي وبلدا ولد فيه التاريخ وولدت أول حكومة جعله حقل تجارب يسخر من شعبه على هذا النحو الفاضح والمؤلم إلى حد البكاء دعنا من هذا الفكرة ببساطة هي أن الدولة المختلفة لا أمل لها من وجهة نظر المخابرات أو الإدارة الأمريكية في الخروج من التخلف وتلبية احتياجات شعبها أو كما قالوا هم لعبد الناصر بصريح العبارة أنه لا أمل لمصر في الخروج من الفقر.
ولذا فإن زعماء هذه الدول الذين يريدون الاستمرار في السلطة ليس أمامهم إلا استجداء الدول الغنية أو ابتزازها وهذا الكتاب هو دليل التعامل مع هذه النماذج أو خلق بعضها فعلا عندما تقتضي الضرورة وفي الأماكن الاستراتيجية والظروف التاريخي المعين ولنعفي القارئ من فلسفته.
وإليك المزيد من تعريف الرجل بنفسه ولاحظ أن هذا نشر في كتاب صدر في الولايات المتحدة فلا يمكن أن يكذب فيه ويدعي مناصب ووظائف ومهمات لم يقم بها ونحن ملزمون بتصديق ما يقوله عن طائفة واتصالاته بناصر.
في فبراير 1947 عندما أعلنت بريطانيا استعفاءها كنت من المجموعة الإدارية الاستشارية المكلفة بدراسة الفوضى التنظيمية الموجودة وقتها في دوائر الاستخبارات ولتقديم توصيات لإصلاحها.
نكتي عن الانقلابات في سوريا هي التي جعلتني الشخص المفضل في منزل عبد الناصر.
في يوليو 1954 قال لي ناصر: لكي تشكل نفوذا معتدلا في العالم العربي فيجب أن تكون صاحب نفوذ.
وأنا وحسن التهامي كنا نتحدث مع عبد الناصر في حديقته.
زرت نيويورك في أواخر صيف 1953 واقترحت إعطاء نصار مبلغا بصفة شخصية لتطوير حراسته وتزويده بسيارة كاديلاك مصفحة وخبير لتنظيم حرسه الخاص وجهاز إنذار على بيته ومعدات لتفريق المظاهرات.
في أغسطس 1953 واقترحت إعطاء ناصر مبلغا بصفة شخصية لتطوير حراسته، وتزويده بسيارة كاديلاك مصفحة وخبير لتنظيم حرسه الخاص وجهاز إنذار على بيته ومعدات لتفريق المظاهرات.
وفي أغسطس 1953وكنت ذاهبا للغداء مع عبد الناصر طلب مني السفير كافري أن استمزج رأيه في المفاوضات مع بريطانيا وقال لي: أعرف لنا أقصى مطالبه وأدنى ما يمكن أن يقبل به وقل له أننا سنحتفظ بهذا سرا فيما بيننا وكانت هذه هي أول مرة يطلب مني أن أناقش سياسة أو بالأحرى سياسة دولية مع عبد الناصر.
ويقول أنه في هذا الاجتماعي اقترح علي عبد الناصر الاستعانة بوسيط أمريكي وورد اسم كيرميت روزفلت الذي اعتبره عبد الناصر اختيار ممتازا فلما تشككت في أن علاقته بالمخابرات قد تشكل عقبة قال عبد الناصر بالعكس أن هذه الصلة مميزة فهو يستطيع أن يكون رسميا بالقدر الذي نريده وكان رأيه أن موظفا في المخابرات الأمريكية في الوقت الذي لا يمثل الحكومة الأمريكية وبالتالي فهو غير ملزم بتوضيح موقفه أو دوره الحقيقي للإنجليز إلا أنه في نفس الوقت يتمتع بثقة الحكومة الأمريكية ومن ثم فهو يعرف ما يقول ثم إن علاقة روزفلت الوثيقة بالأخوين دلاس كانت مهمة أيضا عند ناصر كذلك كان ناصر يعرف أن كافري سيوافق على هذا الاختيار وكانت خبرة عبد الناصر السابقة (؟!ج) مع روفلت قد أقنعته أن روزفلت هو من النوع الذي يجيد تدبير الأمور.
وقد قام روزفلت فعلا بدور الوساطة في عقد اتفاقية الجلاء.
هل عرفت الآن من هو الوسيط الأمريكي الذي تحدث عنه زكريا محيي الدين ؟؟؟ أنه عراب 23 يوليو كما سنرى وقد أخبرت كافري على الفور، بعد الغداء مع عبد الناصر بمحادثتي مع عبد الناصر فأبرق بالفكرة إلى واشنطن بعد ظهر نفس اليوم ووصل روزفلت في نهاية الأسبوع بعد أن توقف في لندن للحصول على ملخص من وزارة الخارجية لمعرفة ما هي النقاط المهمة في المفاوضات وما هي غي المهمة.
وفي أول اجتماع بين ناصر ورزفلت راجعا المرحلة الأولى والثانية انظر الصفحات من 120 إلى 131 من الكتاب عن الخطة التي وضع لمسيرة الثورة بين الأمريكان وممثلي مجلس الثورة والتي تتضمن تحقيق تسوية بين مصر وبريطانيا وأمريكا (!؟ج) ومن هنا أصبح علمه هو تحديد ما الذي يريده فعلا البريطانيون والمصريون بصرف النظر عما يقولون ثم صياغة ذلك.
لعبت دور عبد الناصر في مركز الأمم من صيف 1955 إلى ربيع 1957 وفي نفس الوقت كنت أعمل مستشارا لمجموعة تسمى لجنة تخطيط سياسة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية وهي وظيفة أعطتني الفرصة لزيارة القاهرة وعواصم أخرى في الشرق الأوسط حيث تمكنت من مناقشة حركات ناصر مع ناصر نفسه وغيره من القادة في الشرق الأوسط الذين تأثروا بأفعاله وإلى جانب ذلك كنت قد عرفت ناصر نفسه منذ عدة سنوات وفي أفضل الظروف الممكنة وكنت على علاقة جيدة مع قادة الشرق الأوسط المهمين سواء الذين ضد أو مع ناصر.
وفي 16 يوليو 1955 انهيت سنتي خدمتي في مصر واتجهت مبطئا إلى وطني واستغرقت رحلة العودة شهرا وعندما وصلت أخيرا في آخر أغسطس وجدت في انتظاري خطابات من كل من بايرود ناصر إلى جانب مراسلات من رؤسائي تخبرني بأنني سأعار لوزارة الخارجية لفترة غير محدودة لتشكيل وحدة عمل تسمى لجنة تخطيط سياسة الشرق الأوسط .
نقلت أنا وجيم إيكلبر غر خبر انضمام العراق لحلف بغداد إلى عبد الناصر مساء اليوم الذي وقعت فيه الاتفاقية وكان السفير الأمريكي بايرود قد وصل ولكنه لم يقدم بعد أوراق اعتماده وعبد الناصر يريد أن يبحث معه حلف بغداد الذي أعلن وهو لا يستطيع استقباله بصفة رسمية ج فاتفق على أن يأتي إلى بيتي ناصر وبايرود وعبد الحكيم عامر وحسن التهامي للعشاء ثم أعقب العشاء اجتماع آخر حضره تهامي وأنا وعبد الناصر وبايرود نوقشت فيه كل جوانب علاقات بلدنا.
لعلنا ساهما في تخفيف بعض حيرة الحاج هويدى في البحث عن سر أهمية الدرويش حسن التهامي وزدنا من حيرة الناصريين في تفسير محاولة هيكل التقليل من شأن الرجل الذي يسعى ناصر إلى بيته لمقابلة سفير أمريكا.
في فبراير كنت أعيش في القاهرة وأتردد على دمشق ووقع المصريون والإنجليز الاتفاقية في أكتوبر 1954 وبعد شهر واحد أرسل البنتاغون كولونيلين: إلبرت جيرهارد، وويلبر بيل إيفلاند إلى القاهرة لبحث ما هي الأسس التي يمكن بموجبها لحكومتنا إعطاء المصريين الأسلحة التي يطلبونها لأغراض الأمن الداخلي على أن يعقد الاجتماع مع ناصر نفسه بحضور كبار مساعديه وعلى أن يكون سريا وبدون محاضر وطلب مني السفير كافري أن أنظم الاجتماع واشترك فيه وأنقل إليه ما يحدث ولذا فقد كان واضحا أن دوري هو دور مراقب بدون صفة رسمية وقد تم الاجتماع في الساعة الثامنة من مساء يوم ما، في منزل حسن التهامي كبير مساعدي ناصر واشترك فيه عبد الناصر ورئيس الأركان عبد الحكيم عامر والكولونيلان الأمريكان والتهامي وأنا وكان الجووديا وغير رسمي خلعت فيه الجاكتات وعلقت على ظهر المقاعدة وجري استخدام الاسم الأول: آل ... بيل .. بل حتى جمال وتناولنا وجبة بيتي رائعة، وبعد ذلك بدأنا ما عرف بعد ذلك بمحاولة صريحة مما اعتدنا عليه.
وروايته تتفق تماما مع رواية إيفيلاند في كتابه حبال الرمال والذي سنعرضه بعد هذا الكتاب لعبة الأمم.
المحادثات التي يحضرها تهامي ولا يسمع بها فضلا عن أن يشترك فيها بغدادي وكمال الدين حسن فضلا عن هويدي لا تعطيه الحق في أن يتساءل لماذا استوزر عبد الناصر هذا الوزير أنه حقا لم الشمل ولكن أي شمل؟
وهذا يفسر لنا الدور غير المبرر الحجم الذي لعبة تهامي في المفاوضات مع إسرائيل التي انتهت بكامب ديفيد...
ويقول أن المناقشة في هذا الاجتماع كانت صريحة لدرجة أن الأمريكان لم يستخدموا ولو مرة واحدة تعبير:
العالم الحر كما لم يستخدم المصريون كلمة الاستعمار.
يعني لا أحنا عالم حر ولا أنتم ضد الاستعمار فلا داعي لتهريج بالألفاظ في منتصف سبتمبر تسلم كيرميت روزفلت رسالة شخصية من ناصر بأنه سيوقع اتفاقية مع الروس وأنه إذا كان روزفلت يريد أن يجرب إقناعه بالعدول عنها فمرحبابه، وفي اليوم التالي سافر كيرميت وأنا إلى القاهرة وقد قابلنا في المطار معاونون عبد الناصر وأخذونا رأسا إلى شقة عبد الناصر في أعلى مبنى مجلس الثورة.
قضيت وقتا طويلا في أواخر 1956 وبداية 1957 أعطى محاضرات لمجموعات من الموظفين الأمريكان أقوم فيها بدور عبد الناصر وأشرح لهم مواقفه وكثيرا ما كنت استدعي إلى مكتب وزير الخارجية دلاس أو نائبه هوبرت هوفر الابن لكي أساعدهم على عبد الناصر مفهومة بل ومقبولة حتى أن أحد الموظفين قال: أنا لا أثق في هذا الشخص أنه ناصري أكثر من ناصر نفسه ومرة التفت إلي آلن دلاس وقال: إذا كان هذا البكباشي بتاعك أو بتاعكم سيزعجنا أكثر من ذلك فسنشطره إلى نصفين
وعندما سألني فرانك ويزنر نائب مدير المخابرات الأمريكية قبل أسبوع من أزمة أجبته أنني في تمثيل دوره في لعبة الأمم أممت القناة فعلا منذ عدة شهور ولكن ناصر لم يفعل ولذا لا أدري ما الذي سيفعله الآن وعندما ناقشت مشكلة السويس مع عبد الناصر بعد ذلك كان واضحا أنه توقع ردة فعل أشد من جانب الأنجلو أمريكان إلخ.
في أوائل عام 1956 قضي الرئيس عبد الناصر والسفير فوق العادة إيريك جونسون وأنا مساء طويلا في حديقة عبد الناصر نناقش ما الذي يمكن لعبد الناصر أن يقوم به وماذا لا يمكنه لمساعدة جونسون على وضع خطة حول مياه نهر الأردن.
مايو 1957 استقلت من وزارة الخارجية وأسست مكتب استشارات للعلاقات الحكومية لشركة نفط وشركة طيران وبنك في بيروت في يوليو 1957
وفي 1957 كنت في واشنطن أعمل في لجنة يفترض أنها المسئولة عن كل ما له علاقة بعب الناصر وأذكر أنني حضرت يوما إلى المكتب صباح يوم من أيام شهر يناير لا أعرف أن مشروع أيزنهاور إلخ.
عبر السنين رأيت ناصر أكثر من أي غريب آخر وإلى الآن بعدما لم يصبح من المستطاع مفاجأته بزيارة بدون دعوة والبقاء لتناول الغداء مازلت أجري معه مناقشة طويلة مرة كل شهر أو شهرين يسترخي فيها تماما ويكون طبيعيا جدا وقد قمت بهذه الزيارات مرات عديدة كمجرد علاقة شخصية أو مرات لحساب بعض الشركات التي أ‘مل لها ومرات بعد تلقين عنيف من أطباء المخابرات الأمريكية لكي أسجل لهم أية ظاهرة من ظواهر المرض الجسمي أ, العقلي على عبد الناصر.
ناصر أخبرني في 1964 أنه كف عن محاولة فهم تصرفات الأمريكان ويقول أنه أهدى لعبد الناصر مرة بدلة على الطراز الأمريكي فلم يعجبه ذوقها.
والآن ماذا عن الكتاب؟
لقد وضع في بدايته قائمة بالأحداث التاريخية التي يعتقد أنها تحدد خريطة التطورات السياسية في موضعه وهي كالآتي.
21 فبراير 1947 سلمت السفارة البريطانية في واشنطن رسالة لوزارة الخارجية حول اليونان وتركيا تعلن انتهاء مرحلة السلام البريطاني أي مرحلة حفظي السلام في المنطقة بقوة بريطانيا ج)
12 مارس 1947 إعلان مبدأ ترومان.
14 مايو 1948 إعلان دولة إسرائيل.
30 مارس 1949 انقلاب حسني الزعيم
26 يناير 1952 حريق القاهرة وتوجيه كيرميت روزفلت إلى القاهرة لتنظيم ثورة سلمية تحت قيادة فاروق.
مارس 1952 كيرميت روزفلت يتخلى عن فكرة الثورة السلمية ويجتمع بالضباط الأحرار المصريين وهو التاريخ الذي اتفق خالد محي الدين وحمروش على طلب عبد الناصر فيه وقف الهجوم على الأمريكان في منشوراتهم ج)
22 يوليو 1952 انقلاب ناصر في مصر.
وفي شرح هذه النقاط وتسلسلها تقول الوثائق أنه في عام 1947 أبلغت بريطانيا الحكومة الأمريكية أنها لا تستطيع الاستمرار في تحمل مبلغ الخمسين مليون دولار اللازمة لدعم اليونان وتركيا ضد الشيوعية فأما أن تتولى أمريكا المهمة أو تترك للفراغ .
وكان هذا التطور طبيعيا ومنتظرا بلهفة من الولايات المتحدة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية أكبر قوة في العالم غير الشيوعي وكانت ترى نفسها الوريث الشرعي والطبيعي والكفء للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية اللتين بعجزهما تسيطران على مساحات شاسعة وثروات هائلة بدون مبرر في قانون الغابة الاستعمارية وبدون قدرة على ضبط هذه المناطق وإخضاعها كما كان الحال قبل الحرب العالمية الأولى أو حتى فيما بين الحربين وكان نفط الشرق الأوسط وإسرائيل يمثلان أهمية حيوية وجائزة مطلوبة من قبل الإدارة الأمريكية وأصحاب المصالح الحقيقية كما كان موقع الشرق الأوسط يمثل أهمية بالغة لاستراتيجية السيطرة على العالم أو احتواء الشوعية العالمية والدفاع عن غرب أوروبا وأفريقيا وربما خطر ببال الإنجليز رشوة الأمريكان بتركيا واليونان مقابل ترك بريطانيا تتمتع بالجزء الأقل سخونة وأكثر ليونة وأعزر نفطا في شرق وجنوب البحر الأبيض ولكن أمريكا كما رأينا كانت عينها على ذات هذه المناطق التي تريد بريطانيا الاحتفاظ بها ولا أحد يدافع عن تركيا واليونان من أجل الأتراك واليونانيين فهما من أفقر وزيت الزيتون الشعوب وزيت الزيتون لا يغني زيت النفط وإنما أهمية اليونان وتركيا في أنهما الخط الأمامي في الدفاع عن الكنز أو الشرق الأوسط العربي وإيران كما أن الدفاع عنهما يصبح مستحيلا بدون عمق في الوطن العربي وإيران.
وهكذا قررت أمريكا أن تأخذ الجمل بما حمل فتكونت المخابرات الأمريكية CIA سنة 1947 وتشكل مركز لعبة الأمم سنة 1948 يقول مايلز كوبلاند كان برنامجنا هو ملء الفراغ الذي تركه رحيل البريطانيين من اليونان وتركيا الفراغ الذي لا يقتصر على تركيا واليونان بل الشرق الأوسط كله وتنفيذ ذلك بأسلوب يتفق مع وسائلنا وطرقنا كنا ندخل في لعبة جديدة اللاعبون فيها هم حكومات منطقة الفراغ وليس الاتحاد السوفيتي وكما قال موظف كبير بوزارة الخارجية لم تكن لدينا أهداف بل مشاكل مشاكل من عزم الصهيونية على خلق دولة يهودية في فلسطين وتصميم العرب على منعهم مشاكل خلافاتنا مع حلفائنا وفي داخل البنتاغون نفسه وزارة الدفاع الأمريكية ج) حول الدور الذي سيلعبه الشرق الأوسط في مشاريع الدفاعي ومن القضايا التي أثيرت هي إلى أي مدى ندعم رسميا شركات النفط الأمريكية التي زاد نشاطها في المنطقة وأخيرا تحددت أهدافنا في الآتي:
- 1- منع الصراعات الإقليمية من جرنا إلى مواجهة مع السوفيت أي منع تحول الحرب الباردة إلى ساخنة.
- 2- تمكين حكومات المنطقة من المساهمة في العالم الحر..
- 3- خلق ظروف محلية مناسبة للاستثمارات الأمريكية.
وكان الصراع الإقليمي الوحيد الذي يلوح في الأفق هو الصراع العربي الإسرائيلي كما كنا نعتقد أن مصالحنا التجارية تلقى الترحيب من أهل المنطقة فالنفط سيجعلهم أغنياء.
وكان الموقف في نظرنا أنه لو وجدت قيادات غير فاسدة وذكية بما يكفي لإدراكها ما العمل الذي يحقق مصلحة بلادهم ولديهم عزم لا نجازه فأننا سنحقق أهدافنا مهما تكن ولكن هذه البلاد باستثناء بلدا أو اثنين كانت تفتقد إلى مثل هؤلاء القادة ولذا فحتى يحي الوقتي لإرساء أهداف راسخة بعيدة المدى فقد كان علينا تركيز اهتمامنا لإيجاد الوسائل التي تضمن تولي النوع المطلوب من القادة كما كنا نسميهم في هذا الوقت وتؤكد الوثائق الحكومية الأمريكية السرية في مطلع 1947 على أجهزتنا الدبلوماسية والمخابراتية العمل على إجراء تغييرات في قيادات عدد معين من بلدان الشرق الأوسط وهو الأمر الذي يتجاهله المؤرخون اليوم عندما يقيمون أعمالنا في العشرين عاما الماضية كان بودي أن أعلق على هذه الفقرة بأنها تغني عن التعليق ولكن لا حيلة لنا فنحن نكتب للمغفلين..!!
- 1- أمريكا قررت ملء الفراغ في تركيا واليونان والشرق الأوسط كله بوسائل تتفق مع وسائلنا وأساليبنا.
- 2- اللاعبون أو المحاورون أو الطرف الأخر ليس الاتحاد السوفيتي غير الموجود وقتها في المنطقة بل حكومات المنطقة وهذا يعني بوضوح بريطانيا وفرنسا فهما الحكومة وما تحتها مجرد أدوات تتفاوت نبسبة تبعيتها وانصياعها وكفاءتها وهي بالتأكيد موجودة على مائدة اللعب ولكن من يريد أن يلعب في مصر أو العراق يخطئ خطأ فادحا إذا لم يعرف أنه يعلب أساسا مع بريطانيا ونفس الشيء عن فرنسا بالنسبة لمراكش والجزائر وتونس.. إلخ..
- 3- وهذه النقطة مهمة جدا ولو أنها طمست في تاريخ المنطقة عن وعي لأنها مفتاح فهم ثورية بعض الثوريين بل حتى ماركسية بعضهم فالإنجليز مثلا لم يترددوا في إطلاق الشيوعيين في العراق وتسليمهم الحكم في عدن لمنع وقوع البلدين في يد الأمريكان وهذا سيساعدنا على فهم بعض التصرفات التي تبدو غريبة في ظل المفهوم الساذج الذي يتصوران الصراع الأول في المنطقة كان في تلك الفترة بين الغرب والاتحاد السوفيتي أو بين أمريكا والاتحاد السوفيتي.
- وأهمية هذا الاعتراف أيضا هو تحديد طبيعة الوسائل فإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى احتلال بلد أو منطقة في دائرة نفوذ حليف مثل بريطانيا أو فرنسا فإن الموقف يختلف عنه في حالة ما إذا كان البلد في دائرة نفوذ الروس لأن أسلوب الاستيلاء يختلف بالطبع ففي الحالة الأولى يستحيل الضرب المباشر، يستحيل غزو البلد أو مقاتلة بريطانيا أو حتى الهجوم الرسمي عليها إلا في ظروف نادرة عندما يخرج أحد الأطراف عن قواعد اللعبة كما حدث في حرب القناة عام 1956 إذ جاءت بريطانيا بالأسطول لقلب حكومة عبد الناصر وإعادة غزو المنطقة وهنا اختل ميزان القوى في اللعبة وكان لابد من تدخل أمريكا أما فيها دون ذلك فإن وسائلنا وطرقنا هي قلب الحكومات العملية لبريطانيا العظمى وإقامة حكومات صديقة للولايات المتحدة ومن ثم تصدر قرارات شرعية بتصفية مصالح بريطانيا وتعزيز مصالح أمريكا، ولا تملك بريطانيا أن ترد إلا بانقلاب مضاد كما حدث في سوريا أو بمحاولة لخبطة اللعبة بأحداث انقسام داخلي، أو الرضوخ وطلب إعادة تقسم المنطقة مع الاعتراف بحق أمريكا في نصيب أكبر مما خرجت به بعد الحرب العالمية كما حدث في إيران.
- 4- نقفز على حكاية ليس لنا أهداف لأن ما ذكره كمشاكل هو أهداف مثل إفشال تصميم العرب على منع قيام إسرائيل على أية حالة لقد اعترف بأنهم وضعوا أهدافهم في ثلاثة مطالب تغطي كل شيء لمنع تحول الشرق الأوسط إلى منطقة مجابهة ساخنة مع الاتحاد السوفيتي وفي إطار هذا الهدف المحدد بدقة كأول الأهداف يمكن أيضا تفسير موقف أمريكا من أحداث أكتوبر 1956 والهدف الثاني يغطي مشاريع الدفاع المشترك وغيرها أما الهدف الثالث فصارخ الوضوح: خلق الظروف الملائمة للاستثمارات الأمريكية.
- 5- الصراع الإقليمي المقبل هو الصراع العربي الإسرائيلي الاستثمارات الأمريكية كل ما تحتاجه هو قيادة ذكية تفهم مصلحتها في الارتباط بالاستثمارات الأمريكية غير فاسدة برشوات الإنجليز والارتباطات بهم ومن ثم سترى المصلحة العامة التي ستغمر الجميع..
- الأجهزة دموية وإجراما فلا يجوز أن نتوقف عند إصلاحياته وشعار التطهير الذي سيطرح في بلادنا وسيسجن وينكل باسمه بكل الوطنيين ولا أدل على كذبه أن البلدين اللذين نالا بكرة التغيير كانا أكثر بلدين في العالم العربي ديموقراطية وتقدما وأقلهما فسادا مصر وسوريا.. ومن أجل هذا كان التركيز عليهما.
- 6- حتى يتوفر الوقت للاستعمار الأمريكي لخلق قواعد راسخة وطبقات متعاونة ومصالح استراتيجية متشابكة كتلك التي خلقها الإنجليز والفرنسيون في أكثر من قرن، فلم يكن أمامهم إلا أن يدفعوا بالأسلوب التآمري قيادات من النوع المطلوب للسلطة ويحدثون بهم التغيير المطلوب سواء تصفية الحركة الوطنية وتصفية القواعد والمصالح الإنجلو فرنسية أو إرساء المصالح الأمريكية وخلق قاعدة واسعة تتقبل هذه المصالح وانظر كيف استقبل نيكسون في مصر بعد 22 سنة من ارتقاء النوع المطلوب بينما لم يكن مسئول أمريكي يجرؤ على زيارة مصر أيام القيادات الفاسدة وضرب رئيس الولايات المتحدة تيودور روزفلت بالطماطم عندما زار مصر قبيل الحرب العالمية الأولى.
ويخرج المؤلف لسانه للمتطهرين الأمريكيين في الستينات الذين أبدوا ارتياعهم من تدخل الأجهزة الأمريكية في الشئون الداخلية للبلدان الأخرى لما عرف عن الانقلابات التي دبرتها أمريكا ومنها انقلاب سوريا وإيران ومصر يخرج لسانه ويقول لهم طالعوا الوثائق الرسمية وستجدون أن الحكومة طالبتنا أجهزتنا الدبلوماسية والمخابراتية بالعمل على تغيير قيادات عد معين من بلدان الشرق الأوسط فلماذا يتجاهل ذلك المؤرخون عندما يدينون أو يقيمون أعمالنا؟ لقد نفذنا التعليمات وكيف كنا سنغير القيادة في بلد لا يخضع لحكمنا إلا بالتآمر السري والانقلاب أو الثورة؟
وفي اجتماع مشترك لوزارة الخارجية ورئاسة الأركان الأمريكية بتاريخ 2 مايو 1951 جري هذا الحوار الذي ننقه من الوثائق المنشورة لوزارة الخارجية الأمريكية.
جنرال كولينز ممثل وزارة الخارجية كل ما قلته اليوم يوحي إلى إنك تقترح علينا أن نستولي على الشرق الأوسط أو نتولى الأمر فيه ) take over the m.e مستر ماكغي: هذا يتوقف على ما تريد تحقيقه في المنطقة إذا كانت لدينا القوى اللازمة فقد يكون من المرغوب فيه أن نتولى الأمر ولكني فهمت أنه ليس لدينا القوى اللازمة.
جنرال فاندنبرغ: إن هؤلاء الناس في الشرق الأوسط يفهمون منطق القوة أكثر منا لقد كنا دائما نرفض استخدام سياسة القوة في علاقاتنا الخارجية بينما هذه الدول معتادة على القوة نحن نحاول أن ننفذ أغراضنا في الشرق الأوسط عن طريق الرشوة وهذا سيؤدي إلى إفلاسنا وأكثر من هذا تحرمنا من استخدام القوة ربما يجب أن نستخدم العصا الغليظة ونستخدم قوتنا وربما يجب أن نملي على هذه الدول ما يجب أن تفعله على الطراز العتيق أكثر مما نحققه باستخدام برامج المساعدات بإرسال أسطولنا وتحليق قاذفاتنا سنحصل على تعاون أكبر وتكلفة أقل...
جنرال برادلي يجب أن نعترف أن الزمن تغير ولم يعد من الممكن استخدام القوة بالطرقة القديمة.
مستر ماثيو: نحن في عصر جديد لا يجعل استخدام القوة بالأسلوب القديم مجديا وهكذا أمكن إلجام الجنرالات ذوي الأدمغة الحديدية وإفهامهم أن الاستيلاء سيتم وباستخدام القوة ولكن بالأسلوب الحديث أسلوب الكاراتيه وهو فن استخدام قوة الخصم في قهره فلا حاجة لإرسال الجيش الأمريكي لضرب الحكومة في شيلي الجيش الشيلي بقليل من التآمر والرشوة والدعم يقوم بالمهمة بل وهو أجرأ على إراقة الدم، والفتك بالمعارضين وتحمي سلامة الأولاد الأمريكان وتبقى أمريكا يدها بيضاء من دم الشعب الشيلي بل لا بأس من إظهار غضبها على الحكم الديكتاتوري في شلي هذا هو الاستعمار الجديد..
ثمانون ألف عسكري بريطانيا في مصر لم يستطيعوا إجبار الشعب المصري على قبول الدفاع المشترك عن تركيا ولا فصل السودان ولا كان بوسعهم حل حزب الوفد ومحاكمة وزير الداخلية الذي تآمر وهو في السلطة على نسف قناة السويس لإخراج الإنجليز من مصر ولكن ذلك كله تحقق على يد الجيش المصري ووسط هتاف الجماهير وباسم الثورة الخالدة فمن خدم أمريكا أكثر الجنرالات المهوسون الذين كانوا يطالبون باستخدام الأسطول والطيران؟ أم رجال المخابرات الأمريكية الذين وضعوا النوع المطلوب في قمة السلطة المصرية؟
جاء في تقرير لنائب وزير الخارجية الولايات المتحدة بعد جولة قام بها في الشرق الأوسط عام 1951 باستثناء إسرائيل فإن جميع الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط، هي أنظمة رجعية أو يمينية بالمقارنة بنظامنا.
فلا تملأوا الدنيا صياحا بكلمات رجعي ويميني وكأنكم اكتشفتم البارود أو اخترعتموه فهي من ملفات الاستعمار الأمريكي وكل غزوة استعمارية وصفت القوى الوطنية الحاكمة بالرجعية والتخلف والفساد لتبرر غزوها والقضاء عليها وكل عملاء الاستعمار كانوا يتحركون تحت شعارات التقدم واليسارية.
ويقول كوبلاند: في محاضرة خلال برنامج مشترك لوزارة الخارجية والمخابرات جاء فيها أن السياسيين في سوريا ولبنان والعراق ومصر، يبدو كأنهم انتخبوا للسلطة ولكن أية انتخابات؟
الفائزون جميعا هم من مرشحي القوى الأجنبية وكبار ملاك الأرض الذين يأمرون زارعيهم وفلاحيهم كيف يصوتون أو الأغنياء الأوغاد الذين يستطيعون شراء الأصوات حزب تابع للشرق إلخ الاستعمار والإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم يخيل لك أنك في المعهد الاشتراكي وليس في هاليز أكبر قوة إمبريالية عرفها التاريخ ج) ولكن شعوب هذه البلاد أذكياء ولهم ميل طبيعي للسياسة وإذا كان هناك جزء من العالم يصرخ طالبا الإجراءات الديمقراطية فهو العالم العربي.
ولكن مايلز كوبلاند ومجموعته كما سنرى، كان رأيهم أنه مع ضرورة التأكيد على رغبتهم في منح الديموقراطية للبلاد العربية إلا أن الشعوب العربية غير ناضجة لها ولابد أن من إجراءات جذرية تمهد لها وسنرى ذلك يطبق حرفيا في برنامج وشعارات وممارسة كل الثورات الأمريكية النكهة في المنطقة.
عندما تتعارض الأخلاق مع مصالحنا الحيوية، فإن الخسارة ستكون بالتأكيد من نصيب الأخلاق بمعنى أننا لا نتردد في إزاحة القائد الذي نعتقد أننا سنخسر معه، وإن هذه الخسارة ستضر مصالحنا الوطنية لنضع مكانه قائدا تكون لدينا معه فرصة أكبر للتعاون وكانت وجهة نظر الأمريكيين وإلى حد ما البريطانيين أنه من بين كل نماذج القيادات التي يمكن أن تظهر في أفريقيا وآسيا، فإن النموذج الناصري هو الطراز الذي يتيح لنا أكبر فرصة لكسب لعبتنا أو على الأقل تقليل الخسائر فإحراز مكسب ضد واحد من زعماء سورياي الدجالين هو نصر أجوف لأنه سرعان ما سيقلب ويحل محله شخص أسوأ أما ناصر فهو الذي بوسعه أن يتحمل الخسارة ويستطيع إلى حد ما أن يتلاءم مع نصرنا بحيث لا يصبح من الضرورة هزيمة له.
تماما كما حدث في هزيمة سيناء 1956و 1967 والانفصال وحرب اليمن وانتكاسة ثورة العراق أنه يستطيع أن يتخذ قرارا غير شعبي نكسب منه نحن الاثنين بينما جماهيره تراه بمنظار آخر مثل عقد صلح مع إسرائيل.
أو فتح خليج العقبة، أو تجميد الحدود عشر سنوات، أو قبول الدفاع المشترك أو فصل السودان.
وهكذا تحدد خريطة العمل السياسية الأمريكي المطلوب في الشرق الأوسط، قلب الحكومات القائمة وفرض حكومات جديدة تتفق والمواصفات المطلوبة وهي زعيم يحكم حكما مطابقا وله من الشعبية ما يمكنه من فرض القرارات والإجراءات أو بمعنى أصح قبول طلبات الأمريكان التي يرفضها شعبه والتي يعجز أي سياسيي آخر في ظروف عادية عن طرحها على الشعب.
وهذا الزعيم على ضوء المعلومات والحقائق والتحاليل الواردة في كتاب لعبة الأمم صفاته هي:
- 1- كنا بحاجة إلى زعيم عربي، يتمتع بسلطة في يديه أكبر مما أتيح لأي حاكم عربي قبله سلطة اتخاذ قرار غير شعبي كما أعتدنا أن نكرر، والقائد الوحيد الذي يمكن أن يستحوذ على هذه السلطة، هو قائد متعطش للسلطة متطلع للسلطة من أجل السلطة لقد ذهب بعض موظفي الإرادة المخابرات الأمريكية ج) إلى أن نقطة الخطأ في حسني الزعيم أنه كان مجنون سلطة ولكن الدراسة العميقة أثبتت أنه على كان يكفيه أن نهب له وافقين إذا دخل ونناديه يا صاحب السعادة، لكي يقبل دور الدمية الأمريكية نريد شخصا تعطشه للسلطة أقل تفاهة وكنا على قناعة أننا ما أن نساعد هذا الشخص على تولى المنصب، فيجب أن نتخلى عن رأي حق أخلاقي في الجدل حول عقدة السلطة عنده ولو أننا بالطبع يمكن أن نثير هذا الموضوع يوما ما لأسباب تكتيكية.
2- نحتاج لشخص ليس مثل حسن الزعيم، بل على استعداد لاقتسام انتصاراته مع أتباعه ولذلك كان علينا إلى جانب دراسة الزعيم المقترح أن ندرس أيضا معاونيه، النخبة التي يرتكز عليها بل والصف الثاني تحت النخبة والقاعدة في الصف الثالث على أساس أن يبقوا جميعا حزمة واحدة مرتبطة بالمصالح المشتركة والأهداف وبدأوا يستعرضون الشرق الأوسط لاختيار المكان الذي يبدأون فيه لعبتهم أي الانقلاب العسكري.
قررنا أن نمشي قبل أن نجري وأن يكون تدخلنا في الشئون الداخلية لدولة مستقلة هو تدخل متواضع وبتوفر أكبر مرر وبدون مساعدة، أو حتى معرفة البريطانيين ولكن أين نحاول ذلك؟
معه الأتراك واليونانيين؟ لم يكن لنا معهم أي خلاف، كانوا يريدون ما نريد ولديهم قيادات مناسبة إلى حد أن لعبتنا معهم كانت لعبة تعاون.
مع الإيرانيين؟ كنا نؤيد قيادتهم أيضا كانت لعبتنا معهم 90% منها تعاون، في البداية على الأقل.
لاحظ أن في تركيا واليونان كانت بريطانيا قد انسحبت من هنا وسلمتهما ببضة مقشرة فلم تكن هناك معركة نفوذ بالإضافة إلى أنه لم تقم في البلدان حركة وطنية لعدم وجود استعمار وإنما كان الخطر الماثل هو الخطر الشيوعي أو السوفيتي وبالتالي كانت الطبقات الحاكمة في البلدين متجاوبة للغاية مع الدور الأمريكي.
وإيران 1949 كانت مشلكتها مع الروس الذين كانوا يثيرون الشغب على الحدود وفي كردستان ولم تكن الحرة الوطنية قد تبلورت بعد وحول مطلب محدد ضد شركة النفط البريطانية.
يكمل مايلز كوبلاند:أنها الدول العربية التي كنا معها على خلاف كامل والسبب في اعقادنا هو سوء قيادتهم واعتقدنا أنه تحت قيادة أكثر استنارة وأكثر فعالية سيصبحون حلفاء لنا فالعرب لديهم المبررات للخوف من السوفيت وليس منا وكان الواجب عليهم أن رحبوا بجهودنا في حمايتهم وشركاتنا النفطية ستجعلهم أغنياء وسيكونون المستفيد الأول من تسوية سلمية للقضية الفلسطينية ومن ثم فإن رفض قياداتهم النظر للأمور بهذه النظرة كان مبررا كافيا لدى مخططينا لكي نطيح بهم أو بالأحرى تمكين شعوبهم من الإطاحة بهم فإذا كانت القيادات الوطنية في أي جزء من العالم تشكل مبررا لتدخلنا في شئونها فأننا رأينا أنها هي هذه القيادات العربية.
قلنا أن الكتاب موجه للأمريكيين ومؤلفة رغم كل البراعة في التآمر يمثل أكثر أجزاء الإمبريالية الأمريكية تخلفا ورجعية ووحشية وعنصرية ولذا لا تعنينا مبرراته ونظرته الذئبية للمصالح التي ستعود على الدجاجة من وحدة المصير مع الثعلب المهم هو الواقع الذي سجله وهو وجود خلاف بين القيادات في العالم العربي من ناحية (49- 1952 والولايات المتحدة والغرب عموما من الناحية الأخرى والأسباب التي يطرحها صحيحة تماما.
- 1- رفض هذه القيادات أن تتعامي عن العدوان الجاثم على أرضها وسيادتها ومصيرها منذ عشرات السنين وهو عدوان الاستعمار الغربين والعدوان الوليد المتمثل في إسرائيل للجري وراء المشاريع الأمريكية الموجهة ضد الخطر السوفيتي المزعوم ولذلك كانت هذه القيادات تنادي بالحياد ورفضت كل مشاريع الدفاع المشترك الموجهة ضد السوفيت وارتفعت الأصوات تنادي بمعاهدة عدم اعتداء مع الاتحاد السوفيتي .
- 2- هذه القيادات لم تكن مستعدة لتقبل نتيجة حرب 1948 التي انتهت باغتيال وطن عربي وتشريد شعب عربي وهزيمة مذلة لسبع دول عربية أو أن شئنا لم تكن تستطيع أن تقنع شعوبها بقبول هذا الواقع الذي ساهم الغرب وبالذات الولايات المتحدة في تقريره والسياسة الأمريكية قد ارتبطت بوجود إسرائيل وحماية هذا الوجود ومن ثم فلا حل إلا ضرب العرب ضرب قيادتهم الغبية التي لا ترى مزايا الحل السلمي.
- 3- العرب لديهم نظرة خاصة للنفط لا ترتاح إليها الشركات الأمريكية السوريون يعارضون مد خط التابلاين في أرضهم والمصريون والعراقيون والسعوديون يتحدثون عن استغلال الشركات ويطالبون بوظائف أكثر للعرب، ويطلبون نصيبا أكبر في العائدات وشروطا أفضل وطنيا لعقود الامتياز فهناك تناقض أساسي وجذري لا يجبر بين مصالح الشعوب العربية ومصالح ومشروعات الأمريكيين في العالم العربي، والعرب لديهم نوعان من القيادات:
- • قيادات وطنية ثورية، واعية بذلك رافضة له راغبة في التغيير الحقيقي بإزالة الاستعمار وإسرائيل وامتلاك الثروة العربية وهذه القيادات من الطبيعي أن تستهدف السياسة الأمريكية قمعها واستئصالها ومنه أية فرصة لاستمرارها في العمل السياسي، فضلا عن وصولها للسلطة.
- • والنوع الثاني هو التقليدية الحاكمة فعلا، وهي قيادات محبة للأمريكان مخلصة لهم تمنحهم ثقتها الكاملة معادية للسوفيت شاكرة جهود الشركات الأمريكية وهي حتى وإن كانت تكره اليهود وتخاف من قيام وطن قومي لليهود، ورغم تدربها على قبول الظلم الإمبريالي فهي تستفظع ما نزل بشعب فلسطين وتتحسب لما يمكن أن يحدث في بلادها إلا أنها عاجزة عن فرض السكوت على منافسيها لترضية شعوبها إخفاء المشاكل الداخلية ومن ثم فالأوضاع في بلاها خطرة تهدد بثورة حقيقية تتسلم فيها القيادة قيادات النوع الأول كما حدث في الصين وفيتنام إلخ أو ينهار الوضع وتظهر حالة فراغ غير محسوب العواقب والاحتمالات أو على الأقل فإن هذه الأوضاع غير المنضبطة تشل القوى الراغبة في التعاون مع الأمريكيين وتعطل المشاريع الأمريكية.
فهذه القوى وإن كانت تحكم المظلمة الأمريكية أو الغربية عموما إلا أنها بعجزها تخلق مناخا يهدد مصالح الولايات المتحدة وتشكل عبئا على الولايات المتحدة بعجزها وتملقها للجماهير.
وقد قال مايلز كوبلاند أنه عندما تتعارض المصالح والأخلاق يلقى بالأخلاق في أول بالوعة، وأنهم لا يترددون في الإطاحة بالقائد الذي لا يحقق لهم النصر عليه وهكذا أطاحوا بشكري القوتلي والملك فاروق صداقتهما للأمريكيين بل استغلوا هذه الصداقة وهذه الثقة البلهاء من جانب الرئيس السوري والملك المصري في أحكام خطة الإطاحة بهما...
وكان الحل هو الذي طبق في أمريكا اللاتينية عشرات المرات: كافري وحده بشهادة الناصري المجهول اشترك ودبر ثلاثين انقلابا انقلاب عسكري يطيح بهذه القيادات العاجزة ويأتي بقيادة لا تتعفف عن التعامل مع الأمريكان ولا تتردد في ضرب وسحق القوى الوطنية المعارضة وهذا الأسلوب كان يتم في بعض البلدان في شكل حكومة عسكرية يمينية مفضوحة لا يهمها حتى ستر عمالتها وآخر نماذجها هو حكومة بختياري في إيران ثم حكومة العسكر في شيلي وهذا اللون مهما كانت استبداديته وبطشه قصير العمر وأيضا محدود النفوذ ففي خارج دائرة بطشه البوليسية يكون مفضوحا منبوذا
الصيغة الأكثر قدرة على الاستمرار والتي أتقن الأمريكيون صناعتها بعد تجربة سوريا،هي الصيغة الثورية الانقلاب المدعوم الذي يركب موجة ثورية موجودة فعلا لتصفية الثورة الحقيقية يتبنى شعارات الجماهير ليستأصل المنادين المخلصين بها وبسب أمريكا كلما سنحت مناسبة بينما يصفي كل الاتجاهات والتشكيلات والمؤسسات التي تشكل خطرا حقيقيا على المصالح الأمريكية واستراتيجية الأمريكية.
وكما أن هذا الطراز أكثر نفعا وأطول عمرا فهو أيضا أكثر تعقيدا وأفدح ثمنا وغالبا ما ينقلب في النهاية على مبدعيه كما حدث في قصة فرانكشتين أو قصص ألف ليلة ولأنه كما سنرى في تحديد مايلز كوبلند، لابد أن يحكم مستندا إلى قوة قمع لها شعبية وبالتالي فهو يحتاج إلى تقديم وجبة يومية للجماهير ليست مادية فحسب وهو ما تتكفل به المعونات الاقتصادية منذ أزمة لبنان عام 1958 إلى 1966 قدمت أمريكا لمصر نصف مليار دولار وهي صاغرة خوفا من غضب الزعيم وإنما يحتاج أيضا إلى وجبة روحية أو معنوية إلى استمرار تغذية الالتهاب الثوري الديماغوغي للجماهير استمرار قناعة الجماهير بأنه المكافح الثوري الوحيد ضد الأعداء حتى يقطع الطريق على ظهور قائد حقيقي أو متعاون أخر منافس وتنحصر الوكالة فيه ولأن من شروط قيامه واستمراره تجنب مقاتلة العدو الحقيقي فلا بد أن تركب له أو يصنع هو طواحين الهواء التي ينتصر عليها باستمرار وسط تهليل الجماهير ويتساءل السذج المخلصون لماذا يبعثر الجهد في المعارك الجانبية؟ لماذا لا تركز الجهود على العدو الواضح المعروف؟ لماذا ها الخلاف وعدم الاتفاق؟؟
ونظرة إلى تاريخ النظم الثورية في العالم العربي تجدها جميعا قد اتفقت على حقيقة واحدة هي الإصرار على أن الطريق إلى فلسطين يمر عبر الرجاء الصالح أو طريق اللبانة في السموات أو الثورة الاجتماعية أو الاشتراكية أو هزيمة الإمبريالية العالمية وانتصار الثورة التحررية في كوستاريكا أو قصور الرجعية إلخ المهم أن الطريق إلى القدس لا يمكن أن يكون عند ثوار مايلز كوبلاند، عبر حدود إسرائيل أي الصدام المباشر مع إسرائيل هم باستمرار يحضرون للمعركة ولا يسمحون لإسرائيل بجرهم إليها إلخ.
فالشعار لا يتغير وهو إزالة إسرائيل ولكن الدليل الماكر المتآمر يطوف بالجماهير في مجاهل الصحراء حتى يموتون جوعا وعطشا ومللا ويأسا وجنونا فيندفعون لأول كامب المهم أن الزعيم بحاجة إلى البقاء على أكتاف الجماهير ومن ثم لابد أن يستمر في الصراخ ضد العدو وهذا يدخل علاقته مع العدو الصديق في دوامة سرعان ما تفقد الأطراف اللاعبة السيطرة عليها وعندما يتحتم التخلص منه.
والصورة كما لخصها مايلز كوبلاند أوضح قالي كان المهرجان ضروريا لدفع الدول الكبرى لتقديم المساعدات ولكن المساعدات مطلوبة أكثر لاستمرار المهرجان وأخيرا لم يكن استمرار المهرجان ممكنا وفي أواخر 1966 قال صحفي أمريكي كبير لدبلوماسي مصري نحن لم نعد نعتبر ناصرا ولا حتى ظاهرة مزعجة على الإطلاق
فهو على المسرح ليحصل على المساعدة وهو ينفق المساعدات لكي يبقى على المسرح حتى يصل إلى نقطة ترى الدولة الكبرى المعنية أن نفقاته أكبر من عائده فتعطيه علقة كما قال الرئيس جونسونس للسفراء العرب وهو يخاطب كلبه بعد هزيمة 1967.
و (... مجد العرب أوله دمشق!)
نعود لقصة مايلز كوبلاند عن البحث عن بلد ينفذون فيها انقلابهم قال: كانت العراق هي الاحتمال الأول لكونها دولة بوليسية تحكمها حكومة مكروهة من الشعب وحيث من الممكن أن نرضى ضمائرنا بأننا لا نفعل أكثر من فتح الطريق أمام حكومة شعبية الأقواس من المؤلف الأمريكي وواضح السخرية من أخلاقيات المنافقين الأمريكيين الذين يريدون استغلال الشعوب بأساليب شريفة أو نظيفة ج) ولكن العراق كان البلد الذي يستحل فيه على فريق سياسي مدرب فضلا عن جهاز ناشئ مثلنا أن يهمس بدون علم البريطانيين.
أما السعودية فلم تكن ناضجة بعد للديمقراطية لقد حاولنا أن نجد صيغة أفضل للتعبير عن ذلك فلم نجد لبنان الأردن مصر استبعدت كلها لأسباب أخرى وهكذا لم يبق أمامنا إلا سوريا.
ثم قصة طويلة مملة عن كيف حاولوا إقامة حكم شعبي ديموقراطي هناك عن طريق التدخل في الانتخابات اعتمادا على كافة الوسائل المتاحة من الإرساليات إلى رشوة سائق التاكسي ومن شاء الرجوع إلى ذلك فهي في صفحة 45 وما بعدها وهي لا تعنينا لأنها خارج موضوعنا.
ويقول أنهم اقتنعوا بعبث محاولة الطريق الديمقراطي في التغيير وعكفوا على تدريب أنفسهم للعمل الحاسم أي الانقلاب العسكري واستغرق ذلك من 1947- 1948... ويقول أنه يقدم تجربة سوريا لأنها أصبحت نموذجا يذكر دائما للدعوة إلى الامتناع عن التدخل في شئون الدول المستقلة وأيضا نموذجا يدرس لكيفية التدخل وما هي الأخطاء التي يجيب تجنبها في العمليات الأخرى وأخيرا لأنها توضح أهمية اختيار الشخص المرشح للعملية.
في هذا الوقت كانت الإدارة الأمريكية تعتقد أن الفراغ الذي يتركه الانسحاب البريطاني واتهامنا بتأييد الصهيونية يجعلان أقصى أمانينا هو تقليل الخسائر.
كان الوزير المفوض في السفارة هو جيمس ما يكل كيلي والمسئول السياسي دين هينتون وعمره 24 سنة ورجل العملية في السفارة هو الماجور ستيفن مييد الذي سيعرف بعد ذلك باسم الكولونيل مييد أما مدير العمليات السرية فهو أنا أرسلت إلى دمشق في سبتمبر 1947 بتعليمات لتنظيم اتصالات غير رسمية مع الرئيس القوتلي والشخصيات البارزة في الحكومة السورية لإقناعهم بتحرير النظام وقد نجحت في الجزء الأول من المهمة وهو خلق علاقات شخصية مع الرئيس ومعظم المسئولين أما النصف الآخر فقد فشلت إذ ثبت لنا أن القوتلي وجماعته غير مستعدين لتحرير النظام وأنهم سيستمرون على عماهم في مواجهة الانفجار السياسي الخطير الذي كان يخيم على الأفق وقال كيلي ليس أمامنا إلا أحد خيارين كلاهما غير مرغوب فيه إما أن يقوم سياسيون انتهازيون بانقلاب دموي مدعوم من السوفيت أو يستولي الجيش السوري على الحكم بدعم منا.
ويحفظ النظام إلى أن نتمكن من تنفيذ ثورة بيضاء وكان وكيلي كارها للحل الثاني ولكنه قال إنه على الأقل سيحقن الدماء ويقدم للعناصر الواعية في المجتمع فرصة عادلة ضد العناصر المشاغبة وكانت العملة هي انقلاب حسني الزعيم في 30 مارس 1949إذ قام فريق عمل بقياد الماجور مييد بتنمية علاقة صداقة مع حسني الزعيم الذ كان وقتها رئيس أركان الجيش السوري واقترح عليه فكرة الانقلاب ونصحوه بطريقة التنفيذ وأرشده خلال الترتيبات والإعداد للانقلاب كانت المساهمة في الحدود التي أثارت شك القيادات السياسية السورية وحدها والتي استبعدت بعد ذلك أي الشكوك ج باعتبارها من الوسوسة السوية التقليدية كما جاء في تقارير الصحفيين الغربيين والطلبة الذين استجوبوا الأطراف المعنية وفحصوا الوثائق فبالنسبة للعالم الخارجي كان الانقلاب عملية سورية كاملة ولو أن المعنيين استنجوا فيما بعد وعن حق أن الزعيم هو غلام أمريكا.
أن تفاصيل تنفيذ الانقلاب الأمريكية بالانقلاب القادم عندما أصبح احتمالا جديا وإذا كانت التفاصيل لم تبلغ لها فلأن وزارة الخارجية هي التي قالت أنها تفضل الاحتياط بالتفاصيل كذلك تم تجاهل تدخلات جماعة الماجور مييد الممهدة للانقلاب وكان رد وزارة الخارجية: إذا كان الزعيم يميل لتغيير الحكومة فإن وزارة الخارجية لا ترى سببا لتثبيط همته طالما تعتقد أنه سيعود للحياة البرلمانية متى أصبح ذلك ممكنا من الناحية العملية.
ولكن الزعيم لم يكن ينوي ذلك فقد أوضح لنا أن أهدافه هي:
- 1- وضع السياسيين الفاسدين في السجن .
- 2- إعادة تنظيم الحكومة على نحو أكثر فعالية.
- 3- إجراء الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية المطلوبة.
- 4- القيام بعمل بناء حول المشكلة العربية الإسرائيلية.
وكانت هذه النقطة إسرائيل هي الكفيلة بإذابة أية معارضة ممكنة من وزارة الخارجية الأمريكية وما دام الرجل قد اعترف لنا بأنهم يمارسون الخسة والكذب ويذبحون الأخلاق فلا حاجة لإضاعة وقتنا في عرض مبرراته لاغتيال الديموقراطية وتأكيداته بأن نيتهم كانت متجهة لإقامتها ولنحاول استيعاب ماقاله حتى الآن.
- 1- انقلاب حسني الزعيم أو أول انقلاب عسكري في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية كان من تدبر وإعداد وتنفيذ المخابرات الأمريكية أو مجموعة العمل الأمريكية في دمشق.
- 2- الانقلاب ولو أنه حصل مسبقا على مباركة وزارة الخارجية الأمريكية إلا أن الوزارة رغبت في أن تبقى بعيدة عن التفاصيل ومن ثم فعندما تصيح بعض الدجاجات عندما فرحة لأنها وجدت برقية صباح الانقلاب تخطر فيها السفارة وزارة الخارجية بالانقلاب فتهتف أن هذا دليل جهل الأمريكان بالموضع فمن حقنا أن نبتسم في رثاء ذلك أن السلك الدبلوماسي الرسمي يحرص على تجنب التورط في عمل من هذا الشأن من ناحية حفاظا على شرف الجهاز السياسي ولأن عددا من العالمين فيه، من الهواة أصحاب القيم والمثل والمبادئ مثل الفتى دين هنتون ومنعا لوجع الدماغ يبقى هؤلاء خارج اللعبة ومن ناحية أخرى أكثر عملية هي تجنب الفضيحة والأزمة الدبلوماسية في حالة فشل الانقلاب وكشف الاتصالات ومن ثم لا نستبعد أن يكون السفير الأمريكي في بلد معين هو الأقل علما بما يدبر ضد هذه الحكومة من مواطنيه وبعض موظفي سفارة وإن كنا في حالة مصر نعرف أن السفير كافري كان على علم ولعب دورا أساسيا إلا أننا نستبعد اشتراكه مباشرة في الاجتماعات التحضيرية مع الضباط الأحرار.
- 3- وإن تكن أهم نقطة في عقد استخدام زعيم الانقلاب هي وعده باتخاذ موقف إيجابي من وجهة النظر الأمريكية في الصراع العربي الإسرائيلي إلا أننا سنجد جوهر البرنامج الأول الذي وضعته مجموعة شبه الهواة في أول تجربة انقلابية لها في العالم العربي سنجده في كل البرامج القادمة في الحركات الأكثر اتقانا وحبكه محاربة الفساد اعتقال السياسيين بتهمة إلا فساد الإصلاح الاجتماعي تنشيط أو زيادة كفاءة الجهاز الحكومي تأجيل الديموقراطية.
هذه هي القصة
إلا أن رجل المخابرات الذي أقسم كاذبا في مقدمة الكتاب أنه لم يحجب سرا بسبب شرف المهنة يخفي هنا عدة عناصر أخرى شديدة الأهمية في الموضوع، فلم تكن رغبة أمريكا في قلب نظام الحكم السوري، ووضع رجلها في السلطة لمجرد ضمان تهدئة أكثر الجبهات خطورة مع إسرائيل بحكم قربها وتحكمها في الأماكن الآهلة من إسرائيل وأيضا بحكم أن سوريا كانت البلد العربي الوحيد في دول لمواجهة ولم يكن التعبير قد ظهر بعد التي لا تخضع مباشرة لقوات احتلال غربية تضمن سلوكها عند الضرورة القصوى إلا أن الانقلاب كان مرغوبا فيه لسببيني آخرين على الأقل:
- 1- خط التابلاين كانت بريطانيا تتمتع بامتياز خاص على شركات النفط الأمريكية العاملة في الشرق الأوسط، وهو تحكمها في طرق النفط إلى أوروبا الغربية، السوق الوحيد وقتها لهذا النفط، لأن أمريكا لم تكن تستورد واليابان لم تكن قد أصبحت عملاقا صناعيا بعد وكانت تعتمد على نفط الشرق الأقصى والنفط الأمريكي كانت بريطانيا تسيطر على قناة السويس طريق ناقلات النفط القادمة من الكويت والسعودية والخليج كما كانت تسيطر على خط النفط الوحيد الذي يصب على البحر الأبيض أو خط الأي بي سي.. وكان من الطبيعي أن تفكر شركات النفط الأمريكية (أرامكو) في مد خط ينقل النفط السعودي إلى البحر الأبيض دون المرور في قناة السويس وذلك عبر سوريا .. واستمات الإنجليز في منع ذلك مستغلين عداء الجماهير للولايات المتحدة لموقفها من إسرائيل والحساسية التاريخية لدى الشعوب العربية إزاء الامتيازات الأجنبية وخاصة المرتبطة بدولة كبرى وأيضا استفادوا من استمتاع السياسيين السوريين بابتزاز السعودية والعراق بالإقرار المبدئي للاتفاق ثم إلغاء الإقرار والقبض من هنا وهناك.
ولتنشيط ذاكرة المخابراتي كوبلاند المدربة على نسيان القبائح ننقل له هذا النص الخارجية من تقرير العلاقات الدولية للولايات المتحدة عن عام 1949 والصادر من وزارة الخارجية الأمريكية صفحة 109 حرفيا:
أبلغت دمشق في 14 فبراير أن الاتفاقية الخاصة بامتياز شركة التابلاين قد أقرتها الوزارة السورية في الأسبوع الماضي وقيل أن الرئيس شكري القوتلي أبلغ الوزير المفوض الأمريكي كيلي أنه مطمئن لا قرار البرلمان للاتفاقية وأن هذا الإجراء ضروري كخطوة أولى نحو التعاون الاقتصادي والسياسية المطلوب مع الغرب برقية 69، 890 د 6363/2 1449) ولكن اعتراضات شتى ثارت بعد ذلك بين الحكومة السورية والتابلاين وقامت مظاهرات معادية للتابلاين من الطلبة وعلى ذلك قررت الحكومة السورية تأجيل طلب موافقة البرلمان على الاتفاقية (برقية 114 مارس 8 الساعة 2 بعد الظهر من دمشق – 890د/ 3- 849) تم قلب الحكومة السورية في 30 مارس بانقلاب قادة الكولونيل حسني الزعيم وللمعلومات الإضافية انظر هامش صفحة 1630حكومة حسني الزعيم أقرت اتفاقية التابلاين وصدقت عليها بمرسوم تشريعي رقم 74 في 16 مايو برقية رقم 284/ 17 مايو الساعة 8 مساء من دمشق 890د- 6363/5 – 1749) وفي مذكرة داخلية لوزارة الخارجية الأمريكية بعنوان التطورات الاقتصادية الجارية جاء فيها:
أن تصدي سورا على اتفاقية التابلاين أزال آخر عقبة كبرى في طريق تشيد الخط المتعاقد عليه من زمن طويل... والمشروع الآن ينتظر أن يكمل في عام 1950 متأخرا سنة عن الوقت الذي كان محددا له وقد تأخر إقرار الاتفاقية من جانب السوريين عدة شهور من ناحية لعدم رضاهم عن موقف الولايات المتحدة من فلسطين.
وعندما يتم الخط فستكون طاقته ما بين 300 ألف – 450 ألف ب/ ي وسيمتد مسافة 1100 ميل من السعودية إلى البحر الأبيض في ميناء صيدا بلبنان ويشير التقرير أيضا ينقل نفط إيران والكويت إلى البحر الأبيض عند طرسوس ليباع لشركة ستاندر أويل وشركة نيوجرس وسوكوني فاكوم وقد تعثرت المفاوضات تماما كما حدث مع التابلاين مع الحكومات السورية إلى أن جاء إلى الحكم الكولونيل حسني فوقع الاتفاقية في يونيه مع ميبكو الزعيم يوقع على كل المشروع قتلته العراق انظر ص 110)
خط التابلاين معطل، والحكومة السورية تساوم، والبرلمان لا يصدق والمظاهرات المعادية في الشوارع والحل بسيط جدا وضع الحكومة في السجن جزاء وفاقا على معاكستها وحل البرلمان وتحريم الاشتغال بالسياسة على أعضائه بقانون العزل السياسي بمعنى أصح يبصم على القرار الذي كتبه له المدربون الأمريكان وبما أن السلطة التشريعية والتنفيذية بلا فصل سلطات بلا وجع دماغ فهو يصدق على نفسه .
العنصر الثاني الذي أغفله المخابرات هو الخوف من اتحاد سوريا والعراق لأن ذلك لو تم فسيضع سوريا تحت نفوذ بريطانيا المتجذر في العراق وكان موقف الولايات المتحدة واضحا من هذا الموضوع وهو المعارضة التامة ومن يتتبع تاريخ الانقلابات السورية الأولى يمكن أن يحدد أمريكية الانقلاب أو بريطانيته من معارضة أو تأييده للوحدة مع العراق انظر الصفحات من 1630 وما بعدها في التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عن عام 1949.
أما عن إسرائيل فقد بدأ الأمريكان بتنفيذ البند الخاص بها في العقد الذي أبرموه مع حسني الزعيم وجاء في تقرير لمندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة بتاريخ مبكر جدا 12 مايو 1949 أن المفاوضات جارية بنجاح مع السوريين وبانش رالف بانش الوسيط الأمريكي ج) مقتنع بإمكانية موافقتهم على الخطة وكل المشكلة هي رغبة الزعيم في إجراء ما يحفظ ماء وجهه مثل انسحاب إسرائيل أو تخفيض واضحي للقوات.
وفيما يلي بعض الوثائق التي تلقى الضوء على موقف الزعيم من المشكلة الفلسطينية من وزيرا لخارجية الأمريكية إلى المفوض في سوريا .
212 برقيتكم 256 في 28 أبريل و 261 في 2 مايو لاحظنا باهتمام التقدم الذي أبلغت عنه حول موقف الزعيم من توطيد اللاجئين العرب وهذا أول دليل واضح على رغبة السوريين في قبول عدد كبير من اللاجئين خاصة وأن سوريا هي البلد العربي الوحيد باستثناء الأردن التي يمكنها أن تتمثل مثل هذا العدد في وقت معقول وإذا أمكن استثمار هذه الفرصة فسيمكننا كسر ظهر مشكلة اللاجئين يجب أن تنتهز أول فرصة لبحث اأمر مع الزعيم مع التأكيد اللازم على أن رغبته في قبول ربع مليون لاجئ تعتبرها الوزارة مساهمة إنسانية وسلوك رجل دولة لحل تلك المشكلة وعبر عن الأمل في أن يستخدم الزعيم نفوه لدى الدول العربية الأخرى لاتخاذ مواقف بناءه مماثلة في حدود قدراتهم للمساعدة على تصفية المشكلة تصفية نهائية.
مع اقتناعي برغبة الزعيم في إعطاء تنازلات سخية في القضايا الأخرى مثل اللاجئين وتدويل القدس والحدود إلا أن الزعيم لا يمكن أن يسلم كل شيء بلا مقابل وهو الموقف الذي تطلبه إسرائيل فيما يبدو لأنه لو فعل ذلك فقد يكلفه هذا منصبه ويزيل أفضل أمل حتى الآن في قبول سوريا إجراء تنازلات لتحقيق تسوية للمشكلة الفلسطينية
وبخصوص مشكلة اللاجئين كان مشروطا بتسوية عامة للسلام وكل الذين ناقشوا الأمر مع الزعيم تأثروا بإخلاصه وجديته وسعة أفقه بالنسبة لإسرائيل فرق شاسع من الموقف العنيد الحرون للحكومات السورية السابقة ولكن حماسة يبرد في وجه الأدلة المتزايدة على شراهة إسرائيل وهكذا إذا كان الزعيم يحاول على الأقل أن يرتقي إلى مصاف كمال أتاتورك ويستجيب للنفوذ المعتدل فإنه لسوء الحظ تتزايد الأدلة على أن بن غوريون ليس فينزيلوس على أية حال يجب أن تفهم إسرائيل أنها لا تستطيع أن تأخذ الكعكة كلها حدود التقسيم والمناطق التي استولت عليها بخرق الهدنة القدس توطين اللاجئين العرب ربما ستجد نفسها قد كسبت فلسطين وخسرت السلام لقد تطوع حسني الزعيم بإبداء استعداده للاجتماع مع بن غوريون.
وإذا ما تأكد العرب أن إسرائيل مستمرة في سياستها رطل اللحم كاملا وزيادة فإن هذا سيدفعهم ببطء ولكن بتصميم إلى صلب عودهم وتدمع جهدهم سياسيا واقتصاديا على الأقل إن لم يكن عسكريا الآن من أجل صراع طويل المدى وإذا ما استفادوا من أخطاء الماضي فإن وضع إسرائيل سيغدو أصعب بكثير مما لو أغتنم سياسة إسرائيل من بعاد النظر الفرصة السانحة الآن للتفاوض على تسوية بشروط معقولة إسرائيل ومؤيدوها في الأمم المتحدة سيعانون أكثر من الدل العربية إذا ما استمر الموقف الجامد حاليا.
قال بانش أنه يريد عقد اجتماع بين بن غوريون والزعيم فهو يعتقد أنه لم تعد هناك أهمية تذكر لاجتماعات الممثلين الإسرائيليين والسوريين الحاليين.
ولكن بانش كرر أن حسني الزعيم يجب أن يحصل على مقابل من إسرائيل بسبب وضعه الداخلي كما أبلغ بانشي شاريت أن الإسرائيليين يجب ألا يتوقعوا انسحابا سوريا إلا إذا كانوا مستعدين لعمل بعض التنازلات أوستين.
جاء في برقية الوزير المفوض من دمشق أني حسني الزعيم أمر الوفد السوري في مفاوضات الهدنة بإبداء المزيد من التساهل حيث أنه جد قلق للوصول إلى حالة modus vivendi) تعايش سلمي مع إسرائيل في أقرب وقت ممكن وقد حذر مستر كيلي الوزير المفوض أن حالة الجمود الحالية يمكن أن تستمر مالم توجد وسائل يمكن بها استعادة ثقة السوريين في قدرة الأمم المتحدة على ضبط إسرائيل وبدون ذلك فإن الحكومة السورية ستكون نافرة وهذا مفهوم من إعطاء تنازلات يكون لها ردود فعل سيئة في الداخل عليها إلا إنها ضرورية للوصول لاتفاق مع إسرائيل برقية 327- 16 يونيه من دمشق 767 ن. 90 د/ 6/ 1649).
نشطت الجهود الأمريكية ونمت أحلام عقدي سلام بين سوريا وإسرائيل وكان للموظفين الصغار في وزارة الخارجية الأمريكية عذرهم في هذه الأحلام فلأول مرة يتوفر لهم حاكم عربي هم وضعوه في السلطة ومن ثم مستجيب إلى أٌصى حد ممكن لأوامرهم بشأن هذا السلام وكان هؤلاء الموظفون يعرفون أو يظنون أنهم يعرفون سيطرة أمريكا على الإسرائيليين ومن ثم حاولوا الإسراع في عقد السلام وهنا ما لا تريده إسرائيل التي حاولت أن تثبط جهودهم بالتعنت فلما أصروا قامت باحتلال المناطق المنزوعة السلاح في القدس وسيذكرنا هذا باعتداءات 1954- 1955 التي نمت في ظروف مشابهة تماما ولا العرب يتعلمون ولا الأمريكان يكفون عن خداع العرب وخداع شعبهم.
وكتب كيلي المسكين
وكما هي العادة في غطرستهم الغبية، فإن العدوان الإسرائيلي الأخير لم يدم مفاوضات الهدنة السورية الإسرائيلية فحسب بل نفخ في كل الأبواق العربية ولما كان هذا رأي الزعيم فأنا لا أرى معنى لتسليمه رسالة وزارة الخارجية ولا في حثه على قبول مقترحات بانش حتى توجد الوسائل التي تجبر إسرائيل على احترام تعهداتها وسلطات الأمم المتحدة أن الضغط على سوريا في مواجهة احتلال إسرائيل لدار الحكومة في القدس سيبدو للسوريين كدليل جديد على تهمة تحيزنا لإسرائيل ويعف النفوذ الذي مازال لنا.
وقد تدخلت الحكومة الأمريكية وسحبت إسرائيل ويضعف النفوذ الذي مازال لنا وقد تدخلت الحكومة الأمريكية وسحبت إسرائيل قواتها من دار الحكومة وعادت وزارة الخارجية تأمر كيلي بإجبار حسني الزعيم على قبول مقترحات بانش وقد كان وبقية الوثائق تكشف تهالك الزعيم على عقد تسوية مع إسرائيل وصراخ الدبلوماسيين الأمريكيين في دمشق مطالبين حكومتهم ببذل جهد لإقناع الإسرائيليين بقبول بعض التنازلات الشكلية ليمكن عقد هذه التسوية ورفض إسرائيل القاطع لأي تنازل بل أي تنازل شكلي يمكن فعلا من عقد هذه التسوية ورفض إسرائيل القاطع لأي تنازل بل لأي تنازل شكلي يمكن فعلا من عقد التسوية ويستطيع القارئ إذا راجع الوثائق المنشورة في فصول إسرائيل في منع التسوية أو الصلح مع سوريا وليس فقط رغبتها في الاحتفاظ بما لديها وهو أمر قد يبدو غير مفهوم في عام 1949 ولكنه مفهوم الآن فإسرائيل لها أهداف في صميم الأرض السورية وعقد صلح وقيام سلام عام 1949 يعطل تحقيق هذه الأهداف.
إن إخلاص الزعيم للسلام لا مجال للشك فيه ولو لمجرد أنه يعرف أن مشاكل فلسطين تعترض طريق أحلامه وإذا كانت المفوضية هنا دمشق تشارك الاعتقاد بأنه لا يستطيع أن يتحدى مشاعر الشعب السوري فيما سيعتبر استسلاما بلا مبرر ولا طماع إسرائيل إلا أنه حساس جدا من فكرة أنه يقاد بمبادرة ودية من الولايات المتحدة ليس فقط لتوطيني اللاجئين بل والتنازل في الخلافات الأخرى مع إسرائيل وفي رأي المفوضية إنه من مصلحة السلام في الشرق الأوسط الاستفادة من تعاون الزعيم ....إلخ..
رفضت إسرائيل بحث أي مشكلة أو تسوية وألحت على الاجتماع المباشر بين الإسرائيليين وحسني الزعيم وفي لوزان وبالطبع لم يكن أمام الإدارة الأمريكية إلا الضغط على الجانب اللين فألحت في عقد اللقاء وحل الجيش السوري المشكل بإعدام حسني الزعيم في 14 أغسطس 1949.
فيكون قد قضى في السلطة مائة وخمسة أيام، أنجز فيها للأمريكان اتفاقية التابلاين قبول توطيد اللاجئين الأمل في فرض تسوية سلمية إذا ما توفر حاكم مطيع مثله شرط أن يكون في بلد أقوى تأثيرا وأن يستمر في الحكم فترة أطول.
نسمع الآن قصة الانقلاب السوري من صنعه مايلز كوبلاند:
سجل هينتون الضابط السياسي في السفارة وأصغرهم سنا وأكثرهم على ما يبدو قناعة بالشعارات الأمريكية المعلنة خلال الحرب العالمية والتي لم تكن قد جفت بعد في ذاكرة الشباب المثالي بل وربما أكثرهم حكمة إذ سجل اعتراضه على الانقلاب قائلا بنص شهادة كوبلاند أريد أن أسجل للتاريخ قولي بأن هذه هي أغبى وأقل الأفعال تقدرا للمسئولية يمكن أن تصدر من بعثة دبلوماسية مثلنا لقد بدأنا اليوم سلسلة من هذا النوع لن تنتهي أبدا وقد أرسل تقريرا بالطبع إلى وزارة الخارجية يقبع الآن تحت أكوام من التراب وإن كانت نبؤته قد تحققت.
المهم أن وزارة الخارجية بنفاق الثعالب الذي تعودناه من الحضارة البيضاء تمنعت حوالي شهر عن الاعتراف بالانقلاب لأن خبرتنا المريرة مع الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية إلخ إشفاقا على الديمقراطية وأيضا لكي لا ينكشف الملعوب إذا ما اندفعت للاعتراف وبعد ثلاثين سنة مازالت أوراق الخارجية الأمريكية المنشورة بيضاء الساحة ترفض الاعتراف بدورهم في الانقلاب وما جره على سوريا من دماء لم تجف ولن تجف أبدا ما لم يقطع دابر التفكير السلطوي في الجيش والضباط المغامرين.
قال كوبلاند:
اعتقدنا في المفوضية الأمريكية أننا فتحنا بابا للسلام والتقدم فقد كنت استجابة الزعيم لاقتراحاتنا الودية أقواس المؤلف قبل الانقلاب إيجابية إلى درجة لم يخطر معها ببالنا أن الأشياء ستتغير فيما بعد وقد استمر الحال كذلك إلى أن وصل الاعتراف الرسمي من حكومتنا وقد يبدو مثيرا أن أقول أن الماجورمييد قضي اليوم الثاني للانقلاب في تعريف الزعيم: من يجب أن يكون سفيره في لندن ومن الضباط يجب وضعه ي مناصب دبلوماسية وما هو الغذاء الذي يجب أن يقدم للرئيس القوتل في السجن لكي لا تتهيج قرحته ولكن فور الاعتراف انقبل الزعيم إلى رجل آخر وبدأ ذلك بأن أبلغني أنا ومييد بضرورة أن نهب واقفين إذا ما دخل علينا وأن لا نخاطبه بلفظة أنت TU الزعيم لا يعرف إلا الفرنسية مايلز بل بضمير أنتم VOUS أو نقتصر على:
سعادتك وباستثناء هذه الرسميات استمرت العلاقة ودية إلى نهاية عهده ولكن يوما بعد يوم كان يتضح أكثر وأكثر أننا أخطأنا في نقطة ما وإنه لابد أن نفكر في البديل في حالة سقوط الزعيم الأمر الذي أصبح مؤكدا.
تصرف المبتدئون الأمريكان مع حسني الزعيم تصرف رجال المافيا مع البرافان الذي يضعونه في مواجهة شركاتهم، أو مع رئيس جمهورية الموز الذي تعينه الشركة الأمريكية من خلال انقلاب عسكري المدرب الأمريكي يعطيه التعليمات ابتداء من ترشيح السفراء واعتقال الضباط إلى قائمة طعام سجن المزة وكما رأينا لم يقتصر الحديث على الكبة النية وحدها فليس بالخبز وحده حييا الأمريكان حدثوه عن إسرائيل واستجاب وعن التابلاين ووقع وصدق ونفهم من سياق القصة أنهم كانوا يجلسون وقد مدوا أقدامهم على الطريق الأمريكية ورئيس جمهورية سوريا وزعيم انقلابها وديكتاتورها ومعتقل زعمائها وخالب لب الغوغاء والمغفلين من الشباب العربي لأنه ثأر لهم من الخيانة ورفع كرامة الجيش السوري إلخ هذا الزعيم يدخل فلا يتحرك المدرب الأمريكي ولا يكلف نفسه الوقوف لرئيس جمهورية أو رئيس وزراء سوريا بل لعله كان يضع حذاءه في وجهة كما كان المندوب البريطاني يفعل مع فيصل الأول ملك العراق ولكن كان على الأمريكان أن يتعلموا أن الكرسي له ثقله وأن سوريا في 1947 غير العراق في 1920 ولذلك ثارت كرامة الزعيم وطالبهم على الأقل بالوقوف عندما يدخل عليهم ليوقع اتفاقية التابلاين أو ضم لبنان أو اعتقال السياسيين الفاسدين مطايا الاستعمار وثارت حمية الضباط لكرامة الجيش والدولة مع قليل من المنشطات البريطانية فقتلوا الزعيم وجاء الحناوي انجليزيا لينقلب عليه الشيشكلي ...إلخ.
ومن 1949 إلى 1952 سيتعلم الأمريكان الكثير وسيصبحون أكثر ذوقا في معاملة الرؤساء ولا شك أن مصر غير سوريا وجمال عبد الناصر لا يمكن قياسه بحسني الزعيم ولكن ستمر بنا لحظات ومشاهد في الرواية المصرية تجعلنا نتساءل أين رأينا هذا المشهد من قبل من يشبه هذا البطل؟ نعم سنرى ملامح تلك العلاقة بين المدرب الأمريكي والزعيم رفح التكليف... إعطاء النصائح في صيغة المدرس أو المربي الشخط أحيانا... بما لا يتفق والعلاقات الدبلوماسية العادية.
يكفي أن نتذكر أن زعيما عربيا ثوريا جاء بهذه الطريقة وعومل بهذه الطريقة ولكنه فشل في أن يستمر في الحكم لأسباب عديدة شديدة التعقيد أولها سوريا ذاتها، وآخرها أنه لم يكن له تنظيم في الجيش السوري.
بقية قصة الزعيم معروفة: أحاط بمنزله عدد من الضباط بتقدمهم واحد اسمه الحناوي ولكن القائد الحقيقي كان أديب الشيشكلي وقتلوا حسني الزعيم ودفنوه في المقبرة الفرنسية وأخبرني الشيشكلي فيما بعد: لقد أسدينا لكم معروفا بدفنه كعميل فرنسي .
استمرت الجماهير السورية تهتف لسنوات طويلة (بدنا نحكي على المكشوف) وهم لا يدرون أن زعماءهم الثوريين يمارسون ذلك منذ وقت مبكر جدا ولكن مع الأمريكان.
الدروس التي استفادتها المخابرات الأمريكية من تجربة سوريا هي:
- 1- المشكلة ليست في تغيير الحكومة بل في استمرار هذا التغيير إلى نهاية الطريق أصبح المطلوب سلطة على الاستمرار.
- 2- الوضع الأمثل هو الارتباط بتنظيم انقلابي موجود فعلا له تشكيلاته وله عناصره المخلصة وله قوة دفعة، وتصميمه على الاستيلاء على السلطة لأن الصفقة مع قائد جيش بمفرده انتهت بمقتله وحيدا.
- 3- عدم التسرع في فرض تسوية للقضية الفلسطينية فقد عرفت الأجهزة الأمريكية حقيقتين: الأولى: هي أن حكومتها غير راغبة أو غير قادرة على الضغط على إسرائيل والثانية هي: أن إسرائيل لا تريد تسوية سلمية ومن ثم فلا داعي لحرق القيادة الصالحة بالإصرار على دفعها في طريق الاستسلام لإسرائيل أو الصلح مع إسرائيل يكفي منع لحرب مع إسرائيل وإزاحة القضية الفلسطينية من برنامج العمل إلى برنامج الشعارات وهنا يقول مايلز كوبلاند ولو أننا لم نحب ذلك كثيرا إلا أنه كان لابد لنا من أن نعترف بأنه ما من قائد بوسعه أن يقود شعبا عربيا إلا إذا كان هناك خوف عام يؤثر على هذا الشعب فالمصريون توالت عليهم قيادات خلال عدة قرون أجنبية وفاسدة ولذا فكل القيادات مريبة ومشبوهة وكان قادة العالم العربي يستخدمون الخوف من إسرائيل لتحقيق مستوى من الوحدة الوطنية ورأينا أنه ما من سبيل لتجنب استخدام نفس الوسائل في مصر على ساس أن الخطر ضئيل في أن تتطور الأمور على نحو يخرجها من يدنا، نظرا للهزيمة الفادحة التي تلقاها الجيش المصري على يدي الإسرائيليين في حرب 1948 فضلا عن أنه لم تكن هناك فرصة كبيرة للنجاح في إبراز قائد لا يستخدم القضية العربية الإسرائيلية.
هذه نقطة على قدر بالغ من الأهمية، بل هي مفتاح فهم كل ما جرى ويجري حولنا في المنطقة للأسباب التي ذكرناها تخلي الأمريكيون عن محاولة فرض الصلح العربي الإسرائيلي وهذا يعني استمرار القضية ولذا قرروا استثمار ذلك فلكي تستمر زعامة القائد الذي سيمنع المعركة مع إسرائيل لا بأس بل من الضروري أن يتحدث ليل نهار عن المعركة ويسحق أيه معارضة تحت شعار: لا صوت يعلو على صوت المعركة وبهذا يتجنب المعركة ويبقى شعبه صابرا محتملا في سبيل المعركة وحسابات الأمريكان لم تخطئ إطلاقا فخلال المدة من 1952 إلى 1967 لم تطور الأمور أبدا على نحو يخرجها من أيديهم فلم مصر بأي هجوم على إسرائيل وإنما كانت الحرب كلها من ناحية إسرائيل وهذا مالا سيطرة للأمريكان عليه، أو بالأحرى لا خطر فيه على الأمريكان.
هذا هو عنوان الفصل الذي يتحدث فيه عن عمليتهم في مصر، هكذا بوضوح وصراحة لكن البعض لا يؤمن حتى يدخل الأصبع في جرحهم هم..
يقول:
- الكثير من موظفي الخارجية الأمريكية، كانوا مازالوا على اعتقادهم بأن الانتخابات الحرة يمكن أن تأتي بقيادات صالحة، حتى في العالم العربي الأكثر فسادا في كل الشرق الأوسط ولكن دين اتشيسون وزير الخارجية نفسه، لم يكن متأكدا من ذلك فرغم أنه في العلن كان يتحدث بالأسلوب الدبلوماسي التقليدي، إلا أنه في السر كان يؤمن بأن استخدام وسائل غير تقليدية لمساعدة القوة الطبيعية مسألة تستحق التجربة وعليه استعار من المخابرات المركزية الحديثة التشكيل وقتها كيرميت روزفلت لرئاسة لجنة سرية عالية المستوى من المتخصصين بعضهم من وزارة الخارجية وبعضهم من وزارة الدفاع والبعض جيء بهم كمستشارين من رجال الأعمال المعنيين ومن الجامعات ولا أحد من المخابرات إلا كيرميت روزفلت ومهمة اللجنة دراسة العالم العربي وبالذات الخلاف العربي الإسرائيلي لتحديد المشاكل وتحديد الأولويات ووضع الحلول أي حلول سواء تتفق أو تعارضت مع قواعد السلوك المفترض للحكومة وخلال شهر أو أكثر طرحت عدة أفكار كلها غير تقليدية البعض اقترح فكرة إبراز زعيم إسلامي لتعبئة حركة دينية ضد الشيوعية ومضي إلى حد اختيار زعيم ديني عراقي لإرساله في رحلة في العالم العربي والفكرة في حد ذاتها لم تسبب إضرارا وتنفيذها علم اللجنة الكثير.
- في مطلع 1952 أعدت لجنة الخبراء تقرير حال كاملا عن لعبة الأمم في الشرق الأوسط وأصبحنا مستعدين لعملية كبيرة وكان الضغط الدولي كبيرا بحيث رأينا أنه لا يمكن تأجيل العمل أكثر من ذلك.
- وفي النهاية استقر رأينا على أن مصر هي نقطة الانطلاق فقد كانت مصر بلدا تستحق الأولوية في حد ذاتها ولنفوذها على الدول العربية الأخرى مما يجعل أي تحول فيها للأحسن (إلا حسن من وجهة نظرهم هو عين السوء لنا ج) سيكون له صداه في العالم العربي.
- وكان في رأينا أن العملية ليست أكثر من زقة ليس فقط لطبيعة الأهالي وسياستهم بل لأنه كان لنا بعض المدبرين الذين ثبتت خبرتهم ولهم معرفة جيدة بالبلد بما فيهم كيرميت روزفلت نفسه.
- نحب أن نشير هنا إلى نقطة أشار إليها كوبلاند وهي قوله أن رئيس المخابرات الأمريكية في مصر كان يتمتع بغطاء عنصري ethnic وفسر ذلك بأنه عندما يكون الشكل وجواز السفر واللغة تمكن ضابط المخابرات من الاختلاط بالمحيط العام وهذا يعني أنه كان مصريا أو على الأقل من جنسية شديدة التشابه مع المصريين ونحن نرجع الفرض الأول ونعتقد أنه أحد الأسماء التي لمعت جدا في عهد عبد الناصر خاصة وأنه قال في موضع آخر أن هذا الشخص كان أيضا رجل عبد الناصر مما يحصر شكوكنا في ثلاث أشخاص.
- وكانت مهمة روزفلت بالتحديد عندما جاء للقاهرة يبحث عن الزعيم المنشود، هي أن يحاول أولا تنظيم ثورة بيضاء يكون فيها الملك فاروق نفسه مشرفا على تصفية النظام القديم واستبدال الجديد به وبذلك تجهض القوى الثورية التي كان عملاء المخابرات الأمريكية قد اكتشفوها قبل سنتين والتي كانت التقارير تؤكد أنها على وشك الانفجار ثانيا: في حالة فشله في إجراء هذه الثورة السلمية فعليه أن يبحث حوله عن احتمالات أخرى رجل واجهة نوجهه من خلف الستار أو رجل قوي أو خليط من الاثنين نتحفظ هنا على المهمة فصحيح ظل كيرميت روزفلت يحرك ويفرك في ما سمى بالثورة السلمية ولكن في اعتقادي أنها كانت مناورة على فاروق لتخديره وطمأنته من ناحية الأمريكان وليسمح لهم بالتغلغل في أجهزته، حتى يمكنهم التجنيد بداخلها وإبعاد العناصر التي لا أمل في تعاونها وتعود هذه الأجهزة على تلقي الأوامر منهم ومن ثم يمكن شلها في اللحظة الحاسمة ولحساب الانقلاب الحقيقي.
يقول:
- كيرميت روزفلت حفيد الرئيس تيودوروزفلت وابن عم آرش روزفلت وكان يتمتع بشرهة عن شجاعته البدنية وهي تثير إعجاب سكان الشرق الأوسط إلى جانب صلاته الوثيقة مع كل القيادات الثورية والتقليدية في الدول العربية وإيران وقد انضم صراحة للسي آي أيه (المخابرات الأمريكية وتكتب هكذا cia ج ليجد أن المغامرات فيها مقيدة ونادرة ولذلك عندما أصبح صديقه القديم الجنرال بيدل سمث مديرا للمخابرات فقد رتب انتدابه في الجهاز الخاص لوزير الخارجية دلاس لتنفيذ مهام من طراز الروايات والأفلام كانت آخرها عملية آجاكس في أغسطس 1953 عندما نظم وجه تقريبا الإطاحة بمصدق وإعادة الشاه الذي كان قد هرب إلى روما وكانت الثورة السلمية في مصر 1951 – 1952 هي أول مهمة لروزفلت وكان الملك فاروق قد ازداد إعجابه بروزفلت خلال الحرب العالمية (الثانية ج) في الفترة التي كان البريطانيون يضغطون فيها عليه تحت فوهة المسدس حقيقة لا مجازا لكي يبعد العناصر المؤيدة للمحور من حكومته ويستبدل بها عناصر من اختيار الإنجليز وبينما كان فاروق يغلي في قصره عاجزا زاره روزفلت يوميا تقريبا، لتسليته ووعده بأن تعقد مع مصر، بعد انتهاء الحرب، صفقة جديدة وتصبح مصر مستقلة فعلا، ويصبح هو أول حاكم لمصر المستقلة في ألفي سنة (قالوا نفس الكلام مع تغيير بسيط (أول حاكم مصري من ألفي سنة)
وكلا القولين فاسد كاذب لا أساس له من التاريخ ج)
- وكان فاروق يحب هذا النوع من الكلام وأحب روزفلت إلى حد استقباله بحماسة عندما رجع كيرميت إلى مصر عام 1952 ومن الناحية الأخرى لم يكن فاروق هذا الطراز الذي يبحث عنه روزفلت فصحيح أنه لم يكن غبيا إلا أنه كان يفتقد التركيز في اجتماع كان يبدي إدراكا واعيا لما يجري في بلده وبالذات لما يؤثر على نظامه ويوافق على علاجات روزفلت بكفاءة رجل أعمال في بتسبرغ وفي اليوم التالي يختفي في واحدة من مغامراته الجنسية وينسى أن ينفذ بعض الإجراءات التي وافق على ضرورتها لتحقيق خطة روزفلت وفي الأسبوع الثاني وبفعل أي عامل وقتي يتخذ قرار يفسد الخطة.
أقام روزفلت في مصر خلال شهري يناير وفبراير 1952 وخلالهما قام فاروق بالتالي:
- 1- تماشي مع مشروع روزفلت الذي يقضي بأن يدبر أقوى رجلين في الوزارة مرتضى المراغي وزكي عبد المتعال أزمة تجبر رئيس الوزراء على الاستقالة وفي نفس الوقت يكلف بوليسية السري بجمع أدلة تثبت أن الوزيرين عميلان للمخابرات الأمريكية.
- 2- وافقع على تعيين نجيب الهلالي وهو رجل يتمتع باحترام لكفاءته ونزاهته كرئيس وزراء وقد دعاه إلى الوزارة بطريقة لا يمكن أن تسمح له بقبولها وليس إلا بعد أن رجاه روزفلت على إنفراد باسم الثورة السلمية مشيرا إلى أن الثورة لن تبقى بيضاء إذا ما استمر الملك في عناده.
- 3- وافق على أن يقوم الهلالي بتطهير الحكومة ويخرج كل الموظفين الفاسدين ويحل محلهم موظفين من اختياره.
وطبعا نذكر شار التطهير قبل التحرير ومحاربة الفساد وكلها كانت شعارات هزلية على لسان الهلالي باشا وفي نظام فاروق ولكن نفس الشعارات ستستخدم في ظل 23 يوليو وسينسي الناس أنها الاستمرار لخطة الثورة البيضاء.
في مايو 1952 نفض روزفلت يديه يائسا ووافق مع السفير الأمريكي في القاهرة جيفرسون كافري أن الجيش وحده هو الذي يستطيع وقف تدهور الوضع وإقامة حكومة تستطيع الغرب أن يتفاهم معها.
كافري الذي كان أقدم سفير في الجهاز الدبلوماسي الأمريكي كان يعرف مصر جيدا وكان يعتمد على اثنين: الليوتنانت كولونيل: دافيد إيفانز مساعد الملحق العسكري ووليم لكيلاند الضابط السياسي.
كان روزفلت نافرا من الانقلابات العسكرية بعدما شاهده من آثارها على سوريا ولكنه وافق على اللقاء بالضباط الذين رصدتهم المخابرات الأمريكية على أنهم قادة التنظيم السري الذي عرف أنه يدبر انقلابا وهذا ما فعله روزفلت في مارس 1952 أي أربعة شهور قبل انقلاب ناصر وناصر الذي كان قد عرف باستكشاف المخابرات الأمريكية لتنظيمه كان مستعدا للقاء ورتب وضع عدد من ضباطه في طريق روزفلت هؤلاء لضباط الذين كانوا بعيدين عن مركز الحركة بما يتيح الاستغناء عنهم ولكن في نفس الوقت يمكن الاعتماد على قدرتهم على الكلام المناسب وحفظ الأسرار الأساسية لتنظيم الضباط الأحرار وقد تمت ثلاث اجتماعات من هذا النوع وفي الاجتماع الثالث حضر واحد من أقرب معاوني ناصر وأكثرهم تمتعا بثقته.
One of Nasser’s most trust lieutenants أن الاتفاق الكبير الذي تم بين روزفلت وهذا الضابط الذي كان يتحدث باسم جمال عبد الناصر يستحق الذكر حقا ففي ثلاث قضيا عامة تم الاتفاق في الحال الأول هي أن الجماهير التي تثور بسبب سوء الحالة الاقتصادية وكان روزفلت قد دخل في جدل طويل مع وزارة الخارجية الأمريكية حول هذه النقطة إلى حد أنه وزع عليهم نسخا من كتاب كران برينتون الذي عنوانه تشريح ثورة ليدعم رأيه بأنه ما من ثورة في التاريخ لها أسباب اقتصادية في جذورها وبالتالي فإن حكومتنا لا تستطيع التخلص من زعيم لا تحبه بمنع القمح عن شعبه ناصر كان يعرف في هذا الوقت ما ستثبته خبرته الشخصية فيما بعد وهوانه مهما منعت الولايات المتحدة المساعدات الاقتصادية بهدف إضعاف مركزه فأنه يخرج أقوى من قبل وشعبه يحمل الحكومة الأمريكية مسئولية تجويعه وليس ناصر.
النقطة الثانية: هي أن الجماهير المصرية لا يحتمل أن تثور لأي سبب كان هناك حركتان ثوريتان: الإخوان والحزب الشيوعي تعتقد أن الشعب المصري بما فيه الفلاحون والعمال والأفندية في المدن وحتى المهنيين اقتربوا من درجة الغليان ويمكن دفعهم تحت النداء المناسب للثورة، ناصر لم ير هذا الرأي وقد طرحت هذه النقطة بين روزفلت وممثلي عبد الناصر عندما قال أحد هؤلاء الممثلين أن من سيحكم مصر سيواجه مشكلة تلبية المطالب العديدة للشعب المصري وهنا قال رئيس هؤلاء الممثلين لناصر، أول جملة كاملة في تلك الليلة: (بالعكس ..إن مشكلتنا هي أن الشعب لا يريد كفاية ثم استمر: (أن معظم المصريين عاشوا الآف السنين على الكفاف، ويمكن أن يعيشوا ألف سنة أخرى على هذا الحال أنهم غير مهيئين للثورة، ولا مهيئين للاستفادة القصوى من حياتهم بعد الثورة ولذا بعد الثورة سنحاول جهدنا دفعهم لذلك ولكن ليس لدينا وقت لتحقيق ذلك قبل الثورة وهكذا لم يكن هناك مجال للحديث عن ثورة ديمقراطية أو شعبية وكان مفهوما من اللحظة الأولى أن الجيش المصري سيسيطر على البلاد ويختار الوقت التي تضمن تأييدا سياسيا وشعبيا في المدن، أما بقية البلد فسيجري كسبها فيما بعد.
وأخيرا تم الاتفاق على أنه في مستقبل العلاقات بين الحكومة المصرية الجديدة وحكومة الولايات المتحدة فسيقتصر استخدام عبارات من طراز إعادة المؤسسات الديمقراطية أو الحكومة القائمة على تمثيل حقيقي للشعب ستقتصر على الوثائق المتاحة للعامة أما فيما بيننا فيقوم تفاهم مشترك على أن شروط قيام حكومة ديمقراطية غير متوفرة في مصر ولن تتوفر لعدة سنوات طويلة وأن مهمة الحكومة الجديدة هي توفير هذه الشروط وهي:
- 1- شعب غير أمي.
- 2- طبقة وسطى كبيرة ومستقرة .
- 3- شعور من الشعب بأن هذه هي حكومتنا وليس مفروضة من الفرنسيين أو الترك أو الإنجليز أو الطبقة العليا المصرية.
- 4- إرساء قيم ومثل حقيقية تضمن قيام ونمو مؤسسات ديمقراطية حقيقية وليس مجرد تقليد مستورد من الولايات المتحدة أو بريطانيا.
وقد اتفق روزفلت وممثلوا ناصر الكلام ما يزال لمايلزكوبلاند على أن الرأي العام الأمريكي والكونغرس وبعض الصحفيين وبعض موزفي الخارجية الأمريكية وغالبا ما يكون وزير الخارجية نفسه من بينهم سيبدأ على الفور في النباح بالشعارات القديمة وفي نفس الوقت تأكدوا أن أي محاولة سابقة لأوانها لتطبيق الديمقراطية ستضع البلاد مرة أخرى في الفوضى السابقة أي انتخابات بين مرشحين مدعومين من بريطانيا وأميركا ضد مرشحين مدعومين من الروس لعلنا نكتشف الأصل الفلسفي لحكاية حزب تابع للشرق وحزب تابع للغرب ج) و 24 مليون فلاح من 28 مليونا ينتخبون وفقا لتوجيهات الإقطاع بينما يتفجر سخط المدينة في شكل اضطرابات وتصبح إثارة الشغب هي الوسيلة الوحيدة للحصول على نفوذ سياسي فينضم الشباب للإخوان أو الحزب الشيوعي لمخرج لنشاطهم المكبوت.
وهناك نقاط كان من الصعب الاتفاق عليها ولكنها شكلت رغم ذلك فهما مشتركا للدوافع التي ستكون خلف الانقلاب القادم.
وهناك نقطة أخرى جديرة بالاهتمام هي موقف ناصر من إسرائيل فالسياسيون والكتاب والمواطنون العاديون في أي بلد عربي وكذلك معظم الدبلوماسيين الغربيين الذين يزورون شتى البلاد العربية سيقولون لك أن استرداد فلسطين يأتي على قائمة الأولويات لأي بلد عربي حتى أن صحفيا في مستوى محرر الديلي تلغراف ظل لعدة سنوات يصر على أن هزيمة مصر ضد إسرائيل كانت عنصرا فعالا في تفكير الذين دبروا الثورة المصرية ولكن بعد خمس سنوات من حوار المعسكرات ومحادثات شخصية من مئات الضباط قرر ناصر ومعاونوه العكس لقد تبينوا أنه قد يكون من المفيد لخدمة هدف آخر الحديث عن تعبئة موارد مصر لتصحيح ما حدث في فلسطيني ولكن مثل هذا الحديث في 1952 هو عمل طائش إذا ما استخدم لإثارة ثورة في مصر.
وقد اعترف ناصر لروزفلت أنه هو وضباطه امتهنوا على يد الإسرائيليين ولكنه أكد أن غضبهم كان ضد ضباطنا الكبار العرب ... الإنجليز ثم الإسرائيليين على هذا الترتيب.
أظن أن هذه جرعة كبيرة تحتاج لوقفة طويلة جدا...
- 1- في أواخر عام 1951 أو مطلع 1952 استقر رأي لجنة الخبراء على تجربة الانقلاب في مصر وكلفت كيرميت روزفلت بهذه المهمة للصفات العديدة التي يتمتع بها ومنها صلاته ومعرفته بمصر وملك مصر.
- 2- كان للمخابرات الأمريكية شبكة واسعة في مصر يرأسها شخص مصري أو يسهل اندماجه بين المصريين وهو في نفس الوقت رجل عبد الناصر.
- 3- ظل كيرميت في مصر شهرين يدرس النظام القائم بحجة تدبير ثورة سلمية تحت رعاية الفاروق واستطاع التغلغل في أجهزة الأمن وشلها أو بلبلتها ليلة الانقلاب.
- 4- اكتشفت المخابرات الأمريكية تنظيم الضباط الأحرار، وهذا يعني بوضوح أنها لم تنشئة بل كان تنظيما مصريا وطنيا في مجموعة وأن ضم عناصر من شتى المخابرات المحلية والعالمية كما هو الحال في كل التنظيمات السرية وهذه نقطة على جانب كبير من الأهمية فالضباط الأحرار غير إخوان الحرية الضباط الأحرار وعلى كل المستويات تنظيم وطني مصري ضم عناصر وطنية لو خطر ببالها أن بعض رفاقها يجتمع يتصور أن بغدادي أو صلاح سالم أو كمال الدين حسين قد علم بذلك أ, دار بخياله بل حتى خالد محي الدين وإن كان قبوله حذف الاستعمار الأمريكي من المنشورات يثير علامة استفهام؟
- 5- شعر جمال عبد الناصر أو أبلغ عن طريق وسطاء الخير، باهتمام الأمريكان فوافق بذكائه السياسي النادر، وشبقه للسلطة الأشد ندرة وتميزا على مقابلتهم ومرة أخرى هذا يعني أن عبد الناصر لم يخترعه الأمريكان ولا فرضوه على التنظيم وإنما رضوا انتصاره واستمراره في السنوات الأولى حتى استقر وانطلق معتمدا على تنظيماته.
- 6- تدرجت اللقاءات حتى وصلت إلى اجتماع على مستوى أكبر معاوني نصار أو على الأقل الذي يتمتع بأكبر قد من ثقته وهي اجتماعات كانت واضحة وصريحة بين الضباط الأحرار أو مجموعة ناصر وبين المخابرات الأمريكية للاتفاق على برنامج الانقلاب أو الثورة كما حلالهم تسميته.
- 7- كل اتفاق كل مفاوضا إنما تدور حول: ماذا تعطيني وماذا تريد مني... ولا نظن أن استنتاج بنود الصفقة عسير علينا الضباط الأحرار يريدون دعم المخابرات الأمريكية لنجاح الانقلاب أما كيف فهذه من النقاط التي حجبها المؤلف ولاتي لن يكشف عنها الستار أبدا لأنها سر المهنة الذي يستخدم في أكبر من بلد، ولأنه يكشف أسماء لا يريدون لها أن تكشف كذلك طلب الضباط الأحرار تقدم تأمين أمريكي ضد احتمال تدخل بريطانيا ودعم أمريكي بعد نجاح الثورة في مقابل ماذا؟
- أما أن نخرج في مسيرة للسفارة الأمريكية نشكرها على اهتمامها بتحرير الشعب المصري أو نتساءل نجدية: ما الذي تعهد الضباط الناصريون بدفعه مقابل وضعهم في السلطة؟
- 8- اتفق المتآمرون يستحيل علينا من باب الذوق أن نصف كيرمييت روزفلت بالثورة فهذا يسيء إليه طبعا ولذلك لم نستطع أن نقول الثوريون على أن مصر غير ناضجة للديمقراطية وأنهم لن يهتموا بثرثرة المسئولين الرسميين الأمريكان عن ديكتاتورية الحكم، فأمام الحكومة الثورية مهمة طويلة تستغرق الأجيال حتى تتوفر الظروف لقيام الديمقراطية مثل محو الأمية وخلق طبقة وسطى.. ولعل هذا يفسر حرص الثورة على عدم محو الأمية، واهتمامها بضرب الطبقة الوسطى.نكتة...
- 9- فلسطين لم تكن قضية الثورة، ولا شاغل الضباط رقم واحد، وهذه قضية معقدة وفيها بعض اللبس أو التحايل فالحقيقة أن اهتمام الضباط الأحرار الأول في 1952 كان الاحتلال البريطاني وكذلك الشعب المصري كله، وهذا طبيعي فهو الاستعمار المستوطن وهو جوهر الحركة الوطنية خلال سبعين سنة وكانت الفكرة السائدة وقتها أن مصر المتحررة من الاستعمار هي التي ستقوى على مواجهة إسرائيل ولكن تعميم هذا الوضع التاريخي ليندرج على المستقبل ويفسر موقف عبد الناصر من إسرائيل خطأ وتحايل وليس صحيحا أن عدم فهم المسئولين الأمريكان لهذا الموقف اللامبالي من عبد الناصر أو كما قال هو عدم اهتمام استرجاع فلسطين هو سبب الأخطاء التي ارتكبت في العلاقات الأمريكية الناصرية.
- 10- هذا الجزء مكتوب بمكر شديد فهناك حوار بين ناصر وكيرميت ولكن هناك أيضا إيحاء ولو بالسالب أن عبد الناصر لم يقابل كيرميت روزفلت وعلى أية حال هذه نقطة لا نركز عليها كثيرا، كما أشرنا فمن المؤكد أن اجتماعا واتفاقا قد تم بين ناصر وكيرميت روزفلت سواء مباشرة أو عن طريق رجل عبد الناصر وموضع ثقته.
وعندما رجع كيرميت روزفلت من القاهرة قبل الانقلاب بشهرين (يعني ما يوج) قد تقريره إلى وزير الخارجية دين اتشيسون قال فيه:
- 1- أن الثورة الشعبية التي تتحسبها وزارة الخارجية ويعمل لها الشيوعيون والإخوان ليست في الحسبان.
- 2- لا توجد وسيلة لمنع الجيش من القيام بانقلاب أحببنا ذلك أم كرهناه.
- 3- أن الضباط الذين ينتظر قيادتهم الانقلاب لديهم دوافع عادية بعكس الطموحات التي ينسبها إليهم المراقبون الدبلوماسيون الأمر الذي يزيد من فرص انتصارهم بل ويجعلهم أيضا مفاوضين معقولين بعد استيلائهم على السلطة.
- 4- أن الحكومة الأمريكية ستقبل إبعاد فاروق وربما إنهاء الملكية كلها وإن كان لا مانع طبعا من صدور احتجاج رقيق لا راحة الضمير.. TO HUMOR THE PURE IN HEART وسيكون من المستحسن أن يبدي السفير كافري بعض الاهتمام بسلامة فاروق الشخصية وهذا يوضح أن نبل كافري كان بالاتفاق أو بالتعليمات وليس كما استنتج مؤلف حبال الرمال ج.
- 5- بعد الانقلاب ستمتنع حكومتنا ما عدا في الظاهر عن حث القيادة على إجراء انتخابات أو إنشاء حكومة دستورية وما أشبه.. وستقيم علاقتها مع الحكومة الجديدة في ضوء القناعة بأن المؤسسات الديمقراطية يجب أن تبني من الصفر.
- 6- لا يجوز أن يستنتج أحد في حكومتنا من كل هذه الاجتماعات التآمرية التي تمت قبل الانقلاب أنه انقلابنا...
THAT FOR ALL THESE CONSPIRAL PRE- COUP MEETINGS, no one in our government must get the idea that it is our coup بل ستكون عملية داخلية indigenous حرة تقريبا الأقواس من عندنا almost من نفوذنا ويمكننا مساعدتها فقط بعدم معارضتها أما فيما يتعلق بالحاجة إلى عدو يوحد الجماهير فلن تكون إسرائيل هذا العدو بل الطبقات العليا المصرية وشئنا أو أبينا الإنجليز أيضا.
وكان لدى روزفلت الكثير ليقوله عن نوعية القائد المنشود أو بالأحرى الذي سيبرز من الانقلاب شئنا أو أبينا فقال أنه يوافق مبدئيا على الحاجة إلى زعيم محبوب ولكن ظروف مصر الخاصة في هذه اللحظة تفرض قائدا أقل جاذبية مما قدرنا، إلا أنه قادر على السيطرة بل سحر مجموعة صغيرة من الرجال وهي المجموعة التي قابل روزفلت ممثليها .
ثانيا: سواء نجح هذا الشخص في أن يكون زعيما شعبيا أو ظل مجرد قائد لحلقة تقود بدورها البلاد فإن صفات هذا القائد لا يمكن أن تتفق والمقاييس الغربية لرجال الدولة وإذا لم نكن نعرف كيف نتعامل مع هذا الطراز فيجب أن نتعلم وإذا لم ينتصر الشخص الذي نراهن عليه فسيكون هناك شخص آخر من نوعه وآخرون في البلاد الأخرى التي تمر بنفس الظروف.
وهنا نأتي إلى نقطة تعمد مايلز كوبلاند أن يجعلها غامضة عسيرة الفهم علي من لا يريد أن يفهم.
قال أن كيرميت روزفلت حاول وهو أمر طبيعي أن يسجل أقل المعلومات والتفاصيل الممكنة في تقاريره المكتوبة لوزارة الخارجية الأمريكية، لكي لا يرعب لجان التحقيق التي قد شكلها الكونغرس في المستقبل.
وهذا ما أشرنا إليه في قدرتهم على إخفاء المستندات وأن تشد قوا فترة بحرية المعلومات وحق الكونغرس في أن يعلم كل شيء ويضيف.
ولذلك لم تكن هذه التقارير توضيحا صريحا لمحاولات العثور على قائد متعطش للسلطة ويتمتع بكفاءة قيادية بونابريته، ولديه القدرة على توحيد شعبه حو الخوف ولكن تقارير كيرميت الشفوية كانت أكثر صراحة فقد أخبر رؤساءه أن أي شخص متعطش للسلطة لن ينتظر حتى يدعوه متآمر أمريكي لهذه السلطة أما عن الصفتين الأخريين المطلوبتين فليستا حتى يدعو متآمر أمريكي لهذه السلطة أما عن الصفتين الأخريين المطلوبتين فليستا من النوع الذي يظهر على السطح في اختبار كشف الهيئة ولكن المحصلة التي خرج بها من اجتماعاته في القاهرة هي أن شخصا ما في مصر مرتبطا بالضباط الذين قابلهم لديه فكرة متقدمة جدا لما يتطلبه الاستيلاء على السلطة في مصر والاحتفاظ بها وإن هذا الشخص سيفعل ذلك وإن كل ما نأمله هو أن ملاحظات روزفلت قد وصلت لهذا الشخص وأن تفاهما مشتركا يمكن تنظيمه عندما يحين الوقت ولا شك أن هذا الشخص سيفهم ماذا يريد وما هو الثمن الذي سندفعه في المقابل وبناء على ما تجمع لدى روزفلت من هؤلاء الضباط الذين قابلهم فإن عرضنا قد قبل عن طيب خاطر EMINENTLY وتم الانقلاب.
كان كل شيء على ما يرام لم تصدر تصريحات عنيفة من الطراز الذي تعودناه بعد الانقلابات السورية بل كان التركيز على القضايا التي تهم أية قيادة ناضجة محاربة الفساد بناء حكومة أكثر كفاءة إصلاح الأحزاب السياسية ولا شيء عن إسرائيل: nothing was said about Israel وعندما نطابق ذلك مع ما حدث فعلا فإن من حقنا أن نشك في النظريات التي طرحت بعد ذلك عن أهمية التنمية قبل حرب التحرير ضد إسرائيل والتكنولوجيا قبل الحرب إلخ الأمر أبسط من ذلك أنه اتفاق عقد وموقف اخذ بناء على طلب المنتج الأمريكي تجميع الشعب على كراهية الأغنياء المصريين بدلا من إسرائيل وإن كانت إسرائيل بعدوانها لن تتيح الفرصة أبدا لكي ينساها الشعب
يقول كوبلاند: وقد تمادى محمد نجيب في حديثه فقال: أنه غير مهتم بفلسطين ولكن عاد فاتصل بالسفير كافري بعد بضع ساعات وطلب سحب التصريح واستبدل به آخر أقل رواجا في السوق الأمريكي ولكنه أكثر التقاء مع ناصر وما كنا نعرف أنه ضروري لكسب الحكومة الجديدة القبول الشعبي.
كان كل شيء يدل على أننا قد ضممنا إلى الفريق لاعبا جديدا تنطبق عليه المواصفات التي نريدها كانت واشنطن الرسمية سعيدة.
Official Washington was delighted وبعض الماعز عندنا لا تزال سعيدة، فخورة بالثورة التي فاجأت الاستعمار وقلبت خططه وسودت ليله ونهاره هل يمكن أن تشترك في السعادة من حدث تاريخي واحد كان من واشنطن الرسمية والقاهرة الشعبية؟
ويقول: ولو أن كيرميت أخذ عبد الناصر بقوله أنه ليس قائد الحركة الثورية، إلا أن أعضاء السفارة في القاهرة وبالذات وليم ليكلند الضابط السياسي بالسفارة أكتشف على الفور أن جيب ليس إلا الواجهة لعبد النصار وقد أصبح صديقا للضباط الأحرار من جماعة ناصر من خلال محمد حسنين هيكل الذي أصبح فيما بعد أقرب أصدقاء ناصر ومحل ثقته ولكنه وقتها كان مجرد محرر يعمل في صحيفة يملكها صديق ناصر مصطفى أمين ومن خلال هيكل قابل ليكلاند عددا كبيرا من قيادات الضباط الأحرار بما فيهم ناصر وخلال الشهور التي تلت الانقلاب كان يرحب بهم باستمرار في شقته المطلة على النيل وبينما الشعب المصري في الخارج يهتف لنجيب كانت السفارة عبر ليكلاند قد بدأت تتعامل مع ناصر باعتباره الرجل الوحيد الذي يملك القرار واستمر السفير يقال نجيب أحيانا في زيارات رسمية أو لتسليمه رسائل من واشنطن وخاصة إذا كانت من النوعية الذي لا يهتم السفير بضياعه أما العمل الحقيقي بين الحكومتين الأمريكية والمصرية فكان يتم بين ليكلاند وناصر، أو بالأحرى بين ليكلاند وهيكل وناصر.
بعد الانقلاب تجنب روزفلت وأعضاء لجنته الخاصة، أي أتصال مباشر مع ناصر، وكانوا سعداء بمراقبة التطورات في مصر من بعيد، وكان هذا من ناحية لتجنب شبهة المؤامرة معه ومن ناحية أخرى لأن الأمور كانت تجري في الاتجاه الذي خطط له وليس إلا بعد وصول إيزنهاور للسلطة حتى أننا قررنا أن نكرس اهتماما مباشرا لتقدم ثورة ناصر وصول إيزنهاور للسلطة 1953 حتى أننا قررنا أن نكرس اهتماما مباشرا لتقدم ثورة ناصر كانت رغبة شخصية من إيزنهاور، أن نقوم بدراسة هذا اللاعب الجديد بدقة أولا لنتأكد أنه يمضي كما توقعنا وهكذا فعشية زيارة جون فوستر دلاس للشرق الأوسط قرر دلاس أيهما؟ج لقد حان الوقت لنرى: الأولاد دول حيطلع منهم أيه وهكذا أمر روزفلت بإرسال: رجل عسكري للقاهرة ليقومهم من التقييم ج واختار روزفلت ستيف مييد رجل الانقلاب السوري.
ويبدو أن مجموعة مايلز كوبلاند لم يسعدها التدخل في شئونهم أو التفتيش على شغلهم وربما دسوا للرجل عند عبد الناصر على أية حال كوبلاند يدعى أن وصول مييد أثار عبد الناصر إذا اعتبره دليلا على أن وزير الخارجية دالاس يعتقد أن ثورته لا تخلف عن انقلابات أمريكا الجنوبية.
ومع ذلك فإن دراسات مييد مثيرة والحوار النظري في دوائر المخابرات الأمريكية يفوق في ثوريته مناقشات هيئة التحرير في ذلك الوقت كما يبدو أثره واضحا في مناقشات التنظيم الطليعي في ما بعد.
قال كيم روزفلت لدلاس: لايمكن أن تحقق ثورة بدون ثوريين.
أما نظرية مييد فهي: أن سوريا لا يستقر بها انقلاب بسبب كثرة الانقلابيين أما مصر فلم تكن ثورة ولا انبثقت من ثوريين، بل نتيجة تخطيط وتنظيم عبد الناصر ولذلك سيعيش انقلابها وهؤلاء الفتية أعضاء مجلس الثورة يعتبرون أنفسهم عصابة روبن هود كتب مييد ذلك إلى روزفلت وأضاف أنه يسعدهم أن يوصفوا بإبطال الثورة ولكن لم أجد فيهم وأحدا يستطيع أن يصف لي ما هي الثورة أنهم غير مهتمين بالسياسة لحسن حظ ناصر، وحسن حظنا جميعا فهم يطلبون ويحتاجون لشخص يخبرهم كيف يفكرون وماذا يفعلون ولن تكون هناك مشكلة في التخلص منهم.
وهذا صحيح تماما.. ويفسر كيف تلاعب أصحاب الخط الحسن بالدراويش من طراز بغدادي وكمال الدين حسين وأمثالهما من الذين لم تكن لهم خلفية سياسية، وكيف جن صلاح سالم فور أن تعلم السياسة وكيف قال ناصر بصريح العبارة لخالد لا مكان لك في مصر لأنه كان يعرف شوية سياسة مع الكثير من السذاجة.
قال مييد في فلسفة الثورة غير المنشورة.
أن انقلاب ناصر لم يسقط النظام بل إقامة فالعمل السري قبل الانقلاب لم يكن يستهدف بناء قوة ثورية تستولي على السلطة، بل إلى وضع رجاله في مراكز السلطة حتى يمكنهم أن يصدروا الأوامر عبر التسلسل والوظائفي المشروع وكانت المشكلة هي في إيجاد مركز له يعدل دوره في التنظيم السري ولكن محمد نجيب حل هذه المشكلة برتبته العالية ج وإن كان قد سبب نتائج عكسية.
قال ناصر للجنرال كابل نائب مدير المخابرات الأمريكية أنه اختار الاعتماد على الضبط والربط في الجيش في تنفيذ الحركة.
مييد الذي حاول إقناع حسني الزعيم بخلق تركيبة مرتبطة بانقلابه اعتبر ما فعله عبد الناصر يجب أن يكون دليل عمل لأي محاولة أخرى .. وهو كيف تدبر انقلابا وكيف تدعمه بعد النجاح ..
إن ناصر كان يعلم أن الانقلاب سيعتمد على الجيش، وعلى قبول البلاد للجيش وكان يعلم أن كل أشباه المثقفين والسياسيين المتطرفين والمتعصبين من كل نوع يصفقوني للثورة ويعتبرونها فرصة لفرض إصلاحاتهم وإذا سمح لهم فسيتظاهرون ويعطون انطباعا بحيوية زائدة بل حتى ادعاء تمثيل قطاعات من الشعب إلا أن كبح إغراء ضمهم للثورة كان ضروريا فكل قيمتهم هو في الشغب الذي يثيرونه إن العامل المشترك في رجال الثورة أنهم لا ثوريون فقد كانوا ينظرون إلى ناصر باعتباره الرجل القادرة على بناء جيش قوى وإعادة الضبط والربط إلى صفوفه أي تحقيق الصورة التي كانت في أذهانهم عندما انضموا للجيش.
إن رجال تنظيم الضباط الأحرار يعادون المثقفين والفوضى والتسيب، وضد التحرر الاجتماع والانفتاح الجنسي وغيرها من مظاهر مصر الملكية.
أهم عنصر في رأي مييد في مناعة النظام الناصري هو قناعة ناصر بأن تدعيم مركزة يجب أن تكون له الأولوية على أي هدف آخر وهذا التصميم جعل عبد الناصر يأخذ خطوات حيرت المراقبين الغربيين، على سبيل المثال لقد سمح باستمرار وضع أدى إلى إضرار بالغة بعلاقات مصر مع السودان لمجرد أن ذلك يمكنه من إدانة أحد معاونيه الذي كان قد أصبح قويا لدرجة خطيرة هذه نقطة مهمة جدا يجب أن نرجع إليها في فصل السودان وما اكتشفه صلاح سالم من أنهم يعملون على فصل السودان. ج ولكن مييد دافع عن ذلك بأنه سلوك ضروري ويجب الاننزعج من حدوثه.
أما رأي ناصر بأنه عن القيادة أو النخبة الطبيعية فقد وصل إلى حكومتنا ليس عند طريق مييد بل عبر قناه هيكل ليكلاند وقال عبد الناصر للسفير الأمريكي: إن كان يعتقد أنه يحتاج إلى حرية مطلقة في التصرف دو مبالاة بالرأي العام وهذه الآراء لم تزعج ستيف مييد خبيرا استمرارية الانقلابات ولكنها أزعجت كيرميت روزفلت وعندما أبلغه مييد أن ناصر يعيد تنظيم القيادة لكي يقيم ديكتاتورية فاشية عسكرية عمل روزفلت على إرسال جيمس إيكلبر غر أحد علماء السياسة في وزارة الخارجية والذي كتب دراسات ممتازة عن النظم العسكرية في الدول المختلفة وكان روزفلت قد اقترح مساعدات اقتصادية ضخمة لمصر، وعلى وشك أن يطلب مساعدات عسكرية وكان يعتمد أن الدراسة التي سيقدمها إيكلبرغر ستمكنه من إقناع الوزير دلاس بسياسات عبد الناصر، وإذا لم يكن بوسعه الدفاع عن هذه السياسة فيحاول إقناع عبد الناصر بتغييرها.
وقد عين كافري غيكلبرغر للعمل معه مباشرة بعيدا عن جهاز السفارة، ونظم إمداده بمعلومات الخارجية والمخابرات وكان على إيكلبر غران يقدم تقرير موقف وتوصيات أما القرار الأخير فكان لكافري وقد أجرى أيكلبر غر مناقشات طويلة مع أعوان ناصر من العسكريين والمدنيين وبالذات محمد حسنين هيكل المخبر الصحفي الذي كان خلف كتاب عبد الناصر: فلسفة الثورة ومع ناصر نفسه.
ومن محصلة هذه الاتصالات والاستجوابات والفحوصات يقول لنا مايلز كوبلاند أعد عدة دراسات ترجم بعضها للعربية وأرسل إلى عبد الناصر كأهم المشاكل التي تواجه الحكومة الجديدة وأساليب معالجتها وأهم هذه الدراسات واحدة بعنوان مشاكل السلطة لحكومة ثورية وقد وضعها كوبلاند في ملاحق كتابه ومن شاء الرجوع إليها للاستفادة فليفعل وقال: وترجمت للعربية وعلق عليها عدد من معاوني ناصر ثم ترجمت مرة أخرى للإنجليزية ليضيف إليها إيكلبرغر وينقح، وهكذا من الإنجليزية للعربية وبالعكس حتى ظهرت النسخة الأخيرة منسوبة لزكريا محيي الدين، وتقبلها العالم بما في ذلك ألس آي أيه على هذا الأساس.
وقال كوبلاند
ولنذكر أن جوهر القضية في دعمنا لناصر هو أن يصبح لنا في السلطة في واحدة من أهم الدول العربية القائد الذي تتوفر له السلطة الكافية لفرض قرار غير محبوب مثل توقيع السلام مع إسرائيل ولذا فإن أول خطوة في برنامجنا وبرنامج ناصر هي فرض سلطته هذه ولو بالقوة.
وعندما اعتذر ناصر لجونسون المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي عن عدم استطاعته إقناع شعبه بقبول مشروعات جونسون لاقتسام مياه الأردن مع إسرائيل فسأله جونسون كيف يكون قائدا صالحا إذا كان ينافق شعبه؟
رد عبد الناصر أن أولى مهمات القائد هي أن يبقى قائدا فإذا تمكن من ذلك يستطيع وقتها أن يدبر كيف يكون صالحا. وأنا أعرف أن الغوغاء في بلادي إذا تركوا لغرائزهم فسيضرون أنفسهم ولكن هذا لا يعني أنني أستيع تجاهل عواطفهم دائما.
وفسر كوبلاند ذلك بأن سياسة عبد الناصر هي اللعب بشعارات الجماهير العاجلة التي لا تمثل مصالحها الحقيقية لكسب الوقت حتى ينمو فيهم الوعي بمصالحهم الحقيقية على أن يتم ذلك بالتناسق مع امتلاك الوسائل لتحقيق هذه المصالح.
وإذا كان التعاون التنفيذي بين المخابرات الأمريكية ورجال عبد الناصر، قبل الانقلاب ويوم الانقلاب لا يزال من الأسرار وربما يبقى كذلك خاصة إذا لم نعرف من هو هذا الشخص العجيب الذي كان رئيسا لمحطة المخابرات الأمريكية في مصر والذي كان في نفس الوقت رجل عند الناصر إلا أن المعلومات أكثر عن التعاون الوثيق بين الأمريكان ونظام عبد الناصر بعد 23 يوليو وفي الميدان الذي يعتبر من أخص خصائص السيادة والذي يستحيل تصور وقوع التعاون فيه بين استعمار وثورة بل حتى بين دولتين تحرص واحدة منهما على سيادتها وأمنها واستقلال قرارها .. وأعني ميدان الأمن والمخابرات فضلا عن الإعلام والعلاقات الأمريكية المصرية.
فالي جانب الدراسات والمحاضرات والتعليمات التي يحفل كتاب كوبلاند بنماذج منها توجد اعترافات ناصرية تؤيد هذا التعاون فهذا حمروش يقول:
قدم الأمريكان منذ اللحظة الأولى خبرتهم لتنظيم المخابرات بعد أن كانت في عهد الملك محدودة الأثر محصورة في البوليس السياسي الذي كان يشرف عليه مأجور سانسون الذي أسس جمعية إخوان الحرية المتصلة بالمخابرات البريطانية والذي أصبح فيما بعد ضابط أمن بالسفارة البريطانية حتى رحل عن مصر فجأة يوم 31 يناير 1953 كما نشرت الصحف المصرية وعين بعد ذلك في ليبيا وألف كتابا عن حياته في مصر باسم تجسس على الجواسيس.
قبل 23 يوليو، لم يكن هناك جهاز من يعرف باسم المخابرات العامة وكان عدد ضباط المخابرات الحربية في الجيش 15 ضابط فقط، وعدد ضباط القسم المخصوص بالبوليس السياسي 24 ضابطا.
وقد استعان زكريا محيي الدين بعدد من الخبراء الألمان إلى جانب تقارير المخابرات المركزية الأمريكية التي كانت تقترح توحيد أجهزة الأمن.
وأعد زكريا محيي الدين مشروع قانون المخابرات على أساس الهيمنة على كافة أجهزة المخابرات في إدارة واحدة منعا لازدواج الجهد وكثرة التكاليف وهذا لا يعني ضمها في جهاز وإنما يعني التنسيق بينها بفكر ورأي واحد.
كان ضباط المخابرات العامة قد تحولوا قد تحولوا إلى مدنيين في سبتمبر 1955 وأنشئ في نفس العام المعهد الاستراتيجي بجوار برج القاهرة الذي دفعت المخابرات المركزية الأمريكية ثمن إنشائه 3ملايين دولار كما سبق ذكره وكانت تدرس فيه محاضرات المخابرات المركزية الأمريكية عن طريق شركة بوز آلف وهاملتون لضباط المخابرات والمباحث وضباط أمن الوزرات وبعض أعضاء السلك الديبلوماسي بالخارجية وذلك حسب رواية فريد طولان مدير المعهد في ذلك الوقت.
كانت النموذج الأمريكي هو المثال الذي تهتدي به أجهزة المباحث والمخابرات في ذلك الوقت وقد تسربت أجهزة المخابرات الأمريكية إلى بعض ضباط هذه الإدارات كما حدث عندما ذهب البكباشي أحمد حلمي مدير قسم مكافحة الشيوعية بالمباحث العامة إلى أمريكا لعمل غير معروف دون استئذان أو بلاغ الجهات المختصة إذا كان قد أبلغ أنه يقضي إجازته السنوية في قبرص وشوهد هناك مصادفة ولما علم زكريا محيي الدين بذلك أصدر قرارا بإحالته إلى الاستيداع حيث بقي لمدة عام وانتقل بعد ذلك إلى أجهزة البوليس العادية بغير محاكمة حدث التسرب الأمريكي رغم أن وزارة الداخلية لم تحتفظ في المباحث العامة سوى بأربعة ضباط فقط من رجال البوليس السياسي السابقين ورغم أن العسكريين فرضوا إشرافهم على وزارة الداخلية منذ الأيام الأولى.
وعبثا نفهم كاتبا غير مخلص فنحن لا نفهم معنى قوله رغم أن إن إخراج رجال السراي والإنجليز من المباحث العامة وسيطرة العسكريين المتحالفين مع الأمريكان كان الشرطة الضروري لتوفر المناخ الصالح للتسرب الأمريكي وهذه غلطة قاتلة تسقط فيها هذه الانقلابات إذ إن الانفتاح والتعاون الصريح مع أجهزة المخابرات الأمريكية أو الأجنبية يعطيها شعورا كاذبا بالاطمئنان أن هذه وهم لأن المخابرات الأجنبية تنتهز هذا المناخ وهذا الانفتاح لزرع عناصرها وتدمير العناصر الوطنية المعارضة في أجهزة الأمن ولعل هذا يفسر لنا السهولة التي يتم بها الانقلاب الأكثر أمريكية فيما بعد أو حتى اغتيال رئيس الدولة أو اعتقاله من أقرب المقربين له أو من يظن أنه أخلص أعوانه أن فترة التعاون مع المخابرات الأمريكية قد أدت إلى تسرب لا يعلم أحد مداه، من جانب هذه المخابرات داخل مؤسساتنا خاصة وأن الذي يقبض عليه متلبسا أن صحت رواية حمروش يعاقب بالاستيداع سنة ثم يعاد للخدمة معززا مكرما بلا محاكمة في وقت كان العمال يشنقون فيه لأنهم يطالبون ثورتهم بتحسين أحوالهم وكان من يضبط بتهمة أعطاء بعض الطعام لأسر المعتقلين من الإخوان يسجن ربع قرن!
ويقول حمروش: أرسلت الحكومة المصرية عدة بعثات تدريبية في أعمال البوليس والمخابرات مثل الصاغ حسين عرفه رئيس المباحث الجنائية العسكرية بالبوليس الحربي الذي حصل على فرقة في معسكر كامب كوردون بولاية جورجيا وهذا مثل وحيد لعشرات من الفرق.
وحمروش حزين أو عاتب لأن الثورة المحبوبة استعانت بأسوأ العناصر، من أعوان النظام المنهار بل النفايات التي كانت الحركة الوطنية قد عزلتهم تماما مثل نجوم دار أخبار اليوم ومثل حسين عرفه الذي كان يتولى حراسة الملك فاروق في الكباريهات، من خطر الضباط الأحرار تولى بعد الثورة حماية هؤلاء الضباط من الشيوعيين ولكن بعد التدريب في أمريكا ويقول حمروش: حاولت حركة الجيش أن تواصل لعبتها السياسية في التسرب داخل صفوف الشيوعيين، كما فعلت ذلك مع الإخوان المسلمين فكلفت بذلك حسين عرفه رئيس المباحث الجنائية العسكرية ويقول أرسلت الحكومة المصرية عدة بعثات تدريبه في أعمال البوليس والمخابرات مثل الصاغ حسين عرفه رئيس المباحث الجنائية ويقول: لعبت المخابرات المركزية الأمريكية دورا كبيرا في إفساد العلاقة بين التنظيمات الشيوعية المعبرة عن آمال الفلاحين والطبقة العاملة وبين حركة الجيش التي فرضت نفسها بقوة السلاح ممثلة للطبقة الوسطى.
الأمريكان وعبد الناصر يعدان أن بتكوين طبقة وسطى بعد عمر طويل والسيد حمروش يفتي بأن حركة الجيش هي حكم الطبقة الوسطى؟
ويستعرض حمروش نماذج شديدة النجاح في تغلغل رجال الثورة في الأحزاب السياسية وتمزيقها من الداخل وهو لا يريد أن يقول صراحة أن الفضل في ذلك لنفس القوى التي استطاعت استئصال التنظيمات الشيوعية لأن رجال الثورة كانوا بلا خبرة تقريبا فكيف يتمكنون من تمزيق أحزاب أعرق وأحفل بالخبرات؟ بل إن التنظيم السري للإخوان كان أقوى وأكثر انضباطا من تنظيم الضباط الأحرار، مع فارق الدبابات والنصيحة الأمريكية والشيوعيون كانوا أخبر بفن التسلل حمروش وأمثاله لا يريدون الإقرار بفضل المخابرات الأمريكية في التمكين لثورة يوليو وهذا من قلة الوفاء الذي انتقده أمين هويدي بحق وإن كان هو لم يتسم بالوفاء على الوجه الأكمل، وإلا لأشاد بالمساعدة الأخوية النبيلة التي قدمتها المخابرات الأمريكية حامية الثورات وقائدة معسكر الشعوب الحشاشة!
وناصري آخر من ناصري الساعة الخامسة والعشرين تنبه إلى أن خصوم ثورة يوليو يركزون هجومهم على المخابرات بالذات وليس المباحث العامة وذلك كما قال لأن هه المخابرات كانت المدرسة التي خرجت الكوادر السياسية.
صدق والله!!
المدرسة التي أنشأتها ودربتها المخابرات الأمريكية.
يقول كوبلاند يجب أن نتذكر دائما في تعاملنا مع عبد الناصر أن قاعدة القمع هي كل شيء بالنسبة له ولذا يجب ألا نندهش عندما نجده بعد كارثة أبشع هزيمة في التاريخ العسكري الحديث قد جلس وهو ومعاونوه يفكرون لا في إعادة بناء مصر بل في كيفية استعادة الثقة في الجيش.
هذه هي رواية مايلز كوبلاند عن بداية انقلاب 23 يوليو وعن الاتفاق الذي تم قبل 23 يوليو 1952 بين المخابرات الأمريكية ممثلة في كيرميت رورفلت منذ الانقلاب على مصدق في إيران فيما بعد وبين رجال عبد الناصر ثم بعض الوقائع التي قدمها عن التعاون بقلب مفتوح بين عبد الناصر ورجاله والمخابرات الأمريكية بعد نجاح الانقلاب ولا شك أن هذا التعاون وعلى هذا المستوى هو دليل المعرفة السابقة إذ أن الثورات عندما تصل إلى السلطة بجهدها الذاتي ورغم أنف الاستعمار والرجعية لا تنفتح من اليوم الأول على هذا النحو مع أخطر جهاز استعماري ورغم كل الأدلة التي قدمناها على صدق رواية ما يلز كوبلاند إلا أننا أحببنا أن نعززها بمصادر أخرى حتى لا يبقى في النفس شك وقد عثرنا على كتاب مخابراتي آخر من جهاز منافس للمخابرات الأمريكية لم يقدر له شهرة مايلز كوبلاند وربما كان السب في اعتقادي أنه أخذ جانب العرب في عرضه للصراع العربي الإسرائيلي وحمل إسرائيل المسئولية الكبرى في إفشال محاولات السلام في المنطقة وأثبت أن إسرائيل لم تفكر يوما تفكيرا جديا في السلام مع جيرانها بل كانت تفضل مفاوضتهم بالسلاح دائما ولذا كان من المحتوم أن يدفن هذا الكتاب ويواريه النسيان.
والكتاب أيضا حملة قاسية ضد المخابرات الأمريكية فهو يتهمها بأنها كانت أحد الأسباب الرئيسية في إفشال السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بل وفيها جرى من تدهور في هذا الشرق الأوسط لأنها كما سنرى في رأيه تجاوزت مهمتها التقليدية وهي جمع المعلومات وتورطت في الانقلابات وتغيير الحكومات وتوجيه السياسة الداخلية للدولة العربية وتمثيل السياسة الأمريكية بدلا من المؤسسات الدستورية الأمريكية العلنية.
والكتاب مع نبل مقاصده أو على الأقل صدقه يتميز بالسذاجة فهو يتآمر مع السياسي السوري ميخائيل العليان على قلب الحكومة السورية ويدفع له نصف مليون ليرة لرشوة ضباط الجيش السوري والصحفيين ثم يسأله في براءة وهل سندفع أيضا للسياسيين السوريين أم أن غيرتهم الوطنية وحرصهم على إنقاذ وطنهم فيه الكفاية؟
ويعلق هو نفسه بأن المتآمر السوري نظر إلى نظرة أمي عندما كنت أعملها على نفسي ولذلك فرغم أنه كان داخل العملية إلا أن المخابرات الأمريكية اعتبرته دائما من الغرباء أو الظهورات من محادثاتي مع مندوب cia في عملية سوريا مع أنه كان ف قلب العملية وكان يعمل بعقد وقتها أو منتدبا من وزارة الدفاع للمخابرات الأمريكية وهو الذي كان ينقل الأموال كل ليلة إلى القصر الجمهوري في عهد شمعون لتمويل تنزييف الانتخابات التي كانت السبب في ثورة لبنان عما 1958 وهو الذي فاوض ناصر على قبول الدفاع المشترك وهدده بأنه حلف بغداد سيضم كل الدول العربية ويترك مصر وحيدة وعمل في سياسة الأحلاف من عام 1953
وقد فشلت مؤامراته وثبت خطأ تحليلاته وحطم ناصر وأصدقاؤه حلف بغداد وعزلوا العراق ولم تعزل مصر وهو يعتقد أن المخابرات الأمريكية أو رجال الcia هم الذين أفشلوا جهوده وهو يحملهم مع إسرائيل أو حتى قبل إسرائيل مسؤولية فشل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وهكذا فإذا كان كتاب لعبة الأمم هو دفاع المخابرات الأمريكية عن دورها في الشرق الأوسط وبالذات عن مراهنتها على عبد الناصر وثورة 23 يوليو واعتذارها بأن مخططها كان سليما وعبقريا وكان أحرى به أن ينجح لولا أخطاء ولخبطة الهواة من بير وقراطي وزارة الخارجية والبنتاغون والسياسيين في الكونغرس والبيت الأبيض الذين أفسدوا اللعبة ودفعوا عبد الناصر إلى الصدام مع الولايات المتحدة فإن كتاب حبال من رمال الذي ألفه ولبر كراين إيفيلاند الذي كما قلنا يمثل جهاز آخر منافسا هو المخابرات العسكرية قد شن كما قلنا هجوما صارخا على المخابرات الأمريكية.
فالكتاب يتبنى وجهة النظر التي كانت هامسة في أروقة وزارتي الخارجية والدفاع خلال الخمسينيات والستينات إلا النجاح الهائل للمخابرات الأمريكية في قلب حكومة جواتيمالا وإعادة الشاة إلى عرشه وطرح عبد الناصر زعيما للقومية العربية كان يخرس هذه الهمسات ويطلق يد المخابرات الأمريكية ولكن في النصف الثاني من الستينات بدأت الانتقادات تشتد والاعتراضات تصبح مسموعة أكثر حتى كانت السبعينات وطرحت المخابرات cia للنقاش بل التجريح العلني وفتحت ملفاتها طالب السياسيون والرأي العام بمحاسبتها وارتفع صوت أصحاب الشعار القديم القائل بأن سياسة الولايات المتحدة الخارجية لا يرسمها وينفذها إلا أجهزة المسئولة أمام السلطة التشريعية وأن مهمة المخابرات هي جمع المعلومات فحسب وهذه بالطبع مبادئ نظرية فإن إغراء تحريك الأحداث بضربة مخابراتية مثل اغتيال زعيم مناوئ أو قلب حكومة لا أمل فيها أو دعم زعيم متعاون ودفعه للسلطة يظل أقوى من أن يخضع للاعتبارات الدستورية والتقاليد التي لم تتجاوز الكتب والبيانات الرسمية.
المؤلف ولبر كراين أيفيلاند يعود مجددا فيطرح هذه الشعارات عندما يقول:
من المستحيل فهم استمرار فشل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط دون أن نأخذ في الحسبان سوء استخدام ال cia من اختصار اسم المخابرات الأمريكية وسنكتبها أحيانا السي آي أيه أو cia فعسي أن لا يشق ذلك على القارئ ج لمسئولياتها واختصاصاتها في تلك المنطقة وإلى مدى أهمل مديريها تقدير المعلومات التي حصلت عليها وإلى أي مدى اعتمدنا على قدرة المخابرات الأمريكية في تنفيذ عمليات تآمرية واستغنينا بلك عن ضرورة وضع سياسة خارجية راسخة ودبلوماسية تقليدية ولذا فإن ما أكتبه عن نشاط المخابرات الأمريكية وفشلها لا يقصد به أن يكون مثيرا بل مجرد جزء من الحقيقة حو مشكلة وجودنا في الشرق الأوسط.
ويقول: وسرعان ما عرفت أن المخابرات الأمريكية تحت آلن دلاس كان لديها قابلية محدودة للاستفادة من المعلومات عن العلاقات العربية الإسرائيلية لأنه تحت رئاسة آلن دلاس كان خبراء المخابرات الأمريكية مشغولين بالعمليات السياسية وأقل اهتماما من المخابرات العسكرية بالمهام الروتينية الخاصة بجمع المعلومات عن الواقع القائم فعلا أن محللي الcia لا شك في كفاءتهم ولكنهم كانوا في المرتبة الثانية داخل cia بالنسبة لزملائهم العاملين في الخدمة السرية.
أي أن النجاح الذي حققته عمليات التآمر، ونتائجها السريعة المثيرة جعلت الجهاز كله يهتم بهذا اللون أكثر من جمع المعلومات وإصدار التحليلات فما دامت تملك تغيير الواقع بشراء حفنة من الضباط أو بعشرة آلاف دولار كما تفتخر مجموعة كيرمت روزفلت التي اشتركت في قلب حكومة مصدق وإقامة أقوى عميل لأمريكا لمدة ربع قرن أو حتى بمليون دولار كما جاء في كتاب روزفلت نفسه ما دام يمكن تغيير الواقع بهذه السهولة فلماذا إنفاق الجهد في دراسة المجتمع الإيراني على طريقة الإنجليز قبل مائتي سنة؟
وهكذا تراجع قسم التحليل والمعلومات وأصبحت الشهرة والحظوة من نصيب العاملين في الميدان وفي قسم المؤامرات وهذا زعم المؤلف بالطبع ولا نملك نفيه أو إثباته وأن كنا نعتقد أن قسم المعلومات ربما لم يقصر ولكن المتنفذ يعلم ما يحب لا ما يدرس له!!
يقول: عندما أصبح فوستر دلاس وزيرا للخارجية وآلن دلاس شقيقه مديرا للمخابرات الأمريكية فإن كل رؤساء المخابرات العسكرية وأيضا إدغار هوفر مدير المباحث الجنائية ج تخوفا من أن تأخذ العمليات السرية CIA الأولوية على مهمة جمع المعلومات وقد تحققت المخاوف عندما قامت المخابرات الأمريكية بتوجيه من آلن دلاس بتغيير الحكومة في إيران 1953 وقلب النظام في غوايتمالا 1954 بالإضافة إلى أن عمليات الCIA بدأت قبل أن يصبح آلن دلاس رئيسا وأصبح لها وجودها مما جعل من الصعب على الولايات المتحدة التخلي عنها.
وقد ختم كتابه بأمنية تقول آمل أن تتفرغ الCIA لمهمتها الأصلية وهي جمع المعلومات وتجنب إغراء العلاج السريع بتدبير انقلاب وهو الأسلوب الذي كلف الولايات المتحدة غاليا في الشرق الأوسط لقد شبعنا من هذا العلاج.
وسنجد خلال استشهاداتنا من كتابه عشرات الأمثلة على التناقض بين موقفه هو الجهة التي كان يمثلها وبين الCIA ورجالها وأساليبها وليس بعنينا تناقض الرجلين أو الكتابين وإنما نهتم بما يظهر من حقائق على ضوء خلافهما وق اخترنا هذا الكتاب بالذات لأنه ينفي في هامش إحدى صفحاته دور المخابرات الأمريكية في قلب النظام الملكي ويبرئ ساحة السفير الأمريكي كافري من هذا الغدر بل يشيد بأخلاقياته بعبارة أن كان صادقا فيها فهو حقا شديد السذاجة ويستحق ما ناله من فشل في كل مهماته وإذا كان يخدعنا بها فهو يستحق حقا نظرة أخرى من نظرات أمه إلا أن إجابة كيرمت روزفلت التي رد بها على سؤاله الساذج والتي استشهد بها هو على انعدام دور المخابرات الأمريكية في انقلاب 23 يوليو إجابة تكشف مدى تقديرهم لتفكيره غير أن الرجل بلا شك صادق في روايته ما آه وكان الأحرى به ألا يصدر أحكاما قاطعة فيما ليس له به علم ففي عام 1952 كان هو لا يزال في المدرسة يدرس اللغة العربية منتدبا من القوات المسلحة للعمل في المخابرات العسكرية وقد رأينا أنهم في المخابرات الأمريكية لم يطلعوه على كافة أسرار العملية التي لعب فيها الدور الرئيسي فكيف كانوا سيطلعونه على ما لم يشهده ولا دور له فيه؟
المهم قال في هامش صفحته 97- 98 التالي حرفيا:
نسب كوبلاند في كتابه لعبة الأمم الفضل لكيرميت روزفلت في قصة الثورة السلمية التي مكنت فاروق من التنازل عن العرش دون أن يصاب بأذى ونظم أحلال سياسيين محله وأن روزفلت وافق على انقلاب عسكري منذعنا لراي كافري بأن الجيش وحده يمكن أن يواجه تدهور الحالة وهذا لا يتنافى فقط مع أخلاق كافري ولكني أيضا عرفت أن انقلاب 23 يوليو فاجأ الCIA تماما وأول معلومات جاءت عبر ليوتاننت كوونيل إيفانزل مساعد الملحق الجوي بالسفارة الأمريكية الذي كانت له اتصالات مع ضباط مجلس قيادة الثورة وعبر وليم ليكلاند السكرتير الثاني بالسفارة كافري أصر على توديع فاروق حتى خرج من مصر وبذلك حظي باحترام مجلس الثورة الذي رأى هذا الدبلوماسي البارز لا يتعامل إلا مع الرئيس الشرعي للدولة لولا أن المخابرات CIA قد وجدت في ناصر عميلا آخر ممكنا مثل الشاه لاستمر كافري يتعامل مع نجيب ثم مع ناصر مقدما النصح الطيب، الذي ربما جنب الولايات المتحدة الكوارث التي حدثت فيما بعد وفي عام 1972 ناقشت مع كيرمت روزفلت التي رد بها على سؤال الساذج والتي استشهد بها هو على انعدام دور المخابرات الأمريكية في انقلاب 23 يوليو إجابة تكشف مدى تقديرهم لتفكيره غير أن الرجل بلا شك صادق في رواية ما رآه وكان الأحرى به ألا يصدر أحكاما قاطعة فيما ليس ليه به علم ففي عام 1952 كان هو لا يزال في المدرسة يدرس اللغة العربية، منتدبا من القوات المسلحة للعمل في المخابرات العسكرية وقد رأينا أنهم في المخابرات الأمريكية لم يطلعه على كافة أسرار العملية التي لعب فيها الدور الرئيسي فكيف كانوا سيطلعونه على ما لم يشهده ولا دور له فيه؟
المهم قال في هامش صفحة 97-98 التالي حرفيا:
نسب كوبلاند في كتابه لعبة الأمم، الفضل لكيرميت روزفلت في قصة الثورة السلمية التي مكنت فاروق من التنازل عن العرش دون أن يصاب بأذى ونظم إحلال سياسيين محلة وأن روزفلت وافق على الانقلاب عسكري مذعنا لرأي كافري بأن الجيش وحده يمكن أن يواجه تدهور الحالة وهذا لا يتنافى فقط مع أخلاق كافري ولكني أيضا عرفت أن انقلاب 23 يوليو فاجأ الCIA تماما وأول معلومات جاءت عبر ليوتاننت كوولونيل إيفانز مساعد الملحق الجوي بالسفارة الأمريكية الذي كانت له اتصالات مع ضباط مجلس قيادة الثورة وعبر وليم ليكلاند السكرتير الثاني بالسفارة كافري أصر على توديع فاروق حتى خرج من مصر وبذلك حظي باحترام مجلس الثورة الذي رأى هذا الدبلوماسي البارز لا يتعامل إلا مع الرئيس الشرعي للدولة لولا أن المخابرات CIA قد وجدت في ناصر عميلا آخر ممكنا مثل الشاه لاستمر كافري يتعامل مع نجي ثم مع ناصر مقدما النصح الطيب الذي ربما جنب الولايات المتحدة الكوارث التي حدثت فيما بعد وفي عام 1972 ناقشت مع كيم روزفلت الادعاء بأن الCIA رتبت سقوط فاروق وكان رزوفلت وقتها يرح من شركة تمثل الشاه وبعض العرب في واشنطن وكان كيم قد أصبح متواضعا فرد على سؤالي بأنه ما كان ليحصل على ثقة زبائنه من الملوك لو كان فعلا خلع فاروق .
هذا ما قاله وهو كما نرى لا يستند إلى دليل، أكثر من عدم علمه فهو لم يقدم دليلا واحدا على مفاجأة السي آي أية بالانقلاب ولم يفسر كيف يكون الانقلاب مفاجأة أي عملية وطنية مصرية وكيف تجد السي آي أيه بسرعة في ناصر إمكانية شاة آخر أما رد كيم روزفلت الذي كان يعمل في استثمار أموال الملوك وتقديم الاستشارات لهم فهو رد طبيعي ومتوقع فما كان روزفلت بالذي يفخر في 1972 بأن هو الذي أهدى المنطقة إعصار عبد الناصر ولا كان هناك من سبب يدفعه للاعتراف بذلك لهذا الغريب الذي قرر روزفلت نفسه عدم إعطائه المعلومات عن العمليات التي كان هناك من سبب يدفعه للاعتراف بلك لهذا الغريب الذي قرر روزفلت نفسه عدم إعطائه المعلومات عن العمليات التي كان إيفيلاند نفسه يوم بها والذي أفشل رجاله في الCIA مهمته في مصر على الأقل
ورغم ذلك فنحن نقبل إيفيلاند كشاهد نفس، لأن روايته وشهادته بما شاهده وسمعه عن تلك الفترة تدعم رواية كوبلاند إلى أقصى حد وبالذات لأنه شاهد نفس وهو الذي قال على آية حال الآتي: منذ أوائل الخمسينات جند كيرميت روزفلت ومحطة السي أي ايه في القاهرة ثلاث من الصحفيين المصريين البارزين كعملاء للمخابرات الأمريكية هم: محمد حسنين هيكل والإخوان أمين.. مصطفى وعلي.. وأن ناصر كان يعرف ذلك.
وهو الذي قال أن المخابرات الأمريكية هي التي قامت صوت العرب من الناحية الفنيةي بتزويده بالمعدات الميكانيكية، ومن الناحية الدعائية بالخبراء في الدعاية وهذه أشيا رآها وسمعها بنفسه، وبمقارنتها بما جاء في كتاب مايلز كوبلاند ورسالة مصطفى أمين وشهادات الناصرية والضباط والأحرار يستطيع القارئ المغفل أن يكون فكرة عن مدى سيطرة المخابرات الأمريكية على الأحداث التي جرت في مصر ابتداء من عام 1952 ومدى التعاون بين نظام 23 يوليو وهذا الجهاز وكما قلنا ألف مرة ليس الهدف اتهام أحد ولا إثارة أحد وإنما محاولة لفهم التاريخ والاستفادة من دروسه وعبره.
قال في شرح ارتباط المخابرات الأمريكية بالمخابرات الإسرائيلية ونشاط كيم روزفلت في الشرق الأوسط: خلال عمل جيمس انجلترا في المخابرات (O.S.S ) في الحرب العالمية الثانية كون علاقات مع مجموعات المقاومة اليهودية في لندن وتم تبادل المعلومات بعد ذلك مع الموساد وأصبحت الCIA تعتمد على الموساد المخابرات الإسرائيلية ج اعتمادا كبيرا في معلوماتها عن الدول العربية وفي إيران كان كيرميت روزفلت خبير ألن دلاس في الشرق الأوسط منشغلا ببناء السافاك لضمان عدم خلع الشاه مرة ثانيةي والآن عرفت أن إلحاح روزفلت على أن مصر جمال عبد الناصر يمكن استخدامها لخدمة أهداف أبعد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ينظر إليه أي لهذا المطلب ج) بحذر من قبل معم خبراء وزارة الخارجية ولكن الأخوين دلاس كانا موافقين على السماح لروزفلت بأن يدبر رأسه أو يجرب محاولته ج مع ناصر في الوقت الحاضر وإذا وضعنا في اعتبارنا سيطرة فوستر دلاس على استراتيجية الولايات المتحدة الخارجية فقد كان ذلك يعني إعطاء موافقة حكومية على خطط روزفلت بالنسبة لناصر.
بدون انفعال ماذا تعني هذه الفترة؟
- 1- كيرميت روزفلت نائب مدير المخابرات الأمريكية لشئون الشرق الأوسط ومنفذ الانقلاب الإمبريالي في إيران، وصديق مصطفى أمين من الحرب العالمية والذي عن طريقه قدمت المخابرات الأمريكية خدمات لها مردود مالي لأخبار اليوم بنص رسالة مصطفى أمين...
- 2- خبراء وزارة الخارجية يشكون في نجاح هذه العملية.
- 3- آلن دلاس مدير المخابرات وجون فوستر دلاس وزيرا لخارجية وهما بلا شك أكثر علما بحجج وإمكانيات روزفلت وافقا على إعطاء فرصة لروزفلت لامتحان اختراعه في مصر.
أليست هذه علاقةي طيبة جدا مع المخابرات الأمريكية؟
كيف قامت هذه الآمال إلى حد المراهنة عليها في خاطر نائب مدير المخابرات الأمريكية والرجل الذي يلعب في السياسة المصرية وصديق الملك فاروق منذ الأربعينات؟
كيف لم تساوره هذه الآمال لا هو ولا غيره عن هوشي منه أو ماوتسي تونغ أو كاسترو وساورته دون سابق معرفة مع ثورة فأجاته تماما وبلغ من قوة أسبابه في هذه الآمال أن وافق وزير الخارجية أمريكا والمدير العام لمخابراتها على إطلاق يده ليجرب تجربته؟
بدأ اتصال المستر ولبر كران إيفلاند بمصر بعد توقيع اتفاقية الجلاء وله فيها ملاحظات في منتهى الدقة، إذ قال أن أول مشاريع الدفاع الغربية عن الشرق الأوسط هي المعاهدة التي وقعها عبد الناصر مع بريطانيا في 24 أكتوبر 1954 لأنها أعطت بريطانيا الحق في العودة إلى مصر إذا ما وقع عدوان على تركيا أو المنطقة العربية وهذه سنرجع لها في فصل الأحلاف.
المهم يقول: أخبر محمود فوزير السفير الأمريكي أن مصر قررت بعد دراسة مكثفة أن لا تطلب سلاحا من أمريكا؟ ج ولكنها تطلب زيادة المعونة الاقتصادية وقد أثار التقرر ثائرة ممثلي الCIA في مجلس تنسيق العمليات O. C. B وقالوا أن السفير الأمريكي الخاص بالمساعدات العسكرية على حد قولهم كانت تدار بين ناصر وكيرميت روزفلت بتاع الCIA وأفراد محطة الCIA في القاهرة وبناء على ما ذكره روزفلت فإن ناصر يريد مناقشة صريحة لإمكانيات تقديم مساعدة عسكرية لمصر وأني الcia دبرت إعطاء نصار 3 مليون دولار من المصروفات السرية وكذلك اقترحت cia تقديم معونة عسكرية لمصر في حدود أربعين مليون دولار وبما أن هذه الترتيبات كلها سرية فإن الأمر لا يتطلب إرسال بعثة عسكرية للعمل في الجيش المصري كما يقضي قانون الأمن المشترك الأمريكي على أنه وفقا لخطة الcia فإن مفاوضين باسم البنتاغون في ثياب مدنية، سيرسلون لمناقشة عقد اتفاقية رسمية مع مصر لتأمين مساعدة عسكرية بمبلغ 1‚20 مليون دلار مقررة فعلا لمصر.
الشرح:
- 1- خبر غريب أرسله كافري يزعم فيه على لسان محمود فوزي أن مصر لا تريد في أكتوبر 1954 معونة عسكرية ولما عرض الأمر على اللجنة المشتركة للخارجية والدفاع والمخابرات الأمريكية غضب مندوبو الcia ورفضوا هذه المعلومات وقالوا أن كافري لا يعلم شيئا وليس له اتصال مفتوح مع ناصر الذي يعرف ويدبر كل شيء لم يكن نجيب قد خلع رسميا ولكنه كان قد فقد كل سلطاته حتى الشكلية من نهاية مارس 1954 .
- 2- جميع المفاوضات الخاصة بالسلاح مع ناصر لا تدار عن طريق السفارة بل عن طريق رجال المخابرات الأمريكية.
- 3- الcia هي التي خططت إعطاء ناصر 3 ملايين دولار من المصاريف السرية وبذلك تتأكد قصة مايلز كوبلاند حرفيا وهذه هي الملايين الثلاثة الشهيرة التي بني بها عبد الناصر برج القاهرة وإن كانت هناك رواية أن البرج تكلف مليونا فقط، ولا يعرف أين ذهب المليونان.
- 4- المخابرات الأمريكية كانت تعرف استحالة قبول عبد الناصر بعثة عسكرية للإشراف على إنفاق المعونة فاقترحت إعطاءه أربعين مليونا بطريقة ما لا تتطلب هذه الشروط .
- 5- تقرير إرسال مندوبين من وزارة الدفاع الأمريكية في ثياب مدنية للتباحث مع عبد الناصر.
قال:
وعند إعداد توصيات لوزير الدفاع حول اقتراحات الcia أوصيت بمعارضتها باعتبارها معارضة للقانون وقد وافقوا على عرضي ورفع إلى اجتماع مكتب التنسيق وكان اعتراضي الرئيسي هو أن مصر أبلغت أن حاجتها ما بين خمسين ومائة مليون دولار أسلحة كمساعدة ولذلك فإن الملايين المقترحة من الcia كترضية أو تحليه sweetener لا أعتقد أنها ستؤثر على ناصر خاصة عندما يعلم أن 1‚ 20مليون فقط متاحة كمنحة عسكرية وإن من هذه ال 1‚ 20 مليون تقترح وزارة الخارجية اقتطاع تقترح وزارة الخارجية اقتطاع 8 ملايين وإعطاءها لا ثيوبيا، وعلى ضوء ما رأيته من غضبة باكستانية، لأنهم نالوا قل مما يجب اقترحت أن نقبل رفض فوزي خلال القنوات الدبلوماسية العادية، وأن هذه العمليات السرية قد قد ترتد علينا وفي اجتماع مجلس تنسيق العمليات رفضت توصياتي وانتصرت موجة الcia السائدة وأكثر من هذا أوصي مجلس وزارة الدفاع باختيار ضابطين للتوجه سرا إلى مصر لمقابلة ناصر بترتيب من الcia أما الادميرال ديفيز الذي كان يؤيدني ولكنه يعرف متى يحسن الانحناء فقد قال لي: إذا لم نقدر على هزيمتهم فدعنا ننضم إليهم ونفتح أعيينا على أموالنا وتقرر أن أكون أنا أحد الضابطين اللذين يقابلان ناصر وأن أرشح الضابط الآخر وقد وافق ديفيز على اقتراحي بتعيين الكولونيل آلن جيرهاردت الذي كان صديقا لبايرود والذي كان قد نقلني إلى وزارة الدفاع ولأن رحلتي للقاهرة تعني اشتراكي في عملية نظمتها الcia فقد بدأت برؤية بايرود وكيل الخارجية المساعد، لأسأله هل الوزارة الخارجية ج تؤيد فعلا أن يدبر رجال العمليات السرية في الcia الدبلوماسية الأمريكية في مصر؟ وعندما سألت بايرود إذا ما كان الإخوان دلاس يدبران فيما بينهما وتنفيذ السياسية الأمريكية الخارجية؟ أذكر أنه ضحك...
الشرح:
- 1- أوضح أنه كان يقود المعارضة ضد المخابرات الأمريكية في مكتب تنسيق العمليات وزارة الدفاع تبنت توصيته بإلغاء خطة الcia والدخول في مفاوضات رسمية علنية مع عبد الناصر ولكن مكتب التنسيق كان أعلم، ولذلك رفضت توصيته، وتقرر إرساله مع ضباط آخر لمصر للمفاوضة سرا مع ناصر بترتيب المخابرات الأمريكية وفي نطاق خططها، وداخل إطار نفوذها..
- 2- كانت المعارضة منتشرة لهذا الأسلوب ولا نفراد رجال السي آي أيه بتوجيه أو تنفيذ سياسية أمريكا في مصر فهو يقول صراحة لوكيل الخارجية المساعد والذي سيصبح سفيرا في مصر إن الأخوين دلاس يعملان خارج المؤسسة الشرعية أو خارج القنوات التقليدية للدبلوماسية الأمريكية وبايرود يضحك!
- وهو يقول أن بايرود كان معارضا لإسرائيل فطالب اليهود إخراجه من الوزارة ولكن دلاس مدير المخابرات وروزفلت اقتراحا تعيينه في مصر، حيث حولته المخابرات الأمريكية إلى طرطور كما يفهم من عرض كوبلاند وإيفيلاند ومصطفى أمين وبغدادي إلخ قال إيفيلاند أنه سأل لويس جونز الرجل الثاني في السفارة الأمريكية بالقاهرة عن الأحوال في سفارتنا فقال أن وضع بايرود شبه يائس وأنه يتساءل من يمثل الولايات المتحدة في مصر وفي التعامل مع عبد الناصر وهو أي السفير أم المخابرات الأمريكية؟ لأن مايلز كوبلاند كان يرى الرئيس المصري كلما حلا له، وكان يعده بكل ما فوق قدراته والطاقم الضخم للمخابرات الأمريكية في مصر يتعامل مع الحكومة المصرية على كافة المستويات تقريبا كما يتعامل مع الصحافة المصرية ذات النفوذ وقال جونز أنه كان من الأفضل ترك مفاوضات السلاح لكافري ثم بايرود لتفادي إعطاء ناصر انطباعا خاطئا بقدرة المخابرات الأمريكية؟ لأن مايلز كوبلاند كان يرى الرئيس المصري كلما حلا له، وكان يعده بكل ما فوق قدراته والطاقم الضخم للمخابرات الأمريكية في مصر يتعامل مع الحكومة المصرية على كافة المستويات تقريبا كما يتعامل مع الصحافة المصرية ذات النفوذ وقال جونز إنه كان من الأفضل ترك مفاوضات السلاح لكافري ثم بايرود، لتفادي أعطاء ناصر انطباعا خاطئا بقدرة المخابرات CIA اكتشاف حيلة لتفادي توقيع مصر لاتفاقية المعونة العسكرية
- وقد أورد كوبلاند أكثر من قصة عن إهمال وتخطي المخابرات للسفير الأمريكي بايرود لأنه كان من خارج اللعبة، ولأنه كان من منتقدي سياسة الانحياز لإسرائيل وأشهر هذه القصص المتداولة في صحافتنا والكتب العربية عندما فوجئ السفير بوجود كيرميت روزفلت في القاهرة على مأدبة عشاء عندما دخل متأبطا ذراع الرئيس عبد الناصر دون أن يكون لدى السفير الأمريكي بايرود ولا مجرد علم بوجوده في القاهرة وقد انفعل وأثار حادثة ضرب موظف بالسفارة والقصة موجودة في كتاب كوبلاند الصفحات من 161- 165 أما أيفيلاند فيضيف تعليقا صغيرا يوضح طبيعة العلاقات التي كانت سائدة بين الCIA والسفير قال وعرفت من كوبلاند أن بعض صغار الموظفين المصريين اتهموا الملحق العمالي بالسفارة بالتجسس وضربوه علقة أمام البوليس المصري الذي وقف متفرجا فسألت إيكلبرغر: هل هو من رجالك المخابرات قال لا لو كان من رجالي ربما لم يكن بايرود يستاء.
- 3- كانت الجهة صاحبة الكلمة النافذة في شئون مصر هي المخابرات ولذلك فإن الأدميرال نفسه ممثل وزارة الدفاع لم يجد ما يقول غير إذا لم تقدر عليهم فانضم إليهم وهنا نسأل بكل أدب ما السبب في أعطاء الCIA كل هذا النفوذ أو اليد المطلقة في مصر الناصرية ألا يعني ذلك أن لهم رصيدا يخولهم التحدث بهذه الثقة ويعطيهم الحق في طلب إطلاق يدهم؟
- لبسنا ثيابا مدنية، لأن ناصر كان قد تخلص لتوه من 80 ألف عسكرين ولم يكن يتحمل وجود عسكريين أجانب جدد وسافرت أنا وجير هاردت من نيويورك إلى لبنان حيث انتظرنا عدة أيام حتى تصل موافقة المخابرات الأمريكية على متابعة السفر للقاهرة وقد حاولت أن أثنى جيرهاردت عن الحديث مع ناصر عن التحالف العسكري مشيرا إلى المحاولات الفاشلة السابقة لبريطانيا لجر مصر إلى قيادة الشرق الأوسط ومنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط وقلت ناصر سيرفض أي حديث عن مبادلة السلاح بمحالفة الغرب ويجب فقط أن نناقش الأحلاف الدفاعية إذا ما أثار ناصر الموضوع وفي هذه الحالة يمكن أن نشير إلى المشاكل السياسية الموروثة في الجامعة العربية وميثاقها الدفاعي الذي من خلاله حاول العربي عبثا أن يتحدوا في مواجهة قيام إسرائيل والأفضل أن نناقش كيف تستخدم مصر الخمسة ملايين دولار المصروفة من المصروفات السرية لدعم مجلس الثورة وتحسن الأمن الداخلي ثم نستكشف مع ناثر موضوع رغبته في الحصول على ال1‚20 مليون دولار منحة سلاح التي قررتها وزارة الدفاع.
- وفي اليوم التالي عرفنا أن الرئيس نجيب اتهم في محاول لاغتيال ناصر الذي أصبحي من المتوقع الآن أن يتولى الرئاسة وخمنت أن المخابرات CIA قد احتجزتنا في بيروت لأنها كانت تتوقع اضطرابات في مصر ورغم امتناني لقيام المخابرات بوظيفتها في جمع المعلومات إلا أنني تساءلت ترى هل تآمرت الcia مع ناصر للتخلص من محمد نجيب
الشرح:
- 1- كان الجو في مصر متوترا ضد أي مظهر عسكري أمريكي أو قل ضد أي وجود عسكري غربي، وعلى أساس أن مدنيا أمريكيا لن يحس به الكثيرون فقد جاءوا في ثياب مدنية.
- 2- وصول إلى بيروت فاحتجزوا هناك بأمر الcia ومنعوا من التقدم إلى القاهرة.
- 3- في اليوم التالي كانت محاولة اغتيال عبد الناصر واتهام نجيب إلخ..
- 4- استنتج على الفور، لأنه يفكر برأسه وليس بعصا حمزة البسيوني أن الcia اتحجزتهما في بيروت لأنها كانت تتوقع اضطرابات في مصر وأحس بالامتنان والشكر لأن المخابرات الأمريكية مازالت تجمع المعلومات ومن ثم عرفت بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر قبل وقوعها وباعتبار الانفتاح الذي تحدث عنه الإخوان في أمريكا بين ناصر والمخابرات الأمريكية اشتم الرجل بحاسته المخابراتية أن سئا ما قد طبخ فتساءل هل تآمرت الcia مع ناصر للإطاحة بنجيب؟ وهذا الظن أو هذا الذي طرحه الرجل وكأنه تخمينه من ذكائه أكدت رواية خالد محيي الدين وحمروش بل وتؤكده رواية مصطفى أمين في رسالته لعبد الناصر عن قرار خبراء المخابرات الأمريكية بأن نجيب لا يصلح.
- على أية حال نطرح سؤالا أبسط من ذلك .... هل يعقل أن المخابرات التي كانت لها كل هذه الصلات مع ناصر واليت كانت تراهن عليه ضد شكوك وتشاؤم أو تربص الأجهزة الأمريكية الأخرى، هل يعقل أن تعلم بمؤامرة على حياته ولا تبلغه بها ليأخذ حذره!!
- ومن ثم هل لنا أن نقول أن عبد الناصر لم يفاجأ تماما عندما أطلقت الرصاصات إياها وهو على المنصة في ميدان المنشية؟
- في مطار القاهرة قابلنا مايلز كوبلاند بتاع محطة الcia في مصر وخلال تمريرنا في الجوازات والجمرك والحجز لنا في سميرامس كان كوبلاند يستخدم اسم عبد الناصر بلا حساب أو تكليف ومن أجل السرية انتقلنا من سميراميس إلى ممنزل كوبلاند في المعادي تحديثنا مع مايلز وجيمس إيكلبرغر عن محطة الcia في القاهرة وعلمت أن كوبلاند يعمل تحت غطاء تحت غطاء تجاري بعكس إيكلبرغر الذي يتستر تحت غطاء العمل في السفارة مايلز يمثل شركة استشارات بوز آلن هاملتون الدولية وهو الذي يتعامل باستمرار مع ناصر إلا عندما يكون كيم روزفلت في القاهرة ولمح كوبلاند إلى أن روزفلت هو الذي صنع رئيس مصر الجديد وبحث معه سياسة الولايات المتحدة أكثر مما فعل مع الشاه الذي حرص كوبلاند على تذكيرنا بأنه أنقذ بواسطة روزفلت.
الشرح:
- 1- مايلز كوبلاند وجيمس إيكلبر غر ممثلا أو مديرا محطة الcia في مصر وهذه معلومات أكدها كتاب كوبلاند ورسالة مصطفي أمين.
- 2- مايلز كوبلاند يتحدث باسم عبد الناصر في مطار القاهرة والجوازات ويرهب المصريين بصلته بالرئيس المصري.
- 3- كوبلاند هو المختص بالتعامل مع الرئيس ناصر، إلا عندما يحضر المعلم الكبير روزفلت عندئذ يقابل روزفلت أو يتعامل هو مع ناصر، والناس مقامات وهذا يختلف تماما عن الصورة التي قدمها لنا محمد حسنين هيكل عن مايلز كوبلاند فالرجل كان في تل الفترة أكثر اتصالا وأكثر قربا للزعيم المصري من هيكل.
- 4- في عنفوان مراهنة الcia على الزعامة الناصرية وفي عنفوان التعاون بين ناصر والcia وفي غرفة مغلقة ومع ممثلين لوزارة الدفاع ولمكتب تنسيق العمليات أي أعلى سلطة أمريكية في العمل السري يقول لهم مايلز كوبلاند أن روزفلت هو الذي صنع رئيس مصر الجديد.
هل يعقل أن تكون هذه مجرد كذبة لا أساس لها من اختراع كوبلاند؟
ربما ولكن ما الذي رآه إيفلاند فعلا؟
قال:
كنت أريد أن أعرف شيئا عن مقابلتنا مع ناصر فسألت كوبلاند إذا كان كيم روزفلت سيحضر ليرافقنا في المقابلة فرد على الفور لا واستمر لكي يريني حجمي الحقيقي فقال: إن وزير الخارجية يدخر روزفلت للمهام الكبيرة وسيحضر عندما تتم الموافقة على إبلاغ ناصر بالمعونة الكاملة وعضضت على لساني لكي لا أصرخ ولماذا يكون للمخابرات cia دخل في المعونة أليس هذا من عمل السفراء الأمريكان؟ وكنت لا أزال أعض على لساني عندما استمر كوبلاند قائلا إن كيم كما تعرف هو الذي رتب خلع فاروق وهو الآن قد رفع ناصر إلى مركز القيادة للبلد وبادرت بالقول بأنني لا أعرف ونحن هنا فقط لمناقشة كيف ستنفق مصر الملايين الخمسة على معدات الأمن الداخلي فرد باستهزاء آه هذه؟ أحمد حسين السفير المصري في واشنطن سيسلم قائمة بهذه الأشياء للبنتاجون.
سألت كوبلاند عن الثلاثة ملايين المخصصة من المخابرات cia وإذا ما كان سيعتمد صرفها فعلا للهدف الذي خصصت له؟ نظر إلى نظرة كأنني غير ساذج يحتاج لمن يعرفه حقائق الحياة وقال بيل هذا المبلغ اعتمد فعلا وأنا في انتظار إشارة من المالية في بيروت لكي يبعثوا لي المال لا سلمه لناصر في بيته؟ قلت وكيف كان ذلك ومكتب تنسيق العمليات لم يوافق على المبلغ إلا منذ أسبوعين قال نعم ولكن كيم وآلن دلاس يعرفان أنها قادمة وقد بعثت بالخبر لناصر لتقوية معنوياته بعد محاولة الانقلاب وعندما سألت هل هانك بايرود يعرف ذلك على أساس أنه كسفير جديد ربما يود أن يكون هو الذي ينقل الخبر لناصر رد كوبلاند أن بايرود يستطيع أن يستمر كوكيل وزارة فعلى للمنطقة بينما ناصر والمخابرات cia يقومون بالعمل نيابة عنه
ورغم أنني سمعت ما فيه الكفاية فقد سألته هل يتوقع ناصر أننا لنناقش معه منحة ال 1‚20 مليون دولار فرد كوبلاند أن ناصر سيعتبر هذا المبلغ البسيط إهانة وسيسلم لكما قائمة أسلحة بخمسين أو مائة مليون دولار وعندئذ تساءلت مع نفسي هل شجع مايلز ناصرا على أن يصدق أننا سنتنازل عن الرقم الذي حددناه وسنقبل التفاوض على زيادته؟
مهما تكن الحقيقة فقد أخبرت كوبلاند أن 5‚5 مليون من هذا ال1‚20 ستذهب لأثيوبيا وربما تأخذ باكستان الباقي وقال كوبلاند هناك وسائل أخرى للوصل إلى ميزانية وزارة الدفاع وعليك أنت وال أن تكون مستعدين للكلام في مبالغ أكبر عندما تقابلان ناصر مساء الغد.
الشرح:
1- استمر كوبلاند يتباهى بعملة معلمه في مصر فهو الذي رتب إقالة فاروق، وهو الذي رفع ناصر إلى مرتبة القيادة في مصر وربما انفعل إيفيلاند لأنه لا يعرف هذا الخبر الذي لم يعد سرا بل يذكر عرضا وبدون اهتمام وتسبقه عبارة زي ما أنت عارف فصاح: لا مش عارف!
- 2- مندوب البنتاجون أو المخابرات العسكرية غاضب لأن المخابرات cia تتدخل في أمور المساعدات العسكرية وهي من اختصاص وزارة الخارجية والدفاع.
- 3- المخابرات الأمريكية كانت تعد عبد الناصر بمبالغ كبرى كمعونة لمصر وبطرق تعفيه من سخافات ومذلة الكونغرس والخارجية والبنتاغون خاصة وأنه كما سيقول كان يستحيل عليه وقتها أن يوقع اتفاقية دفاع مع أمريكا غير التي وقعها في الأيام الأول للثورة ويستحيل عليه أكثر أن يقبل وجود مشرفين عسكريين أمريكيين في الجيش المصرية.
وموقف المخابرات cia هنا لا يخرج عن أحد الاحتمالات الآتية:
- أ- أن يكون عن قناعة فعلا بقدرة آلن وأخيه فوستر دلاس على إقناع المؤسسة الأمريكية بأهمية مصر الناصرية وبالتالي إطلاق يد أمريكا في الدفاع والدعم.
- ب- أن يكون هدف رجال المخابرات cia هو كسب الوقت بتهدئة عبد الناصر بالوعود الكاذبة.
- ت- أن يكون هناك مخطط أكبر، للصهيونية فيه حصة كبيرة، يهدف لاستفزاز الزعيم المصري عندما يكشف أنهم خدعوه وأنه عوامل معاملة غير شريفة، مما يدفعه إلى أحضان السوفيت.
- 4- الثلاثة ملايين الشهيرة لم تكن قد صرفت ولا وصلت أثناء وجود الرجل في مصر واعتمدت قبل أسبوعين فقط، وهو وصل مصر بعد محاولة اغتيال جمال عبد الناصر والحديث عن تقديم محمد نجيب للمحاكمة بتهمة التآمر ضد الثورة، مما يبطل بل يفقأ عين رواية محمد حسنيني هيكل التي حاول فيها أن ينكر تقديم المبلغ لعبد الناصر وهي الرواية التي تراجع هو عنها على أية حال...
- 5- عبد الناصر كان عنده خبر بالمبلغ قبل وصولا ولا نتشبث كثيرا بحكاية أنهم أبلغوه بذلك لتقوية معنويات بعد محاولة الانقلاب ... إلخ..
- 6- واضح تشبث المخابرات بسيطرتها في مصر وأنها لا تنوي أن تتيح فرصة للسفير الجديد بايرود لممارسة مهمته وواضح أكثر أن ناصر والسي آي أيه يعملان كتيم أو فريق واحد يعمل نيابة عن السفير الأمريكي وبكفاءة أكبر!!
قال:
عندما عدنا إلى الفندق تجنبت أن أحداث جيرهاردت بأي شيء عما قاله كوبلاند خشية أن يبرق إلى واشنطن طالبا إعفاءنا من المهمة كانت مقتنعا بقدرتنا على التعامل الجيد مع ناصر ولم أكن راغبا في تضييع هذه الفرصة فقط لو عرفت ماذا وعدته المخابرات CIA وما هو شعور ناصر الفعلي إزاء مهمة البعثة العسكرية الاستشارية..
في مساء اليوم التالي وفي الساعة المحددة، أنا وجير هاردت قابلنا مايلز كوبلاند في مدخل الفندق اليوم ومازلنا غير متأكدين من مقابلة ناصر، فقد سألت كوبلاند عن الترتيبات فقال: سنقابله في بيت واحد من الصبيان) JUNIOR
وتساءلت بدهشة صبي؟ .. من هذا بحق الجحيم . ربما عسكري مراسلة أو حتى خدام رئيس الجمهورية؟ قال كوبلاند يستحسن أن أخبرك بعض الشيء عن هذا الصبي: هو ماجور صاغ ج في الجيش وأحد الذين يتمتعون بأكبر قدر من ثقة عبد الناصر وهو مسئول كبير في البوليس السري والرجل الذي ينظم اجتماعات مع ناصر في معقل المخابرات CIA الذي سنذهب إليه واسم هذا الصبي هو مأجور صاغ ج في الجش وأحد الذين يتمتعون بأكبر قدر من ثقة عبد الناصر وهو مسئول كبير في البوليس السري والرجل الذي ينظم اجتماعاتي مع ناصر في معقل المخابرات CIA الذي سنذهب إليه واسم هذا الصبي الحقيقي هو صاغ حسن التهامي وستحبه وأضاف مايلز على أن لا تأخذه على محمل الجد كثيرا.
وعندما دخلنا الفيللا من الباب الخلفي حيانا الماجور تهامي ثم جاء ناصر وعامر :
- 1- الرواية مطابقة لوراية كوبلاند.
- 2- دور التهامي وصلته بعبد الناصر تحمل بعض الراحة لنفس الحاج هويدي الحائرة .
- 3- اللقاء كان في بيت التهامي الذي هو CIA SAFE HOUSE مقر الCIA فخبأ المخابرات الأمريكية؟
جلسنا على مائدة الطعامة وخلع ناصر جاكتته وربطة عنقه قائلا: أننا يحسن أن نفعل نفس الشيء حتى نتحدث في راحة وأخرج علبتي سجائر كنت وقدم لنا عامر قائمة السلاح.
وحكاية الجاكتات وردت في رواية كوبلاند وقد تحدث الوفد الأمريكي عن ضرورة مصاحبة السلاح الأمريكي لبعثة عسكرية وقال عبد الناصر أنه لا يمكنه الاستمرار سياسيا إذا سمح للضباط الأمريكان والجنود بأخذ مواقع على أرض مصر فقد تخلصنا لتونا من 80 ألف عسكري بعد 32 سنة من الاستقلال والاحتلالي والمحاول الأخيرة على حياته ترجعه إلى حد ما إلى الاتفاقية التي تتضمن عودة الإنجليز في ظل ظروف معينة ومقتنعا بكلامه اقترحت إرسال بعثة صغيرة في ثبات مدنية ولكن ناصر ضحك من سخافة أو سذاجة الفكرة.
وأخطأ جير هاردت فبدأ مناقشة حول الأمن الإقليمي والدفاع عن الشرق الأوسط ضد السوفيت ولدهشتي بدا أن ناصر يسحبه في الكلام ليسمع أكثر وخلال 25 دقيقة تحدث آل عن حلف الأطلنطي وحلف جنوب شرق آسيا والحاجة إلى الدفاع عن الشرق الأوسط وقد قاطعه ناصر باقتراح التوجه إلى الطعام وبعد الوجبة الشهية التي اشتهر بها مطب حسن التهامي بإجماع كل مؤرخي تاريخ الناصرية مع السي آي أيه قال ناصر وعامر الرأي المصرية المعروف بأنه لا يمكن إقناع الشعب المصري أو الشعوب العربية بالخطر الروسي والتغافل عن الخطر الإسرائيلي الدائم الساخن يوميا وقال ناصر أنه لم يرد أي عداء روسي والتغافل عن الخطر الإسرائيلي الدائم الساخن يوميا وقال ناصر أنه لم ير أي عداء روسي إلا المنظمات الدفاع التي نقيمها حول الاتحاد السوفيتي وجرت محاولة استفزازية من جانب إيفيلاند لعامر، ولكن عبد الحكيم رد عليه ردا أسكته وإن كان للأسف لم يلتزم بالحجة التي قام عليها هذا الرد.
إلا أننا نحب أن نضيف هنا نقطة توضيحية جاءت في كتاب لعبة الأمم عن هذه المقابلة: قال كان بيل إيفيلاند خلال زيارته للقاهرة مع آل جيرهاردت قد حذر عبد الناصر من أن مصر ستجد نفسها وحدها خارج حلف الشرق الأوسط ولكن لا أنا ولا ناصر ولا كافري صدقناه فلما وقعت العراق الحلف حلف بغداد طلب مني أن أتوجه مع أيكلبرغر لا بلاغ ذلك لعبد الناصر ثم تفاصيل القصة في مكانها من هذا الكتاب المهم قال عبد الناصر عبد أن سمع الخبر: أن جميع الأمريكيين الذين اتصلوا به بما فيهم كافري اقنعوه بأنهم سيتركون له الوقت الكافي لبناء منظمة عربية إقليمية غير مرتبطة علنا بالغرب ولكنها بناءة إلى درجة تمكنها من الانضمام سريعا لخطط الغرب في حالة وقوع خطر مشترك أما حسن التهامي الذي كان حاضرا فقد بدأ يفقد أعصابه ولكن ناصر هدأه وظل الاثنان جالسين صامتين حتى انصرفت أنا وإيكلبرغر.
وقال كوبلاند في نفس الصفحة أنه هو وايكلبر غر كانا ضد حلف بغداد.
وقال مشاريع الدفاع والأحلاف والترتيبات العسكرية كانت نابعة من تفكير متخلف يمثله إيزنهاور وجهازه من الرسميين من بقايا الحرب العالمية الثانية، وهو توقع غزو عسكري، كالذي شنته ألمانيا، ومن ثم فإن الدفاع ضده يقضي مواجهته باستحكامات عسكرية.
وقال كوبلاند: أن فكرة منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط كانت قد تحولت إلى خطأ تاريخي ANACHRONISM والسبب الوحيد الذي جعلها مطروحة للنقاش هو أن الوزير دلاس
زعم ذكائه لم يستطع التخلص من الفكرة.
وكما سنرى في فصل الأحلاف فإن أمريكا كلها كانت ضد حلف بغداد وليس فقط المخابرات الأمريكية التي كان لها على أية حالة فضل الريادة لأنها باعتبار طبيعة عملها هي التي تكشف وتتوقع التغييرات العالمية المقبلة، بينما تغيير السياسة الرسمية، وعلى ضوء تحليل المخابرات CIA وكانت المخابرات CIA قد توقعت التعايش أو الوفاق وأن المرحلة القادمة ستكون مرحلة المزاحمة السياسية وليس الغزو على الطريق الألمانية ومن ثم لم يكن يهمها في قليل ولا كثير مسألة الأحلاف بل كرهتها كرها شديدا وهاجمتها ببذاءة .. وبذلت جهدا كبيرا في تحطيم حلف بغداد، من ناحية لأنه كان يمثل نفوذا بريطانياي ومن ناحية أخرى لأنه كان بسبب لها مشاكل مع الأصدقاء المتعاونين وعذرا عن هذا الاستطراد السابق لا وأنه.
يقول إيفيلاند: استمع لنا ناصر بصبر ولكني أحسست، أما أنه يتوقع معجزة من المخابرات CIA أو أنه وافق على مقابلتنا بحكم الكرام العربي ليس إلا...
غادرنا المنزل وأنا أتمنى أن لا تكون الCIA قد أقنعت الرئيس بقدرتها على تلبية مطالبه دون الحاجة للتوقيع لأنه إذا كان ذلك قد حدث فإننا سنجد في مواجهتنا عربيا شديدا الغضب عندما يكتشف أنه لا كيم روزفلت ولا آلن دلاس ولا حتى فوستر دلاس يمكنه أن يغير له القوانين الأمريكية.
كما قلت أنني كنت أتمنى لو وضع حد لدور المخابرات CIA في مفاوضات المعونة العسكرية والعودة إلى الدبلوماسية التقليدية ولذا لم يكن من دواعي سروري أن أرى في اليوم التالي كوبلاند منتفخا كعادته متباهيا أمامنا بما تفعله السي آي ايه لدعم ناصر ونظامه.
ففي شقة حديثة تطل على النيل عرفنا ب فرنك كيرنز، وهو مقاتل من CIG عمل مع مايلز وقدمه لنا كمراسل ل C.B.S , وطبقا لما قاله لنا كوبلاند فهو جزء من محطة المخابرات CIA في القاهرة ويعمل تحت غطاء صحفي وكان واضحا أنه لا يهم بعمله الصحفي هذا ..
إيكلبر غرا أيضا حاضرا وقال كوبلاند أنه انضم إلى CIA من وكالة والتر تومبسون للإعلان وإيكلبر غر يعلم الآن رجل الفكر ومهمته هي اكتشاف الوسائل التي تزيد شبية حكومة ناصر في مصر والعالم العربي وأضاف كوبلاند أن الCIA توجه المصريين في ميداني الصحافة والإذاعة وقد أحضرت عددا من الألمان لتدريب المصريين بما فيهم أوتوسكوروزني الشهير الذي أنقذ موسوليني ولكن الألمان كانوا متجاهلين ولا يدفع لهم كفاية ولذلك كانوا مستائين ويريدون الانصراف.
ومتعطشا لإخبارنا بالمزيد، وصف لنا كوبلاند المعدات الإذاعية الجديدة التي تقيمها المخابرات CIA في مصر والتي ستكون كما قال أقوى إذاعة في الشرق الأوسط وكان يقصد صوت العرب الذي عمل حقا بنجاح رائع حتى أننا وجدنا أنفسنا في النهاية مضطرين إلى تمويل محطات في بلاد أخرى لمواجهة هديتنا لمصر التي انقلبت ضد مصالحنا كان واضحا أن المخابرات الأمريكية قد بدأت عملية جبارة في مصر ربما أكبر واحدة من نوعها منذ إنشاء المخابرات CIA وكنت على يقين أن الحكام المحافظين في العراق والأردن ولبنان والسعودية والسودان لن يسعدهم ذلك.
ويبدو أنه لا نهاية للمفاجأت التي يمكن أن يقدمها كوبلاند وما أزعجني حقا هو صغر سن وطيش الأشخاص الذي كان واضحا أن يدهم قد أطلقت في العمل لم يكن هناك وجه للشبه بين ما رأيته في مصر وتعلمته في واشنطن عن كيفية رسم وتنفيذ حكومتنا لسياستنا الخارجية كان ما رأيته في مصر مثيرا للرعب حقا وتعجبت كيف يتماشى سفير من الجيل القديم مثل كافري مع هذا وعندما تحدثت في تلك الليلة مع نائب كافري في السفارة وهو دبلوماسي ممتاز، أعرفه من واشنطن سألني إذا كنت قد رأيت عملية أيكلبرغر كوبلاند؟ ومن لجهة سؤاله تأكدت أنه يرى مناورات المخابرات الأمريكية مغامرة خطرة كما رأيتها نتوقف قليلا فالجرعة كبيرة حقا.
- 1- ظن أن الرجل قد رد على نفسه عندما نفي أن يقدم كافري على التآمر على فاروق فها هو يشهد بأن كافري يتعاون ويتماشى مع نشاط السي آي أيه وأن تعجب من فعله.
- 2- استمر المؤلف في نقد تدخل المخابرات CIA في تحديد وتنفيذ السياسة الأمريكية وكرر خشيته من وعود ال CIA التي أشرنا إليها والتي أدت فعلا لإغضاب عبد الناصر عندما لم تتحقق.
- 3- قال له كوبلاند أن المخابرات CIA توجه الصحافة والإذاعة المصريةي وهناك خبير مقيم أشار إليه مصطفى أمين وهيكل هو إيكلبر غر مهمته أكتشاف وسائل تدعيم زعامة عبد الناصر وإن المخابرات CIA هي التي قدمت المعدات الفنية لإذاعة صوت العرب الذي ستصبح أكبر قوة مقاتلة في تصفية الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وإمجاد يا عرب كوبلاند أمجاد!!
- 4- وفقا لقانون اللعبة، كما حددها كوبلاند فقد كان من الطبيعي أن يهاجم صوت العرب أمريكا وأن تقوم أمريكا بتزويد بعض البلاد العربية بإذاعات أخرى لمواجهة صوت العرب وبصرف النظر عن أية نتائج أخرى فإن مجرد انشغال الدول العربية بحرب الإذاعات فيما بينها، لا يضر أمريكا بأية حال...
- 5- اقتنع إيفلاند بما رأى وسمع ولمس في مصر، أن المخابرات الأمريكية تقوم بأضخم عملية في تاريخها منذ إنشائها وهي لا يمكن أن تكون عملية تجسس طبعا، وإلا لما تخوف من نتائجها ولا تخوف عليهم وأي اطمئنان على جاسوس أمريكي أكثر من رؤيته يخلع جاكتته أمام رئيس الدولة، ويتعشى معه، ويناديه جمال وهو ما لم يحظ به أمين هويدي في حياته.
ما لاحظه وجزع منه مندوب البتاغون هو عملية إدارة مصر التي كانت تقوم بها المخابرات الأمريكية تاريخ الزيارة هو أكتوبر 1954 وحق له أن يتخوف فقد كانت الأولى من نوعها في تاريخ أمريكا والثانية في التاريخ كله منذ أن نظمت المخابرات البريطانية في 1916 ثورة الشريف حسين وسمتها الثورة العربية الكبرى وجاء الأمريكان بالثورة العربية الأكبر وقد شارك إيفلاند مخاوفه الرجل الثاني في السفارة بأنها مغامرة خطرة إنها عملية من نوع خاص خارج نطاق أعمال المخابرات المعتادة كوبلاند ينظم ويسجل اجتماعات ناصر بالأمريكيين الرسميين والمخابرات تبني للثورة محطة إذاعة تضمن وصول الوعي الثوري إلى أقصى أرجاء الوطن العربي، وطاقم المخابرات يوجه الصحافة المصرية والإخوان على المشانق والشيوعيون مضربون عن الطعام في سجن القناطر ومن المحيط الغادر إلى الخليجي الفاجر لبيك يا عبد القادر
قال إيفيلاند:
- وفي اليوم التالي أبلغنا كوبلاند أنه لا ضرورة لاجتماعات أخرى من ناصر كوبلاند هو الذي أبلغهم ج فالمطلوبات أرسلت للسفير أحمد حسين في واشنطن وسيتبعها طاقم من الضباط المصريين خلال أسبوع لمناقشة التفاصيل مع الفنيين وسألته هل غير ناصر رأيه في مسألة قبول المستشارين العسكريين رد مايلز: لقد أخطأتم بمناقشة ذلك أمام عبد الحكيم عامر لأن الفتي حسن تهامي ج هو الرجل الذي سيبعثه ناصر إلى واشنطن للحديث عن البعثة العسكرية وكيف يمكن معالجة هذا الموضوع بطريقة أهدأ سألت هل يعني هذا أن ناصر لا يزال مهتما رد كوبلاند بكل تأكيد.
لم يسألنا كافري ولم نتطوع بإخباره عن مقابلتنا مع ناصر ولو كنا نثرثر أو نتباهى لاعتبرنا مثل كوبلاند ورجال ال cia واعتقد أن تقاعده القريب هو الذي جعله يتغاضى عن أعمالهم.
- 1- الرجل كما هو واضح مفتون بكافري يتلمس براءته بالشبهات فلا يسعفه الخط وأخيرا وصل لتفسير أنه ضاربها صارمة باعتباره رايح أو تارك العمل الدبلوماسي قريبا ويا رايح كتر من المخابرات cia .
- 2- وواضح أنه حاقد على كوبلاند لأسباب عديدة، منها أن كوبلاند أحبط مهمته في مصر وألغى موعده مع عبد الناصر مع أن عبد الناصر قال لهي بكرة نتكلم في اتفاقية الدفاع المشترك ولكن ها هو كوبلاند يصفعه: لا داعي للاجتماع مرة أخرى مع ناصر. وبالطبع وصلت التقارير إلى واشنطن بأن ناصر رفض أن يقابلهم مرة ثانية وهذا دليل فشل أو سوء انطباع المقابلة الأولى.
- 3- ربما يكون كوبلاند ثرثارا وربما يكون متباهيا أو حتى مستمتعا بإغاظة منافسيهم من الأجهزة الامريكية الأخرى ولكن هذا يجعله متهما بإفشاء أسرار وحقائق ولا يمكن أن يعطي معلومات بمثل هذه الخطورة لممثلين رسميين لوزارة الدفاع وجهازين على الأقل من أجهزة المعلومات والتجسس لا يعقل أن يقول لهم كذبا نحن نوجه الصحافة المصرية وهو يعرف أن هذا الكلام سيثبت في تقاريرهم الرسمية، ويستخدم ضدهم عندما تدور المناقشات حول الدور الذي تلعبه الصحافة والإذاعة الناصرية..
لا يمكن أن يكون ذلك محض اختلاق وكذب ثم نسأل أنفسنا ما هي الصحافة ذات النفوذ وقتها ومن كل يسيطر عليها؟ مصطفى أمين وهيكل وليس فيها من يصل إلى مرتبة زوجة قيصر ولا حتى عشيقته وقد جاء في اعترافات مصطفى أمين أن رجال المخابرات الأمريكية كانوا شبه مقيمين في أخبار اليومي وفي مكتب هيكل أو مكتبه هو معظم الوقت.
ويختم إيفيلاند ملاحظاته في القاهرة قائلا: بالنسبة للأسلحة التي تطلبها مصر لمواجهة هجمات إسرائيل المتصاعدة ضد المدنيين المصريين والمنشآت والتشكيلات العسكرية المصرية في غزه وسيناء فأنا واثق أن الموساد المخابرات الإسرائيلية كانت على علم تام بمهمتنا في مصر ونظمت عن طريق اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وقف المتجة على أية حال كنت واثقا أن الcia أقل قدرة وأقل تأهيلا من وزارة الخارجية لتحديد احتياجات الجيوش الأجنبية للمعدات العسكرية.
هل يمكن أن نخترق قشرة الصراع الغبي للأجهزة الأمريكية لنتساءل بدورنا هل الموساد اكتفت بتحريض اللوبي الصهيوني لإفشاء أضخم محاولة تحالف عربي أمريكي أم أنها وهي التي اعترف المؤلف إيفيلاند نفسه بتداخلها مع المخابرات الأمريكية دفعت الموقف من الجانب الأخرى باستفزاز عبد الناصر ضد الولايات المتحدة وإغرائه بالاتجاه للاتحاد السوفياتي وما هو الدور الذي لعبه أصدقاء ناصر من موظفي محطة المخابرات cia في القاهرة وصداقة عبد الناصر مع المخابرات cia في هذا الشأن؟
سؤال...
والرجل يشهد بوجود تلاعب في واشنطن أدي إلى قطع المعونة عن مصر قال إنه بعدما سافر من مصر نسي الأمر تماما إلى أن مر علي تقرير دوري في مكتب تنسيق العمليات يقول أن مصر كان مخصصا لها 35 مليون دولار منحة عسكرية وليس 1‚20 مليون فقط وإن هذا المبلغ قد ألغى لأن ناصر رفض توقيع اتفاقية المعونة العسكرية مع الولايات المتحدة وصحت دهشا: هل هذا إشارة إلى تقريري؟ وبغض شديد رحت أبحث عبثا عن نسخة من التقرير الذي أعددته وقدمته ليوقع عليه جير هاردت زميله في رحلة مصر وإلا على منه رتبة ج فلم أجد له أثرا ولا إشارة إلى تقريري؟ وبغضب شديد رحت أبحث عبثا عن نسخة من التقرير الذي أعددته وقدمته ليوقع عليه جبرهاردت زميله في رحلة مصر والأعلى منه رتبه ج فلم أجد له أثرا ولا إشارة لا في ملفات الخارجية ولا الدفاع ولا مكتب التنسيق اختفى ثم يأتي مكتب الشئون المصرية في وزارة الخارجية الذي تمني لي الفشل في مهمتنا وينسب رسميا لنصار رفضه عرض بعثتنا بل ويجعله مبلغا أكبر مما كنا نعلم وقد حاولت في سنة 1978 بموجب قانون حرية المعلومات أن أحصل من وزارة الخارجية والدفاع على وثائق عن بعثتنا إلى القاهرة وعندما تأكدت أن تقريري لم يسجل قط في ملفات وزارة الدفاع وربما لن يعرف أبدا من الذي استخدم رحتلي للقاهرة لمنع المعونة العسكرية عن مصر لقد فسروا لي لماذا لم يأخذوا بنصيحتي عن إيران ولكن بالنسبة لمصر أبقوني في ظلام دامس.
وأخيرا فقد طلبت بريطانيا في عام 1956 وضع حد للعبة الأمم في الشرق الأوسط وشكلت لجنة مشتركة من الأمريكيين والإنجليز لتمهيد لاجتماع قمة بين إيزنيهاور وإيدن وكان المندوب البريطاني فيها هو وكيل وزارة الخارجية البريطانية إيفيلين شوكبرغ وحسب النظام البريطاني فإن هذا الوكيل يكون عادة أهم من الوزير وأكثر إطلاعا على أسرار السياسة من الوزير الذي يتغير بتغير الحكومة وكان الوكيل يطلب قلب نظام الحكم في سوريا وضمها للعراق تمهيدا لقلب عبد الناصر وبالطبع كان الأمريكان يسخرون منه كما سنرى في مكان آخر ولكن نورد هنا هذه القصة قال إيفيلاند مؤلف كتاب حبال الرمال والذي كان يتولى التنسيق مع المندوب البريطاني أنه على الطائرة قال لوكيل الخارجية البريطانية إيفيلين شوكبرغ أنني قلت من محاولة العراق الاستيلاء على سوريا عبر انقلاب أو بالوقة فرد على شوكبرغ غاضبا أظن أنك تفضل أن يستولي على سوريا ناصر بتاع السي آي أيه وهذا هو النص الأمريكي:
Perhaps you ’d prefer to have the cia’s Nasser in control of Syria instead? أظن أن وكيل وزارة الخارجية البريطانية لا يمكن أن يقول هذه الصفة عن رئيس أكبر دولة عربية وفي حديث على الطائرة مع ممثل الولايات المتحدة الأمريكية بدون أي أساس؟ ومرة أخرى هذا لا يعني أن عبد الناصر كان مجندا في المخابرات cia وله بطاقة ويقض مرتبا كما كان بعض العملاء يروجون في الستينات..
وعلى أية حالة لقد اسقط في يد المؤلف في النهاية فقبل الحقيقة المسلم بها داخل جميع الأجهزة الأمريكية وقتها فقال بالحرف الواحد:
وعندما اعتصر الكونغرس آلن دلاس في سؤاله حول أسباب فشل الcia في التنبوءبانقلاب العراق وكيف استطاع ناصر الاستفادة من الثورة اللبنانية وإخصاء مشروع إيزنهاور ولأن دلاسلم يكن راغبا في نقده سياسة أخيه، كما لو يكن راغبا في الاعتراف بأن المخابرات الأمريكية ساعدت على فرض عبد الناصر كرمز للقومية العربية فإنه لم يتردد في نسبة مشاكل الشرق الأوسط لروسيا وتعهد بأن تبذل الوكالة المخابرات كل جهد في طاقته لحصر انتشار النفوذ الشيوعي.
That the cia had helbed to establish Nasser as a symbol of arab nationalism وقال عن إيكلبرغر ولأن جيم إيكلبر غر كان أحد المجموعة clique التي تفتخر بأنها اخترعت ناصر invent المؤيد للغرب فإنني لم أدهش عندما قال لي أنه ما من دليل على الإطلاق على أن الرئيس المصري عميل للسوفيتي إلا أنني لم أقدر على معارضته عندما قال إيكلبرغر أننا نحتاج مع ذلك لمعارضة سياسات ناصر علنا ويجب علينا مواجهة أعماله بطرية تترك مجالا للمناورة معه عندما يكتشف في النهاية أن الدب الروسي يمكن أن يعصره بين أحضانه
وقال:
كانت الصحافة البريطانية تتهمنا الأمريكان ج بأننا أدرنا ظهرنا لحلفائنا البريطانيين ونتضامن مع عملاءنا المصريين والسعوديين الذين تعاهدوا على إخراج بريطانيا من الشرق الأوسط.
وقال: في مطار القاهرة قابلني شارلس كريمانز الذي عملت معه لما كان في المخابرات cia في وظيفة كبير محللي الشرق الأوسط في المجلس الوطني للتقديرات قال كريمانس أن قرار فوستر دلاس غير المناسب بإرسال جورج آلن قد أغضب ناصر الذي خمن إنذار وأن المخابرات cia تحاول الآن عبثا تهدئته.
ولما قال لي كريمانزانه يتعامل مع وزير الداخليةي المصري وأنه كثيرا ما يرى ناصر نفسه سألته مازحا إذا ما كان يعلمها كيف يسيطران على العالم العربي فوجئت به يرد علي بجدية تفوق ما كنت أتوقع إذ قال إن هذه كانت فعلا خطة المخابرات cia الأصلية ولكن الوكالة cia تحول الآن توجيه مصر إلى ميادين مطابقة لأهداف الولايات المتحدة وفكرت في نفسي: هذا هو واحد من أهم المحللين في المخابرات cia وأستاذ جامعي سابق في القاهرة، والآن يشغل نفسه بالعمل السري السياسي بدلا من جمع المعلومات حول ما هي أهداف ناصر الحقيقية.
هذه أقوال شاهد النفي وأظن أن أية محكمة في العالم حتى ولو كانت محكمة الدجوي ستكتفي به كشاهد إثبات.
مصطفى أمين يتذكر...!!
وأمامنا الآن شاهد من نوع خاص ملئ السمع والبصر يحتاج المرء إلى كل وطنيته وموضوعيته ليحاكمه ويدينه ولو كان هذا الحديث يكتب منذ ثلاثين سنة أو أكثر لما تردد القلم لحظة واحدة ولا أحسست إلا بالفرحة والنشوة وأنا أشرح جثة مصطفى أمين السياسي ولكن السنوات لعبت بنا جميعا، وقامت بيننا علاقات يمكن بكثير من التجاوز وصفها بالإنسانية أو الاجتماعية وأصبح يحز في القلب أن توجه إليه تهمة الخيانة والعمالة خاصة وأن الرجل نسيج وحده كفاءة نادرة وجلد على العمل لا مثيل هل في تاريخ الصحافة أو الكتابة ثم كانت حادثة سجنه بتهمة العمل للمخابرات الأمريكية وهو ما يتفق الجميع على وصفه بالغدر لأنه كما قلنا يومها، أن الثورة التي لم تعتقل مصطفى أمين في 23 يوليو 1952 لا يمكن تبرير موقفها منه في 1965 وبعدما كان في قلب تحركها السياسي لأكثر من عشر سنوات..
ثم إن الرجل قد بلغ من العمر عتيا وهو متعدد المواقف والنشاطات واشتهر بالدفاع عن الديمقراطية حتى أصبح نما شعبيا وخاصة في تحدي السلطة منذ أواخر عصر السادات وإن كانت هذه أيضا محل تساؤل إلا أن الرجل أحد القلائل الذين أنزلوا بمصر ضررا فادحا منذ أن تألق في سماء الصحافة المصرية ولو مات أو متنا قبل أن نعرف علاقته بالمخابرات الأمريكية لصار غصة في حلوقنا فقد كان نجاحه على الرغم من الإرادة الوطنية المصرية وبدفع أمريكي كما جاء في اعترافاته وقبل يوليو 1952 كان الشارع السياسي مجمعا على خانته وتآمره على الحركة الوطنية وكان كيده للوفد لحساب السراي علما يتفق ومصالح الإنجليز والرجعية المصرية وضد التطلع الشعبي فلما قرر الأمريكان الإطاحة بالملك أسف في التشنيع عليه وخاصة بفضيحة أمه وأخته في أمريكا والتي يمكن أن نفهمها الآن، ولو متأخرا جدا على ضوء ما عرفناه عن تآمر المخابرات الأمريكية ضد الملك فاروق فأغلب الظن أنها دبرت هذه الفضيحة وأغوت أخت الملك وأمه ثم أطلقت عليهما الصحافة وقد لقيتا في النهاية المصير التعس الذي يلقاه كل من يقع في شراك تلك الأجهزة التي لا تعرف الوفاء ولا الضمير غير أن سخط الناس واحتقارهم فاق كل حد عندما انهالت أخبار اليوم على سيرة وسمعة وتاريخ الملك فاروق نفسه بعد الثورة لا حبا في الملك بل لما في الموقف من خسة ونذالة من كاتب هو أول من مجد الملك وأكثر من أكل على مائدته ومصطفى أمين هو الذي قاد المعركة الإعلامية ضد الأحزاب وضد الديمقراطية وضد الدستور وهو الذي دس الأخبار الملفقة التي مكنت الديكتاتورية من البطش بالأحزاب ثم بمحمد نجيب وهو الذي صنع أسطورة الزعيم وشن الحملات البذيئة ضد ملوك ورؤساء العرب.
ومصطفي أمين كما تكشف الوثائق اليوم كتب وتعامل مع السفارة البريطانية وتوجه إلى تلك السفارة يوم حرق القاهرة يدبر لهم مع القصر إقالة حكومة الوفد وهو الذي كان حربا على الحركة الوطنية في فترة إلغاء المعاهدة حتى كادت الجماهير أن تحرق أخبر اليوم لولا استعانته ببعض العمل المأجورين والذين كان يدفع لهم بسخاء من الموارد الخفية التي اعترف بها في رسالته لعبد الناصر والتي كانت تتدفق عليه بسبب علاقته بالمخابرات الأمريكية.
ومهما يكن رثاؤنا للرجل فلا مجال للقسوة عليه لأن ما جناه ضد وطنه يجعل أية عقوبة أقل مما يستحق.
اعتقل مصطفى أمين في 1965 عندما وصلت العلاقات الناصرية الأمريكية إلى الصفر ونال مصطفى أمين جزاء سنمار أو صدق فيه الحديث الشريف: من أعان ظالما على ظلمه سلطه الله عليه فأممت داره الصحفية وعزل من رئاسة تحريرها بل ومنع من الكتابة فيها وراجع مقالاته غلمان الحركة الشيوعية المنحلة وأحس أن الأرض ملغومة وأنه قد يكون الكلب الذي يذبح لإرهاب القرد فترامى على المندوب الأمريكي للمخابرات يطلب مساعدته على الخروج وتهريب أمواله ويلح عليه في طلب المزيد من الضغط الأمريكي لإرجاع ناصر إلى صوابه.
وكان عبد الناصر قد ضاق ذرعا باللعبة مع الأمريكان وتدهورت أسهمه في بورصة الحرب الباردة وصراع النفوذ فقبض الأمريكان يدهم واستبد به الروس وحز في نفسه تصرف مصفى أمين ونسي ما فعله مصطفى أمين من أجله وما فعله هو بمصطفى أمين فأمر باعتقاله بتهمه التجسس ولم يكن تنفيذ ذلك بالأمر الصعب.
وفي التحقيق أو السجن كتب مصطفى الناصر بضمير الغائب مما يؤكد رأينا في أن الرسالة تعرضت لرقابة ما وأنها تجميع بين اعترافات في محضر التحقيق ورسالة استعطاف لعبد الناصر وجهة ما قد تكون المخابرات العامة أو أقرباء عبد الناصر أعطوا الرسالة لصحفي ناصري الذي نشرها في جريدة العرب بالمقدمة التالية:
وقد كتب مصطفى أمين اعترافا تفصيليا في مذكرة طويلة أرسلها إلى جمال عبد الناصر ولا يمكن أن يدعي أنه كتبها تحت ضغط لأنها تحمل تاريخ حياته، وقصة ارتباطه بالمخابرات الأمريكية التي بدأت قبل الثورة بسنوات وفيها يحكي كثيرا من التفاصيل حول الذين جندهم للعمل معه من المحررين بعلمهم أو بدون علمهم ويعدد المكاسب التي حصل عليها من المخابرات الأمريكية.
ونحن نوافق على هذا حرفيا ولا نتصور كذب مصطفى أمين على عبد الناصر في مثل هذه الرسالة وفي وقائع يعلمها عبد الناصر.
ونزيد أن عمالة أو ارتباط مصطفى أمين بالقوى الأجنبية كان حقيقة معروفة وشائعة ومقررة في مصر منذ ظهور أخبار اليوم وكان باعة الجرائد ينادون على صحيفة أخبار اليوم أقرأ جريدة السفارة البريطانية أو الأمريكية وقلنا أن رجال الثورة لم يعتقلوا من الصحفيين في الساعات الأولى إلا مصطفى أمين كما هو ثابت من نص الرسالة التي اتفقنا جميعا على قبولها بلا تحفظ أصبح مستشار عبد الناصر ومحل ثقته والصحفي الأول في مصر إلى أن نازعه مكانته تلميذه والذي كان بلا تاريخ وطني بل تحيط به شبهة أكدتها التقارير والمذكرات فيما بعد؟
لماذا اختار عبد الناصر مصطفى أمين وأخبار اليوم من دون الصحافة المصرية كلها ليجعلها صحيفة الثورة .
لماذا أعطى عبد الناصر الثقة مدة 13 سنة لجاسوس معروف للأمريكان؟ هذا سؤال لم يطرحه الذين سعدوا بالرسالة نكاية في مصطفى أمين فقتلوا الذبابة ولكن على جمجمة الزعيم.
وهذا بعض ما جاء في الرسالة الوثيقة مما يتصل بموضعنا:
وأحب يا سيادة الرئيس أن أروي لكم بأمانة كيف بدأت علاقتي بالأمريكيين ففي سنة 1935 عين والدي وزيرا مفوضا في واشنطن وسافرت معه وأقمت في السفارة المصرية بواشنطن وكنت أرغب في أن أدخل كلية لدراسة الصحافة.
وبعد عودتي من أمريكا واشتغالي بالصحافة التقيت بالكثير من أصدقائي الأمريكيين وفي تلك الفترة التقيت بارشي روزفلت وكيم روزفلت وكان روزفلت يؤلف كتاب عن النفط في الشرق الأوسط وكنا نلتقي باستمرار مع هؤلاء جميعا وكنا نتحدث في شئون الحرب وشئون الشرق الأوسط والتقيت في ذلك الوقت بالسفير الأمريكي بالقاهرة وكان يدعوني باستمرار للغداء والعشاء معه، وكان له عدة بيوت في القاهرة وكان لا يهمه أمر مصر إطلاقا وفي أثناء ذلك أمكنني أن أعرف منهم عدة أخبار هامة أفادتني صحفيا واستمر علاقتي واتصالاتي بالسفارة الأمريكية بالقاهرة وموظفيها وحدث في سنة 1947 أن طلب مني المرحوم النقراشي باشا رئيس الوزراء أن أكون واسطة الاتصال بينه وبين الأمريكان.
ثم تولى مستر تلك منصب سفير أمريكا وكانت علاقتي به قوية جدا وكنت أقابله باستمرار وفي تلك الأيام تغيرت سياسة أمريكا وأصبحت لها سياسة مستقلة في المنطقة بعد أن كانت تعتمد على أن تكون ذيلا لبريطانيا في المنطقة وكثيرا ما نقدت قبل ذلك سياسة الأمريكان في أنهم يتلقون تعليماتهم من السفير البريطاني في القاهرة وكانوا أشبه بالمنومين الأمريكان في أ،هم يتلقون تعليماتهم من السفير البريطاني في القاهرة وكانوا أشبه المنومين مغناطيسيا لا يصدقون إلا ما يقوله لهم الإنجليز.
ثم حدث بعد ذلك أن توثقت علاقتي بمستر كافيري السفير الأمريكي الجديد وكنت أقابله باستمرار وكان قتنعا برأي بأن مصلحة أمريكا هي مصلحة الشعوب العربية في الوقت نفسه وهي أن تؤيد أمريكا خروج المنطقة من النفوذ البريطاني وكان يكره الإنجليز كراهية شديدة وعندما يسمعني انتقد تصرفات الإنجليز في المنطقة يهتز طربا وكان يسمع قطعة موسيقية لكنه يعطف على الملك فاروق وكان الملك قد وثق علاقته به وكان يفهمه أنه يستشيره في كل المواضيع وأنه يأخذ رأيه قبل أن يفعل أي شيء.
ولما تولى نجيب الهلالي الحكم عرفت أن الملك فاروق أخذ رشوة مليون جنيه من أحمد عبود باشا ليقيل نجيب الهلالي من الوزارة وأخبرت كافري بذلك فلم يصدق ثم تحرى الخبر بطريقته الخاصة وتأكد أنه صحيح ثم زار كافري نجيب الهلالي وقال له أنه تأكد أن الملك قبض فعلا مليون جنيه ليقيل الهلالي من رياسة الوزارة وعندما استقال نجي الهلالي راح يصرح للناس بحكاية رشوة المليون جنيه وهذا الموقف هو الذي جعل كافري يغير رأيه في الملك ويرى أن بقاءه على العرش كارثة.
ما غلطناش!!!
- 1- المنطقة في دائرة النفوذ البريطاني والأمريكان موافقون على ذلك ولهم اتصالاتهم بمصطفى أمين.
- 2- الأمريكان خلال الحرب العالمية وما بعدها بدأوا يعملون لوراثة الإمبراطورية البريطانية واختفى الطاقم المتتلمذ على بريطانيا ظهر الطاقم الذي يكره بريطانيا كرها شديدا ومنهم السفير كافري صديق مصطفى أمين الذي هو صديق كيرميت روزفلت كما نرى من عام 1944.
- 3- كافري علاقته قوية بالملك وفاروق يثق فيه ثقة مطلقة.
- 4- في وزارة الهلالي أي مارس 1952 نفض كافري يده من الملك وقرر أن بقاءه على العرش كارثة كارثة لمن؟ ولماذا هذا الاهتمام البالغ بمصر وكوارثها من السفير الأمريكي؟ وما هذا البساط الأحمدي بين صحفي مصري والسفير الأمريكي؟؟ وما العلاقة بين رأي السفير الأمريكي في العرش ومن يبقى على العرش بحملات أخبار اليوم ضد الملك والفساد والوفد ثم بما جرى للعرش بعد ذلك ومن محاسن الصدف أن يستمر كافري ومصطفى أمين على علاقة ممتازة بمن خلع الملك وورث العرش ومنع الكارثة!!
قال مصطفي أمين لعبد الناصر.
وأذكر لسيادتكم أنني التقيت بمستر كيم ومستر أرشي روزفلت في عام 1944 وذلك في مكتبي في مجلة الاثنين التي كنت أرأس تحريرها والذي قدمني لهما هو الدكتور فؤاد صروف عميد الجامعة الأمريكية في ذلك الوقت وجرى الحديث في ذلك اليوم عن أن كيم يؤلف كتابا عن منطقة الشرق الأوسط والبترول العربي وأنه سيستغرق عدة سنوات لإعداد هذا الكتاب.
وقد سألني خلال هذا الحديث عن رأي في سياسة أمريكا في المنطقة فقلت له إن أمريكا لا سياسة لها وإنها تسير في ركاب الإنجليز ضد الشعب المصري.
وكان كيم وقتها يرتدي ملابسه العسكرية كضابط في الجيش الأمريكي ولا أذكر رتبته ولم يتكلم أرشيلد في أثناء مناقشتي مع كيم يرتدي أيضا ملابس عسكرية كضابط للجيش الأمريكي.
وكان هذا سنة 1944 ولم يحدث بعد ذلك أن تقابلت مع أحدهما أو مندوب عنهما كما لم يحدث في خلال هذه المقابلة أي اتفاقات أو ارتباطات بمواعيد لاحقة ثم حدث أن أقام مستر كافري مأدبة عشاء أو غداء لا أذكر وكان ذلك بعد سنة 1950 فتقدم لي خلال هذه الدعوة كيم ويده في يد مستر كافري السفير الأمريكي وكان في هذا الوقت شخصا مدنيا وسألني كيم إذا كنت أذكره وكنت في ذلك الوقت صاحب جريدة أخبار اليوم ومجلة آخر ساعة وكنا نهاجم سياسة الوفد والنحاس فأجبته أنني أذكره وأن شكله لم يتغير وتحدثنا على ما أذكر في استنكار سياسة أخبار اليوم بمهاجمة النحاس وأن هذا يضر الموقف الدولي ولا يساعد على مقاومة الشيوعية في المنطقة.
فقلت له أن الفساد هو الذي يؤدي إلى نشر الشيوعية وأننا نحارب الفساد وانتهت هذه المقابلة أيضا دون ارتباط ولكني أذكر هنا أنني شعرت بأهمية غير العادية بالطريقة التي كان يمسك بها يد السفير وكان كافري مشهورا بالعجرفة والرسمية
وبعد تشكيل وزارة علي ماهر بعد حريق القاهرة في 16 يناير 1952 كنت موجودا عند رئيس الوزراء في ذلك الوقت ودخل السكرتير يعلن وصول مستشار الرئيس إيزنهاور وقد بدا على علي ماهر الاهتمام بالضيف الكبير وطلب مني الانتظار في غرفة السكرتير حتى ينتهي زيارة هذا الشخص فإذا به كيم روزفلت ولكني لم أحضر المقابلة وعلمت بعد ذلك من رئيس الوزراء أنه كان يتحدث في موضوع استئناف المفاوضات مع انجلترا وكان هذا أول اتجاه أمريكا للتدخل في سياسة مصر.
وذهبت بعد ذلك إلى إحدى الحفلات ووجدت أن كيم موجود فيها فتوجهت إليه بعد أن عرفتي من على ماهر أهمية وتحدثت إليه من مقابلة رئيس الوزراء وقد ذكر لي أن أمريكا مهتمة باستئناف المفاوضات التي انقطعت بين مصر وبريطانيا وأن لندن مستعدة أن تذهب إلى نصف الطريق وانتهت المقابلة.
وكان كيم قد حضر إلى مصر في هذه المرة في مهمة قصيرة لا تزيد عن يومين ثم قامت الثورة في 23 يوليو 1952 وحضر كيم إلى القاهرة أيضا في مهمة الاتصال بقادة الثورة ولم أقابله هذه المرة ولكن عرفت بحضوره من بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة.
وزاد تردده على القاهرة بعد ذلك في مهام قصيرة وقد قابلته في أغلب المرات والحقيقة أنني كنت أسعى إلى لقاءه عندما أعلم بحضوره وكنت اجتمع في حضور الأستاذ محمد حسنين هيكل وكنا نتغدى معا في بيتي وقد توطدت علاقتنا وكانت مناقشتنا تدور حول المشاكل التي تدور في الأذهان وجرى حديث أيضا عن محمد نجيب ورأينا أنه لا يصلح وكانت هذه المرحلة خلال الفترة سنة 1953، 1954 .
وكان كيم روزفلت على اتصال وثيق بالثورة وكان يقوم بنشاط واسع في هذا المجال لدرجة أنه كان في ذلك الوقت صاحب أقوى نفوذ بين الأمريكيين في مصر بما فيهم السفير الأمريكي.
ثبتت الرؤيا!!
- 1- كريم روزفلت جاء إلى مصر قبل الثورة مرتين على الأقل مرة بعد 1950 وأرجع إلى ما قاله إيفيلاند عن تجنيد الصحفيين المصريين البارزين الثلاثة ومرة بعد حريق القاهرة وقد جاء في المرة التالية بغطاء كبير ومهم يستوجب الثقة وهو ما حدث إذ تلقاه علي ماهر باحترام وأخرج مصطفى أمين من الغرفة وهو لا يدري أنه صديق قديم لمصطفى أمين من 8 سنوات على الأقل كما حاز ثقة الملك فاستسلم لمشروعه الوهمي عن الثورة البيضاء كما حاز ثقة المجموعة الناصرية في تنظيم الضباط الأحرار كيف لا وهو مستشار أيزنهاور؟
- 2- أما حكاية أنه أقام في مصر يومين فأما أنها معلومات مصطفى أمين أو تنقيح من الجهاز الذي سرب هذه الرسالة للنشر للنيل من مصطفى أمين والثابت من الرواية الأخرى أن كيم روزفلت أقام في مصر من فبراير إلى مايو 1952.
- 3- اجتمع روزفلت ومصطفي أمين ومحمد حسنين هيكل في أغلب المرات التي زار فيها كيرميت مصر بعد الثورة.
- 4- اتفق رأي كيرميت روزفلت ممثل المخابرات الأمريكية ومصطفي أمين وهيكل ممثلا ؟ على أن محمد نجيب لا يصلح محمد نجيب يوك! محمد نجيب no good من هو كيرميت روزفلت ليقرر صلاحية رؤساء مصر الثورة؟
هل من جواب عند الثوريين؟
- - كان كيم على اتصال وثيق بالثورة.
- - وكان يقوم بنشاط واسع في هذا المجال.
- - لدرجة أنه كان في هذا الوقت صاحب أقوى نفوذ بين الأمريكيين في مصر بما فيهم السفير الأمريكي.
الرجل قضي في مصر يومين قبل الثورة ومخابرات أمريكاني .. وجاء بعد نجاح الثورة، فكيف أصبح له هذا النفوذ القوي وهذه الصلة الوثيقة وهذا النشاط الواسع؟فجأة..؟؟لابد أن نقبل رواية مايلز كوبلندا فهمي التفسير الوحيد المقنع للحقيقة العجيبة التي أثبتتها اعترافات مصطفى أمين الذي يقول أيضا..
استمرت علاقتي مع كيم روزفلت على هذا عندما يحضر في مأموريات قصيرة وكانت مأمورياته متعددة في مهمات تتعلق باتصالاته مع رجال الثورة وكنت في كل مرة يحضر فيها أتقابل معه وذلك أما عن طريقي بالمبادرة في الاتصال أو هو يتصل بي في بعض الحال وكنا نجتمع أيضا في منزل في وقت الغداء في حضور الأستاذ حسنيني هيكل وكان الأستاذ هيكل يشغل وظيفة رئيس تحرير الأخبار وأخبار اليوم في ذلك الوقت .. ولا تزال علاقتي به كما تعلمون قائمة بمعنى أنه إذا حضر اتصل بي.
أقرر هنا أن اتصالاتي مع كيم روزفلت لم تحدث إلا في خلال فترات حضوره في القاهرة والمرات التي سافرت إلى أمريكا وكنت في كل مرة أسافر فيها إلى أمريكا أحرص على لقائه وفي بعض المرات لم أقابله.
أما بخصوص مستر ليكلاند والذي عرفني عليه السفير الأمريكي كافري خلال إحدى حفلات السفارة والذي كنت أتناقش معه في المسائل السياسية وكان هذا الرجل ذا نفوذ على السفير ومصدر قوة لا تتفق مع وظيفته في السفارة وكان على علاقة وثيقة بأعضاء مجلس الثورة في مصر استمرت مقابلاتي مع ليكلاند وكانت تتم أما في مكتبي بدار أخبار اليوم أو في مكتب الأستاذ حسنين هيكل بأخبار اليوم.
وتعرفت أيضا في هذه الفترة بمستر مايلز كوبلاند ضابط المخابرات الأمريكية وكان يعمل بسفارتهم بالقاهرة وعرفني به مدير مكتب الاستعلامات الأمريكي بالقاهرة في ذلك الوقت وكانت علاقتي به جيدة وكان يحضر إلى مكتبي وأحيانا في منزلي.
واستمرت علاقتي مع مايلز كوبلاند كل فترة وجوده بالقاهرة وبعد أن انتقل إلى بيروت وعمل مديرا لإحدى الشركات الأمريكية هناك ولا زالت أتقابل مع مايلز كوبلاند كما تعلمون سيادتكم في كل مرة يحضر فيها إلى القاهرة أو أتوجه إلى بيروت.
وإن كانت مقابلات بيروت لم تزد عن مرتين وكان يطلب مني خدمات وهي أن أتوسط لدى سيادتكم في مسائل تجارية ولم أتحدث إلى سيادتكم بخصوصها وهي بشأن شراء مصر لماكيناتي حسابات الحكومة السرية على حساب المعونة الأمريكية.
وفي بعض الأحيان يكتب إلى طالبا تحديد موعدا لمقابلة سيادتكم وكانت محادثتي مع مايلز كوبلاند تتصف بنفس الأسلوب وهي المناقشات السياسية وهو يطوف المنطقة بعد سفرة إلى بيروت أنه واسع النشاط والاتصالات وأنه ينتقل بين السعودية ولبنان ومصر وتكلم معي في موضوع وذكر أن من مصلحتنا أن ننسحب فورا من اليمن ورأيي في عمل كوبلاند الحالي أنه عملية مخابرات منظمة باسم شركة.
وفي سنة 1956 قدمني الأستاذ محمد حسنيني هيكل إلى مستر وليام دورات ميلر الملحق السياسي بالسفارة الأمريكية وهو كما علمنا فيما بعد أحد ضباط المخابرات الأمريكية وكانت فترة اتصالاتي به خلال تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي وما بعدها وكنت أطلع سيادتكم يوميا على هذه الاتصالات وكنت سيادتكم تسمونه ريكا وقد أصبح الآن منذ عهد كنيدي نائبا لمدير الاستعلامات الأمريكي وهو منصب كبير جدا هناك وأنا لازلت على اتصال به عندما يحضر للقاهرة.
وعندما وقع العدوان لكنت أنا ومحمد حسنين هيكل على اتصال يومي بل وعدة مرات في اليوم بمستر ميلر وكنا يوميا على اتصال مستمر بسيادتكم وكما تعلمون وتذكرون أن فكرة البوليس الدولي ولدت أثناء اجتماعنا في أخبار اليوم بحضور محمد حسنين هيكل.
لعل الرفيق جروميكو قد وجد الإجابة على تساؤله ولو بعد ما يقرب من ثلاثين سنة وهو ما الذي يجبر عبد الناصر على قبول البوليس الدولي؟
أنها فكرة المخابراتي الأمريكي وممثلي ثورة يوليو مصطفى أمين ومحمد حسنين هيكل ولا فخر.
وفي أمريكا بعد وقف إطلاق النار في عدوان 1956 قال مصطفي أمين للأمريكان يجب أن تعمل أمريكا على الإسراع في الجلاء وبعد ذلك تقدم مساعدات لمصر وفي هذه المناقشات اقترح أن أقابل ألن دلاس مدير المخابرات المركزية حتى نتكلم في موضوع أثر العدوان في انتشار الشيوعية وقال أنه سيدبر لي هذا اللقاء.
وتقابلت مع كيرمنت روزفلت وأخبرته بما حدث فقال إن هذا أمر مستعجل ثم حدث أن أتصل بي كيم وقال لي أن أوامس دبر موعدا لك مع مدير المخابرات المركزية .
وقابلت مستر ألن دالاس في مكتب لمدة 15 دقيقة وقد شرحت له وجهة نظر بلادنا باختصار ورغبتنا في الإسراع بجلاء قوات العدوان في أسرع وقت وإن أي تأخير سيؤدي إلى كارثة.
وقدمت تقريرا بذلك إلى سيادتكم فور عودتي شرحت فيه كل هذه المقابلات واحدة واحده ونص ما جرى فيها وفي سنة 1958 التقيت عند الأستاذ محمد حسنين هيكل بمستر جويدن يونم وهو يتولى منصب الملحق السياسي بالسفارة الأمريكية وكنا نتقابل في أخبار اليوم ونتقابل في المنزل إذا كانت معه زوجته ولكن مقابلات المكتب أكثر بطبيعة الحال.
وكنت أتناقش معه في نفس الموضوعات التي كنت أتناقش فيها مع سابقيه واستمرت علاقتي معه حتى غادر مصر وفي سنة 1958 التقيت عند الأستاذ محمد حسنين هيكل بمستر جوديني يونم وهو يتولى منصب الملحق السياسي بالسفارة الأمريكية وكنا نتقابل في أخبار اليوم وتقابل في المنزل إذا كانت معه زوجته ولكن مقابلات المكتب أكثر بطبيعة الحال.
وكنت أتناقش معه في نفس الموضوعات التي كنت أتناقش فيها مع سابقيه واستمرت علاقتي معه حتى غادر مصر وفي سنة 1958أيضا كنت على اتصال بمستر روبرت أنشوتس وكان رئيس القسم السياسي في السفارة الأمريكية وكان يتميز على زملائه بأنه كثير الأسئلة بطريقة ملفتة وكنا نتناقش في الموضوعات السياسية والوحدة مع سوريا ولم يكلفني بإرسال أي معلومات للرئيس بل كان يقوم بهذا يونم وكان روبرت انشوتس يقابلني في مكتبي وفي بيتي ولم يحدث أن لاحظت أنه يعرف علاقتي مع يونم ولم يحدث أن تقابل ثلاثتنا معا.
وفي أثناء ذلك عرفني مراسل جريدة نيويورك تايمز بالقاهرة في فندق كوزموبوليتان بمستر جون سيدل الملحق السياسي للسفارة واعتقد أنه ضابط مخابرات أمريكي واستمر هذا في القاهرة لفترة أربع سنوات وكنا نتفق على مواعيد المقابلات وكانت المقابلات تتم في المكتب أو في المنزل وإن كان أغلبها يتم في المنزل.
وكانت مناقشتنا عن المعونة الأمريكية والشؤون السياسية المختلفة وتذكرون سيادتكم أنه هو الذي أبلغنا بنبأ الانقلاب الذ سيقوم به زياد الحريري في سوريا قبل قيامه بوقت قصر وهو أيضا الذي كنت أحصل منه على برقيات الشفرة التي كنت أقرأها باستمرار لسيادتكم عن الموقف في العراق وفي البلاد العربية.
وعرفني مستر ميدل بضابط المخابرات الأمريكي بروس أرديل الذي حل مكانة في بيته في المعادي بعد سفر الأول.
وهذا النص يفيد تسليم رجال المخابرات مصطفى أمين لبعضهم فعند انتهاء مهمة أحدهم وحلول الآخر يتسلم هذا العهدة!!
كما تفيد الكثير من خفايا الاتصالات التي كانت جارية مع الأمريكان لإزالة آثار العدوان 1956 وتحقيق أكمل نصر عربي!
وعرفنا أيضا أن مصر الناصرية كانت تحصل على معلوماتها عن الدول العربية من البرقيات السرية الواردة بالشفرة للمخابرات الأمريكية؟
وعرفني كافري بمستر ليكلاند وعندما قامت الثورة أبلغني ليكلاند أنه في ليلة قيامها أيقظ السفير البريطاني في واشنطن مستر دين وزير الخارجية الأمريكي من النوم وأبلغه أن ثورة شيوعية قامت في مصر وأن الحكومة البريطانية قررت التدخل العسكري فورا وتحرك الجيش البريطاني من فايد لقمع الثورة وقال لي ليكلاند أن دين اتشيسون طلب مهلة للتشاور وأنه أبرق إلى كافري يسأله رأيه وأن ليكلاند هو الذي أعد البرقية العنيفة التي على أثرها أ[دت أمريكا اعتراضها على التدخل العسكري البريطاني في مصر وشعرت بحكم اتصالي بأهمية ليكلاند وقوته رغم صغر سنه وأبلغت المرحوم صلاح سالم برأي أن ليكلاند هو السفير الحقيقي وعقب ذلك حدث اتصال مستمر بين ليتلاند وين الرئيس جمال عبد الناصر وصلاح سالم وبعض رجال الثورة وكان ليكلاند هو الواسطة بين الثورة والسفير الأمريكي وشعرت أن ليكلاند في اجتماعاتي معه المتكررة كثير الأسئلة وأنه يتظاهر بالخوف وبأنه لا قيمة له بينما شعرت أنه صاحب أكبر نفوذ على السفير وأكثر علما بالسياسة الأمريكية من جمع موظفي السفارة الأمريكية الذين اجتمعت بهم .
وقد أبلغني صلاح سالم أنه يشعر بل يعتقد أن ليكلاند من المخابرات الأمريكية وأن رأي رجال الثورة أنه من جهاز المخابرات الأمريكية وطلب مني أن أسأله بيني وبينه عن ذلك فسألته عن ذلك فنفي بشدة وقال أنه طلب أن يشتغل بالمخابرات ورفض ذلك.
وكان ليكلاند يسألني أسئلة كثيرة جدا ولكنه كان يبدو متحمسا للثورة ومؤيدا لها ولم أشعر في علاقتي الوثيقة به أنه كان يخدعني أو يضللني أو يشتغلني أو يوهمني بأنه مع الثورة وهو في الواقع ضدها واعتقد أنه قام بخدمات جليلة جدا في شأن علاقات أمريكا مع الثورة في بدء قامها.
وكان ليكلاند يحضر إلى أخبار اليوم يوميا وفي بعض الأحيان يتناول الغداء معي أو أتناول العشاء عنده.
وكان أهم ما سأل ليكلاند عنه هل هناك بين قادة الثورة من له ميول شيوعية وعرفت منه أن الإنجليز كانوا يقولون لهم باستمرار أن لديهم معلومات مؤكدة بأن عددا من أعضاء مجلس الثورة من الشيوعيين وأن اتجاهاتهم كلهم ضد الغرب ومن ليكلاند عرفت أن الإنجليز يؤكدون أن يوسف صديق شيوعي وأن خالد محي الدين شيوعي بل أن أنور السادات شيوعي أيضا وكنت على صلة بأنور السادات فأكدت لليكلاند أنه إذا كان تفكير خالد محيي الدين مثل أنور السادات فلا يمكن أن يكون أحد في مجلس قيادة الثورة من الشيوعيين بل أنني على العكس أرى أن مجلس الثورة ضد الشيوعية.
وقد انزعج الأمريكيون عندما أفرجت الثورة عن المعتقلين في أول قيامها وكان الإنجليز يؤكدون لهم أن كثيرا من الذين أفرجت عنهم الثورة من الشيوعيين وكان الإنجليز يعتبرون كل من يهاجمون سياستهم من الشيوعيين.
وقال لي ليكلاند أنه واثق ومتأكد من أن الثورة ليس اتجاهها شيوعيا وأن الإنجليز مغفلون وأنه غير صحيح أنهم خير من يعرف المنطقة وأنه جعل كافري يكتب تقارير يهاجم هذه الآراء التي كانت تقدمها السفارة البريطانية في واشنطن إلى البيت الأبيض وإلى وزارة الخارجية الأمريكية وشعرت بأن ليتلاند وكافري أمكنهما أن يقفا ضد كل محاولات المخابرات البريطانية لتشويه صورة الثورة أمام واشنطن.
وفي هذه الأثناء كان يحضر إلى مصر من وقت إلى أخر كيرميت روزفلت وكان كيرميت يقابلني وكان يقابل الرئيس جمال عبد الناصر وكانت مقابلاتي لكيرميت روزفلت بعلم الدولة وبموافقتها التامة.
وقد علمت من الرئيس جمال عبد الناصر أن كيرميت من المخابرات الأمريكية وأنه عضو بارز فيها وأبديت فزعي من ذلك ولكن الرئيس جمال عبد الناصر وافق على استمرار صداقتي بكيرميت روزفلت وكنت أخبر الرئيس عبد الناصر باستمرار عن كل ما يقوله كيرميت روزفلت وعن جميع الأراء التي يبديها في مقابلاته معي.
وكنت أيضا على اتصال مستمر بمستر وزرزبي ومستر بين الموظفين بقسم الاستعلامات الأمريكية وكنت على صلة وثيقة ومستمرة بهما وكنت أشعر من أسئلتهما أنهما أيضا من رجال المخابرات وعرفني مستر روزربي على ما أذكر أو المستر بين بمستر أيكل بيرجر وكنت على اتصال مستمر بمستر مايلز كوبلاند الذي كان على صلة دائمة بالرئيس وذكريا محي الدين وفهمت من أحاديث المسئولين أن قادة الثورة يعلمون جيدا أن كل هؤلاء من المخابرات الأمريكية وأنهم واثقون من ذلك ولكنهم يرون أن المصلحة في الاتصال بهم وخاصة أنه تبين بوضوح أن المخابرات الأمريكية هي صاحبة السلطة الحقيقية في أمريكا وأنها أقوى نفوذا من وزراء الخارجية الأمريكية وأنها قادرة على رسم السياسة فإن كثيرا من الأشياء التي كنا نطلبها من أمريكا أو يسأل عنها كانت تصلنا عن طريق المخابرات الأمريكية قبل أن نعرفها بواسطة السفير الأمريكي في القاهرة بعدة شهور.
ومع علم المسئولين المصريين وتأكدهم بأن هؤلاء جميعا من المخابرات الأمريكية فإنهم كان يصرون دائما أن هذا غير صحيح وأن هذه معلومات خاطئة وأن وظيفة كيرميت روزفلت مثلا هي أنه مستشار سياسي لرئيس الجمهورية ولم يحدث مرة واحدة أن اعترف واحد منهم في أي حديث لا مباشرة أو غير مباشرة بأنهم من المخابرات الأمريكية.
وكان لدينا اعتقاد أن كثيرين جدا من موظفي السفارة الأمريكية في القاهرة من المخابرات الأمريكية وكان يحدث في بعض الأحيان أن يكون أحد الموظفين من غير المخابرات ثم تظهر كفاءته فلا تلبث المخابرات الأمريكية أن تجنده فيها.
وحدث في عام 1954 أن حدثت أزمة محمد نجيب وعلمت أن محمد نجيب اتصل بشخص من المخابرات الأمريكية اسمه مستر لي وأن هذا الشخص كان ملازما لمحمد نجي طوال الأوقات وأفهم محمد نجي مستر لي أن أعضاء مجلس الثورة كلهم شيوعيون وأنه يريد أن يخلص البلاد منهم وأنه يرغب في تأييد الولايات المتحدة له في معركته في مجلس الثورة.
وحدث في عام 1954 أن حدثت أزمة محمد نجيب وعلمت أن محمد نجيب اتصل بشخص من المخابرات الأمريكية اسمه مستر لي وأن هذا الشخص كان ملازما لمحمد نجيب طوال الوقت وأفهم محمد نجيب مستر لي أن أعضاء مجلس الثورة كلهم شيوعيون وأنه يريد أن يخلص البلاد منهم وأنه يرغب في تأييد الولايات المتحدة له في معركته في مجلس الثورة.
وكانت الحكومة البريطانية تؤيد محمد نجيب كل التأييد وتعتقد أن مصلحة بريطانيا في الخلاص من جمال عبد الناصر وأصدقائه.
وكان كوبلاند يخبرني هو وإيكل بيرجر عن تقارير تصلهم باستمرار من المخابرات البريطانية تؤكد أن جمال عبد الناصر هو الخطر الحقيقي ضد الغرب وأن مصلحة الغرب في بقاء محمد نجيب وأن المصلحة أن يبدأ انقلاب محمد نجيب بحكم مؤلف من الوفد والإخوان المسلمين والشيوعيين ثم بعد ذلك يتخلص الغرب من الشيوعيين ويبقى محمد نجيب الذي أكد مستر لي لهم أنه سيكون اصدق صديق لأمريكا ولبريطانيا وأنه إذا انتصر فريق جمال عبد الناصر فإنه سيصبح خطرا على مصلحة أمريكا وبريطانيا لا في مصر وحدها بل في الشرق الأوسط كله.
وقد وقفت أخبار اليوم في هذه المعركة ضد محمد نجيب ونشرت مقالا في الأخبار بعنوان سلاطة روسي عن مشروع حكم محمد نجي بوزارة من الوفديين والشيوعيين والإخوان المسلمين ونشرت أخبرا اليوم الحديث السري التلفوني الذي جري بين محمد نجيب ومصطفى النحاس وقد أحدث نشر الحديث ضجة كبرى في الرأي العام وأسقط محمد نجيب بين الجماهير.
وكان كوبلاند وايكل بيرجور على ما أذكر يتصلان بي في تلك الأيام باستمرار ويقابلاني يوميا وكنت أطلع المسئولين على المحادثات التي تبذل من أجل تأييد محمد نجي ولقد شعرت يومها بأن نفوذ شخص مايلز كوبلاند أقوى كثيرا من عدد من كبار السفارة الأمريكية الذين كانوا يجتمعون على وجوب تأييد محمد نجيب وإن الإنجليز والمخابرات البريطانية أقدر على الحكم على الحالة في مصر عنهم.
وقد حدث خلاف خطير بين الرأيين في هذا الشأن وكان في أحد الأيام أن بدا ذلك بانتصار مؤقت لمحمد نجيب وحل مجلس الثورة وأخبرني كوبلاند أن رجال السفارة البريطانية في القاهرة كانوا يتبادلون التهاني ولقد كانت واشنطن نفسها مقتنعة برأي الحكومة البريطانية بحتمية انتصار محمد نجيب وضرورة تأييده.
وكان رأي الذي أبديته دائما لكل من سألني منهم أن السلاطة الروسية التي يدعو إليها محمد نجيب ستنتهي بأن يستول الشيوعيون على الحكم وأنه من مصلحة أمريكا أن يتولى الحكم جمال عبد الناصر وهو عدو للنفوذ الأجنبي في المنطقة من أن يتولاه عميل شيوعي يحول كل المنطقة إلى مستعمرة روسية.
وفي سنة 1956 عندما حدث تأميم قناة السويس كنت على صلة ببيل ميلرو كان الرئيس عبد الناصر عل علم بهذا الاتصال وكان ميلر يحضر إلى مكتبي يوميا وكنت أبلغ الرئيس يوميا بما يقوله ميلر وكان الرئيس يسميه على ما أذكر أزمر لدا أو اسم أخر لا أذكره وسألت الرئيس لماذا يسميه هذا الاسم فقال أنه اسم رواية قرأها عن فتاة تسمع باسمها باستمرار ولا تراها.
وكان بيل ميلر يطلعني باستمرار على كل الأنباء والبرقيات الهامة التي تصل إليه كما كان يفعل كوبلاند وايكل بيرجور الذي كان من وظيفته في السفارة أن يطلع على البرقيات السرية.
وحدث سنة 1954 أن أخبرني أيكل بيرجر أنه أطلع على برقية سرية جدا وصلت على التو من السفير الأمريكي في تل أبيب وألح في أن لا أخبر الرئيس بهذا الأمر وقال أنه لو عرف أن هذه البرقية تسربت فسوف يفقد عمله.
وأسرعت على الفور وأخبرت الرئيس عبد الناصر بما حدث واهتم الرئيس بهذا النبأ وطلب معلومات أوسع عن هذه العملية الخطيرة ومكانها.
واتفقنا أن أذهب أنا ومحمد حسنين هيكل ونقابل مستر بايرود السفير الأمريكي واستطعنا أن نعلم أن الخبر صحيح مائة في المائة.
وأحضر بايرود البرقيات السرية التي وصلت إليه وتفاهمت أن وهيكل أن يشغله هيكل بالحديث بينما أن أنقل البرقية وفعلا استطعت أن أنقل نص البرقية وقدمناها للرئيس جمال عبد الناصر فأصدر على الفور أمره إلى الجيش المصري بالاستعداد لهذا العدوان المفاجئ وتم العدوان في موعده وكان الجيش المصري مستعدا له ولقن الجيش المصري يومها درسا لليهود وقد شكرني الرئيس جمال عبد الناصر يومها على هذا العمل الذي قمت به وقال أنني قدمت خدمة كبرى لبلادي.
- 1- نحن هنا أمام واقعة مهمة تحسم جدلا دار طويلا حول من الذي منع القوات البريطانية من التدخل لضرب الثورة والملك مازال في البلاد مصطفى أمين يعترف بأن ممثل المخابرات الأمريكية في السفارة هو الذي أبرق بقوة أو بشدة يطلب شل يد بريطانيا عن ضرب ثورة الشعب المصري التحريرية ودين اتشيسون استخدم كل قوة الولايات المتحدة لمنع بريطانيا من ضرب الثورة ولا يوجد شارع واحد في مدينة نصر باسم المخابراتي ليكلاند ولا باسم دين اتشينسون ويحدثنا أمين هويدي عن الوفاء؟ أين هو؟
- يوم 23 يوليو ...ضباط الجيش لا يعرفون أسماء ولا اتجاهات أعضاء مجلس قيادة الثورة باستثناء محمد نجيب وأنور السادات فكيف عرف هذا المخابراتي الأعور ميول واتجاهات هذه الثورة واطمأن على أنها تمثل مصالح أمريكا ومن ثم تستحق أن تجازف الولايات المتحدة بعلاقتها مع بريطانيا بل وبما كان لها من نفوذ في القصر الملكي وينصح بل ويطلب بشدة التدخل لمنع الإنجليز من عرقلة المسيرة؟ كيف عرف هذا الأعور وخاطر بمستقبله السياسي ومستقبل المصالح الأمريكية؟ حقا كل ذي عاهة جبار.. أو ربما كان هو الأعور الدجال!
- 2- تأكد كلام إيفيلاند بأن المخابرات الأمريكية كانت مطلقة اليد في مصر، وتفوق السفارة نفوذا وحرية في التعامل مع الثورة وتمثيل الولايات المتحدة، وهو وضع اتفق الجميع على شذوذه ولا مثيل إلا في مصر... لماذا؟
- لصلة خاصة بين المخابرات وهذه الثورة حتمت وبررت إطلاق يد الواصلين من موظفي المخابرات CIA
- 3- أصبح ليكلاند هو الواسطة بين الثورة والسفير الأمريكي.
- 4- شهد مصطفى أمين أن ليتلاند كان متحمسا للثورة وقام بخدمات جليلة جدا في شأن علاقات أمريكا مع الثورة في بدء قيامها.
- 5- كانت العلاقة بين ليكلاند المخابراتي الثوري هذا ومصطفى أمين تفوق قليلا علاقة صحفي بموظف أمريكي، فهو لا يكاد يفارقه في تلك الأيام من بداية الثورة يزوره يوميا وأما يتغدى هذا عنده أو يتعشى هو عنده يعني كما نقول أيهين في ايه.. والمخابراتي مهتم بالثورة فلماذا الاهتمام بمصطفى أمين؟ لا جواب نعثر على الحلقة المفقودة بين الإنسان الثوري والقرد المخابراتي؟
- 6- كان الأمريكان يعتقدون أن يوسف صديق شيوعي وكذلك خالد محيي الدين والحمد لله سرعان ما خرج الاثنان من مجلس الثورة وأخذا الشر وراحا واستطاع كافري وليلكلاند الوقوف ضد كل محاولات المخابرات البريطانية لتشويه صورة الثورة أمام واشنطن الحمد لله ويكفينا شر الدساسين.
- 7- انزعجت أمريكا من الإفراج عن المعتقلين .ليه؟ وماذا يتوقع من ثورة إلا أن تفرح عن المعتقين من النظام السابق؟ على أية حال لقد خفف من انزعاجها أن الثورة احتفظت بعدد من الشيوعيين كرمز لموقفها ولطمئنة المنزعجين.
- 8- في هذه الأثناء كان كيرميت روزفلت يتردد على مصر وكان يقابل الرئيس جمال عبد الناصر وكانت مقابلات مصطفي أمين مع روزفلت بعلم الدولة.
- وهذا بالطبع ما أكده الكتابان كما أن إيفيلاند شرح النقطة الأخيرة وهي علم الدولة فقد أكد علم عبد الناصر بصلة مصطفى أمين وهيكل بالمخابرات وأنه قبل استمرار هذه العلاقة على أن تكون بعلمه وهو ما يعرف في علم المخابرات بالعميل المزوج مع فارق الطرفين بل حتى الأطراف الثلاثة هنا تعرف أن الكل يعرف وهي لعبة شديدة التعقد راهن فيها كل طرف على غباء الطرف الآخر ويمكن القول أن العلاقة كانت مفيدة لكل الأطراف والمصارحة كانت ضرورية لكسب الثقة وانفتاح النظام الناصري كما يمكن القول أن تطور ميزان القوى داخل هذا المثلث جعل هيكل يتجاوز مصطفي أمين عند عبد الناصر فقد كان أقرب سنا وأكثر حيوية وثقافة إلى حد ما وخبثا جعله يظهر التفاني في الزعيم والإيمان به بينما ظل مصطفى أمين يعامل عبد الناصر كتلميذ أو حتى كما كان يعامل الملك فاروق واستمر رهانه الأكبر على الأمريكان وتدهور وضع مصطفى أمين مما جعله يزداد اعتماد على الأمريكان ونفورا من عبد الناصر فانتصر عليه هيكل الذي عرف من أول لحظة أن مستقبله كله هنا وهناك مرهون بعبد الناصر على استمرار صداقتي بكرميت روزفلت.
- 9- الرئيس جمال عبد الناصر يعرف أن كيرميت روزفلت عضو بارز في المخابرات الأمريكية.
- 10- ظهر اسم إيكل بيرغر ومايلز كوبلاند وقال مصطفى أمين في اعترافه بين يدي صلاح نصر جمال عبد الناصر والرائد لا يكذب أهله وهو في السجن وكنت على اتصال مستمر بمستر مايلز كوبلاند الذي كان على صلة دائمة بالرئيس وزكريا محيي الدين يعني كوبلاند ليس بالنكرة ولا طالب وظيفة كما تحدث عنه المدعو بل كان على صلة دائمة بالرئيس وهذا كلام يقال للرئيس في خطاب شخصي فلا مفر من تصديقه ولا مفر من الشك في حكمة تجاهل هيكل لذلك في رده على مايلز كوبلند؟
- وأكد مصطفي أمين أن قادة الثورة كانوا يعلمون جيدا أن كل هؤلاء من المخابرات الأمريكية، وأنهم فضلوا التعامل مع الولايات المتحدة عن طريق قناة الcia وهذا الموقف كما يثير السؤال حول أسبابه يلقى الضوء على التطورات التي حدثت بعد ذلك، ويعزز رواية لعبة الأمم وحبال الرمال.
- 11- وهذه نقطة مهمة أخرى كان يدور حولها الهمس والتحليل وهي أن محمد نجيب كان يتمتع بتأييد الحكومة البريطانية التي كانت أيضا ترغب في التخلص من جمال عبد الناصر وقد نقل رجلا المخابرات cia في مصر كوبلاند وإيكل بيرغر هذه المعلومات لمصطفى أمين وهو بدوره أتخذ الموقف المنطقي بعد كل ما سبق ذكره، هاجم محمد نجيب وجند أخبار اليوم ضده، ونشر الحديث الذي جري بين محمد نجيب ومصطفى النحاس وهو الحديث الذي اسقط محمد نجيب بين الجماهير وأكد مصطفى أمين أن من مصلحة أمريكا أن يتولى الحكم جمال عبد الناصر.
- وتصادف إن كان هذا لمصلحة جمال عبد الناصر ومن رأي فريق المخابرات الأمريكية في مصر.
- وهذا يعطي بدا جديدا لأزمة محمد نجيب فقد كانت في أحد جوانبها أو أهمها: صراعا أمريكا بريطانيا فالإنجليز حاولوا الالتفاف وأخذ حصة في الثورة، ولكن الأمريكان مثل الفريك لا يحبون الشريك.
- هل يفيد التذكير بحجز المخابرات الأمريكية للوفد العسكري الأمريكي في بيروت في انتظار اضطرابات في مصر أكتوبر 1954 وشكوك مؤلف حبال الرمال أو ممثل المخابرات العسكرية الأمريكية عن تآمر المخابرات cia مع ناصر للإطاحة بنجيب وهذا هو مصطفى أمين يتشفع عند عبد الناصر بالدور الذي لعبة هو والمخابرات الأمريكية في ترجيحه على محمد نجيب؟
- وإذا كان مصطفي أمين قد ساهم في المعركة ضد نجيب بمقالاته فلماذا نتصور أن المخابرات cia اكتف بالدعاء للسلطان ناصر بالنصر كعمياء دار السلطنة؟
- 12- أكد مصطفى أمين بصرف النظر عن الحبكة الروائية والتي بدورها تثير أكثر من سؤال إذ كيف ولماذا يسمح السفير الأمريكي لصحفيين مصريين بالاطلاع على البرقيات السرية الواردة للسفارة؟ إلا إذا كان البساط أحمدي جدا؟ المهم أكد مصطفي أمين رواية بغدادي وغيره على أن المخابرات الأمريكية أبلغت مصر بعدوان إسرائيل منتظر...
وفي الحلقة السادسة المنشورة في جريدة العرب بتاريخ 2/2/ 1984 جاء التالي:
- كان جهاز المخابرات البريطاني يعمل باستمرار على أساس أن الرئيس عبد الناصر خطر على مصالح بريطانيا الاستعمارية والاقتصادية في المنطقة وليس لأن عبد الناصر يمثل خطرا شيوعيا وكان مايلز كوبلان وميلز وبيرجر وكيرميت روزفلت يقولون لي أنهم مقتنعون بهذا الرأي وكانوا يقولون أن المخابرات البريطانية تحاول تضليل أمريكا لمصلحة بريطانيا.
- وهذه تضاف إلى نقطة الصراع الأمريكي البريطاني وأن مصر الناصرية في تلك الفترة وربما إلى عام 1965 كانت تمثل الطرف الأمريكي.
- وكنا في جميع اتصالاتنا بهؤلاء نعلم أنهم متصلون بجهاز المخابرات الأمريكية وكانت الدولة تعلم بهذه الاتصالات وتعرفها تفصيلا.
- وعندما أفدني الرئيس جمال عبد الناصر في مهمة في أمريكا أثناء العدوان قابلت كيرميت روزفلت عدة مرات في حضور الدكتور أحمد حسين سفير مصر في واشنطن في ذلك الوقت وبعلم الرئيس جمال عبد الناصر وعرفت أن المخابرات الأمريكية فوجئت بالعدوان وأنها لم تعلم عنه من لندن أو باريس وإنما علمت به من تل أبيب وفي أيام العدوان الأولى كان بيل ميلر يزورنا يوميا في أخبار اليوم وأحيان يقابلنا أكثر من مرة في اليوم وكان السؤال الذي يسأله دائما واحدا لا يتغير وهو: هل نستطيع الصمود وكم ساعة نستطيع أن نقف على أقدامنا وكان يسأل هذا السؤال أكثر من مرة في اليوم وكان يقول لو صمدت مصر ثلاثة أيام فسوف تخسر بريطانيا المعركة.
- وقبل قيام العدوان البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر كانت الولايات المتحدة بجميع أجهزتها على جهل تام بهذا العدوان فقد كتمت بريطانيا عنها الأنباء لأنها كانت معركة حياة أو موت كما لا يستبعد أن تكون عيون وأصابع الموساد داخل المخابرات الأمريكية قد تعامت وسدت آذان هذه المخابرات وجعلتها غافلة وربما تتحمل المخابراتcia مسئولية استرخاء عبد الناصر ورفضه أن يصدق جميع الأنباء التي وصلت إليه من مصادر شتى عن العدوان مما أثار دهشة ونقد المؤرخين وتشاء حكمة الله أن تبرئ ساحة الرئيس وعلى لسان أحد ضحاياه فالرئيس كان مقتنعا بمنطق بيل وهو أنه ما دامت أمريكا لا توافق على العدوان فلن يقع وهذا المنطحق هو إحدى خطايا الانفتاح على المخابرات cia والقناعة بقانون القوتين الأعظم وأنه يتحكم في كل شيء أي إنكار الإرادة الذاتية للقوى الأصغر وإمكانية تحركها المستقل في ظروف خاصة وقد أخطأ بيل في تقديره وأخطأ عبد الناصر في حساباته وربما كان هذا من حسن حظنا جزئيا ونفس الخطأ ارتكبه الشريف حسين الذي ظل إلى أن فقد عرشه يعتقد أن بريطانيا تستطيع أن تأمر ابن سعود بالتخلي عن أهدافه وانتصاراته!
- وهذه الفقرات من اعترافات مصطفي أمين تلقى الضوء على موقف أمريكا خلال حرب السويس واهتمامها بالصمود المصري لكي يفشل العدوان ومن ثم يتبين سخافة اتهام أمريكا بأنها كانت شركة في العدوان الثلاثي وأن هذا الاتهام المتهافت إنما قصد به تغطية حقيقة العلاقة بين مصر الناصرية وأمريكا، وأيضا خطأ الاستدراج للمخطط الإسرائيلي الذي أراد ونجح في خلق صدام مصري أمريكي بعدما وقفت الولايات المتحدة بكل ثقلها ضد إسرائيل في عدوان 1956.
قال مصطفي أمين:
- واستطعنا أن نعرف أن إيزنهاور غاضب من أن العدوان تم وراء ظهره وأن إيدن استغله وكانت هذه المعلومات مفيدة جدا في أثناء المعركة وكنا نبلغ عبد الناصر أولا بأول كل المعلومات ونقوم بمهمة الاتصال بين الرئيس جمال عبد الناصر وإيزنهاور حتى أن الرئيس جمال عبد الناصر قال يومها أن أخبار اليوم أصبحت وزارة خارجية تحت الأرض وكنا نشعر وقتها أن رسائلنا تصل إلى إيزنهاور بهذه الطريقة أسرع كثيرا مما لو أرسلت بطريق السفير.
- وربما يفسر هذا الكثير من السلوك الغامض أثناء العدوان ويذكر مصطفى أمين الرئيس عبد الناصر بأنه هو الذي أمره بشن حملة شعواء على الشيوعية خلال أحداث ثورة العراق والخلاف الناصري الخروشوفي المعروف (1958- 1959)
- وكنت على اتصال يومي بسيادتكم وكنت أبلغكم تفصيليا كل مقابلاتي مع الرجل الأمريكيين الذين اتصلت بهم وكل ما كنت أحصل عليه من أنباء ومعلومات وأسرار بحيث كنا نعرف ولا بأول كل الأنباء التي يهمنا أن نعلم بها سواء ما يجري في أمريكا أو يجري في المنطقة العربية.
وكنتم سيادتكم تطلبون مني الاستفسار عن مسائل معينة أو إبلاغهم مسائل معينة وكان الأستاذ سامي شرف يتصل بي ويطلب مني أن أحصل على معلومات معينة من أصدقائي الأمريكيين واعتقد أنني كنت أحصل على بيانات تهم بلادي في فترات عصيبة قلقة
وحدث بعد تعيين الأستاذ خالد محيي الدين رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم إن قررت إيقاف اتصالي بأي أمريكي وسألت الأستاذ سامي شرف في ذلك فطلب إلي الاستمرار كما أنا وفي الجزء المنشور بجريدة العرب بتاريخ 7/ فبراير/ 1984 عرفنا أن أرشي روزفلت ابن عم كيرميت هو رجل الcia في لندن وهو الذي قابل مصطفى أمين عام 1944 في مجلة الاثنين وكانت مقابلة مباركة إذ بعدها بفترة بسيطة ظهرت أخبار اليوم كأقوى مجلة أسبوعية في العالم العربي وبدأت مسيرة النجاح المذهل وإن كان مصطفى بيك قد فسر لنا بعض أسبابه في هذه الوثيقة الخطيرة، عندما تحدث عن ثمن الصلة سيادة الرئيس.
وأحب أن أثير سؤالا هل كان المقابل الذي حصلت عليه من اتصالاتي بالمخابرات الأمريكية أو الأمريكيين المسئولين يساوي ما قدمته لهم؟
والجواب على ذلك أنني لم أتقاضى ثمن هذه الصلة مالا أو مرتبا شهريا أو سنويا إنما جاء المقابل في الصورة الآتية فقط.
- 1- أخبار أمدني بها المسئولون الأمريكيون ورجال المخابرات الأمريكية خلا هذه السنوات العديدة.
- وكنت أقوم بنشرها بأخبار اليوم وباقي صحف الدار وتنفرد بها دون باقي الصحف الأخرى التي تصدر في القاهرة أدت إلى زيادة توزيع صحف أخبار اليوم وبالتالي أدت إلى زيادة إيراداتها.
- ومن هذه الأخبار خبر مفاوضات الهدنة بين الحلفاء والنازيين وكانت تجري سرا في أوروبا في ذلك الحين وكانت أخبار اليوم جريدة سبقت بنشر هذا النبأ.
- كذلك خبر عن أول تفصيلات عن اختراع القنبلة الذرية كذلك خبر عن موعد ومكان فتح الجبهة الثانية في أوروبا وكذلك خبر عن موعد الهجوم المنتظر الذي سيقوم به هتلر على روسيا وكذلك خبر مفاوضات إيطاليا بالتسليم للحلفاء في نهاية الحرب العالمية الثانية وكذلك أول خبر عن أن الروس يعرفون سر القنبلة الذرية.
- 2- وبهذه الصلة حصلت على امتيازات إصدار مجلة المختار وهو يدر على أخبار اليوم مبلغا طائلا سنويا.
وقد وافقتم سيادتكم على أن نحصل على امتياز إصدار هذه المجلة.
- 3- وبهذه الصلة حصلت على امتياز طبع مجلة الصداقة وهي تدر على أخبار اليوم مبلغا كبيرا سنويا.
- 4- وبهذه الصلة حصلت لأخبار اليوم وصحفها على إعلانات من شركات ارامكووبان أمريكان وكانت كل الصحف الأخرى كالأهرام مثلا تأخذ نفس القدر من الإعلانات .
- 5- وبهذه الصلة حصلت على ورق من أمريكا لمصر بحوالي 2 ملون جنيه وهو الذي تسلمته الحكومة المصرية ولكني كصاحب أخبار اليوم استفدت من هذا الورق أنه وزع على الصحف بنسبة توزيعها حصلت أخبار اليوم من الحكومة على نسبة كبيرة من هذا الورق وكان الورق الذي اشتريناه من الحكومة أرخص من ورق السوق فربحنا بطبيعة الحال.
- 6- وكنت أستفيد من هذه الصلة بشراء مطابع جديدة من أمريكا وطلبت منهم أن يعاونوني في أن أحصل على قرض من بنك التسليف والاستيراد الأمريكي بشراء مطبعة وكان المبلغ المطلوب حوالي 100 ألف جنيه فلم يوافق البنك لأنه يطلب ضمانات الحكومة المصرية ولأن تقاليد البنك هي عدم قروض للصحف.
- 7- بهذه الصلة أمكنني أن أوفد أم كلثوم لتعالج في أمريكا بالذرة دون مقابل.
- 8- وفي نفس الوقت حصلت لبلادي على معلومات من الأمريكيين هامة وخطيرة عن موعد هجوم إسرائيل سنة 1954 ونوهتم سيادتكم بفضل هذه المعرفة في كسب المعركة وجمع الأخبار عن الحالة في سوريا بعد الانفصال وانقطاع وسائل الاتصال بالإقليم السوري وجمع الأخبار في الحالة في العراق بعد نزاعنا مع عبد الكريم قاسم وجمع أخبار عن الموقف في السعودية بعد الأزمة التي وقعت بيننا وبين سعود وأنا الذي أبلغت سيادتكم بنبأ المؤامرة التي يقوم بها الملك سعود مع أحمد أبو الفتح وسعيد رمضان.
وبعد أن أبلغتكم هذه المعلومات ومصدرها عرفت من سيادتكم أنكم بوسائلكم الخاصة عرفتم تفاصيل وأسرار هذه المؤامرة.
ويستفاد من هذه الفقرة الآتي:
- 1- صلة مصطفي أمين بالمخابرات الأمريكية أو الأمريكان سابقة على الثورة أي منذ الحرب العالمية وأنهم كافأوه في تلك الفترة بالأخبار التي تدر عليه الربح، من خلال أنجاح صحيفته وتفوقها وهو يسمى ذلك ثمن الصلة أي أنه كان يقدم لهم خدمات خلال الفترة من 1945إلى 1952 ترى ما هي هذه الخدمات والتي شكلت صحيفة سوابقه التي أتاحت له كل هذه الخطوة وكل تلك الثقة في ظل الثورة؟ أغلب الظن وأغلبه أثم أنه كان يجندهم للثورة وبالذات لتنظيم الضباط الأحرار!!
- 2- أن مكافأة الصحفي العميل عند هذه الأجهزة لا تأخذ شكل أموال تدفع له، بل خدمات تجعله الصحفي الأول بلا مجهود كبير منه، وقد تشمل إزاحة المنافسين.
وبعد...
نعتقد الآن أنه باستثناء الحصول على محضر اجتماع المخابرات الأمريكية والضباط الأحرار في مارس أو مايو 1952 لا يمكن أن تتوفر أدلة منطقية أقوى حجة وأبلغ دلالة مما أوردناه في هذه النصوص الثلاثة على اختلاف مصادرها وبقي أن نستفيد من هذه الحقيقة في تفسير قرارات ومواقف وسياسات عبد الناصر وإذا كان الإرهاب يستهوي الكثير من المؤرخين والمعلقين وهو عن حق يشكل قاعدة النظام الناصري والمعيار الصادق لتقييم النظم وهو أيضا الحقيقة التي اتفق عليها بين المتآمرين الثورين باعتبارها ضرورية لإجهاض الحركة الوطنية في مصر وفرض الزعامة المطلقة للقائد الجديد الذي يستخدم هذه الزعامة بما يعود بالفائدة على بلده والمنطقة والأمريكان بل كان أول الشروط التي وضعتها المخابرات الأمريكية للقائد المنتظر هي أن يكون مجنون سلطة يعشق السلطة ولا يسمح بمشاركة فيها وعلى استعداد لتدمير كل شيء في سبيل أن يبقى في السلطة وقد ذكر كوبلاند ذلك صراحة.
وإذا كنت قد تعرضت بالطبع لهذه الديكتاتورية وهذا الشبق للسلطة وما أدى إليه من تصفيات في القادة بل إلى مناورات ومؤامرات يبدو معها ميكافيلي وكأنه أبو موسى الأشعري إلا أنني ركزت على ما يوصف بأنه انتصارات أو ما يحاول كتاب الناصرية والمخابرات الأمريكية وضعه في الكفة الأخرى لموازنة ما نزل بمصر والعرب من خسائر
الفصل الثاني. الانتصار... الهزيمة!!
خليني ع البال!!
يأسف هيكل لأن الذكرى العشرين لما يسميه حرب السويس قد مرت دون أن يحتفل بها كما يجب ويرى أن السب هو التقويم السياسي الجديد في مصر يعتبر حربها هزيمة ضمن الهزائم التي لحقت بالعرب في مواجهتهم المستمرة مع إسرائيل وذلك خلط بلا نهاية ولذلك قرر هو أن يحيي الذكرى وله الحق فقصة حرب سيناء كانت نموذجا للتضليل الإعلامي الذي دفعت الأمة العربية ثمنه فادحا بعد عشر سنوات ومن ثم فعودة المجرم إلى مكان الجريمة أمر طبيعي ومتوقع ويقود دائما إلى ضبطه وإدانته بإذن الله كما سنحاول.
ويؤكد هيكل أن انتصار السويس وكان انتصارا يستحق الدراسة والتأمل ولعلي أزعم أنه كان أكمل انتصار في تاريخ العرب الحديث بل إنه كان أكمل انتصار في تطبيق نظريات الحرب المحدودة منذ ظهرت هذه النظريات في أعقاب التعادل النووي بين القوتين الأعظم.
ولا ندري إذا كان يصدق نفسه بأنها كانت أكمل انتصار في تاريخ العرب بل وعلى الصعيد العالمي في تاريخ الحروب المحدودة، فلماذا يحتاج الأمر إلى شهادته بأن يضع بين قوسين وكان انتصارا؟
ليس هكذا يكتب المؤرخون عن أكمل انتصار ويؤلفون الكتب لإثبات أنه كان انتصارا فما من كاتب فيتنامي يؤلف كتابا عن ديان بيان فو أو عن حرب فيتنام يبدأه بقوله أن النصر الفيتنامي وكان انتصارا هذه جملة اعتراضية جديرة بكاتب أمريكي وهو يقصد بها أن أمريكا انتصرت في فيتنام ومن ثم يشرح ويحلل ويثبت أنه رغم ما يبدو من هزيمة عسكرية إلا أن الولايات المتحدة حققت إلخ .. أو يكتب مؤرخ ألماني أن نصر العلمين وكان انتصارا ثم يشرح ويخترع أما المؤرخ الإنجليزي فلا يحتاج لأن يقسم على أن العلمين كانت انتصارا..
بهذه الجملة اعترف هيكل أن الأمر موضع شك وأنه يحتاج إلى كتاب يقع في 304 صفحات لإثبات أنه كان انتصارا وليس هزيمة كما هو الشائع والمعروف والمستقر في أذهاني المصريين وخاصة بعد أن كشفت بعض الحقائق بعد هزيمة 1967 التي تجد اليوم من يقول عنها أنها كانت أكثر انتصارا من حرب 1974 وكله عند عرب الناصرية انتصار!!
فكتاب هيكل أو دعواه خبر يحتمل الصدق والكذب وسنناقش ما جاء فيه لنرى هل نجح في إثبات أنها لست هزيمة من ضمن الهزائم التي لحقت بالعرب في مواجهتهم المستمرة مع إسرائيل وسنكشف أنه حكي عن كل شيء من باندونغ إلى كرايشنامنون بينما لم يخصص للمواجهة مع إسرائيل في سيناء إلا ستة سطور من كتاب يضم أكثر من تسعة آلاف سطر بينما خصص لنسف خط شركة النفط العراقية 12 صفحة.
وعلى ايةي حال لقد وعدنا بكبح انفعالاتنا ومناقشة الوقائع.
وأول خطأ يقع فيه أو قفزة بهلوانية يفاجئنا بها هي نظرية الحرب المحدودة، إذ يعلن أن نصر السويس كان يأكمل انتصار في تطبيق نظريات الحرب المحدودة ثم يستعرض لنا تعريفات كيسنغر وكلاوزفيتز وينسى خلقه ويضرب لنا الأمثال فيقول: إن حرب فيتنام كانت على سبيل المثال حربا محدودة ولم يكن هدف الشعب الفيتنامي أن يكسر إرادة المجتمع الأمريكي أو أن يفرض عليه مشيئة كاملة وإنما كان هدفه أن يرغم الولايات المتحدة على فك قبضتها على فيتنام الجنوبية ليسهل كنس نظام فان ثيو وتحقيق وحدة فيتنام شمالا وجنوبا وكان أسلوب الشعب الفيتنامي هو الكثير من المقاومة السياسية والكثير من التعبئة المعنوية والقدر الكافي فقط من استعمال القوة المسلحة في حمى توازن القوى العالمية حتى تصل الولايات المتحدة إلى نقطة تجد فيها البقاء في فيتنام أكثر تكلفة من الجلاء عن فيتنام.
وهكذا كان وضعها هيكل في سطر وحدها فالتزمنا بالنص ج)وكانت حرب السويس من هذا النوع من الحرب المحدودة.
فهمنا من هذا العرض أن الحرب المحدودة هي التي تستهدف تحقيق هدف محدود بدون كسر إرادة الخصم أو فرض مشيئة المنتصر عليه كاملة.
والسؤال ما دخل ذلك في التعادل النووي ونظريات هنري كيسنغر فهذا اللون من الحروب معروف منذ بداية التاريخ فلم يكن التاريخ كله حروبا شعارها فناء الخصم أ, تسليمه بلا قيد ولا شرط ولا حتى حروب رأس كليب فهذا الشرط لم يعرف إلا في حروب الاحتلال من دولة متفوقة على دولة أضعف بنسبة فادحة وكانت تنتهي بإفناء إرادة المهزوم والحاقه بجهاز المنتصر ثم طرح على ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية أما حروب المتكافئين فكانت دائما لتحقيق هدف محدود مثل تعديل الحدود، أو الحصول على امتياز أو منع أحد الطرفين من التدخل في شئون الطرف الآخر أو الاتفاق أو الاعتراض على تقسيم طرف ثالث ومن ثم جعلها نظرية جديدة وربها بكسينغر وكلاوفيتز والتعادل النووي هي جعجة طاحونة هواء، طحينها الجهل والتضليل.
فيتنام حرب محدودة من طراز السويس وبما أنه قرر أن حرب السويس هي أكمل انتصار في الحرب المحدودة فهي أعظم من انتصار الشعب الفيتامي على إمبراطورية كانت تحتله ما يقر من ثلاثة قرون: فرنسا ثم على أكبر قوة عسكرية عرفتها البشرية واحدة القوتين الأعظم أمريكا.
انتصار الشعب الفيتنامي كان انتصارا ساحقا ماحقا، لا مساومة في جزئية واحدة من أهدافه:
- إخراج الأمريكان.
- كنس فإن ثيو ونظامه كنس هذه لإثبات ثورية هيكل ونفي حكاية الاتصال مع الأمريكان.
- فرضت وحدة البلاد تحت إرادة ونظام الشمال.
- ضم كمبوديا .. وإظهار العين الحمراء للصين.
- ومع ذلك فنصر السويس أكمل من نصر فيتنام.
ربما..!! فقد حرموا من الخطب والأغاني والمقالات وهتافات سنقاتل بينما الجيش قد صدرت إليه الأوامر بالانسحاب كل رجل على مسئوليته ربما ينتقص من نصر الفيتناميين أنهم لم ينجبوا هيكلا يؤلف عن انتصار الفرنسيين.
كيف يمكن أن نناقش كاتبا يقول في عام 1977 والدم لم يجف بعد من أرض فيتنام أن الشعب الفيتنامي لم يستخدم القوة المسلحة إلا بالقدر الكافي وإنما كان اعتماده على المقاومة السياسية والكثير من التعبئة المعنوية.
يخيل لنا أنه يتحدث عن فيلم غاندي أو جهاز التعبئة الذي كان يدبره عبد القادر حاتم واشتكى منه عبد الناصر حتى قال له أنت مفروض ترفع معنوية الناس ولي تحذيري وتخويفي أنا؟
شعب فيتنام الذي قاتل عشرين سنة وقدم ما لا يقل عن ثلاثة ملايين شهيد وألقى فوقه عشرة أضعاف ما ألقى من قنابل في الحرب العالمية الثانية وقاتل بكل ما وصل على يده من سلاح وبالأظافر والأحجار والنحل والنمل والثعابين يقال عنه كان لا يستخدم القوة المسلحة إلا بالقدر الكافي.
أين القوة المسلحة التي كانت لدى الفيتناميين ولم يستخدموها إلا بالقدر الكافي.
الكافي لماذا؟ لهزيمة العدو أم لإثارة شفقته؟
أين المعركة التي هرب الفيتناميون من خوضها بحجة أنهم لن يجروا للمعركة وأن أمريكا لن تفرض علينا أرض المعركة ولا زمانها والعدو داخل مخادعهم وسكينة تنحر في نخاع شعبهم؟
هل كان بوسع الفيتناميين ضرب نيويورك بالطائرة مثلا ولم يفعلوا لكي لا تتحول الحرب المحدودة إلى حرب شاملة؟
هل عرف التاريخ حربا أكثر دموية وأكثر اعتمادا على المقاومة المسلحة بين إمبريالية وشعب صغير مثل حرب فيتنام.
هو لا يفهم معنى الحرب المحدودة فتلك الحرب لم تكن محدودة من جانب الفيتناميين ولا كان يمكن أن تكون أكثر شمولا مما أرادوها وخاضوها وانتصروا فيها.
كان هدفهم الانتصار الكامل على أرضهم تحرير وطنهم وتحرير إرادتهم ورفع يد الأمريكان عن وطنهم وتصفية وجودهم وعملائهم وتوحيد هذا الوطن في ظل النظام الشيوعي الشمالي فهي حرب شاملة.في الهدف وفي التطبيق.
وانتهت بتحطيم إرادة الخصم فعلا وكسر إرادة النظام الأمريكي أو المجتمع الأمريكي أو ما شئت فيما يتعلق بموضوع الحرب التي يخوضها الفيتناميون فلا كان بوسعهم ولا من أهدافهم فرض إراداتهم على المجتمع الأمريكي لإزالة النظام الرأسمالي في نيويورك أو وقف دعم أمريكا لإسرائيل أو فصل فولريدا وضمها إلى كوبا لم يكن هذا من أهدافهم ولكن لا يعني هذا أنها حرب محدودة أو أنها لا تهدف إلى كسر إرادة الخصم هذا ابتذال للغة والفهم.
الحرب المحدودة ونعلمكم ونأكل من عرق جبيننا هو تعبير متداول بين العملاقين أي الصراع في رقعة محدودة دون السماح للقوى المحلية أو لتطور الأحداث بجرهما إلى مواجهة شاملة مثل الحرب في كويا وفيتنام فهي حرب محدودة ولكن ليس من جانب الكوريين ولا الفيتناميين ومثل الحرب العربية الإسرائيلية منذ 1967 فهذه حروب شاملة من وجهة نظر الفيتناميين والإسرائيليين على الأقل ولكنها حرب محدودة في استراتيجية وممارسة الدولتين النوويتين فمعظم الحروب التي نشاهدها منذ نظرية حافة الهاوية هي حروب محدودة ولكن من وجهة نظر الكبار وبحساباتهم أما القول بأن فيتنام إرادتها حرب محدودة لكي لا تجر روسيا والصين لمصادمة نووية مع الأمريكان فهو نموذج للتفكير الذي أضاع الوطن جريا وراء السلام العالم لو كانت فيتنام تستطيع جر روسيا لضرب نيويورك بالقنابل الذرية لما بخلت بثمن أو فعل لإحداث ذلك.
وهكذا قبل أن ننتقل إلى الصفحة الثالثة في الكتاب نجد هذه الأخطاء والأضاليل.
- 1- خطأ في تعريف الحرب المحدودة تاريخيا واستراتيجيا .
- 2- خطأ في وصف حرب فيتنام بأنها حرب محدودة من جانب الفيتناميين.
- 3- خطأ فادح في الزعيم بأن الفيتناميين اعتمدوا على المقاومة السلمية واستخدموا المقاومة المسلحة في نطاق ضيق بالقدر الكافي.
- 4- خطأ في وصف نصر السويس بأنه أكمل من نصر فيتنام دون أن يذكر لنا وجها من وجوه النقص المزعوم في النصر الفيتنامي: هل وافقوا على تحييد ونزع سلاح فيتنام الجنوبية ووقف العمليات العسكرية أو غارات الفدائيين الفيتكونغ عليها؟ هل وافقوا على حرية الملاحة في خليج تونكين وتجميد الوضع عشر سنوات.
هل تشاجر هوشي منه مع عامر جياب اسحب الجيش والا أخليه.
هل ضربت طائرات فيتنام على الأرض ودمر السلاح الجوي في يوم واحد وكان العدو يقدر له مالا يقدر عن يومين؟
الاحترام واجب حتى من مثل هذا الكاتب للشعب الذي هزم الأمريكان وأذلهم في أكبر ل وأول هزيمة عسكرية كاملة للولايات المتحدة في تاريخها الإمبراطوري باعتراف الأمريكان أنفسهم بما فيهم أساتذتك وأخيرا ما الهدف من هذا الحديث عن الحرب المحدودة وأهدافها هل مصر هي التي شنت الحرب على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل حتى نقول أنها انتصرت في تحقيق هدفها بمحدودية الحرب؟ من الذي شن الحرب على الآخر؟ هل ينافسنا على القراء المغفلين؟
لقد أنصف هيكل خصومه عندما فسر حزنهم ونفورهم من الاحتفال بذكرى حرب السويس بأنهم يعتبرونها هزيمة من سلسلة الهزائم في المواجهة العربية الإسرائيلية وهذا هو بالضبط التصنيف الذي يطرحه الرأي الأخر وإن كنا نحن نعتبرها واحدة من أهم وأخطر هذه الهزائم بل لعلها كانت الحاسمة رغم ما يبدو من بشاعة ونتائج هزيمة 1967 وكان المفروض إذن من مؤلف انتصار السويس أن يرد أويفند هذه النقطة فيثبت أن حرب السويس لم تكن هزيمة مصرية في المواجهة العربية الإسرائيلية غلا أن يحدثنا عن انتصاراتنا في باندونغ وحلف بغداد أو حتى أن يركز الحديث على تأميم القناة وهزيمة العدوان الانجلو فرنسي فلا أحد يجادل في انتصار عبد الناصر في معركة تأميم القناة ومواجهة الغزو الانجلو فرنسي وإن كان الجدل طويلا في أسباب وظروف هذا الانتصار وإنما السؤال المطروح وباعتراف الكاتب نفسه هو: هل انتصر عبد الناصر في المواجهة مع إسرائيل عام 1956 ؟
ولذا فإن الخلط المريب هو الخلط بين قصة تأميم قناة السويس ومحاولة بريطانيا وفرنسا إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء والرجوع إلى منطقة الشرق الأوسط التي أصبحت من حصة العملاقين النوويين هذا من جهة وبين الغزوة الإسرائيلية كجزء من المواجهة المستمرة بين العرب وإسرائيل.
هما قضيتان منفصلتان وإن اجتمعتا في الزمان والمكان لفترة قصيرة شاذة في حساب الزمن وخارج حركة التاريخ الطبيعية.
تأميم قناة السويس إجراء وطني مصري تمتدي جذوره إلى منتصف القرن التاسع عشر منذ أن شق في قلب الوطن نموذج الاستغلال الإمبريالي في أبشع صورة وكان التأميم إجراء وطنيا في مواجهة النظام الاستعماري القديم المنحدر من القرن التاسع عشر والذي لم يعد له مكان في النصف الثاني من القرن العشرين وفي الشرق الأوسط بالذات كجزء من عملية التحول التاريخي التي بدأت في الحرب العالمية الثانية وهي زوال الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية كجزء من التصفية الشاملة التي كانت تتم على يد الثورة الجزائرية وحزب الاستقلال والملك في المغرب والبرلمان السوداني والقصر والزعماء الفلسطينيين في الأردن وحاكم البوريمي السعودي وإمام عمان ومظاهرات الوطنيين ضد سلوين لويد في البحريين .. إلخ.
والغزو الانجلو فرنسية لم تكن أكثر من عمل من خارج التاريخ فيه كل رعب ومخاطر وسخافة الديناصور وحتمية هزيمته وانقراضه.
أما الغزو الإسرائيلية وأن تمت تحت المظلة الانجلو فرنسية فكانت مننعطفا جديدا ونقطة تحول ذات أبعاد حاسمة وشديدة الخطورة قلبت موازين الصراع العربي الإسرائيلي وحكمت السلوك العربي خلال العشر سنوات القادمة مما مهد بل حتم هزيمة 1967
هذا ما أردنا توضيحه قبل أن نناقش معركة القناة ومعركة سيناء.
أما الحديث عن الانسحاب الانجلو فرنسي من بورسعيد وإحصاء دخل قناة السويس ثم تعميم ذلك للقول بأن العدوان الثلاثي لم يحقق أغراضه وأن عبد الناصر انتصر على الثلاثة فهذا ليس سياسة ولا تأريخا وإنما لعب بالثلاث ورقات في زاوية مظلمة من شارع الفكر السياسي العربي.
إسرائيل لا كانت في شركة قناة السويس ولا كانت تريد إرجاع شركة قناة السويس ولا مصلحة لها في أن تكون قناة السويس محتمية المساهمين الإنجليز والفرنسيين وإسرائيل لم تكن تمر في قناة السويس في عهد الشركة الأجنبية ومنذ تاريخ سابق على انقلاب 23 يوليو أصرت مصر ووافقت الشركة على أن القناة كممر مائي يخضع للسيادة المصرية تماما كخليج العقبة ولم تستطع إسرائيل أن تمر لا في الخليج ولا في القناة قبل الثورة والتحرير حتى فتح لها عبد الناصر الخليج وفتح لها رفيقه ونائبه السادات القناة.
استخدمت إسرائيل أزمة القناة لتحقيق أهدافها الثابتة وتنفيذ مرحلة من مخططها الدائم ونفذت ذلك بنجاح تام يكاد يصل إلى مائة بالمائة بصرف النظر عن طموحها الذي استعر عندما فوجئت باحتلالها ثمن الأراضي المصرية في مائة ساعة فهي التي يحق لها أن تدعي النصر الكامل والأكمل في الحرب المحددة لأن إسرائيل لم تكن تطمع في هذا الوقت في فرض إرادتها على عبد الناصر في القاهرة ولا حتى في 1967 فكرت إسرائيل في عبور القناة وعندما سأل الفرنسيون موشي ديان في عام 1956 هل لديك نية لعبور القناة؟ رد على الفور بالنفي؟
بل ونصحهم هو بان احتلال القاهرة يخلق تعقيدات سياسية حادة يستحسن تجنبها وفي عام 1967 هرع السادات فزعا لعبد الناصر يدعوه للانسحاب إلى الصعيد لأن بيانا عسكريا مصريا صدر بعبور إسرائيل القناة فرد عليه عبد الناصر بلا مبالاة اقعد يا أنور إسرائيل لن تعبر ولا تريد العبور (انظر كتاب البحث عن الذات).
ولم يكن لإسرائيل في 1956 ولا في 1967 ولا في 1977 نية في عقد صلح أو سلام مع مصر أو العرب قبل إتمام مخططها التوسعي بضم كل أرض إسرائيل وملحقاتها ولو عرض عبد الناصر عليها السلام في حرب السويس لرفضته لأن ذلك كان سيعرقل أو حتى يمنع مخططها في ضم الضفة والجولان وجنوب لبنان أخيرا سيناء بل لعل من أهداف حملة سيناء 1956 هو وأد المحاولات التي كانت تدور بخاطر الأمريكيين والإنجليز لإجراء تسوية للمسألة الفلسطينية تقوم على تنازل الإسرائيليين فهم وحدهم كانوا الطرف المطلوب منه التنازل في هذا الوقت مقابل القبول العربي بوجود الكيان الصهيوني ومنذ النصر الإسرائيلي في سيناء 1956 انتهى أي حديث عن القدس الجديدة أو المشاركة في مينا حيفا أو إعادة صحراء النقب للعرب أو مشروع تقسيم 1947 أو حتى ما احتلته إسرائيل من المناطق المنزوعة السلاح.
وصحيح أن سيناء هي أهم هدف توسعي إسرائيلي ولكنها أيضا وربما لهذا السبب آخر هدف وبعد سلسلة استنزاف للقدرة العربية وتصفية الدور المصري والإمكانيات المصرية إلى الصفر وهذا لا يتحقق إلا بسلسلة هزائم عسكرية وسياسية كانت السويس واحدة منها كما كانت كامب ديفيد أيضا.
وإسرائيل قد تقبل الانسحاب من سيناء أكثر من مرة ولكنها لا تتخلى أبدا عن هدفها في ضمها فهي وحدها التي تكفل تحولها إلى إسرائيل الكبرى.
والغريب أن هذا الفهم كان واضحا عند العسكريين السوريين في وقت مبكر جدا فقد جاء في مذكرات بغداد وأنه في الأسبوع الثاني من أكتوبر عام 1955 حضر إلى منزل جمال عبد الناصر سعيد الغزي رئيس وزراء سوريا واللواء شوكت شقير رئيس هيئة أركان حرب الجيش السوري وكان الأمير فيصل بن عبد العزيز حاضرا والبغدادي طبعا ج وقال جمال إن إسرائيل لو أحبت أن توسع أو القيام بعمليات حربية فإنها في هذه الحالة تفضل أن يكون التوسع على حساب سوريا أو لبنان فرد عليه شوكت شقير إن إسرائيل لن تقوم بهذه العمليات إلا لهدف وهذا الهدف هو إجبار الدول العربية على الصلح معها وهي أن احتلت دمشق ذاتها فهي تعلم أن هذا لن يجبر الدول العربية على الخوض لها وطلب الصلح معها ولكنها تعلم أنها لو هاجمت مصر ودحرت جيشها وهو أقوى جيش عربي ففي هذه الحالة فقط يمكنها فرض شروطها على الدول العربية.
واللواء شقير معذور في تقلل أهداف إسرائيل إذ ظن أنها لا تريد أكثر من فرض الصلح وهو كان يتحدث قبل هزيمة 1956 عندما لم يكن يخطر ببال عربي إن إسرائيل تطمح في أكثر من الاحتفاظ بما حصلت عليه إلا أن اللواء عبر عن فهم سياسي متقدم ولو أنه يبدو بديهيا إلا أن القيادة المصرية لأمر ما غفلت عنه وقد رد عبد الناصر على اللواء بقوله إن إسرائيل اليوم تفكر بدلا من المرة عشرات المرات قبل أن تقدم على مهاجمة مصر لعلمها بقوة جيشها ومدى استعداده وهي الآن لن تقامر على كيانها.
واضح أن الحديث كان يدور حول الكيان ذاته وقد تأدب الجالسون فلم يشيروا إلى الهجوم الذي شنته إسرائيل على مصر قبل أربعين يوما فقط من هذا الحديث المملوء ثقة بالنفس.
ووافق السوريون على عقد اتفاقية عسكرية مع مصر لمنع إسرائيل من المقامرة على كيانها بالهجوم على سوريا التي أصبحت محمية بالجيش المصري، ولكن البغدادي الخبيث يقول: ولم تمض فترة طويلة على توقيع تلك الاتفاقية العسكرية بين سوريا ومصر حتى أراد بن غوريون على ما يظهر أن يشكك سوريا في قيمة هذه الاتفاقية فدفع بقوة عسكرية من الجيش الإسرائيلي لمهاجمة بعض مواقع عسكرية للجيش السوري قرب بحيرة طبرية حوالي منتصف شهر ديسمبر 1955 وقد قتل في هذا الهجوم حوالي خمسين جنديا سوريا وقامت مصر بإبلاغ سكرتير عام هيئة الأمم .. أن أي اعتداء ثاني ج على سوريا ..إلخ.
المغزوفة المعروفة والتي لم تطبق أبدا...
باختصار أن أي دراسة جادة تحتم الفصل بين معركة تأميم القناة ومعركة سيناء ولو أن هذه الدراسة الجادة أجريت في 1958 وواجهنا نتائجها بشرف ومسئولية ربما لتجنبنا كارثة 1967 بل ونكبة الانفصال وخطيئة حرب اليمين، ولدخلت المواجهة المصرية الإسرائيلية ومن ثم المواجهة العربية الإسرائيلية مرحلة جديدة لصالح العرب ولكن التزوير الذي جرى عمدا في 1957 بدق طبول النصر المزعوم يراد له أن يستمر اليوم من أجل المزيد من التخبط والتدهور في تلك المواجهة المصيرية والأبدية بل أن التزوير يمتد إلى ظروف معركة تأميم القناة بإخفاء الدور الأمريكي الحاسم في هزيمة المخطط الانجلو فرنسي
نحن إذن نرفض الخلط التام كما نرفض البهلواني بالحديث عن انتصارات هوائية وإنما نحصر الموضوع في قضيتين القضية التي طرحها هيكل وهي: المواجهة العربية الإسرائيلية والقضية الثاني هي تأميمي القناة والغزو الانجلو فرنسي وهذا ما سنناقشه بالتفصيل ولكن لنبدأ باستعراض المنطق الناصري كما يقدمه هيكل الذي ما زال يحتل مركز المفلسف والمنظر لهذا المنطق رغم الجهود المنافسة لدكاترة الجامعة الأميركية.
يقول: إن جوائز الحرب كانت ثلاثة: قناة السويس وفي يد من هي؟ وصحراء سيناء وفي يد من هي؟ وقطاع غزوة وفي يد من هو؟ وبعد انتهاء المعارك كانت هذه الجوائز كلها في يد مصر القناة سليمة تحت سيطرتها وإرادتها وصحراء سيناء جزء من سيادتها وقطاع غزة أمانة في عهدتها وإذن كان انتصارها كاملا.
وهذه الجوائز بالطبع ونتائجها هي من إعداد دار الأهرام وليست جوائز الحرب.
الهدف الأول كما قلنا لا يجوز خلطة بموضوع التحدي الذي طرحه وهو هل كانت حرب السويس هزيمة في سلسلة الهزائم في المواجهة العربية الإسرائيلية وسنناقشه بالتفصيل.
أما من المواجهة فإن هدف إسرائيل كان الآتي:
- 1- فتح مضيق تيران أي خليج العقبة للملاحة الإسرائيلية.
- 2- تدمير السلاح السوفيتي الجديد.
3- تحطيم القدرة العسكرية المصرية ونقل الوضع العربي من تصور القدرة على إزالة إسرائيل ووضع المطالب باستئناف الحرب العربية الإسرائيلية التي توقفت في عام 1949 إلى وضعي الدفاع واستبعاد فكرة الهجوم على إسرائيل.
- 4- نزع سلاح قطاع غزة ومنع النشاط الفدائي منه.
- 5- تحييد مصر عسكريا لأطول فترة ممكنة حتى يتم استعداد إسرائيل لمعركة الإمبراطورية الإسرائيلية فحرب 1956 كانت كما وصفتها جولدا ماثير بحق حرب حق الوجود أما حرب 1967 فهي حرب حق الهيمنة كانت إسرائيل تحتاج هذه الفترة حتى تصبح المبادرة في يدها فتحدد هي زمان ومكان وصيغة المعركة.
ونحن نزعم وعلنيا البينة أن الأهداف تحققت بالكامل، وإن القيادة المصرية هزمت في هذه المواجهة بالكامل بل وإن عبد الناصر نفسه هو أول من أدرك هذه الحقيقة يوم طاف وهو يبكي بين حطام الجيش المصرية على شاطئ القناة في نوفمبر 1956 وأراح رأسه على كتف عبد اللطيف بغدادي وهو يردد بالإنجليز هزمني جيشي فهل يريدنا هيكل أن نصدقه ونكذب عبد الناصر؟
منذ صفقة السلاح الروس والإسرائيليون يستعدون للحرب ضد مصر، ويول موشي ديان أنه خطب جنوده في أبريل 1956 فقال لهم ليس لدينا صفقة سلاح تشيكية ولا بريطانية ولا أمريكية فالبلاد التي لديها السلاح ترفض التعامل معنا ومع ذلك فهناك أمة واحدة نستطيع أن نعقد معها صفقة رابحة هي أمة إسرائيل .. إن ما نحتاجه هو صفقة واحدة نستطيع أن نعقد معها صفقة رابحة هي أمة إسرائيل إن ما نحتاجه هو صفقة إسرائيلية يمكنها أن تكشف القوة الدفينة لشعبنا
ويقول أنه كان يعد خطة لاحتلال غزة لتصفية النشاط الإرهابي (الفدائيون) وفتح خليج العقبة من نوفمبر 1955 ولكن مبعوث الرئيس الأمريكي كان في ذلك الوقت يفاوض عبد الناصر وبن غوريون ولذلك طلب منه بن غوريون وقف الخطة حتى يناير 1956 ولم يكتف موشي ديان بالطبع بعقد صفقة مع الروح المعنوية في إسرائيل بل نجحت جهودهم في عقد صفقة مع فرنسا وفي نهاية يونيه 1956 للحصول على سلاح يمكننا من مواجهة نوعية السلاح المصري الجديد إن لم يكن حجمه فالتسليح الفرنسي والاستعداد الإسرائيلي سابق على تأميم القناة لأن إسرائيل تعيش فعلا هذه المواجهة الدائمة العربية الإسرائيلية أما نحن فنتحدث عنها فقط في الخطب وندعو الله ليل نهار أن يجنبنا إياها فلا يستجاب لنا دعاء.
ويقول "لم يكن بن غوريون مفتونا بفكرة ضم قطاع غزة أو شبه جزيرة سيناء، بل كل ما كان يريده هو السيطرة على الساحل الغربي لخليج العقبة ومضيق تيران أي شرم الشيخ فلو فتح المضيق للملاحة الإسرائيلية لأصبحت إيلات ميناء كبير وهذا يعني الحياة لكل النقب" وقبل سفر الوفد الإسرائيلي إلى فرنسا للاتفاق على الحلمة أبلغهم بن غوريون بالتوجيه التالي:
- 1- إسرائيل لن تشن حربا بمفردها.
- 3- ضمنوا حرية الملاحة إلى إيلات ومن إيلات.
- 4- أوقفوا العملات الفدائية من قطاع غزة .
ويقول: نحن أيضا كنا نتمنى أن يحل نظام جديد محل عبد الناصر يصنع علاقات سلام مع إسرائيل ولكن هذا لم يكن جزءا أساسيا من أهدافنا العسكرية التي ستتحقق حتى لو بقي ناصر في السلطة.ط ونحن نضيف ولا حتى كان من أهدافهم أو أمانيهم السياسية في تلك المرحلة لأن أي سلام مع إسرائيل في هذا الوقت سيصادر طموحها ومخططها التوسع ومندوب الرئيس الأمريكي الذي كان يفاوض بن غوريون في هذا الوقت كما أشرنا يبحث في إعطاء ممر بري بين مصر والأردن في صحراء النقب لا الحدود الآمنة وتعديلات في صميم الأرض المصرية والأردنية والسورية كما سيطرح بعد عشر سنوات.
ولخص موشي ديان نتيجة الحرب بقوله ولقد تحققت أهداف إسرائيل الثلاثة من الحملة:
حرية الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة نهاية الإرهاب الفدائي تجميد خطة الهجوم المشترك المصري السوري الأردني على إسرائيل وقد قبل عبد الناصر مبدأ حرية الملاحة من وإلى إسرائيل وقبل وضع حد للإرهاب ضدها.
ويقول هيكل نفسه نقلا عن مذكرات موشي ديان عن معركة سيناء ولاحظ أن هذه هي المرة الوحيدة التي وردت فيها سيناء بدون صفة صحراء في كتاب هيكل والسبب هو أمانته في النقل عن موش ديان الذي لا يمكن أن يقول عن جوهرة الشرق الأوسط صحراء كما يفعل الأمين على الناصرية ج صفحة 12 أنه قابل بن جوريون في اليوم التالي لعودته من باريس وعقد معه اجتماعا طويلا ثم يقول ديان وفي نهاية الحديث صدر إلى الأمر بأن أكون مستعدا للاستيلاء على تيران لتأكيد حرية الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة والبحر الأحمر.
ويشعر هيكل أن هذا النص ينسف دعواه عن الجوائز فيهرع إلى وثائق بن جوريون التي أصدرها باروزهار سنة 1968 ليثبت أن دافيد بن جوريون طلب من نفس الاجتماع مع ديان أن تكون هناك خطط إضافية لاحتلال قطاع غزة وللسيطرة العسكرية الكاملة على سيناء.
موافقون
ولكن ماذا يعني ذلك؟
يعني أن الأمر الصادر بتحديد هدف الخطة أو الحرب المحدودة هو فتح خليج العقبة والبحر الأحمر للملاحة الإسرائيلية لا إسقاط عبد الناصر ولا دعم الرجعية ولا إقامة حكومة موالية في القاهرة ولا فرض التسليم بلا قيد أو شرط ولا حتى ضم سيناء وكل هذا وارد في الخطة كما قلنا ولكن في حينه.
الإضافة التي وردت في رواية باروزهار طبيعية ومنطقية جدا فإن احتلال تيران وفتح الملاحة في خليج العقبة لإسرائيل مهمة تختلف كثيرا عن عملية مطار عنتيبي ضد عيدي أمين أو تدمير طائرات طيران الشرق الأوسط في مطار بيروت إذ لابد من حسبان المقاومة المصرية الأمر الذي يستلزم تصفيتها أولا قبل الاطمئنان لفتح الملاحة وهذا يعني احتلال غزة وتحطيم القوة المصرية العسكرية في سيناء حتى تصبح تحت السيطرة الإسرائيلية أو على الأقل يزول تحكمها للملاحة في خليج العقبة.
وقد فازت إسرائيل بهذا الهدف الكامل الذي حدده بن غوريون قبل تأميم القناة وحرب القناة بعام كامل.
وهيكل ينسي كذبه ولذا يعود ويقرر بعضمة لسانه أن هدف إسرائيل لم يتجاوز فتح خليج العقبة يقول كانت إسرائيل كما رأينا قد قررت وحسمت واستدعى بن غوريون تلميه وصفيه موشي ديان من أجازة في باريس وطلب إليه أن يتولى رئاسة أركان حرب الجيش الإسرائيلي ووضع خطة للهجوم على سيناء بقصد احتلال شرم الشيخ وفتح خليج العقبة هذا هو هدف حملة 1967 إلى جانب ما ذكرناه من أهداف أخرى إما اخترع هدف لإسرائيل وهو ضم سيناء ثم الصياح بأننا انتصرنا لأنها انسحبت والسكوت على مكاسبها الأخرى فلا يشار إليها بحرف فهو تضليل وتهريج والغريب أنه يصدر من نفس المدرسة التي تردد أن استرداد سينا بعد 1967 لم يكن مشكلة ولا انتصارا لأن إسرائيل كانت دائما مستعدة لإرجاعها كيف تكون إسرائيل غير راغبة في ضم سيناء أو غير قادرة على هذا الضم في مرحلة الإمبراطورية وتتطلع لذلك في 1956؟
نعود لهيكل الذي يستعرض لنا انتصارات حرب السويس.
يقول هيكل: كانت حرب السويس تجربة هائلة من تجارب العمل القومي العربي وقدرته وأن من غير تنسيق بين الأطراف.
ولأننا تعاطينا جرعات هذا الإعلام الناصري فتخدرنا بمثل هذه الجمل الإنشائية من مدح الذات والرضا عن النفس وهدهدة الأطفال جلبا للنعاس بالخرافات فقد ظل العمل العربي إلى اليوم يفتخر بأنه يم بتجارب هائلة من غير تنسيق مسبق وبمجرد الفزعة البدوية ومحاولة القفز في القطار أو القيام بأي عمل لإثبات الوجود وتبرئة الضمير أو التنفيس عن الوطنية الحقيقية.
والدليل أن مؤرخ النصر لم يجد مثلا يضربه عن الوقفة العربية المساندة لمصر إلا نسف مجموعة السراج لخط الأنابيب البريطاني وهو عمل مجيد بلا شك ولكن مجموعة أنصار جورج حبش نفذته بعد ذلك ولكن في الخط الأخر وأثبتت أنه لا يحتاج لأكثر من مجموعة فدائية ولا يمكن أن تنحصر فيه مساندة دولة عربية في حجم سوريا ومواقعها وقتها في الجولان كانت تمكنها من إنزال ضربة موجعة إن لم نقل قاصمة بإسرائيل التي قذفت بكل جيشها إلى سيناء ولم تكن قد أصبحت بعد المارد الذي يحارب على ثلاث جبهات.
إن هيكل كثير الصخب حول ضربة نسف أنابيب النفط لي حبا وعرفانا لدور السراج فما ناله السراج على يد هيكل والنظام الناصري يضيف صفحات خالدة لملحمة العزيز سنمار ولكن في عام 1982 يتفضل هيكل على عبد الحميد السراج في محنته بإعلان أن السراج كان مضبوطا على نفس موجة عبد الناصر.
ولكن هذا المضبوط انفرط عقده فور أن دخل في الفلك الناصري وألغيت كل سلطاته وحول إلى طرطور في القاهرة كما سنرى وعزل عن قواعده في سوريا وهو الذي كان يحكمها بقبضة حديدية انتهت به الأمر بسبب هذا الانضباط إلى أن اعتقل وأهين على يد ضباط الانفصال الذين كانوا يرتعدون من مجرد التفكير في تحديد قبل أن يطحنه النظام الناصري فالإشادة بنسف الأنابيب ليس تحية للسراج، وإنما الصخب هنا هو لإخفاء سؤال رهيب مازال يطل برأسه بين الحين والحين وسيظل يطل برأسه ينشد الجواب الصريح مهما بدا أن الإعلام الناصري قد نجح في كتم أنفاسه إذ لم يطرح أبدا على بساط البحث الجاد ولم تعرف الإجابة السليمة عليه.
ذلك السؤال هو: لماذا أمرت القيادة المصرية الأردن وسوريا بعد دخول الحرب؟
لنرجع قليلا إلى الوراء.
- مند عام 1953 قام تحالف مصري سعودي وثيق كان تطورا نشطا وأكثر فعالية للتحالف المصري السعودي الذي تم بين الملكين الراحلين عبد العزيز وفاروق منذ عام 1946 والذي مكن من قيام الجامعة العربية ووحدة الموقف العربي بصرف النظر عن النتائج حول قرار تقسيم فلسطين والحرب العربية الإسرائيلية الأولى وقد تطور هذا الحالف في ظل الملك سعود والقيادة المصرية الجديدة لحركة 23 يوليو بحيث أصبح أكثر تركيزا على تصفية الوجودين البريطاني والفرنسي من المنطقة وإذا كان الفرنسيون قد قبضوا في خلال 24 ساعة على باخرة مصرية تحمل السلاح للجزائر (الباخرة آتوس) وعلى شيك سعودي بعشرة ملايين دولار مع مجموعة من بللا عندما أنزلت طائرته واعتقلوا فإن التحالف المصري السعودي كان أكثر وضوحا في شرق البحر الأبيض أو المشرق العربي ضد بريطانيا حيث العدو التقليدي والمباشر للسعوديين والمصريين وكانت المملكة على خلاف بل وصدام مع الإنجليز سواء من خلال العرش الهاشمي في العراق والملك عبد الله في الأردن أو بالعدوان البريطاني على البوريمي السعودية وجميع حدود المملكة مع جيرانها الخليجيين بينما كانت مصر بالطبع في صدام مسلح مع الإنجليز في مصر صراع في السودان وخلاف تقليدي بين القاهرة من ناحية وبغداد وعمان من ناحية أخرى أما سوريا التي ظفرت باستقلالها حديثا من فرنسا بمساعدة بريطانية ونفوذ بريطاني في السنين الأولى فقد تحولت إلى أرض الصراع لشتى القوى في المنطقة بين شركة نفط العراق وشركة أرامكو حول مد أنابيب النفط إلى البحر وبين العراق والسعودية وبين مصر والعراق وبين بريطانيا وفرنسا.
واستطاع الذهب السعودي والإعلام الناصري أو كما يقول سلوين لويد مشوها إن رياح القومية العربية التي تهب من مصر تفوح منها رائحة الذهب السعودي استطاعا أن يوجهها الموجة القومية والوطنية الأصيلة في عدائها للاستعمار البريطاني والجادة في التحرر من هذا الاستعمار استطاعا توجيهها لكيل الضربات لهذه النفوذ فتمت حماية سوراي من مؤامرات نوري السعيد البريطانيين وتم طرد غلوب من الأردن وقيام حكومة ناصرة في عمان وتطويق ثم هزيمة حلف بغداد وأي تأريخ لتلك الفترة يحاول إنكار المساهمة السعودية الفعالة في تحقيق هذه الأهداف هو تزوير مفضوح للتاريخي في اعتقادنا لا ينجم فقط عن كران الجميل ولا الرغبة في إبراز الدور الخاص ولا لتبرير الافتراءات والتطاول على الملك الراحل سعود والدور السعودي في مرحلة التحرر من الاستعماريين البريطاني والفرنسي بل وأيضا لسبب آخر لا يقل أهمية ويتعلق بفهم طبيعة هذه المرحلة وحقيقة التيار والمصالح التي حكمت التحرك الناصري فيها ووفرت له النجاح وهو ما سنشرحه بالتفصيل وبالصراحة الكاملة في موضعه.
المهم أنه نتيجة هذه الجهود بدأ يشكل حلف سعودي مصري سوري يمني وركز جهوده على جذب الأردن بعيدا عن العراق الذي وقعي بغداد مع تركيا في 24 فبراير 1955 وانضمت إليها بريطانيا في 4 أبريل 1955 ثم تبعتها إيران وباكستان يوليو وأكتوبر 1955 ففي أول مارس 1955 وقع في دمشق اتفاق مصري سوري وفي 6 مارس 1955 أيدت السعودية الاتفاق المصري السوري وأعلن عن تشكيل قيادة عسكرية مشتركة للأقطار الثلاثة وفي 27 أكتوبر 1955 وقعت اتفاقية لتوحيد القيادة العسكرية بين مصر والسعودية وفي 12 مارس اختتم مؤتمر ثلاثي في القاهرة بين عبد الناصر والملك سعود وشكري القوتلي دام أسبوعا وصدر بيان مشترك بإقرار جميع الإجراءات الضرورية لإقامة جبهة موحدة ضد إسرائيل وشجب حلف بغداد لأنه يضعف الموقف العربي وتقرر إرسال مبعوث عن المؤتمر إلى الملك حسين مع عرض بدفع قيمة المعونة البريطانية للأردن إذا ما ألغى معاهدته مع الإنجليز قدم العرض في يناير 1956 وسافر المبعوث لتأكيده ويقول سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا وقتها أن الحملة ضد غلوب في الأردن كان يقوم بها عملاء ناصر والسعوديون وأن إخراج غلوب قد تم بالدعاية المصرية ومال الملك سعود.
وفي أبريل 1956 وقعت الاتفاقية المصرية السعودية اليمنية وأقرضت السعودية عشرة ملايين دولار لليمن وأعلنت الحكومة المصرية ترحيبها بالحلف كضربة لبريطانيا وجزء من خطة طرد البريطانيين من شبه الجزيرة العربية واعترف خروشوف أنهم الروس يبيعون سلاحا لليمن ويتكلم هيكل بنفس لهجة سلوين لويد عن استغلال مصري للسعودين فيقول أن عبد الناصر استعان بالأسرة المالكة السعودية ضد حلف بغداد ويكتفي بهذا النطق السامي دون تفسير ولا يقول لنا إذا كانت معركة حلف بغداد هي أبرز منجزات السياسة الناصرية الثورية ضد الاستعمار الأمريكي وشركاه فكيف قبلت الأسرة السعودية واتهامات هيكل لها معروفة أن يستعان بها في تحقيق هذا الإنجاز الثوري التاريخي؟
ويشهد بغدادي أنه في أكتوبر 1955 طلب الأمير فيصل بن عبد العزيز تشكيل لجنة عسكرية مصرية سعودية لشراء أسلحة للمملكة من دول الكتلة الغربية كما يشهد بغدادي أن الرئيس شمعون وسط عبد الناصر لدى السعودية لوقف الحملة عليه في صحف لبنان ولكن فيصل بن عبد العزيزي قال أن شمعون انجليزي ويعمل على تنفيذ سياسة الإنجليز
في أول مارس 1956 طرد غلوب باشا أو الحاكم الفعلي البريطاني للأردن وقائد الجيش الأردني والقصة معروفة حول وصول خبر الطرد أثناء مأدبة العشاء لسلوين لوريد في القاهرة مع عبد الناصر وعامر واندفع المد الوطن العروبي في الأردن فاستقال الوزراء الفلسطينيون الأربعة خلال زيارة الجنرال تمبلر للأردن وهي الزيارة التي كانت آخر محاولة من بريطانيا لإقناع الملك حسين بالانضمام إلى حلف بغداد وسجل سولين لويد في مذكراته عن الوزراء ومن المعتقد أنهم تلقوا رشوة ضخمة من السعوديين وأن الملك حسين قد أحاط به قرناء السوء.
وفي 10 مارس عرض نوري السعيد على سلوين لويد تنفي انقلاب في سوريا إذا ما حصل له على ضمانة بعد تدخل تركيا أو إسرائيل وحصل له سلوين لويد على وعد بذلك من تركيا وإسرائيل وكان الموعد المحدد لتنفيذ الانقلاب هو الفترة ما بين 30 سبتمبر و 15 أكتوبر 1956.
ووصل المد الوطني في الأردن إلى ذروته بإجراء الانتخابات وفوز حكومة سليمان النابليسي بالأغلبية الساحقة وقيام مجلس نيابي ناصري سعودي وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر وسوريا والأردن ووضعت القوات العسكية الثلاث تحت تصرف القائد المصري عبد الحكيم عامر فهو الذي يأمرها بدخول الحرب ويوجه تحركاتها العسكرية تماما كأنها جيش واحد.
ولا شك أن هذه كانت أعلى مرحلة في التضامن العربي والتنسيق العربي العسكري ولكن هيكل لا يشير إليها أبدا في سجل الانتصارات بل يقفز عليها للحديث عن نسف ماسورة النفط ولأمر ما جدع قصير أنفه واشترت المرأة السمسم غير المقشور بالمقشور.
اكتفى هيكل بإشارة غريبة على هذا الاتفاق إلى هذا الاتفاق وإلى الهدف الذي كان يرجى منه عندما قال أن السراج كان يأخذ ميثاق الدفاع المشرك والقيادة المشتركة بين مصر وسوريا والأردن وهو اتفاق وقع قبل العدوان الإسرائيلي بأيام قليلة مأخذ الجد (ج)
العفو ما هو كان صغير وربما لم يكن قد انضبط بعد على كل الموجات العاملة مع القاهرة.
ويقول أنه اكتشف في سوريا خطة سرية لعمل انقلاب في سوريا يتوافق مع غزو مصر وكان هدفها أن تمنع اشتراك الجيش السوري في المعركة مساندا لمصر إلى جانب الهدف الدائم وهو السيطرة على قلب دمشق ولكن الخطة اكتشفت واحبطت
المؤامرة صحيحة وقد اعترف بها سلوين لويد وغيرها ولكن هل صحيح أدى كشفها إلى إحباط الهدف؟ وهو منع الجيش السوري من الاشتراك في المعركة؟
هل اشترك الجيش السوري في المعركة.
ومن الذي منعه؟ ليس نوري السعيد ولا حلف بغداد ولا الرجعية بل أمر صريح من عبد الحكيم عامر القائد العام للقوا المشتركة المصرية السورية الأردنية لماذا؟
ويمكن لأي قارئ ملم بأوضاع تلك الفترة أن يقدر مدى التحول في الموقف الذي كن يمكن أن يحدث لو أصدر عبد الحكيم عامر أمره للجيشين الأردني والسوري بالهجوم على إسرائيل خلال استغراق جيشها في أضخم حرب واجهته منذ قيام إسرائيل وهي غزو سيناء التي تعادل مساحتها مساحة إسرائيل مرتين ونصف مرة فالجيش الأردني كان بشهادة الجميع وقتها عالي الكفاءة من الناحية العسكرية ونتفجر الوطنية والرغبة في غسل عار معارك 1948 والاتهامات التي كيلت له بسبب خيانة قادته الإنجليز والجيش الأردني كما يذكر المعمرون كان وقتها على بعد طلقة مدفع من البحر ويستطيع أن يقسم إسرائيل إلى شطرين بطابور دبابات وتأملوا الخريطة والجيش السوي كان لا يزال بكرا لم تمزقه الانقلابات والمؤامرات والحزبية ومواقعه في الجولان كانت تعطيه تفوقا ساحقا اعتبر أنه غير قابل للهزيمة عسكريا وكان السلاح الجوي الإسرائيلي مازال في بدايته.
نتمنى أن يذكر لنا ناصري واحد ما هي الخسائر المحتملة عسكريا أو سياسيا التي أراد القرار المصري تجنبها بمنع الأردن وسوريا من فتح جبهتين ضد إسرائيل في عام 1956 واليت لم تكن محتملة في 1967 عندما طلب منها الدخول رغم اختلاف الظروف تماما بحيث كان المكسب في 1956 محتملا والخسارة في 1967 مؤكدة بعد ضربة الطيران المصري ؟؟ ألا يذكرنا هذا بسؤال مايلز كوبلند عن اللغز في إحجام لم عبد الناصر عن الحرب مع توفير عوامل النصر والانجرار إليها إذا كانت الخسارة مؤكدة؟
من الناحية العسكرية كان الوضع أفضل بالنسبة للعرب في 1956 من الناحية السياسية كانت إسرائيل معتدية باتفاق العالم كله لأول مرة وآخر مرة وبقرار إدانة أمريكي وكانت مصر وسوريا والأردن أعضاء في قيادة مشتركة تلزمهم جميعا بالحرب إذا ما اعتدى علي أحد الأطراف الثلاثة ومن ثم لا لوم ولا مؤاخذة دولية بل إعجاب وزرع لهيبة العرب على المستوى الدولي وتعريف العالم أن التضامن العربي والاتفاقيات العسكرية العربية أمور جادة.
مؤكد أن الوضع العسكري لم يكن ليصبح أكثر سوء لو صدر الأمر إلى سوريا والأردن بالهجوم على إسرائيل في 29 أكتوبر 1956
هذا من الناحية العسكرية التي لا تحتاج لكثير إثبات ولكن هناك عنصر سياسي خطير يتغافلون عنه ولم يطرح أبدا وهو ما كان يقلق بال الإنجليزي واليهود والأمريكان ونوري السعيد وغيره خلال فترة الإعداد لغزو مصر فالمعروف أن الأردن كان مرتبطا بمعاهدة دفاعية مع الإنجليز وباتفاق مع العراق يتضمن دخول الجيش العراقي الأردني في حالة تعرضه لعدوان إسرائيلي وذلك بعدما تصاعد عدوان إسرائيل على الأردن قبيل الهجوم على مصر حتى ساد الاعتقاد بأن إسرائيل تدبر غزو الأردن لا مصر وكان المفروض في حالة وقوع حرب شاملة بين الأردن وإسرائيل أن تصبح كل من بريطانيا والعراق في مأزق حرج فإذا كان الجيش العراقي سيجد نفسه مضطرا بحكم الضغوط العربية والشعبية على حكومة بغداد أو بحكم وطنية ضباطه مشتركه في المعركة فإن بريطانيا كان ستواجه مأزقا خطيرا لأنه فضلا عن استحالة محاربتها لإسرائيل كانت في هذا الوقت بالذات تخطط لغزو مشترك مع إسرائيل.
يصور لنا موشي ديان هذا المأزق بعد عشرين عاما بقوله: خلال المفاوضات لتدبير العدوان الثلاثي ج كان من الضروري أن نعمل على تجنب وضع قد ننزلق فيه إلى صدام مع بريطانية الإسرائيلية المعقدة فبريطانيا لها معاهدات مع عدة دول عربية قد تهرع لمساعدة مصر ولو حدث ذلك فقد ينشأ وضع نكون فيه نقاتل مع بريطانيا في جبهة وفجأة نجد أنفسنا مصطدمين معها في جهة أخرى من الأردن حيث سيقدم له البريطانيون مساعدة عسكرية بموجب معاهدة الدفاع الأنجلو أردنية.
وكان رأي بن غوريون أن إسرائيل لن تهاجم الأردن إلا إذا هاجمها الأردن، وما دام لا يسمح للقوات العراقية بالدخول في أرضية وكان بن غوريون يعتقد أن بريطانيا لديها من النفوذ ما يمكنها من ضمان حياد الأردن وبذلك تمنع تعقيدات لا ضرورة لها ستتبع دخول القوات العراقية في الأردن.
وكانت العراق والأردن قد أنشأ قيادة عليا مشتركة في يونيو 1956 تقرر بها وضع فرقة عراقية متقدمة على الحدود العراقية الأردنية تكون مستعدة لمساعدة الأردن في حالة الطوارئ ثم اجتمع الملكان حسين وفيصل بن غازي لبحث نقل هذه القوات ذاتها للأردن وقد أعلن بن غوريون عن عزمه على التصرف عسكريا لو حدث ذلك
إسرائيل كانت مصممة على التصرف عسكريا لو دخل الجيش العراقي الأردني والمعاهدة التي يرتهن بها شرف العرش العراقي ونوري السعيد والمراهنة على صداقة النظام العراقي معلقة على تنفيذ بند الدخول العراقي في حالة الحرب بين الأردن وإسرائيل والمعاهدة البريطانية الأردنية والبريطانية العراقية وسمعة بريطانيا وثقة أصدقائها وادعاءات عملائها كله معلق على امتحان موقفها إذا ما حدث القتال المسلح بين الأردن ثم العراق وإسرائيل كذلك كان علينا أن نعرف هل ستنفذ بريطانيا معاهدتها مع الأردن وتتقدم لمساعدته إذا ما هاجم إسرائيل أو إذا تحركت إسرائيل إلى الضفة الغربية ردا على دخول القوات العراقية الأردن؟
وجاء في مذكرات هيوغتسكيل زعيم المعارضة البريطانية خلال معركة القناة أنه أثناء حفل العشاء الشهير الذي كان مقاما على شرف الملك فيصل العراقي ليلة التأميم سأل الأمير عبد الإله الوصي على العرش العراقي عن الأحوال فرد الوصي العراقي (26/7/ 1956) إن الوضع خطير والأردنيون قد يقدمون على إجراء سخيف ويهاجمون إسرائيل فنجد أنفسنا ننجر إلى الصراع أن هذا مثير للقلق.
أزمة فعلا ومشكلة خطيرة وبن غوريون يراهن على الضغط البريطاني على الأردن لإنقاذ الغرب وإسرائيل والنظم الصديقة من هذه الورطة الكارثة ولكنها مراهنة غير مضمونة فالأردن في أكتوبر نوفمبر 1956 لم يكن بالأرض الصالحة لقبول مثل هذا الضغط البريطاني بل الأحرى أن الملك حسين بذكائه المعروف كان سيرفض تنفيذ مثل هذا الطلب أما عن الجيش الأردني بقيادة علي أبو نوار الناصري وللاجئ السياسي في القاهرة بعد ذلك والحكومة الأردنية حكومة سليمان النابلسي وهو غني عن التعريف فكان يستحيل تصور استجابتهما للضغط البريطاني ورفض تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك ورطة حلت بأبسط وأهون ثمن مصادفة عجيبة جعلت الضغط يأتي من أخر جهة يمكن أن ترد على الخاطر ومن جهة لا يمكن اتهام من يطيع أمرها بالخيانة من القيادة المصرية المغزوة أرضها؟
لماذا؟
نتمنى أن نسمع تفسيرا.
بالطبع لا نريد تفسيرا سوقيا حاقدا من طراز أمة يهودية أو عبد الحكيم عامر أصله إيللي كوهين هذا سخف لا يستحق حتى مجرد السماع فضلا عن المناقشة.
التفسير الذي وصلنا إليه إن صفقة تمت بين أمريكا وعبد الناصر طالبت فيها أمريكا عبد الناصر غلا يوسع النزاع أن يمنع دخول الأردن وسوريا الحرب وهي تتعهد بالباقي وقد نفذ الطرفان ولكن ربح اليهود وخسرنا على المدى القريب والبعيد.
ويلاحظ أن سلوين لويد قد أورد قرار عبد الحكيم عامر للجيشين الأردني والسوري بعدم دخول الحرب ولكنه لم يعلق بحرف على أسباب القرار.
وهكذا لم يكن أمام الضباط السوريين إلا ما سورة النفط ينفثون فيها غيظهم ويرفعون في نفس الوقت سعر النفط الأمريكي بقطع أكبر شريان للنفط الأنجلو فرنسي على البحر الأبيض واقرب شريان لغرب أوربا إلى جانب سد قناة السويس.
أن المساندة العربية الأساسية التي يمكن أن تشكل قاعدة العمل العرب ونموذجا للتضامن ينمو مع الأيام ويحسب له العدو حسابه في المستقبل المساندة التي كانت ستكتب سطور الوحدة العربية بالدم منعها عبد الناصر وبالتالي لم يبق إلا المساندة بالخطب والأغاني والبرقيات والنداء هنا القاهرة من إذاعة عمان ودمشق عندما ضربت الإذاعة المصرية واستقر في ذهن العرب أن قطع النفط هو آخر الدواء والحلقة المفرغة التي ترقص حولها الأمة العربية دون أي تقدم.
والمسئول عن ذلك هو المؤامرة الإعلامية التي أرادات إخفاء السر وراء عدم تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك في أول امتحان للتضامن العربي في ظل 23 يوليو بالصخب حول الدعم العربي والتضامن العربي وبسالة الجيش السوري الذي نسف أنبوب النفط وكأنه جماعة إرهابية مطاردة من السلطة؟
لو طبق الميثاق لعرف العرب قيمة هذه الاتفاقية وأخذوها مأخذ الجد ولعرف العدو قيمتها وأخذها مأخذ الجد كما يسخر هيكل من سذاجة السراج؟
أيمكن أن يقول كاتب جاد مؤمن بعبد الناصر والوحدة العربية إن السراج كان يأخذ ميثاق الدفاع المشترك مأخذ الجد؟
يعني أيه؟
اتفاقية عسكرية وقع عليها رؤساء ثلاث دول والقائد العام في كل جيش وأقرتها السلطة التشريعية في كل بلد فأي عجي أو غرابة أن يأخذها السراج على محمل الجد؟ إلا لأن كاتب هذا الكلام يعرف أن الأمر كله نصب في نصب؟
على أية حال هيكل أعفى نفسه من تقديم أي تفسير للسبب الذي لم تنفذ من أجله الاتفاقية رغم اكتشاف المؤامرة الاستعمارية الرجعية التي كانت تستهدف منع تنفيذها؟
بقي أن نقول أن المساعدة العسكرية الوحيدة التي قامت كانت من السعودية التي أرسلت طائراتها لمصر وسمحت للطائرات المصرية باللجوء إلى المطارات السعودية مخاطرة بتعرض هذه المطارات للضرب.
نعود لقائمة الانتصارات
إن جو السويس كان هو الاختبار الذي نجح ونضج فيه جيل الخمسينات في العالم العربي، جيل جمال عبد الناصر وأحمد بن بللا وهو أري بومدين وعبد السلام عارف وجماعات الضباط الوحدويين في سوريا والطلائع الملتزمة من حزب البعث العربي الاشتراكي في منطقة الهلال الخصيب، وهو جيل كتب عليه أن يكون جسرا تمشي وتدوس أحيانا عليه أمة بأسرها من مرحلة إلى مرحلة في النضال كان هذا هو الجيل الذي فتح الطريق تحت شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة ومن المحيط إلى الخليج وبترول العرب للعرب ونصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا ونحن جزء من حركة الثورة الوطنية في العالم إلى أخره على آخره هو اللي بيقول إلى آخره وليس أنا ج) وربما كان أقسى نقد يمكن توجيهة لهذا الجيل أنه كان يعرف ماذا يريد بنفس هذا الوضوح إلى آخره إلى آخره وأنا الذي أقولها هذه المرة!!
وليسمح لنا أن نضيف إلى قائمة جيل الخمسينات عبد الكريم قاسم الذي لا شك أن أثره في العراق وفي التاريخ العربي أكبر من أثر عبد السلام عارف الذي جاء وذهب وجاء وقتل ولا أحد أهتم بماذا يريد وماذا لا يريد وإن كان النظام المصري يحمل القسط الأكبر في مسؤولية مصيره التعس وفشله ولا شك أنه كان يتفجر وطنية وإخلاصا وتدينا والحمد لله الذي جعل هيكل يسجله في قائمة الشرف وقد كان هذا الهيكل شجي في حلق عبد السلام عارف في حياة هذا المسكين.
أما ابن بللا فلا شك في إخلاصه وحماسته وثوريته، ولا شك أيضا في أنه ثورية قبل السويس وتعلم مما يتلوه الناصريون في بابل ما فرق بينه وبين الشعب الجزائري فتمكن منه هواري بومدين ابن جيل الخمسينات الذي استطاع بمساعدة مقالات هيكل الاستفزازية المتباكي اليوم على بومدين والمهاجم له يوم كان رئيس الجزائر المهم استطاع بومدين أن يحول الجزائر إلى أكبر قوة معادية لمصر وعبد الناصر وهو البلد الوحيد الذي ضر فيه المصريون بعد هزيمة 1967 واعتدى فيه على السفارة المصرية.
وتحولت الجزائر من حلم وبهجمة وأمل كل عربي بل ومن أكمل نصر عربي حقا تحولت وتحولت الجزائر من حلم وبهجة وأمل كل عربي بل ومن أكمل نصر عربي حقا تحولت على يد الأصفر الحقود إلى شجي في حلق الأمة العربية، ومصدر الفرقة والنزيف الدائم حتى اليوم في المغرب العربي!!
أما جيل ضباط الوحدة في سوريا والطلائع الملتزمة في حزب البعث، فحدث ولا حرج من الحريري إلى أمين الحافظ وصلاح جديد وباخوس والجند ولا تنس كمال أمين ثابت وعلى صالح السعدي ونايف كذا والحبل على الجرار.
أما أنه لم يجد لهذا الجيل ما يسجله له إلا الشعارات باستثناء بن بللا) فلا نناقش فقط نذكر المواطن العربي بما تحقق منها كل تلك الحريات التي يرفل فيها المواطن العربي والوطن العربي وكل الاشتراكية التي تغمر الأسواق العربية والتي تفوح من سيجار هيكل وبيوته الثلاثة في مدينة القاهرة كما ذكر للمحقق أما عن الوحدة من المحيط إلى الخليج فلا ينكرها إلا جاحد لفضل حرب السويس.
وقد والله احتار فينا الصديق والعدو ولم نجد عند الضيق صديقا له قيمة يأخذ بيدنا أو يعطيا ربع ما يعطيه العدو لإسرائيل أما بترول العرب للعرب الذي لم يتحقق إلا بعد أن خفتت أصوات هذا الجيل وزالوا من على المسرح وتقلص ظلهم من الساحة العربية وتحقق على أية حال على يد شيوخ لا وجه للشبه بينهم وبين جيل الخمسينيات هذا إذا كانت هذه هي الانتصارات فأين الهزائم؟
يقدم لنا هيكل قائمة أخرى من الانتصارات من طراز استطاعة الاتحاد السوفيتي أن يحقق ويعلن تعادله مع أمريكا ويحتار الصراف أين يصرف هذا الانتصار بالعملة المصرية خاصة وقد أضاف تفسير هيكل حيرة إلى الحيرة إذ قال وهي التي فتحت باب الوفاق هل كان الوفاق لصالحنا؟
ويصر على أن يسجل علينا في قائمة الانتصارات: انقسام العالم بين روسيا وأمريكا، وقرار فرنسا والصين بناء قوة نووية مستقلة وتحول بريطانيا وفرنسا إلى دولة من الدرجة الثانية، وسقوط الجمهورية الفرنسية الرابعة، وتدعيم الاتجاه نحو السوق الأوربية وتحرير المستعمرات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وظهور لومومبا ونكروما ونير يري (؟ج) وفيدل كاسترو وإن السويس كانت آخر صراع شارك فيه العمالقة في ميدان القتال كان هناك جمال عبد الناصر من ناحية وعلى الناحية الأخرى دافيد بن جوريون وانطوني ايدن وجي موليه وطبعا لا أحد يقول إن جي موليه كان عملاقا ولا أحد يذكر اسمه الآن إلا بالعدوان على مصر وإيدن سماه عبد الناصر الخرع فمن أين جاءته العملقة؟
كلام وحذلقة وخلي يتفكه بالآم الجيش المصري!
- على أية حال هذه لم تكن سوى المقدمة والكتاب في ثلاثمائة صفحة ويبدأ الفصل الأول بالحديث عن إسرائيل وهو ما نحمده له فهي حقا جوهر القضية ولب المعركة ويقرر لنا أن شركاء الحرب ضد مصر في سنة 1956 كانوا أربعة ولم يكونوا ثلاثة كما هو شائع في تعبير العدوان الثلاثي.
- الله أعلم بعدتهم والله على الذي حاول إخفاء الشريك الرابع عشرين سنة وأطلق على الحرب اسم العدوان الثلاثي وغني له 3 دول متقدمة يا بور سعيد إلخ.
- والشريك الرابع الذي يكشف عنه هيكل الستار هو أمريكا بالطبع الذي يؤكد لنا أنها سارت شوطا على طريق السويس ثم تخلت عنه إلى طرق أخرى ظنتها أسرع نفاذا إلى القاهرة وهذا هو الخلط حقا خلط نتائج صحيحة بمقدمات خاطئة ومقدمات معروفة بنتائج مزورة وستشرح ذلك بالتفصيل فالولايات المتحدة كانت نافذة إلى القاهرة.
- ولكن بغير هذه الصيغة السوقية المضللة والحق أن هيكل لا يقدم جديرا فاتهام أمريكا بالمساهمة في العدوان الثلاثي وحلف بغداد وجميع المؤامرات ضد السلطة المصرية في تلك الفترة مطروح في الإعلام الناصري بوضوح منذ عام 1957 وبشكل متقطع ومتحفظ أحيان قبل ذلك وبالذات منذ 1955
يقول: كانت إسرائيل أمام الجميع على طريق السويس بحكم اهتمامها الذي لا يدانيه اهتمام بكل ما يجري في مصر.
وهذا صحيح ألف في المائة والكارثة أنهم يعرفون وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ألم يكن الواجب ولو من باب المجاملة أن نهتم بمن يهتم بنا؟
وسنؤجل حديث الاهتمام وإنما نكتفي حاليا بذكر عدة نصوص:
- كان لدى المخابرات المصرية تقرير من تقرير المخابرات البريطانية جاء به: ليس لدى مصر أية نية في الاعتداء على إسرائيل وأنها ليست مستعدة لذلك بخلاف موقف إسرائيل واستعداها.
- في سنة 1955 وبعد ما قطع بن غوريون عزلته في مستعمرة سدبوكر بالنقب ليعد العدة لضرب مصر الضربة القاتلة يقول هيكل كان عبد الناصر يقول أنه لا يشغل نفسه بإسرائيل وإنما يركز على التنمية الداخلية في مصر وأنه لذلك خفض ميزانية القوات المسلحة بخمسة ملايين جنيه عن السنة الماضية لاعتقاده كما قال عبد الناصر نفسه إن إسرائيل ليست خطرا على مصر إلا أنه مصر ضعيفة اقتصاديا واجتماعيا.
فالرئيس عبد الناصر:
- 1- لا يشغل نفسه بإسرائيل.
- 2- لا يفكر في مواجهة عسكرية معها لا ابتداء من جانبه، ولا حتى في احتمال أن تجن هي وتهاجمه ولذلك بدأ يضعف قدرة مصر العسكرية بخفض ميزانية القوات المسلحة وسيحدث هذا للمصادفة مرة أخرى في نفس السنة السابقة على حرب 1967 وسيلغي بند بناء الدشم التي تحمي الطائرات المصرية لتوفير النفقات اللازمة للحرب في اليمن.
- 3- ونحن نعرف أن الزعيم الخالد لم يصمد طويلا على هذا التصور وهو الرغيف قبل المدفع، أو المصنع قبل الدبابة لأنه بعد قليل من ذلك الإعلان والخفض في ميزانية التسلح عقد صفقة السلاح السوفيتي التي قدرت الدفعة الأولى منها بستين ضعف ما خفضه لزيادة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومع ذلك فنحن نعتقد كما سنثبت أن صفقة السلاح الروسي كانت تهربا من المواجهة وليس سعيا لها المهم أن القيادة الجديدة لمصر جاءت إلى السلطة وهي غير منشغلة بإسرائيل واستمرت على عدم شغل البال هذا حتى قذفتها إسرائيل بالقارعة تلو القارعة فقررت أن تشغلنا بإسرائيل بدلا من أن تنشغل هي بإسرائيل.
في 1955 قال محمود فور زي) الذي يسيء إليه هيكل بالثناء عليه ولا ندري لماذا؟ قال فوزي لسلوين لويد ما من حكومة مصرية سيصل بها الجنون يوما إلى حد شن هجوم مسلح على إسرائيل.
بعد الشر عليكم من الجنون ... والمجنون راح والحمد لله.
ويقدم لنا هيكل خطة مصر ضد إسرائيل أسف هذه لا وجود لها أقصد يقدم لنا خطة إسرائيل ضد مصر، التي كانت تتوقع أن تستمر مصر، قائدة العالم العربي والوحيدة القادرة على شن هجوم عليها إلى نهاية هذا القرن.
ونقرأ لحظة ونحتار هل كانوا فعلا يعرفون ذلك ففعلوا كل ما يؤدي إلى تحقيق خطة إسرائيل؟
فهذه خطة إسرائيل وأهدافها بالنسبة لمصر كما أوردها فيلسوف الناصرية وصوتها الداوي:
- 1- إبقاء مصر ضعيفة مختلفة غير قادرة على إقامة البناء الاقتصادي الزراعي والصناعي المتطور وباختصار أن يظل الإنسان المصري كيانا مقهورا مطحونا عليلا غائبا عن الوجود الحضاري بكل قيمة تماما كتلك الصورة التي رسمتها جولدا مائير في كتابها حياتي الذي وصفت فيه الناس داخل محطة سكة حديد القاهرة حين وصلت إليها في العشرينات في طريقها إلى فلسطين أكوام من اللحم العظم المغطي بالتراب والذباب.
- أليست هي غولدا مائير التي زعمت الرواية المصرية أنها قالت عن مصر الناصرية لما يتعلموا يركبوا الأتوبيس نبدأ نخاف منهم هل كانت حالة مصر عند وفاة عبد الناصر أفضل بكثير منها قبل ثلاثين سنة هل كانت أكوام اللحم من المحطة إلى سطوح القطارات تحصدها أعمدة الكباري وتلقيها على جانبي القطار للذباب؟ هل كانت القاهرة كما هي الآن أقذر عاصمة في العالم هل مرة فترة كان فيها المصري كيانا مطحونا عليلا غائبا عن الوجود الحضاري بكل قيمة من الفترة التي مرة به من 1952 إلى 1966؟
- 2- إبقاء مصر معزولة عن بقية العالم العربي.
- وهي عناوين وضعا فيها مؤلفات ولكن يكفي أن نقدم صورة لوضع مصر والعالم العربي في عدوان 1967 كانت مصر قد انسحب من مؤتمر القمة العربية لأنه أصبح مظلة للرجعية العربية وانسحبت من مؤتمر القمة الإفريقية بعد أن تأكد لها أن استمرار حضورها أصبح غير ذي فائدة وأعلن عبد الناصر أن القوات المصرية باقية في اليمن ووصل الخلاف مع السعودية إلى ذروته وعشية هجوم إسرائيل كان عبد الناصر يسب الملك فيصل في القاعدة العسكرية المتقدمة في سيناء ويطالبه بأن يطلب من صديقه شاه إيران ...إلخ.
وعندما وصل الملك حسين إلى القاهرة في 30/ 5/ 1967 وكانت علاقاته متدهورة مع مصر إلى حد أن داعبه الناصر بقوله ما رأيك لو قمنا باعتقالك؟
وكانت هناك أزمة حدود مع السودان بسبب حلايب أوشك الجيش المصري أن يتدخل فيها كما صرح زكريا محيي الدين في الأسبوع الأول من مايو 1967 والعلاقات مقطوعة مع تونس في أسوأ حالاتها مع المغرب بعد أن حاربناها من أجل الجزائر ورفعنا شعار الحسن والحسين إلخ ثم خاصمنا الجزائر من أجل أبن بللا.
هذا بعض من فيض يؤكد أن هدف إسرائيل رقم 2 في خطة هيكل قد تحقق ربما بما يفوق أحلامها يقول كانت إسرائيل تريد أن تظل اهتمامات القاهرة متجهة إلى الخرطوم في الجنوب على أقصى تقدير تحت ضغوط وادي النيل أو أوهام وحدة التاج بين مصر والسودان وفي نفس الوقت تبقى صحراء سيناء عازلا يفصل ما بين المشرق العربي في أسيا والمغرب العربي في أفريقيا كان لابد للصحراء العازلة أن تكون فراغا من أي قوة ومنذ ذلك الوقت المبكر اتخذت الاستراتيجية الإسرائيلية من صحراء سيناء مقياسا للأمن والخطر، إذا كانت الصرحاء فارغة من مظاهر القوة فهو الأمن وإذا امتلأت الصحراء فهو الخطر.
الحروف السوداء من عندي وهي لإبراز أنه في أقل من خمسة سطور وصف سيناء بالصحراء ست مرات لم يخطئ مرة واحدة ويقو سيناء وهي المحافظة الوحيدة في مصر التي تضم البحر والجبل والخليج.
نناقش هذا الافتراء
- 1- هل صحيح كانت مصر تنحصر اهتماماتها في الاتجاه للخرطوم؟ ومن الذي أنشأ الجامعة العربية هل قدم النظام الناصر مؤسسة أو صيغة للعمل أكثر عروبة وأفضل نتائج من الجامعة العربية؟ ما هي؟
الجمهورية العربية المتحدة؟ التي قصفت في عمر الورود وأخرت قضية الوحدة إلى نهاية هذا الجيل على الأقل وأصابت التضامن العربي بأمراض لم يشفى منها إلى الآن؟ أما سخرية هيكل من وحدة مصر والسودان فتلك قصة أخرى، والحديث ذو شجون سنتلو عليكم نبأها في فصول أخرى ويكفي أن نقول هنا أنه يوم صدور مراسيم إعلان وحدة مصر والسودان فتلك قصة أخرى والحديث ذو شجون سنتلو عليكم نبأها في فصول أخرى ويكفي أن نقول هنا أنه يوم صدور مراسيم إعلان وحدة مصر والسودان تحت التاج المشترك التي هزت قلب كل مصري من الأعماق كان هيكل هو الوحيد الذي هاجمها في منزل مندوب المخابرات الأمريكية وهاجم الدور المصري في السودان وقال إن السودان لا يكسب شيئا من علاقته بمصر بل هو يخسر ومصر تكسب حتى تعجب السفير الأمريكي، ونقل دهشته لحكومته أن يصدر هذا عن مصري حتى ولو كان هيكل.
هل صحيح كانت إسرائيل تريد وحدة وادي النيل لننشغل بها عن الوحدة العربية ولكي تبقى صحراء سيناء فارغة من القوة؟
لماذا تصرفنا وحدة وادي النيل عن العمل العربي؟ بالعكس أنها تعطي مصر عمقا طبيعيا يجعلها أقوى في مواجهة إسرائيل وأكثر قدرة استراتيجيا ويلقى عليها مسؤولية أكبر، وتقديرا أكبر لأهمية العمل العربي ودورها القيادي فيه، يجعل لهذا الدور قناعة أكثر وحجة أقوى ويجذب إلى ساحة العمل العربي في الشمال طاقات السودانيين البكر، ورجولتهم ونقاءهم وحماستهم وإيمانهم القومي والديني ويحقن دم العروبة في شرايين الوجود الأفريقي
وتخيل دولة وادي النيل جذورها في قلب أفريقيا وفروعها ممتدة من خليج العقبة إلى ليبيا ومن العريش إلى السلوم على البحر الأبيض وتسيطر على ساحل البحر الأحمر الشرقي كله تقريبا وتضم ما يقرب من مائة مليون ورقعة زراعية أكثر من 200 مليون فدان..
تخيل أن هذا ما كانت تتمناه إسرائيل لمصر لكي تشغلنا عن التعاون مع جورج حبش وعلى صالح السعدي؟ ولكي نحرم من حوار مباحثات الوحدة الثلاثية؟
إن أول خطة لعلاج التدهور الثقافي في مصر هو تشكيل لجنة تقصي حقائق لبحث التكوين العقلي لقراء هيكل!
على أية حال الحمد لله الذي اختص بالحمد على المكروه فشل كيد بني إسرائيل وانصرفت اهتمامات القاهرة عن الخرطوم وتحررنا من ضغوط وادي النيل وهي من باب صاحت العتاريف وحبظلم إذ لا أحد يفهم ماذا يعني بضغوط وادي النيل وكأنها غازات والعياذ بالله.
وزالت أوهام وحدة مصر والسودان مع زوال التاج المشترك.
فماذا تحقق؟
- هل ملأنا صحراء سيناء بالقوة.؟
- هل زال وضع الصحراء كعازل بين آسيا وأفريقيا؟
- ما الذي اتخذته الناصرية من إجراءات للقضاء على هذا العازل؟
- كم عدد السكان الذين نقلتهم إلى هناك؟
كم مدينة جديدة بنتها كم من المطارات المدنية وخطوط طيران التي كانت تطير من العريش لعمان ولبنان والرياض وكم عدد الخطوط البحرية بين شرم الشيخ وبور سودان وجده والعقبة؟ ما هي الروابط التي أقامتها مصر في سيناء لتربط بين المشرق العربي والمغرب الأفريقي عبر الصحراء؟
ما هو العازل؟ إنشاورص كلام كما كانت تقول أغنية أعياد النصر؟
وكيف يبقى العازل وكيف يزول؟
إسرائيل عندما أرادت أن تزيل سيناء كعازل فعلت الآتي:
- 1- أقامت خط بارليف لكي لا يعبر المصريون من أفريقيا إلى آسيا فهل أقمنا خطا مماثلا عند حدود إسرائيل مع سيناء أم وضعنا البوليس الدولي؟
- 2- فتحت الحدود بين إسرائيل وسيناء فأصبح اليهودي ينتقل من تل أبيب إلى شرم الشيخ والعريش بلا أذن مرور.
- فهل ألغت الثورة هذا أم حتى يونيه 1967 كان المصري يدخل سيناء بترخيص خاص وكان الجمرك عند حدود مصر أي قناة السويس وحتى مايو 1967 قامت أزمة كبري مع أهالي سيناء لأن الحكومة طالبتهم ببطاقات شخصية للنساء وهو ضد تقاليدهم وإلا منعوا من عبور القناة ودخول مصر ألم تكن لسيناء إدارة خاصة في جاردن سيتي تصدر إذن الدخول للمصريين؟
- 3- أقامت إسرائيل المستوطنات وأسكنت فيها اليهود فهل فعلنا ذلك؟ أم صرفنا انتباه المصريين عن سكني سيناء باختراع أوهام تصرف نظر المصريين تماما عن سيناء لكي تبقى فارغة حضاريا وبشريا في انتظار الموعود ومن العشرينات أو الثلاثينات والمصريون واللبنانيون والسوريون يصرخون عمروا سيناء عمروا جنوب لبنان عمرو الجولان لكي لا تأخذها إسرائيل أرضا بلا سكان ولكن حكومات ما قبل يوليو كانت مشلولة الإرادة بفعل ثمانين ألف عسكري أجنبي أما حكومة الثورة فمرة تخرج علينا بمديرية التحرير، ومرة تصرعنا بالوادي الجديد وأن به نهرا يضرب نهر النيل على عينه كل هذا لحرف الأنظار عن أهمية وإمكانية سكني سيناء وتعميرها وهوما ما أثبت اليهود أنه ممكن وأن الماء متوفر والإنتاج سهل ومربح.
- من الذي أبقى سيناء خالية وحاجزا وهل يمكن أن تكون الصحراء إلا خالية وحاجزا؟ هل وضع مليون عسكري فيها يلغي الحاجز؟ أقرأ ما يكتبه اليهود على اختلافهم من غزل ومعرفة بكل حجز في سيناء وقارن هذا بإصرارك على أنها صحراء وما كتبته بيمنيك أنت وصبيتك على أنها عبء.
- 4- إسرائيل أقامت الفنادق والشركات السياحية، والمصايف والمشاتي في سيناء فهل فعلنا ذلك؟
- إسرائيل ربطت سيناء بشبكة مواصلات إسرائيل البرية والجوية والبحرية فهل فعلنا ذلك؟
- إسرائيل درست ودرست تاريخ سيناء وجغرافيتها ووضعت لها أسماء مزورة حتى تيران اكتشف بن غوريون عشية غزوها في عام 1956 وهو في الطائرة المتجهة إلى باريس لتنظيم العدوان الثلاثي اكتشف أنها كانت مقر مملكة يهودية في القرن الخامس الميلادي اسمها يوتفات والثعلب فات فات وأنت لا تكف عن نعتها بالصحراء ومن يهتم بالصحراء
- من الذي قال إن امتلاء سيناء بالقوة يعني الحشد العسكري الذي سرعان ما يتبخر عند أول هزيمة وتبقى الصحراء وحدها لا تجد من يحميها لو كانت الثورة أسكنت ثلاثة ملايين مصري في سيناء وهو هدف ممكن جدا لاستحال على إسرائيل غزوها أو البقاء فيها آمنة ما يقرب من 15 سنة؟
نتابع خطة إسرائيل تأليف محمد حسنين هيكل:
- يقول إن إسرائيل كانت تفضل أن تبقى مصر في دائرة النفوذ الغربي وكان المكروه باستمرار أن تكون لمصر صداقات دولة خاصة وبالذات مع القوى العظمى البارزة وفي وقت من الأوقات خشيت إسرائيل من صداقة خاصة بين مصر والولايات المتحدة ولكنها لم تلبث أن اطمأنت بفهمها أن مثل ذلك ضد حركة التاريخ في المستقبل المرئي على الأقل ثم تحولت خشية إسرائيل إلى صداقة خاصة بين مصر والاتحاد السوفيتي.
أما أن إسرائيل كانت تخشى أن تقوم صداقة بين مصر والولايات المتحدة، أو بمعنى أدق علاقة خاصة بين مصر وأمريكا فهذا تضليل بل عملت بجهد خارق في الولايات المتحدة وعلى الحدود وفي شوارع القاهرة والإسكندرية عملية لافون مثلا وفي جهاز الحكم المصري كما ستكشف الأيام لنسف هذه الإمكانية.
أما أن إسرائيل كانت تخشى قيام صداقة خاصة بين مصر والاتحاد السوفيتي فهذا صحيح شرط أن نحدد معنى خاصة أما الصداقة التي قامت في ظل الناصرية بين مصر وروسيا فهي عين وصميم ما أردته إسرائيل وسنشرح ذلك بالتفصيل في موضعه.
ثم يروي لنا قصة دارت بينه وبين أنورين بيفان النجم الساطع في حزب العمال البريطاني وهذا غير عملية النجم الساطع التي قام بها الجيش الأمريكي بالاشتراك مع القوات المصرية ج والسرداربنكار سفير الهند وقتها.
وهي قصة مريبة تثير علامات استفهام غريبة فهو يقول أنه قضي ليلة كاملة في السفارة يحاول إقناع بيفان بأن ينصح الإسرائيليين بالاهتمام بما يجري في مصر.
حتى ضاق بيفان به ذرعا وهذا نص كلمات هيكل ويكاد المريب يقول خذوني وراح بيفان أمام بانيكار يسألني باستفزاز لماذا تريدهم هناك في إسرائيل أن يحسبوا حسابا لما جرى هنا لست أرى أمامي هنا في مصر ثورة ما أراه هو واجهة ثورة، وليس مضمون ثورة، وهذه هي البيانات الصادرة عن النظام الجديد وهذه وثائقه أمامنا فأرني فيها أية اتجاهات ثورية تخفيف عدوا أو تثير بجد اهتمام صديق.
بحروفه.
- لماذا قضي هيكل ليلة كاملة في السفارة الهندية يحاول أقناع من وصفه هو بأنه كانت صداقته مع دافيد بين غوريون وثيقة لماذا كان يحاول إقناعه بأن ما جرى في مصر يشكل خطرة أو مصلحة لإسرائيل ومن ثم يجب أن تهتم إسرائيل بذلك وتحسب حسابه؟
- لماذا ولمصلحة منم؟ وخوفا على من أو خوفا على ماذا كان يخشى أن تهمل إسرائيل شأن ما يجري في مصر فتضيع الفرصة؟
- الوطني العادي يدعو الله أن يعمي عين إسرائيل حتى يتم أمره.
- تفسر واحد هو أنه كان مكلفا أو متطوعا بإغراء بيفان صديق إسرائيل بأن يبلغهم بأن صفحة جديدة قد فتحت في مص يمكن أن تقوم معها علاقات جديدة حتى ينشغل البلدان في التنمية والعدالة الاجتماعيه؟
أم هل يمكن تقديم تفسير آخر؟
- وهنا يطرح هيكل واقعة وقفنا طويلا أمامها ونحن نحاول أن نفهم ماذا يقصد من إثارة الغموض والحيرة إن لم نقل الفزع حول تاريخ الزعيم الخالد في حرب فلسطين فهو يقول: إن بن غوريون بدأ يطلب معلومات عن عبد الناصر فتقدم إليه اثنان في إسرائيل كلاهما قابل جمال عبد الناصر على نحو أو آخر.
- وهنا يطرح هيكل واقعة وقفنا طويلا أمامها ونحن نحاول أن نفهم ماذا يقصد من إثارة الغموض والحيرة إن لم نقل الفزع حول تاريخ الزعيم الخالد في حرب فلسطين فهو يقول: ابن بن غوريون بدأ يطلب معلومات عن عبد الناصر فتقدم إليه اثنان في إسرائيل كلاهما قابل جمال عبد الناصر على نحو أو آخر.
لماذا هذا التعبير بالذات على نحو أو آخر لماذا؟ ما هو النحو وما هو الآخر؟
- أولهما ضابط مخابرات إسرائيل اسمه يوريهان كويه والثاني ضابط إسرائيلي كبير أصبح الآن نائبا لرئس وزراء إسرائيل ووزير للخارجية وهو بيغال آلون.
- وقال إن ضابط المخابرات يوريهان كوهين اتصل عدة مرات بعبد الناصر الذي لفت نظره أي لفت نظر المخابرات اليهودي ج خصوصا عندما سأله عبد الناصر في أثناء استراحة للجنة الاتصال عن الأساليب التي استعملتها الجماعات الإسرائيلية المقاتلة ضد الإنجليز في فلسطين ما بين نهاية 1946 ومنتصف سنة 1948.
- وإيراد الرواية بهذا الشكل يوحي أو يقصد بها أن توحي بأن الجو صار من نوعية خاصة بين جمال عبد الناصر أركان حرب الكتيبة السادسة المشاة المتمركزة ما بين عراق المنشية والفالوجة في حرب فلسطين 1948 وبين ضباط المخابرات الإسرائيلية إلى درجة نسيان نفسية القتال وظروف اللقاء والحديث في القضية الوطنية ثم طلب الخبرة الإسرائيلية في مقاومة العدو المشترك الاستعمار البريطاني إذ لا يعقل أن أركان حرب العدو المحاصر سيتوقف ضابط مخابرات العدو قائلا: تسمح من فضلك كنتم بتحاربوا الإنجليزي إزاي؟ لابد من تعارف وحديث وانفتاح ومصارحة حتى يصل الأمر إلى طلب عبد الناصر نصيحة المخابرات الإسرائيلية في تنظيم إخراج الإنجليز وهذه خبرة لا تقال على فنجان قهوة في استراحة ما بين جلسات المفاوضات.
- ولا تقتصر رواية هيكل على هذا اللقاء ما بين عراق المنشية والفالوجا أي في منطقة القتال أو الأرض الحرام بل يؤكد لنا هيكل أن عبد الناصر وكوهين التقيا مرة ثانية داخل إسرائيل حيث قضي عبد الناصر بنهارها أو بنص تعبيره 24 ساعة في الأرض المحتلة من النقب.
- والسبب أن عبد الناصر ذهب إلى هناك ليرشد اليهود إلى مقبرة كانت قواته في الحرب قد دفنت فيها أكثر من أربعمائة وخمسين جثة.
على أن رواية هيكل القصة على هذا النحو لا يمكن أن تكون بريئة القصد إذا أنها تثير أكثر من سؤال فما دخل رئيس الأركان في المقابر؟ هل دفن عبد الناصر الأربعمائة وخمسين قتيلا وحده؟ ألم يشاركه فيها ضابط برتبة صغيرة أو صول حتى لا يعرف أحد المكان غيره فيذهب بعد سنتين ليرشد اليهود عنه؟ حتى لو أضاف هيكل أنه ذهب بتكليف من قيادة الجيش المصري.
المهم أنه من محاسن الصدف أن يجد عبد الناصر نفس الضابط يوريهان كوهين في انتظاره ويمضيان 24 ساعة كاملة داخل إسرائيل؟
ولم يضيف هيكل شيئا عما جرى من حوار في تلك الليلة، لعله احتفظ به ضمن أوراقه التي قال أنها محفوظة خارج مصر وهذا هو النحو الذي عرف فيه كوهين عبد الناصر أما النحو الآخر عن لقاء إيجالي الوفد فلم يذكر عنه شيئا.
ويختم حديثه هذا بقوله: وكان بن غوريون على استعداد لأن يسمع كل من يستطيع أن يضيف إلى معلوماته شيئا عن جمال عبد الناصر ثم سطرين نفط؟
ولا حاجة للنفط والغموض فحتى لو حكم مصر محمد حسنين هيكل أو جمال سليم لكان على رئيس وزراء إسرائيل أن يسمع عنه كل شيء فهذا ليس الدليل على أهمية عبد الناصر ولا أهمية الثورة فتلك قضية لا تحتاج لشهادة بن غوريون ولكنه دليل أهمية مصر ودليل يقظة وتنبه الحكم في إسرائيل ولا ينتقص من أهمية إسرائيل أن حكام مصر كانوا عنها في شغل بسماع كل ما يمكن أن يضيف إلى معلوماتهم شيئا عن فؤاد سراج الدين أو تنظيم الإخوان السري أو محمد نجيب؟ ثم نوري السعيد وشمعون ...إلخ.
بن غوريون أوب ج_ كما يسميه الكاتب الظريف ويعرفنا أنه اختصار اسمه كان يعيش في (هم) مصر 24 ساعة وهو خارج الحكم حتى أنه حول مستعمرة سدبوكر إلى مركز قيادة عليا سياسية وعسكرية بينما يورد هيكل بالمقابل النص الذي أشرنا إليه من قبل على لسان عبد الناصر الذي يقول أنه لا يشغل نفسه بإسرائيل ثم يكرر مع سنة 1954 كان بن غوريون ووراءه القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل مشغولين بجمال عبد الناصر قبل أي ظاهرة أخرى في المنطقة.
صادق!!
- كل القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل لا تنام الليل من التفكير في عبد الناصر وبالمقابل لا أحد يفكر في بن غوريون أو إسرائيل وبالذات في عام 1954 العام الحافل بالإنجازات الثورية..
فماذا كانت النتيجة؟
للأسف أنها معروفة لأنها حدثت
يقول هيكل:
- في سنة 1954 كان بن غوريون في مستعمرة سدبوكر لا يزال يمطر رئيس الوزراء موسي شاريت بالمذكرات المكتوبة يسأله هل اتخذت الحكومة الإسرائيلية كل الاحتياطات الواجبة عليها إزاء مثل هذا التطور جلاء الجيش البريطاني عن مصر .
- هل عرفنا ما هي الأشياء ... أسلحة ومعدات ومخزون عسكري التي تركها البريطانيون في القاعدة هل اتخذت بريطانيا تعهدات كافية لحرية ملاحة إسرائيل إلخ إلخ.
- في الحقيقة كانت سنة 1954 حاسمة في إسرائيل وكان الخلاف موجودا في القيادة بين بن غوريون وتيار الصقور من ناحية وبين موشي شاريت وتيار الحمائم كما يسمونهم بين لافون وشاريت وبين لافون وموشي ديان ولكنه كان خلافا على مصر والعرب ولجأ بن غوريون إلى عزلته ليعد العدة لتطهير إسرائيل من أمراض وأوهام الطفولة جماعة الحالمين بالتعايش مع العرب والعاطفين على الاتحاد السوفيتي وحركة السلام تأكيد وحدة إسرائيل والقضاء على أية إمكانية للانقسام قبل سحق قوة العرب العسكرية واستئصال حتى مجرد طموحهم في مقاتلة إسرائيل ولم تتم هذه الصفقة بالمعتقلات والسجون بل بتصعيد المواجهة مع العرب وخاصة مصر لأن الوحدة الوطنية لا تتحقق إلا في مواجهة العدو الوطني وفي هذا الوقت ألف مناحيم بيغن كتابه الذي قال فيه في إسرائيل لا يوجد عمال ولا رأسماليون بل وطنيون فقط.
- لقد استطاع بن غوريون في الفترة من يناير 1954 عندما اعتزل الحكم إلى فبراير 1955 عندما عاد بدرجة وزير دفاع وهو مؤسس إسرائيل ولكنه لم يهتم بالألقاب والأقدمية التي كانت الشغل الشاغل لمجلس الثورة استطاع أن يضع استراتيجية الإمبراطورية الإسرائيلية التي نفذت خلال الثلاثين عاما التالية.
ترى ما هي الاهتمامات المقابلة للقيادة المصرية في عام 1954 نسمع شهادة بغدادي:
- بدأ عام 1954 والخلاف على أشده بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر بعدما حلت الأحزاب وقبض على القيادات السياسية المدنية وألغي الدستور.
- يختتم بغدادي تاريخه لعام 195 بتقرير أن سياسة جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر قد أدت إلى إفساد الجيش مما ترتب عليه نتائج وخيمة عسكرية وسياسية مما سيتضح للقائ من خلال هذه المذكرات.
وهذا بالطبع نتيجة وسبب لعدم الانشغال بإسرائيل وانشغلت القيادة المصرية في صراع مصيري على السلطة فيما بينها وفيما بينها وبين بقية القوى السياسية المصرية وكانت المؤامرات على جميع المستويات.
جمال عبد الناصر تكلم مع هيكل وأحمد أبو الفتوح وطلب منهما عدم نشر أحاديث وصور محمد نجيب وأنور السادات لمح هو الآخر إلى أحمد الصاوي محمد بجريدة الأهرام وسأل بغدادي عن مدى علم مصطفى أمين وعلي أمين بذلك الأمر فأبلغني جمال عبد الناصر أن هيكل أبلغهما وأنه أي جمال يثق بهما.
وكان محمد نجيب لا يزال رئيس الجمهورية الشرعي.
وفي اليوم التالي لهذا الحديث مع جمال عبد الناصر كنت أتحدث مع زكريا وحسين الشافعي عن هذا الخلاف الذي بدأ يستفحل وهذا الهجوم السافر على صفحات الجرائد وأن ذلك له ضرورة ولا يحقق مصلحة لأحد لماذا لم يقل ذلك لعبد الناصر نفسه في اليوم السابق ج؟ فعلق زكريا على ذلك بقوله: إنه التنافس على السلطة power ولكنهما استاءا مي لما علما بموضوع حديث جمال مع الصحفيين.
ومن تسجيل البغدادي نفسه نكشف موقفه المنافق فليس في ما أورده عن جلسته مع جمال عبد الناصر ما يوحي بأي استياء أو اعتراض بل بالعكس أراد إكمال حلقة الحصار الإعلامي حول محمد نجيب فسأل وماذا عن مصطفى وعلي أمين هل أخبرهما أحد فطمأنه عبد الناصر أنه معمول حسابهما!
اقترح جمال عبد الناصر عقد اجتماع من وراء ظهر محمد نجيب وكان واضحا أن الهدف هو أن يصبح اجتماع يوم الأحد الاجتماع الرسمي لمجلس الثورة ج ما هو إلا اجتماعا صوريا فقط حتى يمكن شل وعزل محمد نجيب ويصبح وكأنه في جانب والمجلس في جانب آخر وتحمس جمال سالم وكان الأمر قد بيت بليل واقترح تفويض عبد الناصر في اتخاذ القرارات نيابة عن المجلس أي قبل تفويض مجلس الأمة الشهير ب 13 سنة !!على أن يأخذ موافقة الأعضاء تليفونيا.
اجتمع مجلس الثورة لبحث كيف يمكن مقاومة الإخوان المسلمين والقضاء على جماعتهم ورؤى تركهم لزيادة الانشقاق بينهم فهذه هي الوسيلة لإضعافهم وتفكيك صفوفهم وكان قرارنا هو العمل على زيادة الانشقاق الموجود بينهم والعمل أيضا على زعزعة ثقة من يتبعهم في أشخاص قياداتهم.
ثم تقرر حل الإخوان واعتقال مرشدهم وما يربو على 450 معتقلا وفصل بعض الطلبة والموظفين المنضمين لجمعية كان قد أحيل ضباط البوليس المنتسبون إليها إلى المعاش وكذا تم اعتقالهم.
وكانت جماعة الإخوان هي آخر تنظيم سياسي يحل ويعتقل أعضاؤه في مصر فهي التنظيم الذي اعتمد عليه ضباط وحركة 23 يوليو وكلفه عبد الناصر بالتصدي للإنجليز إذا ما هجموا من ناحية السويس لنا رأينا في هذه الرواية وأرجع إلى ما كتبه مصطفي أمين في فصل الأمريكان باريس ولكنه لم يمر أقل من عامين حتى كانوا في السجون وكان الفصل والتشريد والتجويع للمواطنين بسبب أرائهم السياسية جمال عبد الناصر يبلغ المجالس أنه اتصل بإسماعيل فريد ياور محمد نجيب وسب له وعن رئيس الجمهورية وطالب إسماعيل فريد أن ينقل إلى رئيس الجمهورية هذه الشتائم واعتقد أن جمال قصد بهذا إرهاب الرجل وأنه من المستحسن له أن ينزوي ويخضع . الكلام لبغدادي.
واقترح جمال سالم أن يقتل هو محمد نجيب ويحاكموه.
وهذا بالطبع في مواجهة عبد الناصر أما من وراءه فإليك نموج من الحوار الهامس الذي كان يدور بين الجماعة التي شاء القدر أن تكون على رأس السلطة المصرية وإسرائيل تعمل ليل نهار لخوض معركة حق الوجود.
يقول بغدادي:
يوليوس قيصر:
- وكنت قد سافرت إلى مدينة الأقصر بالطائرة يوم الجمعة 19 فبراير 1954 لافتتاح المطار الجديد بها وقد رافقني في هذه الرحلة حسن إبراهيم ودار بيننا حديث حول فيلم يوليوس قيصر الذي شاهدناه في اليوم السابق وذلك الشبه الكبير ين ما دار في ذلك الفيلم وما كان يتمثل على أرض مصر من صراع وتطاحن من أجل السلطة وعلى أن هذه هي سنة الحياة وأن هذا الصراع سيظل يتمثل على مسرحها ما دام هناك بشر وحياة وجرنا الحديث عن الفلم إلى الحديث عن مجلس قيادة الثورة والتطور الذي حدث به وبعد أن كان هناك توازن في القوى والرأي داخله دام قبل قيام الثورة وبعد قيامها لمدة عام تقريبا إلا أن هذا التوازن قد انتهى وأخذنا نبحث عن أسباب هذا متعرضين لموقف جمال سالم وانحيازه إلى رأي جمال عبد الناصر المستمر وأن ذلك الموقف منه غير ما كان عليه حاله من قبل ومتعرضين أيضا لأشخاص المجلس وكيف كانوا وما أصبحوا عليه وكذا موقف جمال عبد الناصر وما يهدف إليه من محاولة تركيز السلطة في يده وذلك بغرض أن ينفرد بها في النهاية ولقد شكا حسن أنه غير ممكن أن يعمل وحتى عمله في هيئة التحرير غير محدد وكان جمال عبد الناصر هو الأمين العام لها وكان يتعاون مع إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة في إدارة تلك المنظمة السياسية متخطيا حسن علما بأن قرار المجلس يتعين حسن بها قصد به أن يقوم بمتابعة نشاطها وإدارتها نظرا لانشغال جمال عبد الناصر في مسألة أخرى.
وكان حسن إبراهيم يتمنى أن يعفيه المجلس من عضويته نظرا لهذه الظروف ولكن الخوف على وحدتنا وتماسكنا وبالتالي على الثورة كان عامل ضغط على كل منا في ضرورة الاستمرار دون التنحي.
والغريب أننا سنجد حسن إبراهيم هذا يلعب دورا رئيسيا في تصفية محمد نجيب وتنغيص حياته في الوقت الذي يشتكي فيه من الاستبداد!
وفاجأهم محمد نجيب باستقالته التي كان لها وقع الصاعقة بغدادي وصدر الأمر إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الثورة بعدم مغادرته منزله حتى تصدر إليه أوامر أخرى من المجلس ويقترح جمال عبد الناصر أستاذ التاكتيك غير العسكري أن نرضى محمد نجيب الآن ونقبل جميع شروطه ونخضع له حتى نفوت الفرصة عليه ونعمل على إقناعه بسحب الاستقالة وبعد شهر أي في يوم 23 مارس 1954 نتخلص من محمد نجيب ومن أنه هو الذي سيقوم بعمل الترتيبات اللازمة لتنفيذ هذا الأمر وواضح أن الحديث كان يدور حول الاغتيال وليس الإقالة غذ رفض بغدادي ذلك وأعلن أن أي عمل سيتخذ وأجده ضارا بهذه الثورة فلن استمر في العمل معهم واعترض صلاح سالم أيضا لسببين الأول أسبرطي وهو أن الجريمة هو ما يكتشف وليس ما خالف الأخلاق فقال إن الأمر لابد أن يكتشف ويعرف أن المجلس هو الذي دبره وهذا سيكون كفيلا بالقضاء على سمعة المجلس أما السبب الثاني فقد بين للمجلس الأضرار التي ستنتج عنه بالنسبة للوضع في السودان وذلك لمحبة الشعب السوداني لمحمد نجيب ورأي المجلس استبعاد اقتراح جمال عبد الناصر .
ورغم ما أوره بغدادي عن حديث مع زكريا وحسين حول صراع السلطة وما جرى بينه وحسن إبراهيم من تعليق على يوليوس قيصر فقد كان للأعضاء من قدرة على إخفاء المشاعر ما يكفي للحديث أمام بعضهم هكذا واجتمعنا في منزل جمال عبد الناصر وقد بدأ هو الحديث بقوله إن هذا الخلاف ليس تطاحنا على السلطة والسلطان وإنما هذا التطاحن من أجل المبادئ والمثل وتكلم صلاح أيضا عن هذه المثل وتكلم جمال سالم في نفس المعنى كذلك.
واستدعى الوزراء المدنيون للاجتماع بعد أن هدد أعضاء المجلس بالاستقالة واضطروا للرجوع تحت ضغط الضباط الأحرار ويصف بغدادي حالة وزراء مصر هكذا وكان الوجوم مخيما على وجوههم بل كان الرعب ظاهرا في أعين البعض منهم.
وإذا كان الرعب يطل من عيون الوزراء، فهذا يعطيك فكرة عن ماذا كان يطل من عيون الشعب وصغار الموظفين وويل لدولة ينطق الرعب في عيون وزرائها وأين لدولة تزرع الرعب في عيون وزرائها أن تنشغل بعدو فضلا عن أن تخيفه..
وقال الضباط الثوار أن الشدة مطلوبة لا ضد إسرائيل بل ضد المصريين فاقترح الوزراء المرعوبون اقتراحا خبيثا للنجاة بجلدهم قالوا: ما دام الشدة مطلوبة فأنتم لها شكلوا حكومة عسكرية وخلونا نروح نبوس أيدك يا بيه ولكن القيادة أوضحت لهم: أن انسحابهم في هذه الظروف يعطي معنى عدم موافقتهم على تلك السياسية.
وأنت عارف يا شاطر إللي ما يوافقشي بنعمل فيه أيه؟ خصوصا والوقت وقت الشدة وبلغ نور الدين طراف رعبه، وهو من المجموعة الانتهازية التي أتلفها بعض الوفد فأسقطها في براثن الحكم الاستبدادي ولوثت اسم الحزب الوطني الذي تحول إلى ممسحة لكل من أراد الاعتداء على حقوق الشعب من خلال محاربة الوفد.
طالب نور الدين طراف بالصمود الصمود ضد الوفد ومحمد نجيب بينما كانت إسرائيل تبحث الصمود والتصدي والتعدي ضد العرب ومصر بالذات.
قرر مجلس الثورة أن يتحول إلى جهاز لإطلاق الإشاعات ضد رئيسه محمد نجيب على أن يتم ذلك عن طريق ذكر هذه الخلافات لكل من نعرفهم وهو بدورهم سيقومون بنقلها إلى غيرهم كما طلب من الجمهورية والأخبار الكتابة عن المثل والمبادئ
ويقول بغددي أنهم قرروا معاملة محمد نجيب معاملة لائقة برئيس الجمهورية وقائد الثورة إلخ ولكنه أيضا بسذاجة نادرة يسجل واقعة حدث أثناء الاجتماع تعطي فكرة عن نوعية المعاملة التي كان يلقاها محمد نجيب والغريب أنه لا يعلق ولا يستنكر ولكن بعد عشر سنوات عندما ستفرض الحراسة على أموال أخيه، سيعتبرها عملا لا أخلاقيا مع أن أخاه لا من الثورة ولا من التسعة المشهود لهم ولا كان لديه هذه الأموال قبل أن يصبح أخوه الكاهن الأكبر للأشغال والمقاولات.
الواقعة أن رئيس الجمهورية المحددة إقامته في منزله بعث يطلب الإذن لطباخه الخاص بالخروج والدخول إلى المنزل دون اعتراض ليحضر المأكولات اللازمة للمنزل ومذكرة أخرى يطلب فيها السماح بذبح عجل من الماشية كان لديه بالمنزل لنافد العليقة الخاصة به وكان قد اشتراه لذبحه وتوزيعه على الفقراء قبل سفره إلى السودان لحضور افتتاح البرلمان السوداني الجديد.
وهكذا في الوقت الذي كان فيه بن غوريون بشهادة هيكل يحاول أن يعرف كل صغيرة وكبيرة عن النظام الجديد في مصر وعن نتائج الانسحاب البريطاني من مصر كان رئيس جمهورية مصر مهددا بالموت جوعا ولا يملك حتى الأذن بذبح العجل الذي تعرض بدوره للتجويع ومجلس الثورة يبحث موضوع عجل أبيس هذا؟ وإذا كان بوسع لمؤرخ أن يستنتج السماح لمحمد نجيب بالأكل من واقعة استمراره حيا حتى دفن معظم أعضاء مجلس القيادة فإن السؤال الحائر إلى اليوم والذي لم يجب عليه بغدادي هو مصير العجل هل لحقوه وحللوه بالسكين؟ أم نفق جوعاسؤال من ضمن الأسئلة الحائرة في ضمير السيد أمين هويدي!!
وحفرت الهوة التي ازدادت اتساعا كل يوم بين الشعب والجيش والتي لا يمكن تصور انتصار الوطن في ظلها فالجيش الذي كان أمل ورمزه وقوة عين المصريين قبل الثورة والذي احتضن الشعب ضباطه وجنوده في الأسبوع الأول من الثورة وصل الحال إلى أن قال ضباط سلاح الفرسان لعبد الناصر أصبح الشعب ينظر إليهم وكأنهم خونة بعد استقالة محمد نجيب بل وأنهم على حد قولهم يبصقون عليهم أثناء سيرهم في الشارع ويوجهون إليهم كلاما جارحا وأن هذا يؤلمهم ويجرح شعورهم.
أهذا مناخ انشغال بإسرائيل؟ أو الأمن القومي كما يقول أمين هويدي؟
والذي يراجع مذكرات بغدادي وتصريحات أعضاء مجلس الثورة أمام عبد الناصر وما كانوا يقولونه في لقاءاتهم الخاصة مع من يثقون به يكتشف ظاهرة رهيبة هي أن هذه المجموعة لأمر ما فقدت طهارة البكارة والصدق مع النفس وقرر كل منها أن يبقى على السطح الساخن أطول مدة ممكنة لأن السقوط يعني الموت بالحياة كما وصفه صلاح سالم..
وها هو وضع رئيس المجلس عبرة لمن يعتبر والرعب في أعين الوزراء ومن ينسحب يعني أنه لا يوافق فآثروا السكوت وفي مثل هذا المناخ لا يمكن معرفة الحقيقية ولا الأخطاء وسنرى أ،هم استمروا يستبعدون الخطر الإسرائيلي إلى أن نزل جنود المظلات الإسرائيليون في سينا وعرفوا النبأ في حفل عيد ميلاد أحد الأنجال وظلوا يستبعدون الغزو البريطاني إلى أن صعد عبد الناصر على سطح بيت سفير الهند ورأى الطائرة البريطانية بعينه.
نعود إلى اهتمامات القيادة المصرية في مارس 1954.
قام سلاح الطيران المؤيد لجمال عبد الناصر بالتحليق الإرهابي فوق سلاح الفرسان المؤيد لمحمد نجيب وخالد محيي الدين وأعلن عبد الحكيم عامر أنه غير ملتزم بقرار مجلس الثورة وأنه سيدك سلاح الفرسان إن لم يخضع لأوامره وعلى المجلس أن يحاكمه بعد الانتهاء من المعركة.
والمعركة المقصودة هي ضد سلاح الفرسان المصري ولو أن عامر اتخذ هذا القرار الشجاع مرة واحدة في 1956 أو 1967 أعني دك إسرائيل على مسئوليته وليحاكموه بعد المعركة لتغير التاريخ ولكن هيهات.
وأصدر أمره لوحدات المدفعية والمشاة بأخذ موقعها التي حددت لها وفي أثناء ذلك حضر إلينا اليوزباشي كمال رفعتي واليوزباشي حسن تهامي وهما من الضباط الأحرار وأبلغانا أنهما قاما من تلقاء أنفسهما بإلقاء القب على محمد نجيب وهو في منزله ونقلاه إلى ميس سلاح المدفعية.
اجتمعوا بعد ذلك واتهم صلاح سالم، وخالد محيي الدين بأنه أي خالد هو الذي دبر عصيان سلاح الفرسان.
وعلمنا من جمال عبد الناصر من أنه قد أمر باعتقال الكثيرين من الإخوان المسلمين والشيوعيين وأساتذة الجامعات خاصة جامعة الإسكندرية بصفته الحاكم العسكري ذلك لأن أساتذة تلك الجامعة كانوا قد اجتمعوا وقرروا بأن تتولى كل طائفة عملها وهم يعنون بذلك عودة ضباط الجيش إلى ثكناتها كما أبلغنا أنه قد أمر بتشكيل محاكم عسكرية خاصة لمحاكمتهم.
كان واضحا فشل المخطط الإسرائيلي فشلا ذريعا ونعني به الهادف إلى شغل القاهرة أو مصر بالسودان وأوهام وحدة وادي النيل بل أصبح واضحا أن بريطانيا هي التي سقطت في المخطط الإسرائيلي إذ كانت الدبلوماسية البريطانية والإدارة البريطانية تعمل ليل نهار لفصل السودان عن مصر ومجلس الثورة في مصر أما غافل تماما عما يجري هناك لا يعنيه مصير السودان ولا يشغل باله بأوهام وحدة وادي النيل ولا يعاني أية ضغوط من وادي النيل إلا ما يتمثل في مكانة محمد نجيب واهتمامات صلاح سالم الذي ارتبطت وحدة وادي النيل بشخصه ومستقبله السياسي والذي كان من المجموعة الوطنية التي تعتبر فقد السودان كارثة وخيانة وطنية لا يجرؤ رجل ولا نظام ولا حتى ثورة على مواجهة الشعب بها بله مواجهة ضميره أما مجلس الثورة فكان بعضه منشغلا بتدبير تصفية محمد نجيب وبعضه يتعاون مع الإنجليز ومرتبطا معهم بفصل السودان كما أكتشف صلاح سالم في آخر لحظة فقد عقله حرفيا وليس بلاغيا كما سنوضح في موضوع السودان.
ومن محاول اغتيال محمد نجيب وإرهابه على يد سلوين لويد والحاكم العام وعصابات عملاء الإنجليز في السودان، إلى إذلاله وامتهان وتهديده في القاهرة إلى حد تعلقه بعباءة الملك سعود وهو يودعه في المطار، يرجوه أن يأخذه معه ولا يتركه تحت رحمة رفاقه رجال مجلس الثورة ويعتذر الملك سعود وما أن تطير به الطائرة حتى يسقط رئيس جمهورية مصر وهو يبكي ويصرخ: البلد رايحة في داهية يا رب تعذبني ليه.. موتني.. انفضحت يا محمد نجيب.. حاكموني.. ثم يغمى عليه فيحملونه حملا ويكتبون في مذكراتهم أنه تظاهر بالإغماء
كان النظام الديمقراطي القائم على فصل السلطات ترسخ قواعده في دولة العنصرية الاستعمارية وكان رئيس مجلس الدولة يضرب علقة في القاهرة التي عرفت احترام القضاء منذ سبعة آلاف سنة.
في عام 1954 وقعت حادثتان غريبتان متشابهتان الأولى من تدبير وتنفيذ جمال عبد الناصر والثانية من تدبير لافون وزير دفاع إسرائيل وتنفيذ شبكة جاسوسية وتخري يهودية في مصر
الأولى نقلا عن مذكرات عبد اللطيف بغدادي أحد أبرز رجال مجلس الثورة قال: في الاجتماع المشترك مجلس الثورة مجلس الوزراء مارس 1954 أشار جمال إلى أن هناك ستة انفجارات حدثت في نفس اليوم وكلها في وقت واحد وفي أماكن متفرقة واحد منها في مبنى محطة السكة الحديد واثنان بالجامعة وآخر بمحل جروبي وكان غرضه من الإشارة إلى هذه الانفجارات هو توضيح أن هذا قد حدث نتيجة لسياسة اللين والميوعة الظاهرة في موقف الحكومة وكان محمد نجي مصرا على اتخاذ الإجراءات العادية ومعارضا في اتخاذ أية إجراءات استثنائية.
والحادثة الثانية في يوليو 1954 قامت وحدة إرهابية إسرائيلية بزرع عدد من القنابل في مؤسسات أمريكية بريطانية في القاهرة والإسكندرية وقد اعتقلت المجموعة وانتحر أحد أفرادها في السجن وأعدم أثنا في يناير 1955.
يقول موشي ديان وثار الرأي العام الإسرائيلي وطالب بمعرفة من المسئول عن هذا العمل هل هو الضباط المسئول عن الوحدة الإرهابية ج أم وزير الدفاع؟ وأصر الضباط على أنه تلقى أمرا شفويا من الوزير في اجتماع ضمهما وحدهما بينما ادعى لافون أن الضابط تصرف على مسئوليته وشكلت لجنة تحقيق بأمر رئيس الوزراء تضم رئيس المحكمة العليا وأول رئيس أركان للجيش الإسرائيلي وكان قرارها أنها لا تستطيع أن تجزم على وجه اليقين من الذي أعطى الأمر وهذا ألقي ظلا من الشك على كل من الضباط ووزير الدفاع ولذا قرر رفاقه في الحكومة وقيادة حزب الماباي أن لافون يجب أن يذهب وكان قد قدم استقالته في 2 فبراير 1955 وقبلتها الحكومة في 20 فبراير وفي هذا اليوم رجع بن غوريون إلى منصب وزير الدفاع.
وبدأ في التاريخ الإسرائيلي ما يعرف باسم فضيحة لافون وقد كتب الصحافة العربية الأكوام عنها وعن فساد النظام الإسرائيلي الذي يزرع القنابل في القاهرة بدون موافقة السلطات الدستورية ولكن لا الصحافة الإسرائيلية ولا المصرية اهتمت بالبحث عن من زرع هذه القنابل الأخرى في عاصمة مصر وفي أماكن شديدة الزحام ولا يتجمع فيها إلا المواطنون من أبناء الشعب باستثناء جروبي الذي كانت قد زحفت إليه الطبقة الوسطى لأن الباشاوات والرجعية كانوا في المعتقلات.
ومر ربع قرن دون أن يفتح أحد فمه حتى مات سليمان وانطلق الجن يتحدثون ويعترفون ويتذكرون وأخبرنا عبد اللطيف بغدادي بالآتي:
اعترف جمال عبد الناصر في اليوم التالي وهو على فراش المرض أن الانفجار التي حدث في اليوم السابق وأشار إليها في اجتماع المؤتمر، إنما هي من تدبيره لأنه كان يرغب في إثارة البلبلة في نفوس الناس إلخ وليشعروا بأنهم في حاجة إلى من يحميهم على حد قوله تشابه غريب في مشاغل القيادتين المصرية والإسرائيلية كلاهما يريد إثارة البلبلة في العاصمة المصرية وكلاهما يزرع القنابل في القاهرة مع فاروق أن المدبر الإسرائيلي عوقب بالطرد من الحياة السياسة الإسرائيلية والمنفذين لقوا حتفهم في سجون مصر.
أما الفاعل المصري فسيقام له حزب في مصر واقتراح أن يسمى حزب البلبلة برر الرئيس عبد الناصر رشوة الصاوي محمد الصاوي رئيس نقابة عمال النقل بالقاهرة بمبلغ أربعة آلاف جنيه ليدفع عمال النقل إلى الإضراب بعد قرارات 25 مارس ولكن جمال ذكر أنه أراد بذلك أن يسبق خالد محي الدين ويوسف منصور صديق لأنهما كانا ينويان عمل نفس الشيء على حد قوله.
اقترح جمال سالم التخلص من كل ضابط في الجيش غير موال للثورة والإبقاء فقط على الموالين لها حتى لو أصبح عددهم 300 ضابط فقط كما أعاد اقتراحه الذي يردده كثرا وهو عزل الأفراد والذين يهمهم عزل هذه الثورة عن الشعب مهما كان عددهم ووضعهم في الواحات.
صدر قانون يحرم الوظائف العامة والحقوق السياسية على جميع السياسيين الذي شغلوا مناصب قيادته في مصر منذ بدء الخليفة حتى 23 يوليو 1952 وقيل صراحة أنه يقصد به عزل السنهوري من مجلس الدولة حرمت مصر من كل خبرة رجالها لفصل رجل واحد .. فلما اعترض وزير قال له جمال عبد الناصر أن مجلس الثورة قد وافق على القانون وهو يعرض عليهم للعلم فقط.
كان بن غوريون يجري اتصالاته ويتم ترتيباته لقيام حكومة ذات كفاءة عالية وقادرة على النجاح في انتزاع حق الوجود لإسرائيل وكانت مصر تحكمها مجموعة أقل ما توصف به علاقاتها أنها تفقد إلى الثقة يتربص كل منهم بالآخرين ويتوقع الغدر منهم وعلى حساب المصلحة العامة أنظر كيف فسر عبد اللطيف بغدادي اختيار عبد الناصر له ليكون وزيرا للشئون البلدية القروية.
واقترح أن أتولى وزارة الشئون البلدية والقروية، وأن الغرض كما قيل هو أن يشعر الشعب بأعمال الثورة في المدن والريف، وأن الاحتيال قد وقع علي لهذا الغرض ولكنني أحسست أن الغرض من توليتي هذه الرسالة هو العمل على إضعافي سياسيا لضمان فشلي بها فشلا ذريعا خاصة وأن الاقتراح جاء بعد خلافي مع جمال عبد الناصر.
ويقول بغدادي أنه لما نجح رغم توقعات أو تدبير الرئيس جمال عبد الناصر استاء عبد الناصر من ذلك ولابد من أن يكون ذلك موضع شكر وتقدير من جمال لأن ما تؤديه تلك الوزارة ونجاحها ما هو إلا تدعيم للثورة لوجودها شن على حملة محاولا التشكيك في أهدافي عند إخواني أعضاء المجلس وقصص أخرى كثيرة واردة في يومياتي ولا محل لذكرها في هذا المجال.
سنتوقف الآن عن استعراض مشاغل القيادة المرية التي صرفتها عن الانشغال بإسرائيل هم مصر الأول والأخير لنعود إلى هيكل لنتابع معه الانتصارات على أن نعود مرة أخرى لصيغة المواجهة المصرية التي أدت لهزيمة 1956.
الفصل الثالث:الطريق إلى القدس يمر بباندونغ!!
ولأن هدف كتاب هيكل هو صرف الأنظار تماما عما جرى في صحراء سيناء فإن الكاتب سيسود عشرات الصفحات في الحديث عن انتصارات باندونغ وحلف بغداد وصفقة السلاح وهي الاسطوانة المشروخة التي صدعت رأس المواطن العربي 15 سنة حتى تحطمت واحترقت في نيران 1967 ولكن ها هو من يريد أن يسقينا مرة أخرى من البئر التي بصق فيها الجميع يعود ليحدثنا عن انتصارات الخطب والمؤتمرات الدولية وقد قرأنا تحليل غولدا مائير عن بن غوريون وأنه لم يكن يهتم إلا بما يضيف للقوة المادية اليهودية ولا يهتم قلامة ظفر بالمؤتمرات الدولية والصحافة العالمية.
ولنبدأ من باندونغ
فقد أثار الإعلام الناصري ويثير ضجة حول اشتراك عبد الناصر في مؤتمر باندونغ ويبدو للناصريين الجدد أن عبد الناصر ارتكب المخطور والمحرم وفتح الطلسم وتحدى أمريكا وبريطانيا بذهابه إلى مؤتمر ينادي بعدم الانحياز الأمر الذي كان دلاس يعتبره جريمة أخلاقية كما قبل عبد الناصر وحده، أن يظهر مع أشخاص مشبوهين مثل شوان لاي وتيتو وسوكارنو بل حتى نهرو ومن ثم فعند هؤلاء أن مجرد الاشتراك في باندونج كان عملا بطوليا نادرا في شجاعته وتحديا وصفعة للإمبريالية الأمريكية بالذات لا تأتي إلا من ثوري مثل فتى بني مر بينما منعت الإمبريالية الاشتراك فيه عن سائر الدول غير الثورية التحررية إلخ..
ولن نتمسك كثيرا بالرواية المثيرة التي اثبتها مايلز كوبلاند والتي تزعم أن خطة عمل الوفد المصري في مؤتمر باندونغ وضعها خبرا من واشنطن وراجعها ونفتحها رجال المخابرات الأمريكية في القاهرة ومع ذلك فلا بأس من إثبات ما رواه قال:
قبل سفير عبد الناصر إلى باندونغ كان أصدقاؤه الأمريكان منتعشين وكانوا أيضا يشجعونه على الاعتقاد بأنه سيجد لنفسه مكانا في نادي الكبار.
وجاء خبراء من واشنطن لكتابة ورقة عمل، وترجمت هذه الورقة للعربية بواسطة على صبري الوزير بدون وزارة في الرئاسة على أساس أن يستعير عبد الناصر بعض ما بها من أفكار كما جرى تلقين مساعدي عبد الناصر بعض ما يمكن أن يصادفهم من شوان لاي والشيوعيين كما قدمت معلومات هائلة عبد الناصر عن الوضع السياسي في أندونيسيا وهو موضع كان هاما جدا للولايات المتحدة ولعبد الناصر في نفس الوقت من ناحية أن سوكارنو كان أحد منافسيه في المؤتمر ولما كان الخبراء الذين جاءوا من واشنطن على اتصال فقط بالسفير بايرود فإن اطلاعنا على ترجمة علي صبري لما كتبوه أثار حماستنا فقد وصلت إلينا مكتوبة على ورق من رئاسة الجمهورية بدون إشارة إلى أنها مجرد ترجة لأصل أمريكي بل بدت كأنها تعرض الموقف الذي ينوي عبد الناصر فعلا أن يتخذه وعندما ترجمها المسئول السياسي في السفارة بيتر تشيس إلى الإنجليزية وقدمتها لبايرود قال له بيتر أنها أذكى ما قرأ لأي حكومة في الشرق الأوسط وأن الحكومة الأمريكية ربما تجد في ناصر، عنصرا مهما في التأثير على دول أفريقيا وآسيا لكي تصبح محايدة فعلا بدلا من أن تحايد إلى جانب الشيوعيين كما بدأ شعار الحياد الإيجابي يعني فعلا.
بصرف النظر عن واقعة ورقة العمل وإن كنا نعتقد بصحتها فإن ما أورده يثبت الآتي:
- 1- لم يكن اشتراك مصر رغم أنف أمريكا ولا على جثتها بل رحبت به ونظمت مساعدة الوفد المصري بكل ما أورده وما لم يورده.
- 2- كانت خطة أمريكا في منتهى البساطة كما سنشرحها بالتفصيل إرسال زعيم تثق فيه وفي عدائه للشيوعية ليعطي الحياد نكهة غير شيوعية لأن المواجهة السائدة والتيار كان يعطي الحياد لونا شيوعيا.
ومع ذلك كما قلنا لن نتمسك بهذه الرواية لأنها أفظع من أن تصدق ونعود لبداية الحديث أي شجاعة في الاشتراك في المؤتمر؟
المؤتمر اشتركت فيه كل من سوريا ولبنان والسودان والعراق والأردن والسعودية وليبيا واليمن؟
أي جميع الدول العربية المستقلة وقتها، والمرتبطة بمعاهدات أو قواعد سواء مع بريطانيا أو أمريكا فلماذا يكون اشتراك مصر عجبا وحده؟ ونصرا يسجل ويوازي ما جرى من كبت وهزائم؟ ما العجب؟ في اشتراك مصر؟ ما الإنجاز التاريخي والتحول العالمي والموقف الوطني الذي تجلى بمجرد السفر إلى ناندونغ؟
كلهم سافروا: ليبيا أدريس السنوسي وعراق نوري السعيد.. بل حتى إسماعيل الأزهري الذي عاد من لقاء ملكة بريطانيا ليشن حملة شعواء على عبد الناصر لم يتأخر عن حفلة باندونغ بل كان بارزا هناك في مناكفته للوفد المصري بل قيل إن شوان لاي دافع عن حقه في التحدث باسم السودان عندما قال اعتقد أن هذا الأسود هو أحق من في القاعة بالحديث عن السودان.
فلماذا ينفرد عبد الناصر بالثناء التاريخي ويحرم منه الملك إدريس ونووي السعيد والإمام أحمد إلخ؟
سيقول الناصري ليس المهم الاشتراك وإنما المهم المكانة البارزة التي كانت لعبد الناصر في المؤتمر؟
وهذه المكانة هي من شقين: شق من صنع الإعلام المصري الذي قام عنه سلوين لويد أن غوليز يحسد عبد الناصر عليه وكانت هذه تلميحة من الخبراء الألمان الذي جاءت بهم المخابرات الأمريكية لمساعدة الإعلام المصري والذي يمكن القول أنه كان أقوى إعلام في تلك الفترة في العالم الثالث كله والذي كان يبذل وقتها جهدا خاصا بمعونة أهل الخبرة لرفع شعبية عبد الناصر بعد اتفاقية الجلاء وتأكيد انفصال السودان، ومذبحة الإخوان المسلمين وتحويل الوطن إلى سجن كبير لشتى القوى السياسية من اليمين إلى اليسار وقصة الخلاف حول تنظيم الاستقبال الشعبي للقائد من باندونغ معروفة وقد طارت فيها رأس جمال سالم الذي كان نائبا لرئيس الوزراء أي حاكم مصر في غياب عبد الناصر أو هكذا كان يعتقد وأراد أن يكون استقبال عبد الناصر عند عودته من باندونغ استقبالا عفويا وبمبادرة الجماهير وكان ذلك يعني أن عبد الناصر سيصل للمطار ويتوجه إلى بيته دون أن يدري أحد كما حدث لكل الوفود التي اشتركت في مؤتمر باندونغ فلم يكن المصريون قد تخدروا بعد بأمجاد النصر الخالد الذي حققوه باشتراكهم في باندونغ ولكن الأجهزة الخفية التي كان يحكم بها الرئيس مصر كانت ترى في ذلك فرصة كما قلا لكسب شعبية وتغطية الاعتراضات المطروحة من المصريين فقرروا تحدي جمال سالم يقول بغدادي ولكن هيئة التحرير والمسئولين بها إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة لم يتلفتا إلى أوامره واتخذ ترتيبات أخرى مخالفة لتلك التي أمر بها جمال سالم بل .
وتم نشر الترتيبات التي اتخذاها على صفحات الجرائد اليومية دون إذن منه وكان جمال سالم يرى أن يكون استقبال جمال عبد الناصر الشعبي نابعا من الجمهور نفسه دون تدخل من الأجهزة الرسمية للدولة ولكن المسئولين عن هيئة التحرير قاموا بالعمل على نقل العمال إلى المطار ومناطق أخرى متعددة بغرض التجمع بها وعلى طول الطريق الذي سيمر به جمال عبد الناصر وهذا التصرف ضايق جمال سالم.. إلخ..
وقد عوقب جمال سالم بنزع اختصاصاته كنائب رئيس وزراء فور عودة عبد الناصر عقابا له على الاعتماد على مبادرة الشعب.
هذا هو العنصر الأول في أسطورة نجم باندونغ أما العنصر الثاني والحقيقي فهو مكانة مصر التي جعلت نهرو يتحدى عبد الناصر عندما جاء إلى مصر وأصر على مقابلة الرئيس مصطفى النحاس المحددة إقامته وقتها لأنه كما قال: إن الحركة الوطنية في الهند تتلمذت على حزب الوفد.
وإلا كيف تفسرون استقبالات اندونيسيا؟ كيف يمكن تفسيرها بشخصية عبد الناصر الذي لا يتحدث الاندونيسية ولا الهولندية؟ ولا كان وقتها قد حقق إنجازا واحدا يبرر أن يستقبله الشعب الاندوينسي هذا الاستقبال المفرط في الحماسة؟
- هل كانت معاهدة الجلاء إنجازا أكبر مما حققه سوكارنو بتحرير أندونيسيا؟
- هل كانت معاهدة الجلاء إنجازا أكبر مما حققه سوكارنو بتحرير أندونيسيا؟
هل كانت يسارية وتقدمية عبد الناصر هي السبب وهو الذي لم يسافر إلى باندونغ غلا بعد أن شن أكبر حملة اعتقالات ضد الشيوعيين المصريين صفي فيها تنظيم الراية الحزب الشيوعي المصري بينما كانت اندونيسيا تضم أكبر حزب شيوعي في آسيا بعد الصين؟
هل كان الشعب الأندونيسي لا ينام الليل متابعا معركة حلف بغداد بين عبد الناصر ونوري السعيد ولذلك خرج إلى الشوارع يحي بطل ضرب حلف بغداد؟ حتى هذه لم تكن قد اشتعلت بعد..
ماذا كان عبد الناصر يمثل في أبريل 1955 للشعب الاندوينسي حتى يكون استقباله هناك أشد حماسة من استقبالاته في القاهرة والإسكندرية فكان ظهوره على منصة الخطابة أو في الأروقة أو الشوارع يقابل بمظاهرات حارة جدا.
والمتمركس ناقل النص يلقى كعادته بنصف التفسير ثم يعدو هاربا خوفا من الناصريين الذين يحلو لهم دائما أن يجعلوا عبد الناصر أكبر م مصر فهو يقول: كانت هذه أول رحلة لجمال عبد الناصر خارج مصر ظهر فيها كنجم بارز يمثل دولة ذات حضارة عريقة ولها دور قيادي في الدول العربية التي كانت تشكل ثلث أعضاء المؤتمر.
طبعا كاتب مثل لن يشير على الإسلام ولكنه اعترف بأن بروز عبد الناصر كان لوقوفه على منصة مصر وليس العكس كما يروج أو يسجل صبية الناصرية مكسب باندونغ على حساب مصر.
ما من تفسير لشعبية وتألق عبد الناصر في إندونيسيا إلا أنه القادم من مصر عش العلماء وبلد الأزهر الشريف الذي منه هذا الشيخ المعلق بركاب عبد الناصر وأيضا بلد ثورة 19 إلغاء المعاهدة ...إلخ.
ونضيف عدة ملاحظات لمن يريد التوسع في دراسة باندونغ وفكرة عدم الانحياز وقتها عدم الانحياز لم يكن شعارا موجها بالدرجة الأولى ضد المعسكر الغربي أو على الأقل لم يكن موجها ضده وحده.
فالمعسكر الشيوعي كان لا يزال متأثرا بنظرية ستالين زادنوف عن انقسام العالم إلى معسكرين معسكر الاستعمار، ومعسكر السلام ولا أحد يستطيع أن يجلس على السور فإما أن تقع في هذا الجانب أو ذاك.
ومن ثم فظهور نظرية بل وتنظيم يؤكد أن السور، ليس فقط يتسع لمن يريد الجلوس عليه بل وهو المكان الطبيعي لدول العالم الثالث، أي أنه ليس من الضروري لكل من أراد التحرر من الاستعمار أن يقع في أحضان الروس.
مثل هذه النظرية موجهة بالدرجة الأولى ضد روسيا ضد التيار الذي كان يجذب حركات التحرر الوطني نحو موسكو حتى وإن نجح الروسي في تطويقها وامتصاصها فيما بعد ولم يكن مصادفة أن تكون نجوم المؤتمر من الصين ويوغوسلافيا وأندونيسيا والهند وكلها كانت تخوض صراعا متفاوت الحدة والعلنية ضد الهيمنة السوفيتية أما عبد الناصر فهو كما وصف بحق الرجل الذي قي على الشيوعية في العالم العربي ودعك من هستيرية دلاس فالقوى الأكثر اتزانا في الإدارة الأمريكية كانت تعيش التطور الجديد وكانت تؤيد اتزان الحياد ووقف اندفاع الدول الآفرو آسيوية للاتحاد السوفيتي باسم الحياد الإيجابي.
الوجود العربي في المؤتمر 9 من 29 دولة كان بلا شك عنصرا ملطفا في مواجهة أية حماسة يثيرها شوان لاي ولم يكن مما يغضب الأمريكيين أن ينتزع عبد الناصر عدو الشيوعية الأضواء في المؤتمر في شوان لاي أو سوكارنو المشاغب مع الأمريكان وضحيتهم في النهاية وإذا أضيف إلى قائمة المكاسب رفع شعبية عبد الناصر في المنطقة حيث كانت الولايات المتحدة لا تزال تراهن عليه في تصفية الوجود البريطاني وأيضا في تحقيق التسوية السلمية مع إسرائيل وهو الهدف الذي لم تتخلى عنه قط كذلك اكتشف الأمريكان كما اكتشف الإعلام المصري وجود ميدان آخر يمكن كسب انتصارات فيه وتجريعها للجماهير لكي تنسى ميدان المكاسب الحقيقية وهو الصراع ضد إسرائيل.
إسرائيل لم تشترك في باندونغ ولم يخطب بن غوريون في بالي ولا قام فيها مقر المؤتمر الآفرو آسيوي ولكن ذلك لم ينتقص من مكانتها العالمية والدليل: أن العالم كان معها عشية عدوان 1967 وضد عبد النار الذي لم يفده مكانته الدولية ولا باندونغ ولا عدم الانحياز ولا الحياد الإيجابي ولا أسيوي أفريقي كل هذه الفقاقيع التي استخدمت على أوسع نطاق لتخدير الجماهير المصرية والعربية وحرف أنظارها عن مواجهة إسرائيل التي كانت تعمل ليل نهار لتحطيم القدرة العسكرية المصرية.
وهكذا كانت المهرجانات تقام باسم ناندونغ والقصائد أو المقالات تدبج في بطل باندننغ وإسرائيل تحتل المنطقة المنزوعة السلاح في العوجة والكونتيللا وتذبح الجنود المصريين والمواطنين الفلسطينيين في غزة وتشحذ آلة الحرب استعداد لعدوان 1956 وقد لخص المعلم مايلز كوبلاند النجاح المصري في عالم الأسيوي أفريقي وباندونغ إلخ فقال:
فشل ناصر في تحويل الدول الأفريقية ضد إسرائيل وهو لم يكن هدفا جادا من أهدافه على أية حال ج ولكنه نجح في كسب تأييد واسع أسيوي أفريقي للقرارات المضادة للإمبريالية في الأمم المتحدة وغيرها وكذلك تأييد حق تقرير المصير ودور متزايد في العالم الأسيوي الأفريقي مما أدى إلى تقديم الإنجليز والفرنسيين والأمريكان ومساعدات أكثر لمصر في محاولة لشرائه.
باندونغ كانت المهرجان والنشاط آسيوي الأفريقي كان من لزوم المهرجان ولا علاقة له بالمواجهة المصرية الإسرائيلية إلا بالسلب وربما كان كاتب متمركس نصف ناصري يشر على حاكية شراءه هذه عندما قال أن عبد الناصر كان يريد شل المؤتمر الأسيوي الأفريقي عندما جاء به إلى القاهرة ومنعه من أن يلعب دورا سياسيا إيجابيا ولذلك تعمد أن يفرض عليه عسكري ليس له أي اهتمامات سياسية في رأي هذا الكاتب مما أدى إلى تحول المؤتمر إلى مقر هامشي بلا فعالية أو أثر وربما كانت الخشية من زحف الأفكار اليسارية إلخ.
فنشاط مصر في المؤتمر الأسيوي الأفريقي استهدف شله وتفريغ فعاليته.
إلا أن باندونغ كان بداية تطور جديد للناصرية ومن هنا أهميته الحقيقية لا كانتصار لمصر ولكن كتغيير في المعادلة فالروس باعتبارهم يتحركون على موجهة واحدة وليس بين أجهزتهم هذا التناقض أو التفسخ الموجود في الأجهزة الأمريكية نصبوا شباكهم لهذا المتعطش للزعامة والقادم من أهم بلد في آسيا وأفريقيا وقتها وكما رأت الولايات المتحدة في عبد الناصر قوة صدام وحاجزا ضد الشيوعية كذلك رأى السوفيت فيه إمانية لدخول قصر لعبة الأمم في الشرق الأوسط يقول كوبلاند في باندونغ سر ناصر الطرفين الأمريكان لأنه خفف الحملة على الغرب والروس بتأييده الحملة على الاستعمار إلا أن الموقف اختلف لأن الروس لم يتحفظوا في مدح سلوكه بينما كانت لنا نحن تحفظاتنا كذلك أقنعه الروس أنه وصل القمة أما نحن فلم نقل له ذلك.
وهذا طبيعي فالأمريكان كانوا يتوقعون من صديقهم أكثر مما كان بوسعه أن يقدم والروس كانوا ينتظرون من البكباشي الفاشي معتقل الشيوعيين عميل الغرب أسوأ بكثير مما حدث فكان أن عتب هؤلاء وابتهج أولئك وعبد الناصر تصرف التصرف الطبيعي فلم يكن بوسعه أن يزاحم شوان لاي ونهرو وسوكارنو إذا اتخذ موقف شارل مالك أو نوري السعيد فهو لم يكن مسحورا بشوان لاي كما أبلغ شارل مالك المسئولين في المخابرات الأمريكية بل كان يحاول إبطال سحر شوان لاي كانت الموجة هي سب الاستعمار أما مهاجمة الهيمنة السوفيتية فلم تكن شعارها قد طرح بعد وأن كان في صدور الرجال مثل تيتو وشوان لاي .
ويعتقد مايلز كوبلند أن البيروقراطيين في واشنطن لم يفهموا ذلك ومن ثم ضاق صدرهم بعبد الناصر بينما التفسير الأخبث يقول أن الرؤساء في واشنطن الذين يديرون لعبة الأمم رأوا أن إظهار غضب أمريكا وهزيمتها يساعد على نجاح عبد الناصر ويضاعف مكاسب اشتراكية في المؤتمر بينما التفسير الأقرب للعقل هو أن الأجنحة الأمريكية المعادية للشيوعية عداء ليبيا وكانت أمريكا غير معترفة بالصين وحديثة عهد بالمكارتية لم تلتئم جراحها بعد من حرب كوريا هذه العناصر التي ستقود أمريكا إلى حرب فيتنام كانت ضد أن يظهر أو أن يصافح موظف في دائرة نفوذها الزعيم الشيوعي الصيني شوان لاي ومن ثم غضبت من عبد الناصر.
وهناك أيضا المدرسة الإسرائيلية في السياسة الأمريكية التي كانت تعمل ليل نهار لنسف العلاقات الناصرية وإحباط مشروع اعتماد مصر عبد الناصر كالوكيل أو الاحتياطي الأمريكي في المنطقة وهذه المدرسة سلاحها المفضل هو اتهام عبد الناصر بالشيوعية ووسيلتها هي استفزازه لكي يندفع أكثر في اتجاه الشيوعية.
وربما يكون التفسير الصحيح هو مزيج من هذه التفسيرات جميعا بل أغلب الظن أنه كذلك.
المهم يرى كوبلاند أن الروس كانوا أذكى في قبول خطوة عبد الناصر في اتجاههم والترحيب بها والشد على يده ومعاملته كزعيم عالمي والتغاضي عن خطواته في الاتجاه المضاد.
يقول: وقد انتقل برودنا إلى مصر في أكثر الأشكال استفزاز فأولا لم يظهر السفير بايرود في مطار القاهرة في استقبال عبد الناصر عندما عاد عودة الفاتحين من المؤتمر وعندما وصل عبد الناصر إلى منزله كان أول تقرير يتلقاه هو أن يايرود لم يكتف بمقاطعة الاستقبال بل ونصح كل سفراء الغرب الآخرين بتبريد الدخول الظافر والحقيقة هي أن بايرود تحدث مع السفير البريطاني وسأله ما هو البروتوكول المفروض فنصحة بترك سفراء الدول الأفرو آسيوية ينعمون بيومهم فلما اتصل عدد من سفراء الدول الغربية يسالون بايرود هل أنت ذاهب رد عليهم بأنه يعتقد أن وصول عبد الناصر يجب أن يبقى أسيوي أفريقي وأن عبد الناصر سيسعده أن نبقى نحن البيض بعيدا.
وهذا لغو لا أهمية له، وإن كان قد حرص على تلبيس المسئولية للسفير البريطاني إلا أن اللعبة كانت تبدأ بالاتفاق مع الأمريكان ولكن البطل لكي يندمج في الدور ويثير حماسة رواد المهرجان كان عليه ودائما ما ينجح إغضاب الأمريكان الذين بسبب نظامهم وارتباطهم السرطاني بإسرائيل سرعان ما يطورون هذا الغضب الصحي إلى فشل سياسي بالنسبة لهم ومظاهرة ناصرية سوفيتية.
وفي النهاية ماذا بقى في يدنا من باندونغ؟
ماذا أفادت باندونغ ميزان الصراع المصري الإسرائيلي؟
سيقفز الجواب من حلوقهم صفقة السلاح فقد كان حديثها في باندونغ من شوان لاي وكانت باندونغ بداية المسيرة في اللعب على حبال الوفاق والتناقض بين الغرب والشرق.
حلف بغداد
وإذا كان هيكل قد اضطر إلى الاعتراف بأن معركة حلف بغداد لم تكن مع الولايات المتحدة بل لمح إلى عجز بريطانيا عن فهم السياسية الأمريكية ف الأحلاف كانت سياسة أمريكية ومع ذلك ترددت أمريكا في الانضمام لحلف بغداد إلا أن الغبار مازال يغلف قصة حلف بغداد والشائع عند السوقة أنها كانت معركة مصيرية خاضتها مصر وحدها وأحيانا بدعم العناصر الوطنية في سوريا ضد الحلف الشيطاني الأمريكي الإسرائيلي البريطاني العراقي التركي إلخ..
والصورة الحقيقية بعيدة كل البعد عن ذلك وهي باختصار.
كانت بريطانيا وحدها وعملاؤها من العرب مع الحلف.
وكانت أمريكا وإسرائيل ومصر السعودية وسوريا ضد الحلف وقد يبدو هذا مزعجا وصدمة للناصرين القدامى الذين سكروا بخمر معركة الأحلاف وخيبا لآمال الناصريين الجدد الذين يتطلعون لاستئناف هذا اللون من المعارك القليل الخسائر ولكن هذه هي الحقيقة.
وفكرة الأحلاف أو محاولتها سابقة على قيام حركة 23 يوليو ووصلت إلى شكلها الواضح المحدد في عامي 1950- 1951 ورفض مصر لها وتعرضها للضغط لقبولها وخلافها مع بغداد حولها سابق على 23 يوليو ويرجع إلى هذا التاريخ وفي أوراق وزارة الخارجية الأمريكية عن عام 1950/ 1951 مطلبا عراقيا بريطانيا بنصح مصر بالكف عن تحريض الدول بالعربية على عدم الانضمام للحلف المقترح من قبل العراق.
ومن المعروف أن بريطانيا وأمريكا وفرنسا وتركيا قرروا تشكيل قيادة الشرق الأوسط في عام 1951 على أن تضم مصر وربما دولا أخرى من الشرق الأوسط.
وكانت الخطة هي ترضية المشاعر الوطنية في مصر والعراق بل وحتى الأردن بإلغاء المعاهدات الثنائية التي كانت تربط هذه الدول ببريطانيا والتي كانت تعتبر في نظر الوطنيين العرب معاهدات حماية واحتلال وسيطرة ومن ثم ترضى مشاعر هؤلاء بإلغاء هذه المعاهدات وفي نفس الوقت يتم تشكيل تنظيم جديد أو طرح صيغة جديدة تنتقل إليها كل الامتيازات العسكرية وبالتالي السيطرة السياسية ولكن تحت اسم أقل بريطانية وأكثر مداعبة لغرور هذه الدول وأكثر قابلية للدفاع عنه من العملاء المحليين أو كما جاء في مذكرة بتاريخ 8 سبتمبر 1951 أي قبل الثورة بعشرة شهور من واشنطن تحمل عبارة سري جدا وعاجل تقرر أن يقترح على مصر الاشتراك في قيادة الشرق الأوسط وستصبح مصر غضوا في هيئة رئاسة الأركان وسيضم مكتب القيادة العليا ممثلا عن مصر وستشجع مصر على قبول مقر القيادة في أراضيها وتعطي مكانا مهما في تلك القيادة وتوفر لها التدريبات والمعدات لقواتها من الدول القادرة على ذلك في القيادة وتحول القاعدة البريطانية الحالية في مصر على قاعدة للحلفاء تحت إشراف قيادة الشرق الأوسط مع الاشتراك الكامل لمصر في إدارتها في الحرب والسلم وتنسحب كل القوات البريطانية التي لن تنخرط في قيادة الشرق الأوسط وكل ما تبقى في مصر من قوات بريطانيا في الحرب أ السلم سينضم للقيادة وستضمن مصر للحلفاء في حالة الحرب أو التهديد بالحرب كافة التسهيلات والمساعدات التي تشمل استخدام مواني مصر وطائراتها ووسائل مواصلاتها.
أي استبدال الاحتلال البريطاني باحتلال مشترك بريطانيا فرنسي أمريكي.. أما تركيا فهي لربط الحلف بحلف الأطلنطي وكانت قد انضمت إليه تركيا في وقت سابق.
وبالطبع رفضت حكومة مصر الاقتراح جملة وتفصيلا وشنت عليه حملة شعواء في الصحافة المصرية ثم كان إلغاء المعاهدة وانهيار أي حديث عن تسوية مصرية بريطانية وخاصة بعد أن صدرت مراسيمي وحدة وادي النيل تحت التاج المشترك وأصبح م المستحيل على أي حكومة ولو برئاسة سائق السفارة البريطانية إلغاء هذا القانون وكان الحل هو إلغاء التاج المشترك وهكذا بإلغاء الملكية في مصر وسقط القانون وسقطت آثار القرار الوفدي الشجاع بإلغاء المعاهدة.
وحلت مشكلة السودان
أما مشكلة الجلاء فكان من المستحيل على أية حكومة مصرية قبل 23 يوليو أن تقبل الدفاع المشترك مع بريطانيا بمعنى استمرار الوجود البريطاني في مصر، وأن ذهب بعضها إلى إمكانية قبول عودة الإنجليز في حالة الحرب أو العدوان على مصر أو حتى البلاد العربي أما إدخال تركيا فكان مرفوضا من جميع الأحزاب والحكومات حتى أكثرها رغبة في التعاون مع الإنجليز وهذه العقدة أصرت عليها بريطانيا في مفاوضاتها مع عبد النصار واضطر هذا إلى قبولها وبذلك لم يكن هناك مع الضغط الأمريكي على بريطانيا من توقيعها الاتفاقية لتبدأ على الفور في محاولة الاستمرار في صيغة جديدة، بل وأن تتسع هذه الصيغة لترضية العراقيين وخاصة نوري السعيد المطروح منافسا لمصر والذي يتحتم تقديم صيغة جديدة لارتباطه ببريطانيا بعد أن حصلت مصر على الجلاء وإلغاء معاهدة 1936 وهكذا أوعزت بريطانيا بقيام حلف بين العراق وتركيا.
وتترك سلوين لوبد وزير خارجية بريطانيا يحكي لنا القصة.
- وسلوين لويد كما هو معروف هو وزير خارجية بريطانيا وقبلها وزير الدولة خلال السنوات التي سبقت وشهدت معركة القناة وحلف بغداد فهو من هذه الناحية شاهد عيان وهو أيضا رئيس الدبلوماسية البريطانية الذي شاهد أو ساهم في تحويل بريطانيا العظمى إلى دولة من الدرجة الثانية هو آخر أجيال الإمبراطورية وأول من شاهد واعترف مرغما بحتمية قبول مقعد في الصف الخلفي في لعبة الأمم التي يتصدرها الأمريكان والروس ولكني نختصر كتابه الذي يقع في 282 صفحة نقول أنه في هذه الفترة التي يحكي عنها كانت الولايات المتحدة تعمل بهمة لتصفية الوجود أو النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تصفية ووراثة الامتيازات النفطية الانجلو فرنسية في المنطقة وما يستلزمه هذا وما يتبعه من مراكز استراتيجية ونفوذ ومصالح اقتصادية أخرى ولم يمكن من الممكن لاعتبارات كثيرة أن يأخذ هذا الصراع صيغة الحرب العالمية الأولى أو الثانية أي القتال المسلح بجيوش الأطراف المتصارعة وإنما كان عليهم أن يقاتلوا من وراء الأقنعة وبالقفازات المحلية من خلال القوات المحلية في الأجزاء النائية أو من خلال المحاور العربية حول حلف بغداد أو بالدعم المصري السعودي لثورة الجزائر والحركة الوطنية في المغرب.
ونرجو ألا يسيء القارئ الفهم فلا شك أن الخلاف حول البوريمي كان مطلبا وطنيا سعوديا مشروعا وإن المقاومة البريطانية لهذا الحق كانت من أجل الإمكانيات النفطية الهائلة المؤكدة في المنطقة وأن لم يكن في الواحة ذاتها ولكن باعتبار أن الولايات المتحدة لها مركز خاص في النفط السعودي وقتها فإن أية إضافة للثروة النفطية للمملكة يضاف بصيغة ما إلى الرصيد النفطي الأمريكي في السوق العالمية ومن ثم كانت لأمريكا مصلحة ما في ترجيح وجهة نظر السعودية في صراعات الحدود مع البريطانيين أو المحميات البريطانية فكونه يمثل تعارض مصالح عالمية لا ينفي واقعيته المحلية كذلك الدعم العري لثورة المغرب والجزائر وتونس هو موقف قوم مصيري ولكنه في نفس الوقت يتفق مع الاستراتيجية الأمريكية الراغبة في طرد فرنسا من شمال أفريقيا وهكذا كما سنرى كانت أمريكا ضد حلف بغداد ضد أي تشكيل يبقى الوجود البريطاني في المنطقة أو يجر إلى قبضتها الدول التي أفلتت من هذه القبضة وأصبحت صديقة أو في دائرة النفوذ الأمريكي أو تترك بابها مفتوحا كان العالم يودع نظاما هزم وهو الهيمنة الانجلو فرنسية ويستقبل نظاما جديدا هو الهيمنة الأمريكية الروسية وإليك ما قاله خبير الأحلاف الأمريكي في تلك الفترة والرجل الذي كان يتولى تنسق جبهة العراق- الأردن لبنان قال: كان هربرت هوفر وكيل الخارجية الأمريكية يكره حلف بغداد والسد العالي لما ستستفيده بريطانيا منهما ووكيل الخارجية الأمريكية هذا كما سنرى في يوميات معركة العدوان الثلاثي أقوى وأهم وأفهم من المختل فوستر دلاس وهو ضد حلف بغداد فأي مخاطرة أو مجد أن يكون عبد الناصر أو شكري القوتلي ضده؟
وقال سلوين لويد عن هوفر هذا إن الولايات المتحدة لم تنضم لحلف بغداد تحاشيا للصام مع النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة ولم يهتموا بما يصيب النفوذ البريطاني وهذا أهو التفاسير أما أسوأها فإن الماكغيين من مالك غير سفير أمريكا في إيران ج في إيران وجماعة سويني في السودان والكافرين سويني المندوب الأمريكي في السودان خلال مرحلة تصفية الحكم البريطاني وكافري السفير الأمريكي في مصر الشديد العداء للإنجليز ج وأرامكو في السعودية قد أظهروا عداوتهم لبريطانيا علانية وهريرت هوفر الابن وكيل وزارة الخارجية الأمريكية كان غارقا في عداوة البريطانيين إذا ما حكمنا بما قاله وما فعله.
كانوا في وزارة الخارجية الأمريكية يعتقدون ان أي ارتباط علني مع المستعمرين الإمبرياليين البريطان، سيسبب ضررا ما حقا إن دلاس لم يقبل أبدا الانضمام إلى حلف بغداد تحت أي ظروف من الظروف.
هذا هو باختصار واقع الزمن الذي طرح فيه حلف بغداد على أن نراعي كما قلنا أن هذا اللون من الصراع شديد التعقيد، وهو لا يحكمه أو يحكم تصرفات اللاعبين فيه قانون بسيط اسمه التناقض الأمريكي البريطاني كما كان بؤساء حزب التحرير وحدتو يفسرون كل شيء بمفهوم أن كل القوى المحلية مجرد دمى بعضها يلبس العالم البريطاني وبعضها الراية ذات النجوم والأشرطة ويحرك هؤلاء العم سام وأولئك جون بول هذا تصور ساذج وتبسيط سوقي وليس في السياسية شخصيات مسطحة ولا مواقف مبسطة فهناك أكثر من قانون وأكثر من علاقة تربط الدولتين وتحكم تناقضهما وتصرفاتها وهناك علاقات كل دولة بالقوى العالمية الأخرى وهناك المصالح والإمكانيات والمثل والمصالح المشروعة والسلام العالمي ومحاربة الشيوعية والحياد الإيجابي والسلبي إلخ حتى ترى سلوين لويد يتحدث عن حماية بريطانيا للسودان من الاستعمار المصري.
كذلك ستعجب لتناقض الموقف الأمريكي أو تناقض تصريحات دلاس وزير خارجية أمريكا مع سلوك حكومته بل مع مواقفه هو نفسه العملية وسنلمس فارق كبير بين موقف دلاس المتدين الذي يكره عبد الناصر وبين موقف موظفي الجهاز المحترف سواء في المخابرات الأمريكية أو وزارة الخارجية الذين يراهنون على الزعيم الشاب لتصفية بريطانيا والشيوعية من المنطقة... وقد فعل.
وقد شهد سلوين لويدي أن حكام مصر الجدد قد قدموا تنازلا لم تقدمه حكومة مصرية من قبل وهو حق السودانيين في تقرير المصير وقد مدحهم إيدن في البرلمان لأنهم فضلوا التركيز على محاربة الفساد في بلادهم وحل المشاكل الدولية التي ورثوها من الحكومات السابقة كما أشاد بقبولهم مبدأ حق تقرير المصير.
وقد ظهرت فكرة حلف بغداد بالتنازل الثاني الذي قدمته الثورة كما قلنا عندما اعتبرت تركيا في دائرة الدفاع الإقليمية وأن العدوان عليها يبيح للإنجليز العودة إلى قواعدها العسكرية في مصر تماما كالاعتداء على السودان أو السعودية ومن هنا نؤيد قول ممثل وزارة الدفاع الأمريكية أن أول دول عربية وقعت حلفا عسكريا مع الغرب هي مصر الناصرية وليس عراق نوري السعيد، ولا جدوى من تزوير التاريخ بل وثاني دولة وقعت معاهدة عسكرية مع الولايات المتحدة هي مصر الناصرية في دسيمبر 1953.
وبقبول مصر الدفاع المشترك عن تركيا، أو الحلف البريطاني المصري التركي ظهرت فكرة ربط تركيا عضو حلف الأطلنطي بالمنطقة العربية بضم العراق والأردن على ضوء التوصية القديمة (1951) بأن تتخلى بريطانيا عن معاهداتها السيئة السمعة مع الأردن والعراق إذا ما توفرت الترتيبات البديلة أن تبقى قوات بريطانيا ولكن بموجب الحلف وتلغي المعاهدة لإسكات المعارضين.
يقول سلوين لويد:
- فوقعت معاهدة دفاعية بين تركيا والعراق في 24 فبراير 1955 بتشجيع أمريكي كبير ونحن أيضا كنا نؤيد ذلك لسبين الأول أنه يقوى الدفاع عن الشرق الأوسط ضد الخطر السوفيتي والثاني أن المعاهدة العراقية البريطانية الموقعة في عام 1930 كانت ستنتهي في عام 1957 والحلف الجديد إذا دخلنا فيه يمكن أن يحل محل المعاهدة دون إثارة معارضة عراقية.
- هل صحيح شجعت أمريكا الحلف؟ فلما بادرت بريطانيا أو بالأحرى هرولت للانضمام إليه في 14 أبريل 1955) أي قبل انقضاء أربعين يوما على قيامه، وكان هذا آخر قرار وقعه تشرشل الذي هو بدوره آخر أسود الإمبراطورية الذي مات وهو بعض بأسنانه المتآكلة على ما بقى من نفط الشرق الأوسط؟
ما هو موقف أمريكا فعلا؟
- يقول ولبر كران إيفلاند ممثل البنتاغون وعضو مكتب تنسيق العمليات للشرق الأوسط والمسئول عن تدبير مؤامرة سوريا 1956 وعضو اللجنة المشتركة مع المخابرات البريطانية عام 1956 لبحث الموقف في الشرق الأوسط يقول:
- بنفوذ بريطانيا وقعت باكستان معاهدة دفاعية مع تركيا في أبريل 1954 الأمر الذي فاجأ وزارة الخارجية الأمريكية تماما وفي البداية لم تنطق ولكن في نهاية السنة بدأ فوستر دلاس يصف هذه الخطوة من مسلمي الشرق بأنها مكسب.
ويقول أن أصل فكرة حلف بغداد كانت بريطانيا كمحاولة لتجديد المعاهدة العراقية مع بريطانيا دون تكرار مأساة ما جرى مع مصر ودفعت بريطانيا والعراق لتوقيع المعاهدة مع تركيا ومرة أخرى فإن وزارة الخارجية أخذت على غزة balance was caught out of وخاصة عندما أعلنت بريطانيا عزمها على الانضمام إلى التحالف العراقي التركي وحثت أمريكا على أن تخذوا حذرها فورا وهكذا أخذ صناع السياسة الأمريكية على غرة بحلف بغداد وكان عليهم أن يتصرفوا في إطار دود الفعل بدلا من أن تكون لديهم بدائل مجهزة سابقا، ثم جاء تعقيد أكبر، وهو انضمام الولايات المتحدة للحلف كما تطالب بريطانيا وهذا معناه أن الولايات المتحدة ستصبح عضوا في تنظيم يضم دولة عربية وهي العراق، وهذا يحتم عليها أما أن تصدر تعهدا بالدفاع عن إسرائيل أو أن تصر على انضمام إسرائيل أيضا إلى الحلف.
وكان واضحا مما سمعته من الأدمير ال دافيز وفي مكتب الوزير اندرسون أننا اندفعنا لخلق سياسة تتماشي مع سياسة الأمر الواقع التي فرضها علينا الجهاز البريطاني وكانت إيران هي الثغرة الباقية في الإطار الشمالي كما تخيله وزير الخارجية وقررنا أن تسد هذه الثغراة بمبادرة منا وكنا قادرين على تحقيق ذلك بما لدينا من نفوذ أولا بما أصبح بعد ذلك أشهر سر تتباهى به المخابرات cia وهو دور آلن دلاس وكيرميت روزفلت في إعادة الشاه إلى عرشه عام 1953 بما عرف باسم عملية أجاكس.
والمسئولون عن مصر في المخابرات الأمريكية كانوا ضد حلف بغداد: أنا وإيكلبر غركن ضد حلف بغداد وقد سافر كوبلاند رئيس المحطة cia في مصر إلى واشنطن حيث عارض حلف بغداد نجح في استصدار قرار أمريكا بعدم الانضمام للحلف.
فما تفسير قول سلوين لويد أن أمريكا كانت مؤيدة وما حقيقة موقف عبد الناصر لقد اشرنا في فصل الأمريكان ياريس إلى اختلاف وجهتي النظر داخل الإدارة الأمريكية حول الأحلاف ولا يمكن أن نقدم أفضل من هذا التفسير لمايلز كوبلاند: أن مشاريع الدفاع والأحلاف ولا يمكن أن نقدم أفضل من هذا التفسير لما يلز كوبلاند إن مشاريع الدفاع والأحلاف البيت الأبيض أو بالأحرى أيزنهاور وجون فوستر دلاس، وبقية الجهاز التقليدي كانت ترغب في الأحلاف والترتيبات العسكرية كانت نابعة من تفكير متخلف يمثله إيزنهاور وجهازه الرسمي من بقايا الحرب العالمية الثانية، وهو توقع غزوا عسكريا مماثل للغزو الألماني، ومن ثم كانت الاستراتيجية هي مواجهته باستحكامات عسكرية.
وال إن فكرة منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط كانت قد تحولت إلى فكرة خارج التاريخ والسبب الوحيد الذي جعلها مطروحة للمناقشة هو أن الوزير دلاس رغم ذكائه لم يستطع التخلص من الفكرة.
وقلنا أن الأجهزة المتطورة كانت قد اكتشفت زوال عهد الأحلاف والاستحكامات العسكرية والغزو والروسي ولذلك تولى تحرير الوزير الذكي من عقده، وشن صوت العرب الذي أقامته المخابرات الأمريكية ولو من الناحية التكنولوجية حملته المشهورة على الحلف.
كذلك كانت الولايات المتحدة لا تريد منظمة تتربع فيها بريطانيا يحف بها عملاؤها أو الحكومات المتعاونة المرتبطة ببريطانيا مثل باكستان والعراق والأردن وشمعون إلخ..
كان التفكير والتدبير هو ما أشار إليه كولاند في شكوى عبد الناصر من خرق الأمريكان لاتفاقهم وشرح هذا الاتفاق على لسان عبد الناصر بأنهم وافقوا على تركه تدبر الأمر فيخلق حلفا عربيا غير مرتبط علنا مع أي من الدول الغربية الكبرى ولكنه قادر على التجاوب والتكامل مع خطط الدفاع الغربية وقت الحاجة فنسفت بريطانيا المشروع سواء بتعجلها التحفظ على العراق والأردن قبل أن تخرجها أمريكا من هناك أو لرغبتها في نسف المشروع الأمريكي الناصري.
وأخيرا عقدة العقد وهي إسرائيل فالولايات المتحدة لا تستطيع الدخول في معاهدة عسكرية دفاعية مع دولة عربية في حالة حرب مع إسرائيل دون تقديم ما يوازن ذلك لإسرائيل ومن السخف طبعا تصور حلف عربي أمريكا عضو فيه في نفس الوقت الذي ترتبط فيه أمريكا بمعاهدة دفاعية مع إسرائيل أو الاقتراح الجنوني بضم إسرائيل للحلف...
من هنا حق لنا أن نقول إن الولايات المتحدة كانت ضد حلف بغداد وكان يتمشي مع مصالحها تماما التمشي تحطيم هذا الحلف أو شله على الأقل أما صياح دلاس والصحافة الأمريكية فلا يزيد عن هتاف الناصريين ضد أمريكا للاستهلاك المحلي ولضرورات النفاق الدبلوماسي مع الحلفاء وأخيرا لإعطاء معركة ناصر ضد الحلف نكهة أقوى من عصير محاربة الاستعمار مما أدى إلى النهاية المتوحشة الأمريكانية لكل رجالات حلف بغداد.
وفي الاجتماع التمهيدي المؤتمر القمة الأمريكي البريطاني سألوا وكيل الخارجية البريطانية مستر إيفلين شوكبرغ عن حلف بغداد فقال نحن لا يعنينا إلا النفط وما حلف بغداد إلا صيغة تمكن بريطانيا من الاحتفاظ بقواعدها في الأردن والعراق بدون تجديد المعاهدة ولي له أهمية حربية.
وقال وكيل الخارجية البريطانية أن السعودية هي عدو بريطانيا الأول أو الشخصي BETE NOIRE وهو يريد أن يبحث معنا كيف نحدث تغيرات أساسية في حكومة السعودية وقد كتبت في مذكراتي يومها يبدو أن بريطانيا تريد تنظيم انقلاب يلغي النظام الملكي السعودي بمساعدة أو دون مساعدة المخابرات CIA ولما حدثوه عن الخطر الشيوعي في الكويت التي كانت محمية بريطانية لم يهتز وإنما قال: إن الخطر الحقيقي في الأردن حيث المال السعودي والنشاط المصري.
وهيوغيتسكيل زعيم المعارضة البريطانية وأقوى مدافع عن خط الانضواء تحت المظلة الأمريكية والكف عن محاولة العودة غير المشروعة أمريكا للمنطقة شرح لنوري السعيد أسباب معارضته أي غيتسكيل لحلف بغداد قال: إنني أعارض السياسة البريطانية التي اتخذت من حلف بغداد أساسا لسيطرتها في الشرق الأوسط والتي تهدف إلى السيطرة على المنطقة عن طريق حلف بغداد.
سلوين لويد يحمل الأمريكان بصريح العبارة مسئولية فشل الحلف إذ يقول: إن نقطة الضعف في حلف بغداد كانت تكمن في موقف الولايات المتحدة AMBRGUITY ذي الوجهين فقد ظل دلاس يتحاشي العضوية الكاملة قائلا إنه لا يمكن الحصول على أغلبية الثلثين المطلوبة في الكونغرس للانضمام الرسمي لم يكن يعتقد أن الرأي اليهودي في أمريكا سيحبذ ولكن إذا ما تحقق ما وصفه بالتسوية الفلسطينية فإن الوضع سيختلف وعندما سيوصي بعضوية أمريكا الكاملة يعني في المشمش ج لكنه وافق على أية حال على إرسال مراقبين عسكريين وسياسيين لحضور الاجتماعات وربما كان هؤلاء هم الذين يزودون خصوم الحلف بأسراره ج).
ويعود فيقول: كانت أهدافنا أن لا تبقى علاقاتنا مع العراق على الأسس القديمة فإني وجودنا العسكري كان سيصبح تحت مظلة حلف بغداد مع تركيا وإيران وباكستان ودعم الولايات المتحدة فإن مثل هذا الحلف لم يكن من السهل اتهامه بأنه أداة للاستعمار البريطاني ولكن الولايات المتحدة كانت يوما حارة ويوما باردة دلاس رحب بحلف بغداد ولكنه رفض الانضمام إليه ويبدو أنه الغيرة القديمة من بريطانيا سادت بكل تأكيد على مشاعر بعض مساعديه فالأمريكان في الظاهر كانوا حليفا مخلصا يوثق به ولكن في العمق كان كثير من الأمريكيين تمتلئ قلوبهم بكراهية الاستعمار والنفور من الاعتراف لنا بأية سلطة موروثة من أيام إمبراطوريتنا وسرور نصف خفي ونصف ظاهر برؤيتنا نهوي إلى القاع .
هل تريدون أوضح من ذلك.؟؟
- ومن الإهانة لعبد الناصر القول بأن بريطانيا أقامت الأرض وأقعدتها لكي تضمه إلى حلف بغداد وهي التي طلبت من مصر في عام 1950 أن تكفي خيرها شرها فتمتنع عن تحريض الدول العربي ضد مشاريع الأحلاف التي تسعى إليها العراق ولا أحد يطالبها بالانضمام إلى هذه الأحلاف فبريطانيا كانت تريد حلفا تسيطر عليه وتسوره حول أفراخها في الشرق الأوسط لكي لا يخطفها النسر الأمريكي ولم تكن تسعى إلى حلبة صراع مع المصريين ورجال المخابرات الأمريكية الذين تعج بهم القاهرة ولكن الأمريكان ما كانوا ليسكتوا على بناء هذه الخطيرة البريطانية وعيونهم جاحظة لنفط العراق وغارقة في نفط إيران.
- وبعكس الفكرة الشائعة بين الناصريين عن أن عام 1955 كان عام الضغط الأمريكي على عبد الناصر للدخول في حلف بغدادي فإننا نجد أن هذا العام قد شهد الضغط البريطاني في جميع المناسبات لإقناع الولايات المتحدة بتأييد الحلف وتملص الولايات المتحدة من هذا الموقف بل إن سلوين لويد يتهم أمريكا بأنها قتلت الحلف مجاملة لناص والدول العربية التي تفكر مثل ناصر وهي السعودية وسوريا واليمن وقتها ويشمت فيه بقوله ولكن دلاس لم كسب شيئا فرفضه الانضمام لحلف بغداد وقد ثبت لك عندما اشترى عبد الناصر السلاح من تشيكوسلوفاكيا وأعلن ذلك في سبتمبر 1955
- وقد عقد اجتماع قمة بين إيزنهاور ودلاس من جهة وإيدن وسلوين لويد في محاولة لتصفية الخلافات أو لوقف ما سماه وزير خارجية بريطانيا بصريح العبارة محاولة طردنا من المنطقة قبل الأوان.
ونوقشت في المؤتمر القضايا الرئيسية التي توتر العلاقات وهي:
- 1- الصين ومعروف أن بريطانيا بسبب هونغ كونغ والمصالح الأخرى، قد اتخذت موقفا مخالفا للموقف الأمريكي من الصين الشيوعية وكانت تحاول في هذا الوقت مجاملة لروسيا والصين وابتزازا للأمريكان إعطاء الصين مقعد مجلس الأمن بدلا من فرموزا وقد رد الأمريكان في الاجتماع على هذه المناورة برد حاسم لوقف الابتزاز أو المساومة البريطانية أخبرونا أنهم سينسحبون من الأمم المتحدة إذا ما حدث هذا فانقطع الحديث ولكن ليرد الإنجليز بنفس الأسلوب في النقطة الثانية:
وكنت هناك مناقشة طويلة حول واحة البوريمي التي تقع في أراضي سلطان مسقط الذي كانت لنا معه معاهدة وكان الاعتقاد بوجود نفط هناك وقد تحرك السعوديون لاحتلال الواحة في 1953 ولكن صدوا بمساعدة قوات ساحل عمان والأمير زايد شقيق حاكم أبو ظبي وكان هناك تحكيم ولكننا انسحبنا منه محتفظين بمواقعنا في الواحة التي أصبحت شوكة دائمة في علاقتنا مع السعودية ولكن لم يكن بيدنا حيلة لمعالجة ذلك دون أن نتخلى عن أصدقائنا أهه؟؟؟ ج) وكانت الحكومة الأمريكية بسبب قاعدتهم الاستراتيجية في الظهران وأهمية المصالح النفطية لارامكو في السعودية كانت تضغط باستمرار علينا للتسليم للسعوديين وقد بذلنا جهدنا لإقناع دلاس وإيزنهاور إن هذا الموضوع غير قابل للبحث وفي النهاية بدا أنهم فهموا وضعنا وتبينوا أيضا أن الملك سعود يستخدم أمواله بغباء وبطريقة ستدمر الغرب وتساند الشيوعية كما أكدوا لنا أو الولايات المتحدة لن تنضم لحلف بغداد ولو أنهم وعدا بمساعدات وفي الاجتماعات التمهيدية لهذا المؤتمر قال وكيل وزارة الخارجية وبعد جولة قام بها في بغداد وطهران وانقره وطرابلس أبرق من تل أبيب إلى إيدن يجب أن يظهر الأمريكان دعمهم لحلف بغداد كما اقترح انقلابا في سوريا.
- وفي 8 مارس 1956 قال لي دلاس أن الولايات المتحدة ستهتم أكثر بالشرق الأوسط فسألته كيف؟ قال أنه لم يصل إلى رأي بعد فبادرته قائلا: يمكنكم أن تبدأوا بالانضمام إلى حلف بغداد فرد قائلا أن هذا مستحيل تماما ولم أفهم أبدا السبب الحقيقي إذ كان يشير عادة إلى اللوبي الإسرائيلي وصعوبة الحصول على موافقة الكونغرس ولكني لم أعرف أبدا إذا ما كان هناك أمر آخر يخفيه في نفسه وما يخفيه دلاس في نفسه يظهره كوبلاند وإيفيلين ويلمح له لويد.
- وفي منتصف مارس 1956 قدم تقريرا إلى مجلس الوزراء بعد جولة في الشرق الأوسط قال فيها يجب أن نبذل محاول أخرى لحث الولايات المتحدة على الانضمام لحلف بغداد يجب أن نعمل على التقريب بين العراق والأردن ومحاولة عزل السعودية عن عبد الناصر توضيح أطماع عبد الناصر للملك سعود واتخاذ إجراءات ضد عبد الناصر مثل تجميد الأرصدة وسحب تمويل السد العالي وخفض المساعدات الأمريكية لمصر ووقف الإمدادات العسكرية ولكن ذلك كله يحتاج لدعم حكومة الولايات المتحدة ولذا فإن المهمة الأولى هي الحصول على اتفاق أمريكي بريطاني .
وأخيرا توسل وزير خارجية بريطانيا لدلاس: وعندما أخبرت دلاس بصفة شخصية جدا ولمعلوماته فقط أنني لا أعتقد أن نوري السعيد يمكن أن يعمر طويلا ما لم يتخذ إجراء حاسم يثبت أن سياسته في دعم حلف بغداد تعود بالفوائد على العراق لم يظهر على دلاس أنه أخذ كلامي على محمل الجد مما جعلني أشعر أن عداء السعودية للعراق انعكس على نصائح وزارة الخارجية الأمريكية لدلاس.
وأكثر من ذلك أن سلوين لويد يكشف سرا غريبا له علاقة بالرواية التي يذكرها هيكل وأن أخطأ في تواريخها وهي الاتفاق المبدئي الذي جرى بين سلوين لويد وعبد الناصر على وقف حملات صوت العرب ضد حلف بغداد مقابل تعهد بريطانيا بوقف محاولاتها لضم دول عربية جديدة إليه هذا الاتفاق تقدم به دلاس إلى سلوين لويد إذ قال له أنه يعتقد بإمكانية إجراء مساومة مع عبد الناصر بأنه لن تنضم دولة عربية أخرى للحلف مقابل وقف الحملة على الحف وقد رد سلوين لويد أنه عمليا لن تنضم دول عربية في المستقبل القريب ولكنه لا يستطيع أن يجري هذه المساومة مع عبد الناصر لما يمكن أن يكون لها من تأثير على دول الحلف وخاصة على نوري السعيد وكان ذلك في لقاء دلاس ولويد في كراتشي في مارس 1956 أمريكا لم تكن مع حلف بغداد بل كانت ضده، وأقل ما يوصف به موقفها هو أنها لم تعترض على النشاط المضاد له، والذي قام به الحلف المصري – السوري – السعودي .
ففور سقوط الحكومة الموالية لبريطانيا العراق سافر صلاح سالم إلى دمشق حيث وقع بيان مشترك مع خالد العظم وزير الخارجية يدعو إلى رفض حلف بغداد وإقامة حلف عربي، وقد بادر الملك سعود بإصدار بيان يؤكد موافقة المملكة على البيان المصري السوري.
ويفسر كاتب متمركس ذلك بأن السعودية كانت في نزاع شديد مع بريطانيا حول أحقيتها في واحة البوريمي وهذا صحيح ولكنه يقف عنده لا يتقدم خطوة لأنه يعرف أنه يمشي على رمال متحركة فلو تقدم خطوة واحدة لوجد نفسه أمام الصراع الأنجلو أمريكي الذي طالما حاولنا تلقينه إياه في صدر شبابه لينكره في شيخوخته لكي لا يضطر لوضع الناصرية في مكانها في دائرة هذا الصراع.
وما يمكن قوله في هذا الموضوع من الحديث أن السعودية كانت لها مصلحة حقيقة بل وسياسة قديمة في معارضة بريطانيا ومعارضة العراق الهامشي الذي أصبح أكبر قوة موالية لبريطانيا في المنطقة وقاعدة نشاطها وخاصة بعد الانسحاب البريطاني عن مصر والسودان فالعداء السعودي الهاشمي قديم والمصالح البترولية السعودية مرتبطة بالمصالح الأمريكية وبابتعاد سوريا عن القضية البريطانية العراقية وباسترداد واحة البوريمي وما حولها من نفط من الإنجليز وكما كانت السعودية راغبة في استخلاص أراضيها المغتصبة من قبل الإنجليز فإنها كانت بشكل أقوى تشعر بأمن أكر إذا ما زال الوجود البريطاني من المنطقة كلها والسعودية في هذا الموقف مع استقلال سوريا ضد بغداد الإنجليزية مع تحرر الخليج من الاستعمار البريطاني مع سياسة مصر.
وفي تلك المرحلة لم تكن سياسة مصر تتعارض مع السياسة الأمريكية كان عبد الناصر يعمل على تصفية الاستعمار البريطاني من المنطقة لأن هذا هو الضمان الأولى لتحرير مصر ووقف مؤامراتهم في مصر والسودان وليبيا ولم يكن مستعدا ولا قادرا على أن يدخل في حلف تتزعمه أو تتصدره بريطانيا وقد كادت اتفاقية الجلاء تكلفه حياته إن صح أن هناك مؤامرة حقيقية لاغتياله ولكنه يعلم أن أكثر من وطني كان يتمنى وقتها لو أنهى حياته جزاء خيانة اتفاقية الجلاء كذلك لم يكن ليقبل أن تكون بغداد مركز التنظيم إقليمي للشرق الأوسط فهو والملك سعود كانا يتحركان من موقف وطني تاريخي استراتيجي واضح المصلحة لمصر والسعودية والعرب ضد بريطانيا وأيضا يتفق والاستراتيجية الأمريكية للمنطقة كذلك فإن اللوبي الصهيوني في السياسة الأمريكية لم يكن ليرحب بقيام حلف عربي تركي لأنه في النهاية قد توجه ضد إسرائيل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ولو من خلال تقليل الخلافات بين الغرب والدول العربية وأتاح الفرصة للتعرف وربما الحصول على أسلحة متفوقة للدول العربية وأيضا جذب تركيا إلى اهتمامات وهموم العالم العربي وما قد يؤدي إليه من ارتفاع في النبض الإسلامي الخافت منذ سقوط الدولة العثمانية فكل دولة إسلامية وقد رأينا كيف شنق عدنان مندريس جزاء اهتمامه بالعالم العربي ومحاولة التودد للعرب والشعب التركي ببعض الإفراجات عن دين الجماهير التركية المعتقل منذ أتاتورك.
وإذا كانت المنطقة قد شهدت منذ حلف بغداد ثلاثة حروب ضد إسرائيل ولم تشهد حربا واحدة ضد الاتحاد السوفيتي فإن إسرائيل هي المعنية بالدرجة الأولى بكل ما يدور حول التنظيمات العسكرية في المنطقة وهي بصراحة ضد أية منظمة دفاعية إقليمية وخاصة إذا كانت مع الغرب ويمكن مراجعة موقفها من صفقات السلاح الغربية للسعودية ومن مروع قوا الانتشار الأردنية الأمريكية حيث كانت هي التي وأدت المشروع .
وكما لاحظ المخابراتي الأمريكي بذكاء أو بعلم سابق: إذا درس أحد حملات ناصر ضد الغرب يجد أنه يركز أكثر على القوات الأجنبية والقواعد منه على دورنا نحن الأمريكان في إقامة إسرائيل.
حلف بغداد كان مشروعا بريطانيا على غير هوى الأمريكان وضد سياسة إسرائيل وفي هذا الإطار يمكن فهم الحملة عليه وتقيم النصر الذي أحرزناه عليه ولكن هيكل يحاول أن يكشف فائدة لمعركة حلف بغداد يمكن أن يضيفها إلى كفة مصر في المواجهة مع إسرائيل فيقول:
لو نجح نوري السعيد في ضم سوريا والأردن ولبنان إلى حلف بغداد لتم عزل الشرق العربي عن مصر وعن بقية المغرب العربي وبمعنى أدق ترك مصر وحدها في الميداني أمام إسرائيل.
دعنا من حكاية المغرب العربي فلم تكن قد قامت له قائمة بعد برغم الحركات الوطنية الباسلة هناك وتلك لا يعزلها حلف ولا أحلاف لا يعزلها إلا الحكم الثوري كما رأينا فيما بعد.
أما عن المشرق العربي فالحمد لله لم ينجح نوري السعيد في ضم سوريا ولا الأردن ولا لبنان للحلف فهل غير بذلك من حقيقة ترك مصر وحدها في الميدان أمام إسرائيل؟ ومن هرع إلى نجدتها في حربها أمام إسرائيل عام 1956 هل كان الحلف سيمنع حفنة ضباط أو وطنيين من نسف الخط؟ الوطنيون منعوا بريطانيا من استخدام قاعدة الحبانية في العراق أو القواعد البريطانية في ليبيا وأباء ولي عهد دويلة خليجية منعوه من دخول قصره
فاضطرت بريطانيا لاستخدام قبرص حيث أعلن ثوار أيوكا وقف العمليات العسكرية في كل الجزيرة خلال فترة الحملة رغم كل التأييد الذي منحته لهم مصر.
فلما وقع العدوان وسلمت بريطانيا بأنه قد آن الأوان لطردها من المنطقة وسلمت بالوجود الأمريكي وانحصرت آمالها في الوجود بإمارات الخليج وعدن وملحقاتها تخلت عن فكرة حلف بغداد وطواه النيسيان حتى ووري التراب مع نوري السعيد إلا أن الأعلام الناصري مازال يحدثنا عن معركة حلف بغداد ويسجلها هيكل في حيثيات إثبات أن نصر السويس كان أكمل نصر في الحرب المحدودة.
وسنعود بالتفصيل لاستراتيجية إسرائيل بعد أن نعرج على بقية الانتصارات حلف غيزنهاور صفقة السلاح ثم تأميم القناة.
وحلف إيزنهاور ولو أنه مسجل على أهرامات الناصرية إلا أنه لا يستغرق منا وقفة طويلة إذ يكفي أن نطرح هنا رأي المعلم مايلز كوبلند أو بالأحرى رئيس الوردية فالمعلم الحقيقي هو كيرميت روزفلت قال كوبلاند مندوب المخابرات الأمريكية في مصر في 1957 كانت واشنطن أعمل في لجنة المفروض وأن تكون مسئولية عن كل مال علاقة بعبد لناصر وأذكر أنني حضرت يوما إلى المكتب صباح يوم من أيام شهر يناير لأعرف أن مبدأ مشروع إيزنهاور قد أعد للإعلان بسبب المتاعب لكل خصوم ناصر ولا يقدم لهم ما يحتاجونه فعلا للوقوف ضد حملات ناصر التي كان من المؤكد شنها ضدهم مشروع إيزنهاور واقترح على الكونغرس في مارس 1957 والمشروع يخول الرئيس إيزنهاور استخدام الجيش الأمريكي في الدفاع عن أي دولة في الشرق الأوسط مهددة بعدوان مسلح من أي دولة تسيطر عليها الشيوعية الدولية وتقديم المساعدات الاقتصادية لمثل هذه الدولة لبناء وسائل دفاعها وحتى اليوم لا أعرف من الذي زرع الفكرة هل هو دلاس أوبيل راونتري كل ما أذكره أنها لم تكن من اختراع لجنة تخطيط سياسة الشرق الأوسط المكونة من المخابرات cia – وزارة الدفاع + وزارة الخارجية) ولا أحد من موظفي مكتب الشرق الأدنى وأفريقيا لهم أي علاقة بالمشروع ونحن جميعا من موظفي الخدمة السرية كنا على يقين أن المشروع لا معنى له على الإطلاق وعلى ما أتذكر فإن كل المسئولين عن الشرق الأوسط بالإجماع كان هذا رأيهم وعندما سئل ممثل المخابرات الأمريكية في لجنة التخطيط السياسي للشرق الأوسط إذا ما كان يفكر في إرسال أحد مساعديه ليشرح للحكام العرب رد قائلا نحن لا نستطيع أن نربط أنفسنا بكل فكرة مخبولة تظهر.
ونحن لا نستطيع الآن أن ننجح في ما فشل فيه عضو لجنة التخطيط السياسي للشرق الأوسط فنعرف من الذي زرع فكرة الحلف في رأس إيزنهاور ولا من الذي زرع فكرة الحملة الصليبية ضد الحلف في رأس عبد الناصر ولكن عملا بقانون أبحث عن المستفيد نجد أن إسرائيل قد سعدت بتطويق ونسف أول تعاون علني عالمي وإقليمي بين الولايات المتحدة ومصر فبعد كل ما تعرض له إيزنهاور من اتهامات وضغوط بأنه باع الحفاء الدائمين لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل من أجل مغامرة عدو للغرب يميل للشيوعية حاول عن حسن نية وغباء أو بإيعاز من خبيث أن يظهر العين الحمراء للشيوعية وعملاء الشيوعية في المنطقة وأخر ما يتوقعه هو هذا الهجوم من النظام الذي أنقذه إيزنهاور من أخطر ما تعرضت له دولة صغرى في القرن العشرين.
ولكن عبد الناصر الذي كان قد تواءم مع استراتيجية استثمار حملاته ضد الإمبريالية أو بإيعاز من خبيث آخر على الجانب المقابل اندفع في مهاجمة إيزنهاور ومشروعه وكذلك عاد الصفاء بين بريطانيا وأمريكا بعد ما ثبت بالدليل القاطع أن عبد الناصر لا يحفظ ودا..
وربما يكون موقف المخابرات cia المعارض لمشروع إيزنهاور السخيف كما وصفوه قد شجع عبد الناصر على أن يستفيد من معارضة المشروع وهو مطمئن إلى فشله.
ربما والغريب أننا كافأنا أمريكا على تأييدها الحاسم لمصر في عام 1956 بحملة عداء ظلت تتصاعد حتى وصلت للقطيعة مع ازدياد الود والتقارب مع السوفيت وكافأنا أمريكا عقب تأييدها السافر العلني لإسرائيل في حرب 1937 والذي كان العامل الحاسم في إحباط نصر عربي أكيد كافأتها قيادة 23 يوليو بالارتما في أحضانها وقطع العلاقة مع روسيا؟
عجبي.
صفقة السلاح!
تحطيم احتكار السلاح!
إن العالم العربي اعتبر الصفقة قرارا بتحرير الإرادة العربية.
وقعت كالصاعقة على الغرب الذي لم يتصور إمكانية حدوثها فضلا عن أن يكون قد علم بها وجن جنون دلاس وزلزلت موازين القوى وقسمت الشرق الأوسط إلى قوى وطنية وقوى رجعية وكانت ضربة معلم لم يفكر فيها ولا كان يمكن أن يفكر فيها إلا زعيم ثوري صلب لا يساوم ولا يخاف مثل جمال عبد الناصر!
هذا هو ملخص رأي الإعلام الناصري الذي أطعموه للأمة العربية أكثر من عشرين سنة وما زال يتردد إلى اليوم في الدائرة الفكرية المتخلفة.
وملخص رأينا الذي بلا شك سيصدم المغفلين هو
- • أن عبد الناصر لم يكن أول من حاول الحصول على سلاح من الاتحاد السوفيتي بل الأحرى أن يقال أنه آخر من حاول ذلك وأنه بذل كل جهد في طاقته لمنع ذلك ففشل الأحرار أن يقال أنه آخر من حاول ذلك وأنه بلك كل جهد في طاقته لمنع ذلك ففشل.
- • إن الصفقة كانت بعلم ورضا إن لم تقل بتحريض المخابرات الأمريكية.
- • إن الصفقة كانت أهم خطوة اتخذتها الدول العربية لصالح إسرائيل وحتى لا يسقط ناصري ناشئ في غيبوبة من هول ما أقول نبدأ بالوقائع والتحليل فالذي هو أفضل منا جميعا لم يستطع الصبر على ما لم يحط به علما.
- ونبدأ بالضابط نصف الناصري نصف الماركسي الذي يفتتح شهادته بإعلان من راديو موسكو.
- لم يدخل السوفيت إلى المنطقة غزاة ولم يتقدم علمهم خلف التجارة كما فعلت انجلترا في الصين.
وحقا يكاد المريب يقول خذوني فهذا هو بالضبط ما حدث في حلة الروس فقد بدأوا بالتجارة غير المشروطة وانتهوا والراية الروسية ترفرف على سبعين ألف عسكري كانوا في مصر بعد التجارة وبسبب التجارة.
ما علينا !!
تبدأ قصة السلاح مع الاتحاد السوفيتي عندما حظرت بريطانيا تصدير السلاح إلى مصر في أعقاب الحرب الفلسطينية الأولى وتدهور العلاقات مع بريطانيا في عهد حكومة الوفد (1950- 1952) التي كانت أول حكومة مصرية تعترف بالاتحاد السوفيتي وذلك في عام 1942 وطلبت حكومة الوفد سلاحا من يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفيتي ولكنهم رفضوا ذلك وقد فسر فؤاد باشا سراج الدين ذلك الموقف لأحمد حمروش بأن الروس كانوا حريصين على عدم استفزاز الغرب.
وفي أغسطس 1953 سأل حسن رجب وكيل وزير الحربية لشئون المصانع حكومة تشيكوسلوفاكيا في توريد الأسلحة فكان الرد بعد الدراسة هو: نحن بلد نحب السلام ولا نعطي أحد سلاحا.
ديسمبر 1953 تساءل محمد نجيب في لقاء مع السفير السوفيتي بنيامين سلودج عن احتمالات تسليح الاتحاد السوفيتي لمصر.
السفير المصري في موسكو عزيز باشا المصري استفسر من السوفييت أيضا عن احتمالات تسليحهم لمصر بمبادرته الخاصة خلال عام 1954.
أحمد لطفي أكد بحث هذا الموضوع مع مستشار السفارة السوفيتية بالقاهرة.
في عام 1955 طلب حسين عرفه مدير المباحث الجنائية بالبوليس الحربي من كامل البنداري الباشا الأحمر ج) (بإيعاز من عبد الناصر في رواية حمروش ج) أن يتصل بالسفير السوفيتي ليسأله عن إمكانية تقديم السلاح لمصر وجاء الرد السوفيتي بأن تقديم السلاح لمصر والجنود البريطانيون يحتلون القناة سيكون معناه في النهاية تسليم السلاح للبريطانيين.
ويروي محمد نجيب أن سولود زاره في منزله في يناير 1954 وأبلغه أن الاتحاد السوفيتي وافق من ناحية المبدأ على بيع السلاح لمصر وقد أبلغ محمد نجيب ذلك كتابة لعبد الحكيم عامر قائد الجيش المصري وطلب منه أن يعد قائمة بالأسلحة المطلوبة.
ويستنتج حمروش أو يعلق على إهمال عامر وناصر لهذا الأمر في حينه بقوله: إذا صحت هذا الرواية فهي لا تعني أكثر من اندفاع نجيب في مطالبته للسلاح من السوفيت في وقت كان جمال عبد الناصر يعتقد فيه أن الوقت لم يكن ملائما بعد لاتخاذ هذه الخطوة الجريئة التي تعني احتمال حدوث صدام مع انجلترا وأمريكا في وقت لم تكن فيه اتفاقية الجلاء قد وقعت بعد حتى حسيني فهمي رئيس تحرير الجمهورية اشتغل سمسارا لهذه الصفقة وحصل على موافقة السوفيت وأبلغ ذلك جمال عبد الناصر فكان الصمت هو الجواب.
ويؤكد حمروش أن صلاح سالم هو الذي طلب السلاح من شوان لاي وليس عبد الناصر كما هو شائع وهذه هي الرواية:
- قال لي صلاح سالم أن الفيللا التي أقام بها كانت قريبة من سكن شوان لا رئيس وزراء الصين الذي شاركه عبد الناصر في دائرة الضوء (إلخ) وفي إحدى الزيارات المتبادلة صارح سالم بحاجة مصر إلى السلاح لمقاومة تهديدات إسرائيل وبناء جيش قوي قادر على تثبيت مبادئ الحياد الإيجابي وسأله عما إذا كان يمكن للصين أن تقد له للجي ج حاجته مع السلاح واعتذر شوان لاي قائلا إن الصين تستورد سلاحها من الاتحاد السوفيتي وأنه إذا وافق صلاح فسيبذل جهد للاتصال بالسوفيت ومعرفة رأيهم في موضوع توريد السلاح لمصر ووافق صلاح فورا.
- ويحرص حمروش على تأكيد أن عبد الناصر لم يوعز لصلاح بذلك إذ يقول بطريقة مستترة والشيء المقطوع به أن صلاح سالم لابد وأنه أبلغ جمال عبد الناصر بحديثه مع شوان لاي وبعد العدة لمصر وفي شهر مايو1955 اتصل دانيال سولود السفير السوفيتي بصلاح سالم وأبلغه بموافقة الاتحاد السوفيتي على توريد ما تشاء مصر من أسلحة أبلغ صلاح سالم جمال عبد الناصر بحديث السفير السوفيتي وإن صلته انقطعت بعد ذلك بالموضوع فقد تولى مسئولية الاتصال بعد ذلك على صبري مدير مكتب جمال عبد الناصر.
نلخص هذه الوقائع:
- 1- كسر احتكار السلاح بطلبه من الاتحاد السوفيتي لم يكن مبادرة عبقرية فريدة في زمانها غريبة في مصدرها خارج حدود عصرها بل هي خطوة طبيعية وتفكير سابق على الثورة وعلى عبد الناصر تقدم به الوفد أو فؤاد سراج الدين ثم محمد نجيب وعزيز المصري وأخيرا صلاح سالم وكلها مبادرات لا دخل لعبد الناصر فيها ويبدو أن الناس نست الضجة التي أثارها معروف الدواليبي عندما قال أنه سيحصل على السلاح من روسيا وكان رئيسا لوزراء سوريا بل وفي هذا الوقت بالذات وقبل الإعلان عن الصفقة المصرية اتفق نهرو مع الروس على صفقة طائرات اليوشن 28 ولم تؤلف فيها الأغاني والنظريات بل لا يكاد يعرفها أحد.
- 2- أن العقبة في تلك الفترة لم تكن في رجعية ولا عمالة الجانب المصري ورفضه شراء السلاح من الاتحاد السوفتي بل في رفض الاتحاد السوفيتي تقديم هذا السلاح لكي لا يفتح جبهة جديدة في الحرب الباردة ويشهد بذلك الكاتب الماركسي نفسه إذ يقول أن الرفض الروسي كان سببه سياسة ستالين التي كانت تقضي بعد متقدم أي مساعدات عسكرية أو اقتصادية لأي دولة غير شيوعية وأن قبول الاتحاد السوفيتي بيع السلاح لمصر كان تغييرا حقيقيا في سياسة الاتحاد السوفيتي بالمنطقة وكان الاتحاد السوفيتي قد قطع علاقته الدبلوماسية مع إسرائيل في فبراير 1953 عقب إلقاء قنبلة على مفوضيته في تل أبيب السفارة الروسية وقال إن وصول مثل هذه الأسلحة الحديثة إلى بلد غير شيوعي من الاتحاد السوفيتي ما كان يتم لولا وفاة ستالين وحدوث تغير في سياسة الحزب الشيوعي ظهرت واضحة في قرارات المؤتمر العشرين الذي عقد في فبراير 1956 وقرار الانفتاح على شعوب أسيا وأفريقيا ودعم حركات التحرر الوطني.
- وهذا المدح في خرشوف الذي كانت زيارته لمر سببا في تولي حمروش رئاسة تحرير روز اليوسف والسبب في ستالين من مظاهر قلة الوفاء التي يشكو منها أمين هويدي فالاتحاد السوفيتي في عهد ستالين كان يدعم حركات التحرر وإلا لما غني له الحد تاويين في عيد ميلاده عاش ستالين عاش ستالين.. عيد الشعوب وعيد الأمم ولكن الدعم يختلف شكله من مرحلة لمرحلة فهو في مرحلة بناء الدولة السوفيتية يكتفي بالتخريب الذي يحدثه الشيوعيون في مؤخرة العدو أما بعد أن تم بناء الدولة وظهرت الإمبراطورية وتطلعت إلى حصة في السوق العالمية ونصيبا في عائدات السعر العالمي الظالم أو دم الشعوب الذي يتغذى به داركيولا الإمبريالي تاجر السلاح هنا يأخذ الدعم شكل صفقات سلاح وديون وفوائد للديون وخبرا بمرتبات وامتيازات وكله عند العرب دعم!
- المهم من ذلك كله هو أن الرفض كان من جانب الاتحاد السوفيتي ولا ربع سنوات كاملة وأن التغيير أو الانقلاب الثوري الجذري لم يكن من جانب مصر التي لم تكف عن طلب السلاح من أيام فؤاد باشا سراج الدين بل كان من جانب الاتحاد السوفيتي وبسقوط ستالين وليس سراج الدين ومجيء خرشوف وليس عبد الناصر تمت الصفقة.
- 3- أن عبد الناصر كان أقل المتحمسين خلال تلك الفترة لطلب السلاح من الاتحاد السوفيتي فقد أهمل تماما اتصال محمد نجيب، الذي طلب السلاح لمواجهة حتى الإنجليز فلم يكن اتفاق الجلاء قد وقع ولا الإنجليز قد خرجوا من مصر ولكن عبد الناصر كما يقرر الكاتب الناصري رفض لكي لا يستفز الإنجليز والأمريكان بينما لم يحسب محمد نجي حسابا لذلك ولا يجوز أن نصف قرار نجيب بالتسرع فإذا فعله عبد الناصر أصبح عملا عبقريا وضربة مؤقتة حاسمة.
- 4- وأخيرا عندما وافق الاتحاد السوفيتي على بيع السلاح لمصر، وجاء كما يقال بشيك على بياض لمصر هل بادر عبد الناصر بعقد الصفقة وإتمام الاتفاق؟ إذا كان القرار قراره ومن منطلقات ثورية تحررية اشتراكية واعية فلماذا التردد؟
- وقائع التاريخ تؤكد أن جميع من سبقوا عبد الناصر على طريق السلاح السوفيتي كانوا جادين في طلبهم إلا عبد الناصر فلم يكن يفكر في أكثر من مساومة الغرب والضغط عليه فهو اعتبر العرض الروسي ورقة مساومة وإغراء لإثارة غيرة أمريكا وبريطانيا إذا كن يفضل أن يحصل على السلاح منهما ولا يتورط في علاقة مع الروس وهذه حقيقة أعلنها في خطبه عشرات المرات وهو يعتذر عن خطيئة شراء السلاح من الروس مؤكدا أنه فعلها مكرها غير باغ ولا شارحا للكفر صدره.
قال حمروش:
- ومع وجود هذا العرض المفتوح من جانب السوفيت، والذي تم الاتفاق عليه مع جمال عبد الناصر فإن التعاقد لم يوقع عليه وينفذ فقد كان جمال عبد الناصر شديد الحذر ف اتخاذ هذه الخطوة التي تعني صداما مباشرا مع الأمريكيين والبريطانيين الذين ما زالت قواتهم في منطقة القناة لم ترحل بعد واستخدم جمال عبد الناصر اتفاقه مع السوفيت كقوة ضغط على الغرب في محاولة أخيرة لإجبارهم على توريد السلاح .. اتصل جمال عبد الناصر بسفيري أميركا وبريطانيا وأبلغهما بنبأ الصفقة وحذرهما من اضطراره لقبولها إذا لم تصله أسلحة من الدولتين وأقبل شهر يونيو دون أن يتلقى جمال عبد الناصر ردا عليه من السفيرين في الوقت الذي كان فيه السفير السوفيتي يستعجل معرفة رد مصر لا بلاغة لموسكو وجاء شبيلوف إلى مصر وتم الاتفاق على صفقة السلاح ومع ذلك ظل الاتفاق سرا غير معلن وغير متوقع لأن جمال عبد الناصر ظل مترددا بأمل حدوث تغيير في الساعة الحادية عشرة في موقف الغرب كما يقول ناتينج واستدعى جمال عبد الناصر الملحق الجوي في سفارة مصر وأبلغه أن هناك مشروع اتفاق نهائي لم يوقع بعد بصفقة أسلحة مع السوفيت وأن عليه إبلاغ المسئولين في واشنطن باضطرار مصر للحصول علها إذا ظلت أمريكا في موقف الرفض ولكن كل هذه المحاولات انتهت إلى لا شيء ولم يكن هناك بد من توقيع الصفقة والإعلان عنها.
- عبد الناصر إذا أجبر إجبارا على كسر احتكار السلاح أو لم يجد بدا بعدما رفض الأمريكان كل محاولاته ومساوماته وتركوه وعي واختيار وسابق علم لكي ستعامل مع السوفيت فاعفونا على الأقل من مسرحية الفالج الذي أصاب الغرب والجنون الذي حل بدلاس والإنذار الذي حمله آلن فالأمريكان كان عندهم علم ومن أوثق المصادر من عبد الناصر نفسه بوجود العرض ثم الاتفاق.
- وكذلك يمكن القول أن قرار عبد الناصر لم ينبع من إدراك واع لحتمية المجابهة مع الغرب للارتباط العضوي بين هذا الغرب وإسرائيل ولا عن قناة بضرورة تحرير الإرادة المصرية ولو بالمفهوم الضيق ولا عن قناعة بحتمية الصدام مع الغرب للدور التحريري الذي لابد أن تقوم به مصر في المنطقة انطلاقا من نظرية الدوائر إياها؟ بل كانت خطوة أجبر عليها وإليك رواية المصادر الأمريكية.
- في الأيام الأولى عندما كان عبد الناصر يطلب معدات عسكرية لم يكن واردا احتمال استخدامها لهدف كبير مثل حرب مع إسرائيل أو اليمن أو ما أشبه ولا حتى كان طلبه كبيرا فالحاجة كانت مركزة على الأهداف الأمنية الداخلية وقد أوضح ناصر بجلاء لسفرائنا أن نظامه يعتمد على الجيش في تأمينه وهو يؤمن أن جيشا هزيلا هو جيش غير مخلص وقد بدأت طلباته من أمريكا بأربعين مليون دولار ثم وصلت إلى عشرين مليون وأخيرا نزلت إلى مجرد مليونين أو ثلاثة ملايين ثمن معدات استعراضية طاسات وحمالات مسدسات وغيرها من المعدات حسنة المظهر في الاستعراضات بإيرود كرجل عسكري كان يعرف أن السلاح الذي يطلبه عبد الناصر لا يمكنه من الإضرار بمصالحنا بأية حال.
ولفهم موقف الأمريكان نعرض الآتي:
- عقب إتمام الجلاء عن مصر ساد الاعتقاد وخاصة للقوى التي استهانت بالنفوذ الصهيوني وطبيعة العداء الصليبي الذي حكم سلوك المؤسسات الغربية إن الفرصة متاحة لوضع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط على قدميها بالمراهنة على القوى الكبرى والطبيعية بل والشرعية الأصيلة وهي العرب وبالذات مصر التي كانت يحكمها شباب معجبون بالأمريكان باعتراف هيكل أو مرتبطون بالأمريكان في اتهامات خصومهم ولو تحقق هذا التصور لواجهت إسرائيل مأزقا حقيقا لا لأن أمريكا كانت ستتفق مع العرب على إزالة إسرائيل بل كانت ستجبر إسرائيل على عقد صلح مقبول للعرب، وهذا يعني زوال إسرائيل في نظر الفكر الصهيوني الإمبراطوري وقد حاول اللوبي الصهيوني بكل قواه أن يمنع تسليح مصر ولكنه كان يعرف أن هذا مستحيل الاستمرار خاصة إذا ما نجح الحكم في مصر في إثبات استقرار الحكم ولو في صيغة ديكتاتورية تعتمد على صغر سن الزعيم وفي خلق جبهة عربية ملتفة حوله إذ لا بد أن يقوي اللوبي الأمريكي ويطلب ترك أطراف المنطقة تحسم أمورها دون تدخل من جانب الولايات المتحدة ما دامت النهاية لصالح الولايات المتحدة في كل الاحتمالات ولمنع ذلك كان لابد أن تفرض إسرائيل على المنطقة واقع أنها الصديق الوحيد للولايات المتحدة والغرب ورأس الرمح في محاربة النفوذ السوفيتي في المنطقة وليس المهم أن تصدق الإدارة الأمريكية ذلك أو تتظاهر بالتصديق فمن تخادع لك فقد خدعته أو بالأحرى أن مدر رواج هذا المفهوم لدى الأمريكان يسهل على الإدارة الأمريكية تنفيذ مطالب اللوبي الإسرائيلي الشديد التنظيم وصاحب القوة الانتخابية التي يسيل عليها لعاب السياسيين الأمريكان وقد اتبعت إسرائيل في ذلك الآتي:
- 1- تبني سياسة معادية للسوفيت على مستوى الشعارات بل واستفزاز الروس لمعاداة إسرائيل وذلك بإزالة المسحة الشيوعية التي صاحبت فترة بناء إسرائيل وظهور الدولة والتي كانت ضرورية في ذلك الوقت لكسب اليسار الأوربي وشل المعارضة الروسية لإنشاء الدولة ودفع الاتحاد السوفيتي للتحلل من الالتزام النظري الذي ظل يكرره نصف قرن بأن الصهيونية حركة رجعية شوفينية واهم من ذلك المبدأ الأساسي في النظرية الشيوعية أو الماركسية وهو رفض قيام أمة على أساس الدين أو العراق وأيضا لضمان وصول السلاح من تشيكوسلوفاكيا والمتطوعين من شرق أوروبا.. وأخيرا لعطية صهيونية قادة الأحزاب الشيوعية في العالم العربي وكلهم من اليهود.
- وقد وصلت علية الانسلاخ ذروتها بإلقاء القنبلة على المفوضية الروسية في تل أبيب واستفزازات غولدا مائير السفيرة في الاتحاد السوفيتي وإثارة قضية اليهود السوفيت وقطع العلاقات مع روسيا.
- 2- إثبات أن إسرائيل أجدر بالمراهنة عليها لديمقراطية يضمن الاستمرارية والاستقرار ووحدة الجبهة الداخلية والدول لا تحب أن تبنى استراتيجيتها على الحالة الصحية أو المزاجة لشخص واحد أيضا بقوة جيشها وكفاءة مجتمعها.
- 3- ولكن ذلك كله لم يكن يقدر له النجاح إلا بتوفر عنصر ثالث أكثر أهمية بل هو شرط نجاح هذا المخطط ألا وهو فساد علاقة دول المواجهة على الأقل مع الغرب بل ودفع هذه الدول إلى الارتباط بالاتحاد السوفيتي وتضخيم هذه العلاقة في الإعلام الأمريكي لإثارة جنون المواطن الأمريكي الذي ما زال إلى اليوم ورغم سنوات الوفاق وتحول أمريكا إلى مزرعة القمح الروسية، ما زال يفقد السيطرة على أعصابه كلما لوحا له براية حمراء وهكذا كانت كل خطبة وكل زيارة وكل إشارة عربية في اتجاه السوفيت تقابل بصيحات اللوبي اليهودي والأمريكيين السذج بطلب الدعم لإسرائيل كتيبة الصدام التي تقف وحيدة تدفع من دم أبنائها ثمن حماية العالم الحر وأمريكا بالذات من الخطر السوفيتي كان لا بد إذا من دفع مصر إلى أحضان السوفيت وهو ما سميناه بفرض التحالف مع الطرف الأضعف في المحالفة الدولية على الخصم المحلي.
- والكاتب الماركسي شم رائحة اللعبة ولكنه كما قلنا للأ يطيق مواجهة الحقيقة لذا نراه يقول والذي يتابع أخبار الصحف في هذه الفترة التي امتدت من يوم الغارة على غزة في 28 فبراير 1955 حتى شهر سبتمبر 1955 يجد أن مانشتات الصحف لم تتوقف خلالها عن الإعلان عن اعتداءات إسرائيلية واشتباكات مع الفدائيين وقوات الجيش المصري الأمر الذي كان يستهدف الضغط على مصر والذي كان يدفعها في نفس الوقت دفعا إلى محاولة الحصول على السلاح دفاعا عن أرضها واستقلالها وحيادها أيضا.
- وهذا الذي استطاع حمروش أن يكشفه لابد أنفترض وجود إسرائيليين في مستوى ذكائه عرفوا أيضا أن هذا الاستفزاز والضغط يدفع مصر دفعا لطلب السلاح فهل كان اليهود يتحرقون شوقا لحصول مصر على السلاح من أمريكا ولذا كانوا يدفعون جنودهم لإراقة دمهم في الاشتباكات مع المصريين لدفع عبد الناصر دفعا للحصول على السلاح من الولايات المتحدة أو الغرب وإقناع أمريكا باعتداءاتهم بحاجته للسلاح؟
- مد بصرك إلى الأمام قليلا يا رفيق وستجد أن إسرائيل كانت فعلا تضغط عسكريا على عبد الناصر لتأزيم قضية التسليح وجعلها تحتل المرتبة الأولى من اهتماماته وبما أنها تعلم أن الولايات المتحدة لن تلبي طلبه لأن كل نفوذ إسرائيل سيجند لمنع ذلك ومن ثم لا يبقى أمامه من حل إلا اللجوء للاتحاد السوفيتي وتخريب جسوره مع الغرب والولايات المتحدة وإن هذا الهدف كان حيويا لإسرائيل وأشرف بن غوريون نفسه على تنفيذه بخروجه من عزلته وعودته إلى وزارة الدفاع وشنه الغارة الأولى على الفور عقب عودته بأيام ثم استمر في التحرش لدفع عبد الناصر دفعا إلى هذا الطريق.
- وقد علق البغدادي على العدوان الإسرائيلي الكبير الذي وقع على سوريا في منتصف ديسمبر 1955 على معسكرات الجيش قرب حدود طيرية وقتل فيه أكثر من خمسين جنديا وذلك بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع سوريا علق بأن هذا الاعتداء دفع سوريا في اتجاه الاتحاد السوفيتي كما سبق واتجهنا وكان الأحرى به أن يقول كما سبق ودفعنا وقد نجح المخطط وفتحت ترسانات الغرب لإسرائيل واستمر التطوير في هذا الاتجاه حتى صبح المواطن الأمريكي يعتبر إسرائيل ولاية الحدود الأمريكية وبلغت هذه السياسة ذروة نجاحها في حر 1967و 1973 التي كانت إسرائيل تملي فيها شروطها وطلباتها على أمريكا وكأنها تقاتل حربا أمريكية وإليك شهادة خبير من أهل البيت .
- ولو أن ألن دلاس كان سعيدا لأن سوريا قد عادت إلينا تطلب السلاح إلا أنه قال إن بريطانيا تعارض الآن أية مبيعات سلاح للشرق الأدنى باستثناء العراق عضو حلف بغداد وأخوه فوستر دلاس وزيرا لخارجية؟ يفكر في الاقتداء ببريطانيا هذه الأنباء أزعجتني وخاصة عندما أكد لي ما كنت قد سمعته عن مبيعات سلاح ضخمة من فرسنا لإسرائيل هذه المبيعات كان يتغاضى عنها الإنجليز والأمريكان أما فرنسا أعلنت أنها لن تنضم لحلف بغداد مكتفية بإرسال هذه الأسلحة لإسرائيل لتقوي ولو بشكل غير مباشر القدرات الدفاعية للغرب في المنطقة وتجاهل دلاس سؤالي وهو: كيف تستطيع إسرائيل وهي محاصرة بمحيط من العداء العربي وتشكو دائما من انعدام الأمن على حدودها وأنه يهدد وجودها كيف ستتمكن من المساهمة في الدفاع عن المنطقة ضد الهجوم السوفيتي؟
- تجاهل ألن دلاس سؤالي هذا وفضل التحدث عن مصر فشرح لي أن المخابرات cia على يقين تام الآن أن ناصر عنده وعد قاطع من الروس بتزويده بأسلحة ثقيلة مقابل محصول القطن المصري وأن الرئيس المصري الآن يقول أنه ظل يتفاوض على سلاح أمريكي لمدة عام فلم ينال إلا المماطلة والتأجيل وعبر دلاس عن تعاطفه مع موقف ناصر بأن شرح لي كيف أن سياسة إسرائيل إزاء مصر هي منع أي اتفاق سلاح أمريكي مصري فهي قالها كسر بيننا حاولت أن تنسق مكاتب أمريكية في القاهرة على أن تنسب ذلك لإرهابيين مصريين ولكن ثبت أن الموساد هي التي نفذت هذه العملية عملية لافون ج وأكثر من هذا قال دالاس أن عمليات الردع الإسرائيلية ضد هجمات الفدائيين المصريين الذين يعملون من غزة وسيناء قد تصاعدت فوق أي مبرر فالهجوم الإسرائيلي الأخير على موقع عسكري مصري في غزة خلف 54 قتيلا مصريا وخمسين جريحا وأدى إلى إدانة جماعية من مجلي الأمن الإسرائيلي كما أدى إلى تجميد مؤقت للمساعدات الاقتصادية الأمريكية التي كنا قد وعدنا بها إسرائيل كما أثار نداءات من الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار بعد أن أرسلت إسرائيل قواتها مرة أخرى للمنطقة وقد أبلغ الرئيس ناصر الولايات المتحدة أنه لن يستطيع مقاومة ضغط الرأي العام المطالب بالرد بل قد لا يستطيع الاحتفاظ بمنصبه إلا إذا.
- وافقت أمريكا على بيع السلاح الذي طلبته مصر منذ فترة طويلة ثم سألني دلاس عن رأي في ردة فعل سوريا إزاء صفقة السلاح المصري السوفيتية فقلت أن كل من السفير الأمريكي ج مورس وأنا على ثقة بأن سوريا هي الأخرى ستتجه إلى الروس وسألت دلاس عن مصير الطلب المصري للسلاح فقال لي مرة أخرى لمعلوماتي الخاصة أن المخابراتcia قد نظمت اتصالا على أعلى مستوى في حكومتنا مع الممثل الشخصي لعبد الناصر الصاغ حسن التهامي وفي الوقت الذي نتحدث فيه فإن كيم روزفلت يرافق تهامي في واشنطن لزيارة عدد من المسئولين في وزارتي الخارجية والدفاع باختصار قال ألن دلاس أنه يأمل في جهود روزفلت وأن تقديرات المخابرات cia حول نتائج صفقة السلاح السوفيتية المصرية ستكون مؤثرة ومن الواضح أنني لم أكن في موضع يمكنني من التعبير عن مشاعري الحقيقية في الموضوع إلا أنه خطر لي في هذه اللحظة أن الأخوين دلاس يؤثران سلبيا على السياسة الأمريكية فلو أن رجلا آخر كان يرأس المخابرات الأمريكية ولديه الشجاعة للمخاطرة بسمعته ووظيفته فإنه كان سيمارس مسئولياته الدستورية بتحذير الرئيس بأن سياسة وزارة الخارجية تفتح الباب للروس لكي يشلكوا قوة مؤثرة في مستقبل الشرق الأوسط ولكن إخلاص ألن دلاس لأخيه فوستر دلاس وقف في طريق قيامه بواجبه وقال كوبلاند أن الجناح الإسرائيلي عارض أي علاقة أمريكية مع ناصر وأن السفير الأمريكي يايرود أبلغ المسئولين في أغسطس 1955 بوجود عرض سوفيتي لتزويد مصر بالسلاح وأن ناصر يمكن أن يقبل
ماذا نفهم من هذه الأقوال:
- 1- نفهم أن المفاوضات المصرية الأمريكية للسلاح كانت تسير في طريق مسدود في البداية كانت بريطانيا تعارض بيع السلاح لمصر أثناء المفاوضات ثم تركزت المعارضة في اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة.
- 2- كانت المخابرات الأمريكية ومن ثم القيادة الأمريكية على علم تام بصفقة السلاح ومن ثم لا مجال للحديث ع مفاجأة وضربة وصاعقة فقد أحيطوا علما بها من جمال عبد الناصر نفسه كما أحيطوا علما بأنه سيضطر لقبولها إذا لم يسعفوه بالسلاح وخاصة بعد اعتداءات إسرائيل التي كشفت ضعف الجيش المصري وإثارة ثائرة المصريين والفلسطينيين واستغلها خصومه العرب فأصبح استمراره في السلطة مهددا مع كل ما يترتب على ذلك من انهيار لخطط هذه الأجهزة وللسياسة الأمريكية التي تعتمد على وجوده.
- 3- لم يكن ألن دلاس متواطئا مع فوستر دالاس كما ظن الساذج إيفيلاند، بل كان آلن دلاس على وعي تام كما أخبر الرجل بمخطط إسرائيل في إفساد التحالف الأمريكي الناصري ومنع السلاح عن مصر وإيفيلاند لا دليل عنده على أن آلن دلاس لم يخبر الرئيس إيزنهاور بذلك ولكن لا إيزنهاور ولا دلاس الوزير ولا دلاس المدير كان بوسعهم حل المشكل خاصة بعد الهجمات الإسرائيلية التي جعلت إعطاء أي سلاح لمصر يعني دعما مباشرا للمجهود الحربي ضد إسرائيل في ظروف قتال ولذلك فشلت تقارير المخابرات cia وجولة كيرميت بالتهامي على مكاتب المسئولين فقد نجح اللوبي الصهيوني في سد الطريق الأميركي ولم يبق أمام عبد الناصر سوى ممر واحد مفتوح وهو الطريق إلى سيبيريا فما هو الحل؟
ليتخيل القارئ وضع آلن دالاس ويفكر ما هو الحل الذي يمكن أن يصل إليه في هذه المشكلة:
- 1- المخابرات الأمريكية تدبر أكبر عملية في تاريخها في مصر من خلال سلطة عبد الناصر.
- 2- هذه السلطة مهددة بالسقوط إذا لم يحصل عبد الناصر على أسلحة لتهدئة جيشه والرأي العام العام لا للقتال مع إسرائيل.
- 3- لا سبيل لحصول ناصر على السلاح من أية دولة غريبة .
- 4- صفقة السلاح الروسي ستنفذ سلطة ناصر، وتدعم شعبيته وتزيل التوتر الناجم عن الاعتداءات الإسرائيلية لتفرة قد تتمكن فيها المخابرات الأمريكية من معالجة الموقف أو كسب الوقت في انتظار حل آخر.
ماذا يختار ألن دلاس؟
سقوط عبد الناصر أم قبول الصفقة ومحاولة الاستفادة القصوى منها؟
ولماذا نخمن؟ إليك ما جاء في الوثائق قال كوبلاند:
- في منتصف سبتمبر تسلم كيرميت روزفلت نائب مدير المخابرات الأمريكية والمسئول عن الشرق الأوسط ومدبر انقلاب 23 يوليو ج رسالة شخصية من ناصر بأنه سيوقع اتفاقية مع الروس للسلاح، وأنه إذا كان روزفلت يريد إقناعه بالتخلي عن ذلك فاهلا وسهلا به في القاهرة وفي اليوم التالي سافرت وكيرميت إلى القاهرة وقابلنا في المطار معاونو عبد الناصر وأخذونا رأسا إلى شقة عبد الناصر في أعلى مبنى مجلس الثورة وكان عبد الناصر في جو ألم أقل لكم وشديد المرح مستعد لسماع حجج روزفلت ضد الصفقة ولكن روزفلت فاجأه فبدلا من القول بأن عبد الناصر يجب ألا يقبل الأسلحة قال روزفلت: إذا كانت الصفقة كبيرة كما سمعنا فسوف يزعج ذلك البعض ولكنها ستجعلك بطلا كبيرا فلماذا لا تستفيد من هذه الشعبية المفاجئة للقيام بتصرف حكيم؟
فلن ينتقص من شعبيتك أن تصدر تصريحا تقول فيه: أننا نحصل على هذه الأسلحة لغرض دفاعي فقط وإذا كان الإسرائيليون يريدون الاشتراك في جهد مشترك لتحقيق سلام دائم في المنطقة فسيجدون مني الترحيب بذلك ووافق عبد الناصر على الفور، وقال أنها فكرة جيدة وناقشنا الاقتراح إلى منتصف الليل واتفقنا على أن يعلن عبد الناصر الصفقة في بيان رزين نبيل يستثير الهتاف ليس فقط من المتطرفين بل من العناصر المحافظة وبعدها يبدأ مبادرة بموقف حيادي من القضايا الدولية، وستكون مقبولة من الجميع بينما يمضي في حل مشاكله الداخلية الملحة بالمعونة الأمريكية واتفق على أن أكتب أنا مايلز كوبلاند ج الفقرة المطلوب في خطاب عبد الناصر عن إسرائيل ج على أن ينقحها عبد الناصر و روزفلت في اليوم التالي.
وتدفق علينا في الفندق الناصحون بماذا يجب وماذا لا يجب أن نضع في خطاب عبد الناصر من أمثال مصطفي أمين ومحمد حسنيني هيكل وحسن التهامي الوطني المتطرف وكبير مساعدي عبد الناصر وجيمس أكلبر غر وأحمد حسين السفير المصري في واشنطن. وكلهم كانوا يعرفون أن صفقة سلاح عقدت مع الروس.
وقرأت أنا وكيم مسودة الفقرة المقترحة لعبد الناصر في الساعة الثامنة مساء اليوم التالي مرة أخرى في شقة عبد الناصر في مجلس قيادة الثورة، المواجهة للسفارة البريطانية وأعجبت المسودة ناصر وقال إنه يمكن أن يمضمنها خطابه بسهولة إلا أن اعتراضه الوحيد أنه لا يستطيع أن يقول عبارة سلام مع إسرائيل ولذا يقترح بدلا منها تخفيف حدة التوتر بين العرب وإسرائيل وقبل روزفلت ذلك وأحضر ناصر زجاجة ويسكي يحتفظ بها لكبار الزوار وفي هذه اللحظة دق التليفون وقال الضابط المناوب في أسفل المبنى أن السفير البريطاني سير همفري تريفليان يطلب مقابلة عاجلة. سألنا جمال: ماذا يريد؟
أجبناه: سيحدثك في الصفقة!!
سألك: كيف عرف فالمفروض أنها سر!
ورد عليه روزفلت: جمال؟ حتى إذا افترضنا أن الخبر لم يتسرب من جماعتك فإن الروس سيسربونه فليس من مصلحتهم أن يبقى سرا .
سألناصر ماذا قول له.. قال رزوفلت ... حاولت تهدئته إلى مساء الغد، موعد الإعلان عن الصفقة قل له إن الإسلحة من تشكيو سلوفاكيا باعتبار أن تشيكوسلوفاكيا هي المصدر الرئيسي للسلاح لإسرائيل أيضا.
ثم قصة مسلية لمن شاء الرجوع إليها حول تلذذ رجال المخابرات الأمريكيين بغفلة السفير البريطاني وجهله أنهم في الداخل يسكرون
وجاء زكريا عامر وأخذوهم للعشاء في منزل السفير أحمد حسين حيث كان بايرود مدعوا وفوجئ برئيس الدولة يدخل محاطا بروزفلت وكوبلاند إلى آخر القصة المعروفف عن انفجار بايرود وانسحاب ناصر من العشاء انظر لعبة الأمم ص 160إلى 161 ولكن الأمور لم تسر وفقا لخطة المخابرات الأمريكية ولا شك أن الاستراتيجية الإسرائيلية كانت تتطلب أن يصاحب عقد الصفقة حمي معادية للولايات المتحدة والغرب، والمزيد من أدلة شيوعية مصر.
وتدخل القدر (؟) أو أخطاء الدبلوماسية الأمريكية كما يقول كوبلاند أو اللوبي الصهيوني لإفساد مخطط المخابرات وتسميم الجو وإليك أولا رواية مايلز كوبلاند عما عرف بعد ذلك بقصة الإنذار الأمريكي والذي ما زال الأفاقون يتشدقون بها إلى اليوم بعد الأزمة التي حدثت على العشاء بين السفير الأمريكي والرئيس ناصر حول حادثة ضرب الأهالي الملحق العمالي الأمريكي أبرق روزفلت وإيرك إلى واشنطن يطلبون سحب بايرود لأنه فقد توازنه العقلي عندها قرر دلاس أن يرسل إلى القاهرة جورج ألن نائب وزير الخارجية للتحقق من سلامة قوى بايرود العقلية وفي نفس الوقت أعد الوكيل المساعد ولم راونتري مسودة خطاب شديد اللهجة stern من دلاس إلى ناصر يشير فيه إلى مخاطر قبول السلاح الروسي وسرب بعضهم للصحف أنباء عن الموضوع كنت كافية تنشرها هذه الصحف تحت عوان ألن يتجه إلى القاهرة لتقديم إنذار لعبد الناصر وانتقلت القصة إلى تيكر الأسوشيتدبرس في القاهرة الساعة السادسة مساء بتوقيت القاهرة الحادية عشر صباحا بتوقيت واشنطن .
وفي الساعة السادسة والنصف عندما ذهبنا لمقابلة عبد الناصر كان محاطا بمعاونيه وكان يأمر أحدهم بحذف هذه الفقرة السخيفة ويضع مكانها شيئا مضادا للأمريكان ويأمر بالاتصال بوزارة الخارجية ويبحث معهم إجراءات قطع العلاقات مع دولة كبرى ويأمر ثالث بحجز إذاعة القاهرة لإذاعة بيان هام على الشعب ورابع بطلب سيارة متواضعه واصطحابي وروزفلت إلى المطار ويج أن نسجل شكرنا لمصطفى أمين الذي أعاد جوا الهدوء أقنع عبد الناصر بأنه لن يخسر شيئا إذا قابل كيم روزفلت فقط لسماع ما لديه قبل اتخاذ كل هذه الإجراءات ووافق عبد الناصر على أن يصعد إلى أعلى حيث كان روزفلت في انتظاره غير عالم بما إذاعته الاسوشيتدبرس لأن وزارة الخارجية لم تهتم بابلاغ السفارة في مصر بقدوم آلن سواء بإنذار أو بدون إنذار وبعد شهور قال عبد الناصر في خطبه أن أمريكا جاء يحذره من إنذار أمريكي وهذا محض افتراء من ناصر ونفاق عربي فكل ما قاله روزفلت هو: لماذا لا تتسلم الإنذار أولا.. ثم تصرخ ربما غلطت الأسوشيتدبرس..
ولكن عبد الناصر أصر على أن الاسوشيتدبرس لا يمكن أن تخطئ وكل ما كان بوسع روزفلت أن يقوله هو: لو سلمك أنذار فتصرف كما ترى ولكني لا أظن أن دلاس سيرسل إنذار من غير أن يخبرني عنه وهدأ عبد الناصر ووافق على تأجيل كل الإجراءات إلى أن يتسلم الإنذار ولكنه حذف الفقرة أياها من خطابه وعندما قابلته وكيم بعد الخطاب بدقائق التفت إلينا قائلا: الخطاب لم يكن تماما كما أردتما ولكن مازال في الوقت متسع وفي صباح اليوم التالي وصل آلن وكان في استقباله حشد من المظاهرين يهتفون ضد أمريكا وتلك هي الصورة النموذجية للناصرية التي يحبها العرب وقبل أن يقترب منه أي مراسل لسؤاله أي سؤال كان حسن التهامي قد اخترق كوردو مشاة الأسطول مارينز الأمريكان لتسليمه رسالة من رزوفلت وجونسو:
(انكر الإنذار ... أو على الأقل لا تشير إليه حتى نتناقش)
ناصرأما حكاية الإنذار الحقيقية فيعرضها كالآتي:ناصر
قال وزير الخارجية عرضا: ألن .. مادامت ستذهب لمصر، فانتهز الفرصة وقل لناصر رأينا في صفقة السلاح التي عقدها، وأنت يابيل.
أكتب شيئا ما وبما أن أمر الوزير واجب التنيذ فإن ألن رغم اتفاقة مع روزفلت في الللة السابقة على تبريد العملية إلا أنه كان مضطرا لتسليم الرسالة ولكنه عندما ذهب لمقابلة عبد الناصر اكتفى بقراءة بعض فقرات منها محاولا جعلها هادئة ثم انصرف لمناقشة أشياء أكثر سرورا وهو ماذا ستفعل مصر بالأربعين مليون دولار التي سنقدمها لها، وفي النهاية لم يكن هناك إنذار وإنما ساهمنا في رفع شعبية ناصر في العالم العربي.
وقال إيفلاند أنه سأل آلن عن الإنذار فقال له أنه لم يحمل أية تهديدات.
أما رواية هيكل فهي تحكي عن إنذار خطير كان في طريقه إلى مصر وعن محاولات كيرميت روزفلت منع عقد الصفقة ولكن عبد الناصر هدد باتخاذ إجراء عنيف ضد المبعوث الأمريكي حامل الإنذار المزعوم مما جعل أمريكا تسحب الإنذار وتعود ذيلها بين رجليها ولا يمكن استناج إنذار من تصريح آلن في المطار عن حق مصر المشروع في شراء السلاح كما سنرى.
وفي اعتقادي أن حكاية الإنذار إذا رفضنا التفسير البسيط فإنها لا تخرج عن أحد هذين الاحتمالين أو هما معا.
- 1- أما أن رؤساء روزفلت في أمريكا أرادوا المزيد من احتلاب الفكرة الجهنمية يتسخير الصفقة لخلق شعبية واسعة لعبد الناصر تمكنه من المضي خطوات لا يجرؤ عليها حاكم عربي منذ مصرع الملك عبد الملك عبد الله وحسني الزعيم ولا شيء يزيد الشعبية حتى اليوم من الحديث عن هلع أمريكا وانهيار بريطانيا وإغماء إسرائيل وانذار أمريكي بضرورة إلغاء الصفقة وتمزيق عبد الناصر الإنذار أو تحطيمه في الجوبانذار مضاد، والمضي قدما في طريق المجد بعقد الصفقة وإثبات أن أرض العروبة نار وهو ما حدث تماما.
- 2- وأما أن أنصار إسرائيل في سراديب الحكومة الأمريكية خشوا فعلا نجاح مخطط روزفلت والمجموعة الناصرية في المخابرات الأمريكية في استصدار هذا التصريح السلامي من عبد الناصر الذي كان سيحقق المزيد من دع العلاقات المصرية الأمريكية ومحاصرة نوايا إسرائيل الحربية ولذلك سربوا إشاعة الإنذار اللصحافة لاستفزاز عبد الناصر إلى مواقف تؤدي إلى توتر العلاقات مع أمريكا وإلغاء اللهجة السلامية والمزيد من الاندفاع للسوفيت وهذا ما كانت إسرائيل تحاوله باعتداءاتها خلال عامي 1954و 1955 حتى تحقق بصفقة السلاح، ولم يكن من المعقول أن تترك جهودها تنهار عبد الناصر رجل سلام وتسلح من روسيا وعلى علاقة طيبة مع أمريكا وهي الصورة التي كان الأحباء في المخابرات يحاولون رسميا بجهد خارق الذكاء ولا حباط خطتهم سرب عملاء إسرائيل إشاعة الإنذار وقد حدث ما توقعوا .
المهم أن رواية هيكل مناقضة لرواية مايلز كوبلاند الذي أكد أن عبد الناصر شخصيا هو الذي كان يبحث الأزمة مع كيرميتس روزفلت وأن الجو كان وديا للغاية وموضوع الحديث الرئيسي كان السخرية من غفلة الإنجليز ومحاولة الاستفادة القصوى من الشعبية التي سببتها الصفقة لعبد الناصر في مصر والووطن العربي من أجل خطوات بناءة نحو السلام والاستقرار في المنطقة.
أما رواية عبد اللطيف بغدادي عن الحوار بين كيرمينت وعبد الناصر فمثيرة للغاية وكانت ولا تزال تستوجب أن يعكف على تفسيرها وتحليلها كل من يعنيه الأمر.
قال كيرمتت لجمال عبد الناصر أن مستر آلاف موفد برسالة من دلاس نفسه، وأنه يعتقد أن دلاس وزير الخارجية ج هو الذي أملاها شخصيا كما يعتقد أن الإنجليز هم الذين أشاروا عليه بهذا لأنها عنيفة جدا وأنه يجب عليك (يقصد جمال) أن تحزن ولكن لا تغضب BE SORRY BUT NOT BE ANGRY وأن تمسك أعصابك حتى يمكننا أن نحل هذا المشكل فيما بعد كما ذكر له أنه لو كان هناك في الولايات المتحدة وقت كابة هذه الرسالة لمنع إرسالها بهذه الصورة ومما قاله كيرمنت لجمال أيضا: أنك ستجري في كبريائك ولست أقصد كبريائك الشخصية بل كبرياء بلدك not your pride but the pride of your country ورأى حتى تمر هذه الأزمة دون اتخاذ أية إجراءات action من جانبنا، أن تكون صبروا وأن تطلب منه أن يعطيك فرصته للدراسة، وأن تكون كأب حليم وهو كابن أو أن تقبل ما في الرسالة.
هل يمكن أن يكون هذا الحوار بين مسئول أمريكي ورئيس دولة؟ هل هذا الذي يتكلم كأنه الأخ الكبير أو god father على طريقة بغداد في استخدام التعابير الإنجليزية يمكن أن يكون مجرد موظف أمريكي يبلغ إنذار إلى زعيم ثورة؟ هل يمكن أن يتحدث مندوب المخابرات الأمريكية هكذا مع كاسترو أو هوشي منه أو حتى علي ماهر؟
ستهان في كرامة وطنك لكن إياك والغضب مسموح لك بالحزن فقط؟ هذه مؤامرة بريطاينة غرورا فيها بوزير خارجيتنا لنسف علاقتنا أمسك أعصابك وعامل الأبلة القادم من وزارة خارجيتنا كابنك حتى ينصرف راضيا وأترك الباقي على أنا؟
هذه تعليمات أو نصائح موجهة ضد جزء من الإدارة الأمريكية برغبة احتوائها لا الصدام معها، وأيضا إفسادا أو إفشال كل ما تحاوله بهذه الرسالة التي أرسلت بها مبعوثا خاصا وبإملاء من وزير الخارجية نفسه ولكن ها هو أكبر مسئول في المخابرات الأمريكية بالمنطقة ينظم لعبد الناصر أسلوب إفشالها؟
ويهون عليه نتائجها ويؤكد أنها لن تغير شيئا في علاقتهما علاقة عجيبة وحوار عجب، لا يمكن فهمه إلا على ضوء المعامل الذي أشرنا إليه وهو وجود علاقة خاصة بين قيادة 23 يوليو والمخابرات الأمريكية قبل الثورة وبعدها وأن هذا الجانب المحترف من الإدارة الأمريكية كان أكثر علماء وأكثر تأثيرا في الاستراتيجية القرارات الأمريكية وهو الجناح الذي كان يصفي عن وعي البريطانيين في المنطقة.
وإن الإنجليز لم يخطر ببالهم أن اللعب الأمريكي يمكن أن يصل على حد فتح أسواق الشرق الأوسط للسلاح الروسي وهذا بدوره يلقي الضوء على ماسنراه خلال معركة القناة من بعض المواقف المتناقضة من جانب دلاس وزير الخارجية الأمريكي وحيرة سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا في تفسرها وأيضا على غلطة العمر التي ارتكبتها بريطانيا عندما ظنت أن تناقضها مع المصالح الأمريكية لا يمكن أن يصل إلى حد تآمر أمريكا ولو في صمت مع روسيا ضدها.
على أية حال يبدو أن كيرمنت قد نجح نجاحا باهرا في تطويق الأزمة الجاهلة التي سببها دلاس تحت تأثير الإنجليز فالدرس الذي أعطاه للمسئولن المصريين على أداب السلوك في معاملة رسل الملوك أتى أثرة في ضبط مشاعرهم من ناحية والموافقة على استقبال المبعوث بحنان ممزوج بالحزب المهذب، وأيضا بعث مدير المخابرات هذا بورقة إلى المستر الآن هذا فيها على ما يبدو الاسم الأعظم وإذا بهذا ال الن يفاجئ المجيمع بتصريح يفوق ما كان يتمناه الرئيس المصري إذ قال: إن مصر دولة ذات سيادة، ولها مطلق الحرية، في شراء السلاح من أية جهة تشاء فهل هذا حامل إنذار؟
وعتب المستر الأن على عبارة وردت في إذاعة صوت العرب، تقول أن أمريكا تنبح كالكلب فجري تحقيق على الفور وتبين أنها ترجمة سيئة لعبارة ترغب وتزبد وضحك الجميع وصافي يا آلن!
فكل ما قيل عن كارثة نزلت بالغرب من صفقة السلاح وطعنة قاتلة للأمريكان ومطالبة برأس 23 يوليو بسبب صفقة السلاح مجرد كلام في كلام لتضليل الأنام الذين هم في عفلتهم نيام!
والأن نيعد النظر في صفقة السلاح على ضوء هذه المعلومات التي طرحناها وسنجد أنه لا هستيريا ولا مفاجأة بل خطوة محسوبة جاءت في توقيتها و في وظروفها العالمية، والإقليمية وإرادها ووافق عليها كل الفرقاء.
فريق المخابرات الأمريكية الذي أيد الصفقة رأي فيها حلال يرضى جميع الأطراف ولو مؤقتا فهو يعفي أمريكا من الحاح عبد الناصر في طلب السلاح مع تعذر تلبيته بسبب الضغط اليهودي الذي أشرنا إليه والذي نجح في إلغاء موافقة البيت الأبيض والخارجية والدفاع وكلها كانت موافقة على تسليح مصر كما كانت الصفقة تسعد النظام المصري وتخفف من توتر احتياجه للسلاح وخاصة بين صفوف العسكريين الذين كانوا يتعرضون للمهانة والخسائر على يد الجيش الإسرائيلي وهو وضع لا تحمد عقباه في جيش ذاق طعم الانقلابات.
تسهل على الإدارة الأمريكية التوسع في إمداد إسرائيل بالمعونات بحجة التوازن مع الوجود السوفيتي وتضعف حجة الدول العربية الصديقة للغرب في الاحتجاج على الدعم الإسرائيلي وهذا بدوره يؤدي إلى ترضية اللوبي اليودي وقد تحقق ذلك فعلا حتى أصبح الشعار في حرب 1973 لايجوز أن يهزم السلاح السوفيتي السلاح الأميريكي وهبطت
طائرة عملاقة تحمل الدبابات والطائرات في مطار اللد كل ربع ساعة وفي الشرق الأوسط فإن حديث صفقة السلاح والانتشاء بنثر التعاقد لشراء السلاح ينقذ القيادة من حرج الصقور في معارك استخدام السلاح، ويجعلها تتفادي مطالب الجماهير باستخدام السلاح ضد إسرائيل وإذا كان سلوين لويد قد علق ساخرا: لحسن حظ إسرائيل كان العرب مقتنعيني أن أمتلاك السلاح يغني عن إتقان استخدامه فإنني أصحح العبارة إلى أمكن إقناعهم أن امتلاك السلاح يعفيهم من استخدامه.
وهو ما حدث فاختفت كل النتائج الإيجابية التي كانت ممكنة للاعتداءات الإسرائيلية ابتداء من العدوان على غزه فبراير 1955 إلى أكتوبر 1956 ضاعت في أفراح صفقة السلاح وألهت الجماهير عن المطالبة والقيادات الخلصة عن التفكير في استراتيجية مواجهة حقيقية مع إسرائيل تعتقد على بناء القوة الذاتية للعرب فظنت أن شراء السلاح والمزيد م السلاح هو الحل، حتى أصبح مجرد شراء السلاح ومن أية جهة هو كل برنامج المواجهة ودون أي تفكير في استخدامه ولا في استراتيجية هذا الاستخدام حتى رأينا منظمة التحرير الفلسطينية تشتري دبابات ولم يحدث تحطيم احتكار السلاح أو الاندفاع في شراء أي تغيير في ميزان المواجهة العسكرية بين العرب وإسرائيل من 1955 إلى 1973 إلا إلى الأسوأ ولصالح إسرائيل وبمعدلات تتضاعف مع تضاعف حجم المشتريات.
فتحت الصفقة السوق المصري للسلاح الروسي ومن خلفه السوري واليمني إلخ وهذه حلت مشكلة تصريف السلاح القديم في روسيا وكان من المتعذر قيام الوفاق بدون حل مشكلة تجدد الترسانة السوفياتية وتجربة سلاحها والتخلص من المتخلف منه وهذا لا يتم إلا بإحدى وسيلتين أما فتح جبهات قتال حقيقي بين الروس والأمريكان أو تصديره لطرف ثالث يدفع ثمنه مما يخفف على الموزاطن السوفيتي ماليا واقتصاديا ويتيح تجربة السلاح بدماء المتخلفين ومن ثمخ يستمر التطوير الذي يريده الجنرلات الروس ولا يكلف ذلك الأمريكان مالا ولا دما أن الوفاق لا يطلب لذاته وقد كانت صفقة السلاح من بداية الوفاق الأمريكي السوفيتي بداية التعايش بداية إعادة تقسيم العالم بين روسيا وأمريكا على حساب بريطانيا وفرنسا، وسيأتي المؤتمر العشرون ثم العدوان الثلاثي على مصر حيث تقف روسيا وأمريكا معا في الأمم المتحدة وكأنهما تؤامان في التصويت وفي الإنذارات بينما كان السلاح الروسي يتم تحطيمه في سيناء والسفن الروسية تنقل قطن الفلاح المصري لتبيعة في أسواق أورويا بدلا من المستغل الاستعماري البريطاني فيزداد دخل المواطن الروسي من الثمن الذي تتقاضاه الدول العظمي أو المتقدمة من دم ومال المتخلفين وإلا فما فائدة القوة السوفيتية الجبارة إن لم تأخذ حصة في صروة العالم الثالث وكيف تستمر بريطانيا وفرنسا بل وبلجيكا في نهب شعوب أسيا وأفريقيا وهي بلا قدرة عسكرية ل ترتعد رعبا من صوايخ روسيا هذه أذن قسمة ضيزى لابد أن تلغي أو أن تعدل، ولم يكن للاتحاد السوفيتي من مدخل لأسواق وأموال أسيا وأفريقا إلا السلاح وكانت البداية في مصر.
وهذه الصورة التي لم تكن واضحة في هذا الوقت بل وبدت غريبة وشاذة سندها عايدة بل وبشكل أكثر افتضاحا مع تطور الأيام فالشركات الأمريكية تعطي ليبيا الدولارات من إنتاج النفط وليبيا تعطيها لروسيا ثمنا للسلاح المحظور استخدامه في أية بقعة تهدد المصالح الأمريكية الحقيقية وروسيا بدورها تعيد الدولارات إلى أمريكا ثمنا للقمح وملخص الدورة أن أمريكا تأخذ نفط ليبيا بالقمح الفائض الذي إذا لم تبعه فستحرقه، وروسيا تحصل على القمح الأمريكي بالأسلحة التي إذا لم تتمكن من بيعها فستلقى في العراء بمجرد اكتشاف الغرب سلاحا أكثر تطورا .. وبشيء من التبسيط يمكن القول أن روسيا تحصل على القمح شبه مجاني وأمريكا تأخذ النفط بثمن بخس وكل هذا بفكرة عبقرية نبتت في مكان ما خرج مصر حيث قال أحدهم أتركوه يشتري السلاح من روسيا.
كذلك قدر هؤلاء الخبراء أن صفقة السلاح ستعطي عبد الناصر شعبية من العالم العربي تمكنه من تحقيق حلم أمريكا وهو فرض التسوية السلمية في المنطقة.
وأخيرا أن فتح منفذ لمصر لشراء السلاح من الاتحاد السوفتي سدا احتملا خطيرا كان لا بد أن يطرح في حالة سد جميع الأبواب، وهو احتمال الاعتماد على النفس، وهو الحل الجذري بل الوحيد لتحقيق التحرر الحقيقي وحسم المسألة الصهيونية نهائيا لصالح العرب.
والاستعمار يفضل دائما أن يقع الدول الصغرى في دائرة نفوذ منافسه على أن تستقل بإرادتها الاستقلال الحقيقي وما يحمله هذا من مخاطر على استقرار النظام العالمي واحتمال ظهرو منافس ثالث.
وهنا نقول رأينا في المواقف المفترض للقيادة الوطنية عندا اتضح من غارات إسرائيل أها مصممة وقادرة على ضرب الجيش المصري ومن ثم تنبهت إلى أن هذا هو الصراع المصيري الذي سيقرر مستقبل المنطقة.
كان المفروض أن تركز على هذا التناقض بالتالي على بناء قوة مصر الذاتية للارتفاع بمستوى القدرة في المواجهة وصولا إلى ترجيح الإدارة المصرية.
وهذا يتطلب وحدة الجبهة الوطنية، لأن الصراع ضد إسرائيل يحب أي هدف أخر، وهذا يستلزم إطلاق الحريات وتشكيل جبهة وطنية من جميع القوى تحت استراتيجية واحدة هي المواجهة المصرية الإسرائيلية.
وضع استراتيجية عربية قومية تفرض التعاون الحقيقي مع كل القوى العربية تحت شعار واحد لا يتبدل وهو المواجهة العربية الإسرائيلية يحدد على ضوئه الموقف من كل القوى ومن ثم لا يبقى لاية قوة حجة في ادعاء أنه تعارض الاستراتيجية المصرية لأسباب أخرى أو لأنها تعمل ضد إسرائيل.
ونفس الشيء بالنسبة للقوى العالمية بحيث يتحدد موقفنا منها على ضوء علاقتها بهذه المواجهة أساسا أن لم نقل فقط لا أن نهاجم جولد ووتر لأنه ضد اليهود ونحتفل بسارتر لأنه فيلسوف ويساري وسار على راس مظاهرة في مايو 1967 تهتف: اقتلوا المسلمين الموت لعبد الناصر وجمع أربعة مليار فرنك للمجهود الحربي الإسرائلي.
أن تؤمن حقا بأنه لا صوت يعلو على صوت المعركة شرط أن نعني المعركة مع إسرائيل لا مع جمال سالم أو فؤاد سراج الدين أو المحاكم الشرعية أو أهالي كمشيش إلخ.
وضع استراتيجية لتحقيق الكسر الحقيقي لاحتكار السلاح بإنتاجه وأظن أنه لا أحد يجادل الآن في أنه لا كسر حقيقي لاحتكار السلاح ولا تحرير لإرادة أمة إلا بإنتاجها للسلاح وهو مطلب يثير الرعب في الدوائر الاستعمارية والصهيونية وعملائهم، وأذكر أنني عندما طرحت هذا المطلب عام 1970 قال عميل مجلة حوار التي كانت تصدر مباشر من خزينة المخابرات الأمريكية أن مطلبي ها نكتة ثقيلة الدم.
وهذا صحيح ثقيلة على قلب الإمبريالية وعملاءها ولكنها ضرورة أساسية لا مفر منها إذا ما أردنا أن نمتلك حرية الإرادة في بلادنا وفي المنطقة فالخروج من دائرة السلاح الغربي إلى السلاح السوفيتي لا يعني كسر احتكار السلاح بل الانتقال من تبعية إلى تبعية، بل قلا مرة أن الاحتكار السوفيتي أكثر إحكاما وأكثر قسوة بسبب سيطرة الدولة ووحدة المصدر بينما المعسكر الغربي بتعدده وتناقضاته وثغراته وفساده قد يعطي مجالا للمناورة ولو محدودة وقد رأينا كيف تحطم قلب عبد الناصر وهو يسافر ذهابا وإيابا إلى روسيا لإقناعهم ببيع السلاح له خلال حرب الاستنزاف وكيف اضطر هواري بومدين لحمل المال معه للدفع نقدا لكي يشتري لمصر من روسيا دبابات في حرب 1973.
كسر الاحتكار الحقيقي هو إنتاج السلاح أما أن هذا الهدف ممكن فلن نقول انظروا إسرائيل والصين بل والبرازيل بل انظروا تجربة هيئة التصنيع الحربي العربية وما انتجته من أسلحة استخدمت في حرب إيران والعراق وما يقال عن إمكانية إنتاجها لدبابات وطائرات بعد الصلح مع إسرائيل كما توقعنا وتلك قصة أخرى.
كل هذا يجعلنا نقول لو أن الحكومة المصرية في 28 فبراير 1955 اتخذت قرار إنتاج السلاح ووضعت خطة تلاحم عربي لإنتاج هذا السلاح بالخبرة والطاقة البشرية المصرية والمال والتضامن العربي لتغير التاريخ ولكانت الصفقة الروسية مجرد حل مؤقت ومفيد في هذا الإطار ولكننا استخدمنا الصفقة لتحذير أنفسنا وشعوبنا...
منذ أن تمت الصفقة دخلت إسرائيل في تحالفات عالمية كفلت لها الدعم الكامل في مواجهتها مع العرب إذا استطاعت محالفة فرنسا وبالتالي بريطانيا فلما انتقلت للمواجهة الساخنة كانت تتمتع بأكر غطاء غربي يمكن أن يتوفر لدولة صغيرة بريطانيا وفرنسا أكبر إمبراطوريتين في هذا الوقت بعد روسيا وأمريكا.
فماذا استفادت مصر من نشاطها الدولي لا شيء إلا إذا اعترفنا بالسر المكنون وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أنقذت النظام من العدوان الثلاثي وأزالت له آثار العدوان.
أما خلال القتال فقد ظلت مصر رغم باندونغ ورغم الانفتاح على المعسكر الاشتراكي حوال أسبوع بلا صدقيق يتقدم بطلقة واحدة بينما السلاح الجوي البريطاني يضرب مطارات مصربناء على تعهد مسبق قدمته الحكومة البريطانية لإسرائيل والسلاح الجوي الفرنسي يحمي مدن إسرائيل حتى وصل الحال بالقيادة المصرية، وقد وجدت نفسها وحيدة بلا صديق ولا معين إلى اقتراح صلاح سالم وعامر التسليم للسفارة البريطانية و إعداد أقراص سيانور البوتاسيو للانتحار.
أين المكانة الدولية
أين التألق في باندونغ؟
أين الرأي العالمي؟؟
لا شيء لم يبق من كل الأساطير الأقرص السيانيد ومندوب المخابرات الأمريكية الذي أرهق مصطفى أمين بطلب الصمود ثلاثة أيام فقط والباقي على الله وأمريكا.
من حقنا إذن أن نعجب للنتيجة التي خرج بها الكاتب الماركسي.
وهكذا أدت صفقة الأسلحة إلى انقسام الموقف في الشرق الأوسط إلى دول وطنية متحررة تشتري السلاح من الاتحاد السوفياتي بلا قيود أو شروط ودل أخرى تابعة للإمبريالية ومرتبطة معها إما بإحلاف عسكرية أو بقبول ما ورد في مشروع أيزنهاور سوق السلاح أصبح سيف آصف بن برخيا، أو الصراط المستقيم الذي يميز المتحرر من الرجعي من يشتري من الاتحاد السوفيتي فهو وطني متحرر ومن يقاطع البضاعة الروسية عميل.
هذا كلام سوقة لا ينهض عليه دليل فالأسلحة السوفيتية لا حررت ولا حمت استقلالا وطنيا ومواقف الدول العربية في مواجهة إسرائيل لم تختلف كثيرا ما بين مشتر للسلاح من موسكو أو لندن وثالث دولة دخلت السوق كانت الملكة اليمنية المتوكلية الإمام أحمد حميد الدين عقد صفقة سلاح مع الروس وصفقة مصانع مع الصينين وابنه الإمام القادم محمد البدر أشرف على الشراء والشحن، والإمامان كما يدرس في مدارس الثورية، هما رمزا الرجعية والعمالة مما بررا استنزاف قدرات مصر بل والتضحية بمستقبلها السياسي في المنطقة بهزيمة 1967 لتحرير اليمن من الإمامين اللذين جاءوا بالسلاح الروسي الذي سار على الطريق الصيني.
إذن فليس كل من اشترى السلاح السوفيتي تقدميا وطنيا متحررا .. والعكس أشد خطأ..!!
ورغم مرور 24 سنة شهدت هزيمتين ونصف للأسلحة السوفيتي ورغم اتضاح أبعاد المأساة التي سببتها هذه الصفقة أو بالأحرى اعتمادها كنهاج في حل المواجهة المصرية الإسرائيلية رغم مرور ربع قرن، فإن الكاتب شبه الناصري يقدم لنا دون أن يدري فكرة عن الهدف الذي حققته الصفقة إذ يقول:
- هدرت في شوارع القاهرة يوم العرض العسكرية احتفالا بعيد الجلاء لمدة أربع ساعات دبابات ستالين وقاذفات اللهب، والمدفعية الخفيفة والثقيلة وغطت السماء أسراب طائرات الميج النفاثة وقاذفات القنابل الأليوشن.
وانبهرت الجماهير بما رأته من تسليح حديث، وزغردت النساء وتأثر العرب الذين حضروا العرض العسكري مشاركة لمصر في احتفالها التاريخي أرسل الأردن كتيبة من الفيلق العربي وأرسل لبنان مجموعة من جنود التزحلق واليمن جماعة من تلاميذ المدارس الحربية، وليبيا والسعودية وسوريا وحدات نظامية.
كان يوما حافلا بالنشوة والابتهاج وخاصة للعسكريين الذين حققوا هدفا من أعظم أهدافهم ولم تعد استعراضاتهم العسكرية هزيلة أو متخلفة.
هذه هي باختصار قصة الأسلحة السوفيتية.
الدبابات تهدر في شوارع القاهرة وتعطي سماء القاهرة طائرات الميج وقاذفات اللهب.
لم تهدر دبابة واحدة في شوارع فلسطين المحتلة واحدة لم تسقط قنبلة واحدة واحدة خلال 25 سنة من شراء السلاح السوفيتي فوق مدينة إسرائيلية واحدة واحدة.
لم تخترق طائرة مصرية واحدة واحدة المجال الجوي الإسرائيلي ولو خطأ.
كله للاستعراض في شوارع القاهرة وسماء القاهرة.
كله من أجل أن تنبهر الجماهير فلا تفكر، حتى تنتقل من الانبهار بالتسليح الحديث لجيشها الثوري إلى الذهول من هزيمة هذا الجيش أمام العدو القومي.
تزغرد النساء فيختفي نجيب وصراخ واحتجاج الجنود والمواطنين الذين قتلوا في الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وستنقلب هذه الزغاريد بعد 4 شهور ليس إلا إلى نجيب وأسى وأرتياع في بيوت جنودنا القتلى والأسرى والمفقود في معركة 1956 وسيتأثر العرب ويهرعون للاشتراك في الاستعراض في شوارع القاهرة فإذا جاء الج وجاءت الحرب سيطلب منهم عبد الناصر عدم التدخل ويبقى ذلك اللغز الحائر الذي لا يفسره مفتي الناصرية ولا الدراويش.
وكان يوما حافلا بالنشوة والابتهاج والتخدير وخاصة للعسكريين الذين فرحوا بأن استعراضاتهم لم تعد هزيلة أو متخلفة وأن استمرت قوة ضربهم الحقيقة كذلك.
من أجل هذا وافقت الولايات المتحدة على صفقة السلاح الروسي ومن أجل هذا ظلت إسرائيل تدفع العسكريين باعتداءاتها المتكررة دفعا نحو عقد هذه الصفقة وإليك هذه الشهادة بعد أن أعلنت مصر عن أضخم صفقة سلاح أعطيتي دلولة في الشرق الأوسط مع الاتحاد السوفيتي قام بعض المسئولين الأمريكان ومنهم السفير الأمريكي في دمشق بجهد محمود لمنع سوريا من عقد صفقة مماثلة، واقناع المسئولين السوريين بانتظار قرار دمشق بجهد محمود لمنع سوريا من عقد صفقة مماثلة وإقناع المسئولين السوريين بانتظار قرار أمريكي لصالحهم ولكن هذا ما سجله ممثل وزارة الدفاع الأمريكية والمسئول عن جذب أو قلب حكومة سوريا لصالح الولايات المتحدة قال:
ومع اقتراب نهاية السنة لم تكن وشنطن قد اتخذت قرارا بعد في طلب سوريا للسلاح واقترح السفير مودس السفير الأمريكي في دمشق أن أسافر إلى واشنطن فربما أنجح أكثر في تحريك الموضوع وبينما كانت أرتب سفيري جاءت الأنباء بوقوع هجوم إسرائيل كبير على سويا ترك 56 قتيلا سوريا و 30 إسرائيليا يناير 1956 وخلال مناقشة الحادث مع السفير مودس عبرت عن قناعتي بأن السياسيين اليساريين وضباط الجيش السوري وجدوا كل ما يحتاجونه بهذا العدوان لتبرير عقدة صفقة سلاح مع روسيا بعد أن تعهدت حكومة سوريا بأنها لن تؤخذ على غزه مرة أخرى إزاء هذه الهجمات ولكن السفير الأمريكي في دمشق ج ذهب أبعد من ذلك إذ قال أن الإسرائيلين تصرفوا عن وعي كامل بأن سوريا ستتجه إلى روسيا في طلب المساعدة لأن ذلك سيبر طلب إسرائيل للسلاح من الغرب ضد الشيوعيين وليس ضد العرب.
إسرائيل بشهادة الأمريكان دفعتنا دفعا إلى شراء السلاح من روسيا أما نحن فقد رقصنا على طبلة العملاء والمخابرات ونشرنا المانشتات الحمراء: هلع في إسرائيل تزايد الهجرة من إسرائيل بعد إعلان الصفقة. نامت الجماهير على موسيقى الاستعراض العسكرية واستغلت المخابرات الأمريكية شيوعية السلاح في غزل مصر عن حلفائها الطبعيين فهذا الذي كان أكثر من صديق لناصر وراعى للنظام المصري كيرميت روزفلت كان يعمل في نفس الوقت على تحريض الحكام العرب ضد ناصر في نفس الوقت الذي كان الناصريون والإعلام الناصري بخبراء كيرميت روزفلت يتسغل انبهار الجماهير في تمزيق العالم العربي، وإرهاب الحكومات العربية، التي كانت راغبة ومستعدة للتعاون مع ناصر المصري العربي، ولكنها لا يمكن أن تقبل التعاون فضلا عن الفناء لناصر الشيوعي المحرض لجماهيرها.. وهكذا كانت اللعبة تدار ببراعة نادرة، لعزل مصر، ودعم زعامة حاكم مصر، بتخويف الحكام والنظم والطبقات المالكة العربية ودفعها إلى طلب حماية الولايات المتحدة، ولو كان الثمن التغاضي عن دور هذه الولايات المتحدة في قيام واستمرار إسرائيل بينما تعمل إسرائيل ليل نهار لتدمير مصر وصولا إلى العرب...
يقول سلوين لويد أن البعض في الغرب كان يرى ترك عبد الناصر للوس بعد صفقة السلاح، إذ كان هذا البعض يعتقدون أن وجود عدد كبير من الروس في مصر سيثير ضدهم المصريين كما أن هذا الوجود سيخيف العائلة المالكة السعودية مما يؤدي إلى فتور العلاقات المصرية السعودية.
قال هيكل أن نبأ صفقة السلاح كالقنبلة.
ولكنهم على أية حال لم يتبددوا أيدي سبا ولا جروا في اتجاه البحر، بل قرروا غزو مصر وسيخبرنا دون أن تطرف عينه كيف بدأت إسرائيل تبحث عن السلاح والغطاء الدولي وكيف نجحت في تحقيق أضخم صفقة سلاح في تاريخها دون خطبة واحدة من مسئول يهودي ولا هتاف في الشارع ولا استعراض عسكري يبهر الجماهير ولا تعليق عن القنبلة التي انفجرت في مصر بسبب الصفقة التي ضمت:
- 29 طائرة مستبر
- 19 طائرة فوتور قاذفة مقاتلة
- 200 مدفع
- 90 دابة أية أم أكس
- وتوالت الشحنات.
نعم توالت الشحنات في صمت بلا خطب ولا مطولات من هيكل إسرائيل وأني لإسرائيل مثل هيكل.
ولأنهم هناك كانوا يطلبون السلاح للقتال به والقتال يعني الجدية والسرية أما نحن فأردنا قعقة السلاح دعاية السلاح لتجنيب القتال وهذا يتطلب الاستعراض والعلنية المفرطة وقد حقق كل طرف ما أراد وسنرد على موقف إسرائيل ولكن نتوقف هنا لحظة عند محاولة خبيثة من هيكل لتشوية موقف مصر القومي وتشويه أهداف ودوافع عبد الناصر نحو الثورة الجزائرية إذ يخلص الموقف بين فرنسا – إسرائيل- مصر الجزائر هكذا.
زادت شحنات الأسلحة الفرنسية لإسرائيل مصر الجزائر هكذا:
- زادت شحنات الأسلحة الفرنسية لإسرائيل وزادت مساعدات مصر للثورة الجزائرية بل ونسب زورا لعبد الناصر إنه قال لتيتو: إننا نريد أن نجعل فرنسا تحتاج كل قطعة سلاح ترسلها إلى إسرائيل ولذلك نساعد الثورة الجزائرة.
- لماذا كان هذا الحقد على مصر والحرص على سلبها كل فضيلة ... الفكرة الشائعة والحقيقة هي أن فرنسا حالفت إسرائيل بسبب دعم مصر للثورة الجزائرية وليس العكس أي أننا دفنا ثمن موقفنا القومي العربي ومهما قيل في فداحة الثمن الذي دفعته مصر فإن المحصلة النهائية رابحة ومجزية وهو استقلال بلد عربي وحرية شعب عربي، عبد الناصر ومصر من قبله ومن بعده على حق في دعم ثورة الجزائر مهما كانت النتائج.
ولكن هيكل يقلب الصورة فيجعل مصر تدعم ثورة الجزائر نكاية في فرنسا؟ ياللافتراء والعار..؟
- وبالمناسبة فقد يتساءل البعض هل كان من مصلحة مصر أثارة عداء فرنسا وتعريض أمنها الوطني واستقلالها للخطر من أجل تحرير الجزائر؟ ثم ماذا كسبنا من ثورة الجزائر ضرب المصريون في شوارع الجزائر، وامتهنوا وطردوا ...
- وناصبتنا حكومة الجزائر العداء وقادت جبهة الصمود والتصدي والمزايدة ضدنا؟؟
هذا الكلام وإن كان يمكن أن يتردد في المناقشات البيزنطية ومن جانب الذين لا يريدون أن ينسب فضل للناصرية إلا أنه لا يجوز وطنيا ولا قوميا بل ولا عقليا لأن استقلال الجزائر كما قلنا بأية صيغة هو إنجاز إسلامي عربي وبالتا فهو مكسب وطني مصري ولا يجوز الندم أو الشك لحظة واحدة في صوابية وشرف الدعم المصري للثورة الجزائرية ولكن لابد أن نطرح هذه الملاحظات.
- 1- أن الدعم المصري للحركة الوطنية الجزائرية بل للحركة الوطنية في المغرب العري وهي التي فجرت ثورة الجزائر سابق على عبد الناصر ولو لم يكن عبد الناصر في الحكم لجاء ثوار الجزائر أيضا إلى مصر واتفقوا على الدعم ونالوه من أية حكومة مصرية ربما كان حجم الدعم سيختلف وفقا لمدى حرية الحركة لهذه الحكومة سياسيا ومدى حريتا في التصرف في موارد مصر ولكن جوهر الموقف لا يختلف.
- 2- أن الأسلوب المتدني للإجهزة الناصرية في التعامل مع الحكومات العربية والحركات الوطنية هو المسئول إلى حد كبير عن نجاح القوى المعادية لمصر والعروبة في السيطة على الأوضاع في الجزائر، ومن ثم في تأليب دول المغرب العربي كله ضد مصر التي كانت كعبة آمالهم ومركز حبهم وتتطلعهم وهم في المعارضة فتحولت إلى العدو رقم واحد عندما أصبحوا في السلطة ولا يجوز اتهام حكومة بومدي وحدها بالجفاء لمصر ففي عهد عبد الناصر كانت علاقتنا متردية مع كل دول المغرب من إدريس السنوسي إلى بومدين مرورا بالأستاذ والقصر الملكي في المغرب أو الحسن أخو الحسين كما كنا نقول في صوت العرب عن ملوك العرب.
- فنحن إذا كنا قد خسرنا فرنسا، فقد كان ذلك حتمية تاريخية لا يمكن تجنبها لأن قدرنا ودورنا ومبادئنا كانت تحتم علينا الوقوف مع ثورة المغرب العربي إلا أن خسارتنا حكومات ما بعد الاستقلال لم يكن له ما يبرره وكان الأمر يمكن تجنبه لو كنا نتمتع بجهاز حكم ديمقراطي تتحكم فيه الكفاءات لا المخابرات.
- 3- السلاح الفرنسي لم يهزمنا في 1956 حتى يأسف البعض على دعم الثورة الجزائرية فالغزو الفرنسي هزم وتراجع أما النصر الإسرائيلي فكانت له أسبابه المصرية.
المهم نجح الجهد الإسرائيل في تحطيم احتكار السلاح ويسجل هيكل ذلك بقوله:
- لقد فتحت أبواب فرنسا.. كل أبواب فرنسا لإسرائيل.
- وقد عجمت روساي عود الغرب، وكشفت كذب الصياح الإعلامي عندما عرضت في مؤتمر القمة في لندن فرض حظر سلاح على الشرق الأوسط كله فرفضت الدول الغربية.
- ولم تكن هذه نهاية العالم بل اعقب صفقة السلاح الروسي على الفور قرار أمريكي بتمويل السد العالي وقال فوستر دلاس في رسالة لعبد الناصر الروس يعطونكم سلاحا للموت أما نحن فسنبني لكم السد العالي للحياة
وربما كان هذا الموقف الهادئ المتفهم من الغرب هو الذي جعل الإعلام الناصري يتشبث كالغريق بحكايةي الإنذار إذ لا تكاد توجد واقعة ولا شاهد على مظهر آخر من مظاهر غضب الولايات المتحدة فضلا عن جنونها من صفقة السلاح بل كانت بردا وسلاما على إسرائيل ومن يعنيهم أمر إسرائيل.
يقول غيفيلاند في عام 1956 أي بعد صفقة السلاح ج كان الإخوان دلاس يرتبان لقاء بين بن غوريون وناصر ولو أن تصرفات بن غوريون أوحت أنه يفضل التعامل مع نناصر بالسلاح عن التفاوض حول متقرحات السلام التي أقنع بها شاريت حزب ماباي.
وهذا التاكتيك الإسرائيلي المعروف عن ادعاء خلاف في القيادة اقنعوا به عبد الناصر ولعلنا نذكر تصريحه الذي مدح فيه ميولي موسى شاريت
وقال إيفيلاند أن العنصر الرئيسي في جهودنا من أجل تجميع دعم عربي للسلام مع إسرائيل كان هو الرئيس المصري وتساءل هل تبحث الCIA مشروع سلام مع ناصر بدون علم السفير الأمريكي في القاهرة بايرود.
السد العالي
وإذا كنا لن نناقش السد العالي كمشروع مصري في هذا الموضوع من الحديث فأننا نحب أن نلقي الضوء على بعض النقاط التي لها علاقة بموضوع حديثنا هذا والتي تحتاج إلى تأمل ودراسة مفصلة.
الأولى: أنه بعكس الشائع والذائع عن أن سحب تمويل السد العالي كان عقوبة على صفقة السلاح ومحاربة حلف بغداد إلخ وهذا غير صحيح بل الغريب أن قرار تمويل وليس سحب تمويل هو الذي اتخذ في أعقاب صفقة السلاح فقد قررت أمريكا وفي ذيلها بريطانيا الرد على الخطوة الروسية وما اثارته من شعبية بمظاهرة غريبة مضادة وهي تمويل السد العالي وبدأو الدراسات والأبحاث في هذا الأمر وبعث دلاس ببرقية لعبد الناصر والتي تقول الروس يعطوكم سلاحا للموت ونحن سنعطيكم السد العالي للحياة.
ولكن العرض سحب لعدة أسباب.. ذكر سلوين لويد بعضها في قوله قال لي يوجين بلاك مدير البنك الدولي أن الأمريكان يمكنهم تمرير تمويل السد العالي في الكونغرس ولكني رأيت لك تفاؤلا لا مبرر له فاللوبي الصيني كان غاضبا لاعتراف نصار بالصين الشيوعية في مايو ولوبي القطن كان ضد القرض بسبب اتفاق ناصر مع روسيا على القطن المصري ليس صحيحا بل بسبب توقع زيادة المساحة المزروعة قطنا في مصر ومنافستها للقطن الأمريكي ج واللوبي الإسرائيلي ضده على أساس أنه يقوى أحد أعدائهم الرئيسين إلى جانب الطلبات التي انهالت على الولايات المتحدة من أصدقائها في الشرق الأوسط يطلبون مساعدات وحجتهم جميعا أن الصداقة هي التي يجب أن تكافأ لا العداوة وأن إعطاء مساعدة لمصر لبناء السد هو العكس تماما وضرب مثلا بن حليم رئيس وزراء ليبيا الذي كان مشبعا بحب الغرب الغيب المنقوطة ح الذي كرر على ما سمعته في المنطقة وهو أن أصدقاء الغرب يجب أن يكافأوا بسخاء أكثر من عبد الناصر الذي يكافأ على عداوته وكانت هذه إشارة واضحة منه إلى اعتزامنا تمويل السد العالي .
ويذهب سلوين لويد إلى أن الكونغرس كان بسبيله إلى سن قانون يقيد صلاحية الحكومة في منح القروض إذا ما أصرت على تمويل السد العالي ودلاس خشسي أن يصدر هذا القرار الشامل مما يضر بالمعركة الانتخابية للرئيس إيزنهاور فبادر بتهدئة الكونغرس بإعلان سحب التمويل وقال دلاس لإيزنهاور في 15 سبتمبر 1956وأن القرار لم يكن مفاجأة للمصريين فقد كان لديهم علم به ويؤيد هذا رواية محمد حسنين هيكل وسلوين لويد عن الوزير العراقي الذي نقل أخبار مناقشات حلف بغداد إلى عبد الناصر فعرف منها أن الدولة الغربية لن تمول السد العالي .
ويدعي سلوين لويد أن أحمد حسين هدد أمريكا بأنه إذا لم تمول أمريكا السد العالي فالاتحاد السوفيتي جاهز للدفع ورد عليه دلاس في 19 يوليو 1956 بأن أمريكا لا تبتز ولا تهدد وسحب العرض ويبدو أن دلاس أتخذ القرار بسرعة فلم يستشر أحدا ولا ناقش القرار مع موظفي وزارة الخارجية واستشار الرئيس الأمريكي في صباح نفس اليوم وأبلغ السفير البريطاني ماكينز قبل العلان بساعة ولم أكن أعلم بهذا القرار السريع فقد ناقشنا الموقف في مجلي الوزراء وكلفت بعمل مذكرة حول كيفية إبلاغ المصرييني بانسحابنا والأمر كله لم يستغرق إلا أسابيع ما بين قرار التمويل وقرار سحب التمويل، كما جاء في لجنة الشئون الخارجية للكونغرس الأمريكي.
ومسألة الدور الذي لعبه الاعتراف بالصين في استفزاز الولايات المتحدة لسحب القرار مسألة معقدة في المنطق الناصر فصحيح أن اللوبي الصيني كان مستاء من عبد الناصر وكان ليس إلى الحد الذي يمكنه من استصدار قرار في هذا الحجم والمؤرخ الناصري يحتار في قضية الاعتراف بالصين فهو يسجلها في قائمة الانتصارات العالمية كمبادرة جزئية في مصر فلم تكن هناك دولة في الوطن العربي أخذت هذا الموقف في وقت كانت حكومة الولايات المتحدة فيه كالنمر الهائج ضد كل ما هو صيني حتى إن جوازات سفر الأمريكيين كان يصرح فيها بالسفر إلى كل دول العالم عدا الصين وكوريا الشمالية وبعد 4 صفحات ليس إلا نجده يرد عى بعض الجهات المعادية التي تحاول الاساءة لموقف عبد الناصر وتصويره بمظهر المستفز الذي يجبر خصمه على اتخاذ خطوات عنيفة وذلك بزعم هذه الجهات المعادية أن الاعتراف بالصين الشعبية هو الذي أثار جنون أمريكا وجعلها تسحب التمويل ويلقم هذه الجهات المعادية حجرا بأن يقلل من أهمية تلك المبادرة الجريئة بل يثبت تفاهتها بدليل أن إسرائيل ربيبة أمريكا اعترفت بالصين الشعبية عام 1950 دون أن يحدث ذلك صدى في علاقتها مع واشنطن
ونحتار في هؤلاء خطوة قامت بها إسرائيل منذ خمس سنوات وهي ربيبة أمريكا ولم يهتز لها جفن أمريكي كيف تصبح مبادرة جريئة وتحدي للنمر الأمريكي الهائج بعد خمس سنوات عندما يقوم بها عبد الناصر؟
وأيهما أكثر تهيجا للنمر الأمريكي: الاعتراف بالصين وكل حلفاءها في أوروبا اعترفوا بالصين أو رفض مصر في عهد حكومة الوفد التصويت مع أمريكا أو تأييدها في حرب كوريا وكل العالم غير الشيوعي وقف مع أمريكا في حرب كوريا.
والمصادر الأمريكية المتاحة الآن تؤيد رواية سلوين لويد حول معارضة اللوبي اليهودي ولوبي زراع القطن في ولايات الجنوب وأيضا اللوبي المعادي للإنجليز فقد جاء في كتاب حبال الرمال كانت هناك معارضة متوقعة من إعضاء الكونغرس من ممثلي الجنوب زراع القطن الراغبين في إبقاء القطن المصري بعيدا عن السوق ومن أنصار إسرائيل وايضا من وزير المالية الذي شعر أن الشركات والمقاولين الإنجليز سيستفيدون فائدة هائلة بينما ستكون مساهمتهم رمزية، كما كان على مصر أن تسوي مشاكلها مع السودان حول المياه.
كذلك كان هربرت هوفر الابن وكيل الخارجية والمشبع بكراهية الإنجليز ضد المشروع بسبب دور الإنكليز فيه، ولا تظن أن أمريكان كان في مزاج إعاد بريطانيا إلى مصر بمشروع مثل هذا الحجم بعد كل الجهد الذي بذله الكافريين والسونين في إخراجها من هناك وقد أوضحت بريطانيا فيما بعد أنها فوجئت بالقرار الأمريكي بسحب التمويل.
وهناك ملحوظة غريبة لا ندعي أننا قد فهمنا أبعادها الحقيقة وهي أن الأمريكيين كانت لديهم قناعة بأن المشروع سيثير كراهية المصريين لماذا؟ ... لا ندري.
التفسر الشائع أنه بسبب ما يتكلفه المشروع من مال، لابد أن يرهق المصريين؟
وهو تفسير متهافت لأن المفروض أن التمويل الخارجي سيعفي المصريين من البعبء المالي وحتى إذا كان على شكل قرض فإن السد العالي سيحقق زيادة في الدخل تكفي لسدا القرض وتحقيق فائض وإذا كان الضرر ماليا، والكراهية سببها المال فكيف يكون الحل هو نصح مصر بأن تمول هي السد بدلا من جلب الكراهية على الدولة التي ستموله هل التمويل الداخلي أقل بعئا من التمويل الكريم من الاتحاد السوفيتي أو قرض دولي؟
كلام غير مفهوم
الذي حدث برواية هيكل أنه في محادثات محمود فوزي دلاس 6/10/ 1956 أشار دلاس إلى أن الشعب المصري سيكره من يبني السد العالي لذلك فلا مانع لديه من أن يقوم الروس بذلك وقد ذكر محمود فوزي في رسالته أن دلاس برر ذلك بالإرهاق الاقتصادي.
وقد كرر دلاس مع المصريين مرتين قناعته عن كراهية الشعب المصري المنتظرة للمشروع مرة في اقتراح تلبيسه للروس ومرة عندما قال أن مصر تستطيع في رأيه تمويل السد العالي عن طريق دخل قناة السويس لأن هذا أسلم وسوف يجنب أية دولة تقديم المال للازم لمشروع بثير كرهية المصريين ورددت عليه في هذا الموضوع بوجهة نظرنا.
ويا ليت فوزي، أو هيكل عرفنا أحدهما بوجهة نظرنا لنفهم ما الذي كان يشير إليه دلاس وهو يتحدث عن إثارة السد لكراهية المصريين.
ونفس الفكرة كررها دلاس مع هيوغيتسكيل زعيم المعارضة البريطانية إذ جاء في يوميات غنيتسكبل حاولت أن أستفهم من دلاس عن أسباب سحب تمويل السد العالي فأجابني إجابة غير مفهومة أهم ما فيها أن الولايات المتحدة كانت تأمل أن يؤدي سحب قرار التمويل الأمريكي على مسارعة السوفيت بتقديم عرض لتمويل السد ليتحملوا العواقب الوخيمة بأنفسهم على المدى البعيد برغم أنهم سيحققون مكاسب سياسية آنية.
ما هي الكارثة الخفية في موضوع السد والتي رأت أمريكا أن تورط الاتحاد السوفيتي في عواقبها الوخيمة ببناء هذا السد ترجح المكاسب السياسية التي عادت عليها وقتها لعدة سنوات تالية؟
وقد فندنا القول بأن الإرهاق الاقتصادي هو المقصود، فلم يبق إلا تفسر واحد وهو أن الأمريكان قد اكتشفوا عيبا خطيرا في السد وتوقعوا أن يثير كراهية المصريين في المستقبل أن كان ذلك صحيحا وكتم دلاس والأمريكيون ذلك عن مصر، فهو دليل وحشية وإجرام هذه الحضارة الغربية وإن كان الجانب المصري قد أبلغ بذلك فلم يهتم من أجل الأ÷داف السياسية للمشروع فما من لفظ في اللغة يمكن أن يصف هذا الفعل.
ومرة أخرى نحن لا نجزم بشيء فالإشارات ما تزال غير مفهومة.
وملحوظة ثالثة حول حوار دلاس فوزير إذ يفهم من الحديث الذي رواه هيكل أنه في الأسبوع الأول من أكتوبر 1956 أي قبل العدوان الثلاثي بثلاثة أسابيع وقبل هزيمته بأربعة أسبابيع كان دلاس قد قرر ووثق أن القناة ستصبح ملكا خالصا لمصر وأنها تستيطع إنفاق دخلها على تمويل السد أو ما شاءت من مشاريع وإن كان قد نصح بتمويل السد العالي وكان فوزي وعبد الناصر يعرفان أن هذه هي قناعة الأمريكان وهذه نقطة مهمة سنحتاجها في تفسر موقت الولايات المتحدة خلال معركة التأميم.
على أية حال واضح أن دلاس لم يكن ضد بناء السد ولا كانت هناك مؤامرة أمريكية لمنع بناءه لما يحققه من طفرة في اقتصاد مصر ويوفر لها من أمن غدائي إلخ بل أن سحب التمويل كان في حدود الأسباب المعروفة لعوامل داخلية في أمريكا: موقف الكونغرس المتأثر بلويي القطن ولويي إسرائيل وكراهية مساهمة بريطانيا فيه ولعوامل أخرى غير معروفة هي التي تدور حول قوة الأمريكيين أن المشروع سيثير كراهية المصريين لمن يبنيه وهي كما قلنا نقطة غامضة حتى الآن وربما أوردها هيكل خصيصا لتبرئة الأمريكان من آثار السد العالي فعندما تعالت الهمسات بعد موت سليمان وفتح القمقم حول أضرار السد العالي دافع المتورطون في المشروع بأن صلاحية المشروع لم يقرها الروس وحدهم بل الفنيون المصريون والدول الغربية وقد أقسم حسن إبراهيم عضو مجلس الثورة لأحمد حمروش أنه يوجد نموذج كامل للسد العالي في قرية جرينويل بفرنسا تم بناؤه عندما تعاونت مصر في مجال البحث مع إحدى الشركات الفرنسية واعتبرم مدير الفرقة القومية للمسرح وكذلك حسن إبراهيم أن ذلك دليلا على سلامة المشروع ولا شك أن كل شركة عالمية يطلب منها دارسة مشروع في حجم السد العال تكون الخطوة الأولى هي عمل نموذج له تستعين به في الدراسة والوصول إلى قرار حول فوائد وأضرار وصلاحية المشروع فالنموذج في حد ذاته ليس دليلا ولا شهادة وإنما المهم هو التقرير ماذا قالت الشركة هذا ما لم يهتم عضو مجلس الثورة، ولا مؤرخ ما بعد الثورة بالحديث عنه أو حتى التعرف عليه.
وكذلك الاشتشهاد برغبة أمريكا وبريكانيا بتمويله على صلاحيته، لا يقدم دليلا مقنعا، لأن سحب التمويل كما قلنا تقرر بعد أسابيع قليلة من القرار وحتى إذا أخذنا دراسات أمريكية على الطبيعة حتى يقال أنهم وافقوا على المشروع فنيا ورفضوه سياسيا هل كاد لاس يعرف نظام الدورة الفيضانية الرائعة التي كان السبب في ظهرو مصر وتميزها عن الواحات فمصر لم تصبح مصر بمجرد توفر الماء بل بنظام الفيضان الذي كان يغسل أرضها مرة كل سنة فيحمل الأملاح إلى البحر ثم يعوض النقص في التربة بإلقاء طبقة جديدة من الطمي والمعادن المفيدة للأرض كل عام أي ملايين الأطنان من الخصبات الطبيعية والطني بلا تلكفة وفي اتقن عملية رش بل اكتشفنا اليوم أن الفيضان كان يغرق جحور الفئران ويقتل منها العدد الذي يبقيها في إطار التوازن الطبيبعي فلما منعنا الفيضان وخرجت الصحف تبشرنا بعنوان لا ينسى وهو هذا العام: هو آخر فيضان للنيل انتصرنا على النيل ونمت الفئران وتكاثرت حتى أكلت ما زرعه الفلاح بماء السد وما قبل السد.
هل قامت مؤسسات أمريكية وبريطانية بهذه الدراسات وقدمت التقارير التي تؤكد أنه لا خطورة من احتفاظ مصر ببحيرة معلقة فوق رأسها إذا ما ضرب السد أو سقط بفعل زلزال وهو الذي كما قيل يمكن أن يغرق مصر إلى القاهرة وبارتفاع الدور الرابع
وهل قالت هذه التقارير أن فوائد السد ترجح أضراره حتى نقول اليوم أن العالم كله وافق على بناء السد فإذا ثبت ضرره فالعالم هو المسئول ونحن لا ذنب لنا؟
بناء السد العالي بصرف النظر عن أية نتائج، يجب أن تحدد طبيعته فهو قرار سياسي من شخص غير ذي دراية فنية لم يقرأ كتابا في حياته بعد الثانوية العامة ألا ما يكفي للتخرج من كلية الطيران ولس فيما عرفناه عنه ما يعطي ملامح مصقف ولا علامة تحضر والروايات الناصرية مجمعة على اختلال قواه العقلية استوحى الفكرة من يوناني وصف السادات له يوحي بخبله هو أيضا وقد رفض المهندسون قبل الثورة الاهتمام بفكرته إلى أن اصطاد لها مجنون مجلس الثورة جمال سالم ففتنة المشروع وتبناه حتى أن أحدا من أعضاء مجلس قيادة الثورة لم يبذل جهدا لمعرفة تفاصيل المشروع وهذه شهادة متحمس للسد.
تبناها جمال سالم وطرحها مجلس الثورة في سوق الشعارات المصرية، مثل مديرية التحرير والوادي الجديد، واستخدمته الدول الخاطبة لود مصر مثل قول دلاس:
- سنعطيكم السد من أجل الحياة إلى أن سقط في حجر الروس.
كان المفروض أن يطرح المشروع للمناقشة الفنتية في أوساط المهندسين والجيوليوجين الزراعيين وخبراء الثروة البحرية والأمراض المستوطنة ومجلس الأمن القومي حول مكاسب ومخاطر المشروع من إمكانيات الزلازل واحتمالات ضربه من العدو إلى مستقبل الكائنات البحرية والنحر عند المصب ثم يطلب رأي المؤسسات العالمية الخبيرة ثم يطرح التقرير النهائية للمشروع أمام اللجنة العليا الفنية لا السياسية لتقرر قبول المشروع أو رفضه أو تعديله فليس هذا من اختصاص مجلس الثورة ولا من أعمال السيادة مجرد خزان على النيل ثم يعرض الأمر على البرلمان للمناقشة فهناك خبراء غير ممثلين في الأجهزة الحكومية والمناقشة العامة المفتوحة تتيح الفرصة لشتى الاجتهادات والتنبيه إلى ما يفوت الخبير الفني.
ولكن ذلك كله كان مستحيلا لأن المشروع أصبح جزءا من قدسية الثورة يحيط به إرهابها ورهبتها وارتفاعها فوق مستوى النقد والمناقشة وكل نقد له خيانه وعماله للاستعمار تؤدي إلى إسقاط الجنسية؟ وحتى الآن فإن الحديث عن الزلزال الذي هز أسوان يفسر على الفور بأنه مؤامرة للنيل من ذكرى الزعيم الخالد والتقليل من المساعدة الأخوية للاتحاد السوفيتي زعيم المعسكر الاشتراكي...إلخ.
حتى الروس لهم عذرهم فقد انساقوا إلى الحمي التي انتابت الدولة المصرية وهي تغني حنبني السد والروس يهمسون الآن أنهم نبهوا للأخطار المحتملة ولكن لا أحد سمع لهم فقد عولج الأمر بالأسلوب الثوري الذي يهتم أولا وأخيرا بالكسب السياسي العاجل ولا يفكر أبعد من عمر الحاكم.
من الثابت إذا أن كل الأطراف عالجت موضوع السد سياسيا الغرب أراد أن يرد على صفقة السلاح وربطه بالصلح مع إسرائيل وكجزء من برنامج عام للمنطقة والاتحاد السوفيتي تبناه تحت إلحاح مصر نكاية في الدول الغربية وكسبا لشعبية في مصر والمنطقة والثورة أساسا أطلقت الشعار وتورطت فيه للتغطية على السلبيات في الحريات أو كما قال عبد الناصر: حاجات بيضاء .. وحاجات سوداء.
وفي مثل هذا الجو يتعذر بحث الجوانب الفنية وهي الأساس في الخزانات ... لا الشعارات.
الفصل الرابع:عدي القنال... عدي!!
ويبدأ المفتي رحلته مع بريطانيا على طريق السويس ولا يفوته أن يحكي لنا قصة سلوين لويد وطرد غلوب والنبأ الذي وصل إلي سلوين لويد وهو يتناول العشاء مع عبد الناصر مما جعله يظن وهو غبي حقا أن عبد الناصر كان على علم بالنبأ بل وقته توقيتا ليصل إلى سلوين ما بين الاسكلوب بانيه والسلطة وكأن الأردن محافظة مصرية ما علينا من غباء سلوين لويد رواية هيكل تتضمن معلومة غرية وخطيرة وهي أن عبد الصار نفسه كان آخر من يعلم بل أن سلوين لويد والسفارة البريطانية والعالم كله أخيط خبرا بإقالة جلوب إلا عبد الناصر.
هذا ما يقوله هيكل الأمين على تراث الزعيم فقد دخل سكرتير السفارة البريطانية بل اقتحم العشاء اقتحاما ودس ورقة في يد السفير البريطاني الساعة التاسعة مساء ودسها هذا في جيبه بعد أن قرأها وأصبح واضحا على وجهه وحديثه أن أمرا خطيرا قد وقع ثم انصرف السفير والوزير البريطاني، وكل هذا الذي حدث لم يلفت انتباه عبد الناصر ليسال أحد معاونيه إيه يا جماعة إلي حصل.. أسألوا الوكالات يكون في خبر ولا أسألوا أقسام البوليس تكون أم السفير ماتت؟
أبدا ... وفق رواية هيكل لم تتحرك شعرة استفهام في رأس الزعيم.
بل توجه عبد الناصر إلى فراشه ونام قرير العين عن شواردها حتى أيقظه هيكل ومن غيره يوقظ الغافل؟ في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي.
التاسعة؟
عندي خبر يجنن يا ريس كبير القلب... عارف غلوب بتاع الأردن.
ماله؟ أو اشمعنى؟
.. إلخ.. ما يمكن أن يتضمنه سناريو مسرحية هزلية حول تلك الصورة البشعة التي يقدمها هيكل عن الزعيم الذي كانت أبرز مميزاته هي المعلومات وخاصة من هذا الطراز والذي كما تجمع كل الروايات لم يكن ينام قبل أن يسمع جميع إذاعات العالم ولكن في رواية هيكل نجده معزولا.
ولا سفارة تبلغ؟
ولا ملحق عسكري ؟
لا سفارة تبلغ؟
ولا ملحق عسكري؟
ولا مخابرات
ولا مراسل صحفي؟
ولا أحد يسمع راديو ترانزستور فالخبر كان قد أذيع من جميع محطات العالم وبجميع اللغات حتى السواحل والزعيم لا دري حتى يبلغه هيكل الذي بدوره سمعه من مراسل رويتر في مصر الذي اتصل بهيكل يطلب تعليقا على الخبر ولم يخرطر بباله أن لا هيكل ولا سيده قد سمعا بالخبر.
أن يظل المصري غائا عن الوجود الحضاري إلخ..
وهكذا كانت تحكم مصر. وتقود العالم العربي.
دعنا من هذا الهذر ولننتقل إلى حديث يبهج النفس حقا:
الاجتهادات حول الوتق الذي طرأت فيه فكرة تأميم القناة على خاطر عبد الناصر كثيرة ومتباينة ومتفاوتة ال ذكاء والإسفاف أيضا ومن هذا النوع الأخير زعم هيكل أنه هو الذي أوحى لسيده بتأميم القناة، على الأقل أن الفكرة خطرت لها في وقت واحد وإليك رواية هيكل.
استيقظ محمد حسنين هيكل صباح 212 يوليو وقناة السويس في رأسه، الحمد لله وليس شرم الشيخ وإلا لأعاد مجد الإسكندر.
واتصلت به إلهاء تعود على عبد الناصر ج تليفونيا في غرفة نومه، وكانت الساعة الثامنة والربع صباحا وتبادلنا حديثا عاديا مما يتبادله الأصدقاء في الصباح من طراز أكلت أيه إمبارح يا حماده؟ جبنه وبطيخ يا جيمي .. معرفش ليه رجلي بتمنل... عاملين أيه الأولاد يا صبر أيوب؟ ج ثم قالي له: أنني فكرت طويلا فيما تستطيع أن تفعله إزاء القرار الأمريكي وقال اللي هو عبد الناصر ج وهل توصلت إلى شيء؟
وقلت: هل تذكر ما كنت تقوله عن انتظار فرصة ملائمة للتقدم فيها بطلبنا للمشاركة والحصول على نصف دخل إلخ.. وهو بذلك يقلد مايزل كوبلند الذي ادعى في كتابه أنه اقترح تأميم القناة قبل عبد الناصر في تمثيله دور عبد الناصر في قصر لعبة الأمم وأغلب الظن أن عبد الناصر وصل للقرار عقب قرار سحب تمويل السد العالي وما أحالط به من صورة قاتمة إذا اعتبر في الدوائر المعنية قرار بسحب الثقة من عبد الناصر وأن أمريكا لا يمكن أن تعامله بهذا الشكل إلا إذا افترضنا أنه حالة ميئوسة أو كما صور هيكل الموقف بأ،ه بعد سحب تمويل السد العالي جاءت النهاية وأوشك الستار أن ينزل على قصة عصر عبد الناصر وصعوده في الشرق الأوسط.
وهذا بالطبع فهم أو تصو له أسبابه الخاصة وهي القناعة وقتها بأن النظام مسنود من الأمريكان وإلا فإن الشعب المصري لم يكن يربط بين عبد الناصر والسد العالي فهو ليس مهندسا أو وزيرا تبنى مشروعا مائيا ويسقط وينتهي عصره بفشل المشروع
عبد الناصر الذي احتفل قبل شهر بخروج آخر جندي بريطاني لماذا يسدل الستار عليه لأن أمريكا ترفض تمويل واحد من مشاريعه.
ومهما يبدو ذلك غريبا الآن فقد كان الشعور وقتها في أوساط أنصاف السياسين في الخاج والمتنفذين في مصر والعالم العربي إن الأمريكان قرروا فعلا إسقاط عبد الناصر وأنهم قادرون على ذلك باعتبار دورهم في ظهوره واستمراره وكان لابد من إجراء دراماتيكي يجبر إدارة المسرح على استمرار رفع الستار، ويبقى المتفرجين في مقاعدهم بمنطق الممثلين الذي يحكي به هيكل.
والدليل على أن القرار كان مفاجئا أنه لم تكن هناك دراسات جادة لردود الفعل الممكنة في بريطانيا وفرنسا وإن عبد النصار كان قد وقع اتفاقية جديدة مع شركة قناة السويس قبل شهر واحد تتضمن اعترافا بشرعية الشركة ولو كان الهدف هو التغطية لا مكن للوفد المصري إطالة المفاوضات حتى يصبح قطعها حجة للتأميمي ولم يكف سلوين لويد عن استخدام هذه الاتفاقية للتأكيد بأن مصر لا تحترم اتفاقياتها وتستخدم منطقا تبريريا في اتهام الشركة يتناقض مع موقفها من شهر واحد... إلخ.
ولكننا إذا نقول أن القرار كان مفاجئا وابن وقته وكرد فعل على سحب تمويل السد العالي فإننا نؤكد أن الفكرة ذاتها كانت دائما على رأس جمال عبد الناصر وكانت على رأس قائمة المنجزات التي حلم بتحقيقها حتى قبل أن يصل إلى السلطة.
فما من مأساة كانت تعتصر قبل الطالب المصري مثل قصة قناة اليوي وما جرى فيها من غبن وتغفيل واستغلال لمصر.
وإلى ما قبل هزيمة 1967 لم يكن هناك ثأر يحلم به المصري، مثل انتزاع القناة من المستغلين الذين حفروها بأموال ودماء المصريين وأجسادهم حقيقة لا مجاز ثم استولوا عليها مجانا وبأسلوب لصوص يكفي لدمغ تاريخ أوروبا والغرب كله بالعار حتى إسماعيل باشاي بدأ تاريخ السياسي بشعار أريد القناة لمصر لا مصر للقناة ففي هذا الوقت المبكر وقبل أن يتم حفر القناة وقبل أن تقبض الشركة منها جنيها واحدا كان واضحا أن القناة هي نزيف في قلب مصر تنزح منه ثروتها واستقلالها وسيادتها ويكفي أن تعرف أن القناة عند التأميم كان دخلها ثلاثين مليون جنيه استرليني حصة مصر منها مليون واحد والباقي لبريطانيا وفرنسا وأخلاط الأورويين بل كانت القناة في قلب مصر والسفن البريطانية والفرنسية تدفع الرسوم في لندن وباريس!!
وكانت الشركة تتصرف كمؤسسة استعمارية عنصرية استعلائية تعيش في القرن التاسع عشر كل جهازا الإداري من الجنس الأبيض تتفاوت مراكزه بتفاوت بياضه، وعند القاع فئة خاصة من المصريين وبعدما قامت حركة الجيش واستولى الضباط على الحكم بل وباتوا في فراش الأميرات استمرت شركة قناة السويس تمنعهم من دخول نادي شركة قناة السويس كسائر المصريين لأن شعب القناة دون مستوى المالطيين والكورسكيين العاملين بها ويروي كتاب مجتمع عبد الناصر أن قائد معسكر الجيش المجارو لشركة القناة اضطر لإرسال جنوده يسبحون عراة بجوار نادي الشركة، ففزع المسئولون هناك وسمحوا لهم بالاشتراك في النادي ربما بعدما اجتازوا امتحان كشف الهيئة.
كانت نموذجا للإمبريالية في أبشع صورة وما كان يمكن أن تستمر لحظة واحدة في بلد مستقل بل كان تأميمها يقترن دائما في خاطر الحركة الوطنية بتحقيق الجلاء.
وفي السنوات التي سبقت عبد النار طرح شعار التأميم في عدة مصادر:
- 1- منشورات فتحي الرملي وهو اشتراكي من الرواد المصريين ومن أوائل الذين تنبهوا إلى خطورة التغلغل اليهودي في الحركة الشيوعية المصرية فكان جزاؤه الإقصاء التام من المجرى العام لهذه الحركة وإبعادة عن الصحافة ما يزيد عن ربع قرن!
- • برنامج الحزب الاشتراكي بزعامة أحمد حسين.
- • كتاب الجبهة الشعبية لمحمد جلال كشك الصادر عام 1951 والذي حكمت المحكمة بمصادرته لدعوته إلى قلب نظام الحكم القائم وقتها ثم كان من حثيثات تقديمه للنيابة وتوقيفه لمدة عامين في عهد الثورة.
أما مصطفي الحفناوي فلم يطرح أبدا مطلب التأميم ولما بلغه به عبد الناصر بالقرار أصابه الهلع وقال لعبد الناصر: أنه يسمع بأذنيه إزاير الطائرات التي ستهجم علينا على اية حال كان أبعد النظر أو أصدق توقعا من عبد الناصر ولكن عبد الناصر كان أكثر وطنية وأجدر بالزعامة عندما اتخذ قرار التأميم.
تأميم القناة إذن، كان مطلبا وطنيا مصريا، بل وعلى رأس الأماني المصرية.. وعبد الناصر كان مصريا وطنيا وقائدا وزعيما عندما اتخذ هذا القرار، الذي لا ينتقص من شأنه، الغزو الإنجلو فرنسي حتى لو انتصر الغزاة واستردوا القناة بل واحتلوا مصر، لفاز عبد الناصر بمكانة وتقدير المصريين لأحمد عرابي على الأقل فالوطنية ليست جائزة تمنح للمنتصريين وحدهم.
ولا ينتقص من قدر عبد الناصر أنه كان متأكدا من دعم الأمريكيين أو حتى كان على اتفاق معهم، فإن الزعيم الوطني مطالب التحرك في ظل مظلة دولية لصالح وطنه، تزيد احتمالات الانتصار وتقلل حجم الخسائر.
وقد دبرت عملية التأميم بأحكام، وأخفيت عن الأطراف المعنية أي الشركة والانكليز والفرنسيين ونفذت بإبداع ودون خسائر على الإطلاق وأديرت ببراعة فائقة بعكس توقعات المخرف الإنجليزي الذي جعل بريطانيا تراهن بعضها الوقت على عجز المصريين عن إدارة القناة ونلاحظ أن عملية الاستيلا على شركة القناة ومكاتبها ومعداتها وإدارتها تمت بإشراف ضباط مهندس لا من مجلس قيادة الثورة ولا من [[الضباط الأحرار البارزين ولا من الجهاز الحاكم ولأمر ما لم يعهد عبد الناصر بمهمة بهذا الحجم للقوات المسلحة تحت إشراف عامر وشمس كما سيعهد لها بعد ذلك بالأتوبيس ولا إلى كمال الدين حسين أو بغدادي أو حسن إبراهيم وإنما اختار واحدا وقعت عينه عليه بالصدفة خلال حفل افتتاح خط أنابيب البترول بين السويس ومسطرد ويوم 23 يوليو وكان اختياره موفقا وياليته عرف من هذ التجربة أن الكفاءات الحقيقية توجد أيضا خارج الصفوة المختارة.
يا ليتة اختار ضابطا بمحض الصدفة وكلفه قيادة معركة سيناء إذن لكانت النتيجة أفضل إذا يستحيل أن تكون أسوأ مما حصل.
ومرة أخرى يعزز رأينا في القرار وليس الفكرة كان ابن يومه ومفاجئا وأنه لم تتح الفرصة لدراسته دراسة كافية أنه لم يتخذ إجراءات مثل سحب جانب مهم من الأرصدة المصرية في بريطانيا وأمريكا (112 مليون جنيه استرليني في بريطانيا + 60 مليون دولار في أمريكا تم تجميدها فورا التأميم وكان يمكن إصدار الأوامر إلى أربع مدمرات مصرية بالخروج من المواني البريطانية حيث كانت وحجزتها الحكومة البريطانية بعد التأميم.
وعلى أية حال هذه تفاصيل ويمكن القول أن الحرص على المفاجأة كان يستلزم المخاطرة حتى ولو لم يكن هذا بالذي يثير شكوك الإنجليز لأن الجو كان متوترا ولم يك يخطر ببالهم فكرة التأميم.
والقضية التي سننتقل إليها الآن هي إثبات دور الكارت الأمريكي في نجاح عملية التأميم وهزيمة بريطانيا وفرنسا فقد خاضت الولايات المتحدة كما سنرى معركة ضد بريطانيا وفرنسا على جيمع المستويات وراء الكواليس وأمام منبر الأمم المتحدة وفي المؤتمرات الصحفية وفي اجتماعات حلف الأطلنطي وفي المظاهرات الانتخابية وتعاونت مع الاتحاد السوفيتي لأور مرة منذ قيام إسرائيل تعاونا مثيرا ولكن لا يجوز أن نحمل التناقض الأمريكي البريطاني وحده الفضل في النصر المصري ولا أن يكون هذا الدور الأمريكي سببا في انتقاص دور القوى المحلية الوطنية فهذه التناقضات بين الدول الكبرى هي مجرد عامل مساعد مهما كانت أهميته أما النتيجة الحاسمة والدائمة فتقررها العوامل المحلية فالتناقض العالمي لا ينصر من لا يريد أن ينتصر.
كان لابد من شجاعة عبد الناصر أو مخاطرته لاتخاذ القرار بالتأميم وكان لابد من كتمان الأمر عن الإنجليز والشركة ثم كان لابد من نجاح الإدارة المصرية في تسيير القناة في الفترة ما بين التأميم والغزو ولو حدث أن تعطلت الملاحة أو سدت القناة أو انهارت الإدارة الجديدة لضعفت الأوراق المصرية بل ولضعف موقف أمريكا.
ولو حدث أن سقطت الإسماعيلية والسويس أو ظهرت في بور سعيد ومنطقة القناة حرة عملة متعاونة مع الغزاة أو لو وقع انقلاب في القاهرة وقد كان ذلك ممكنا جدا وأعضاء مجلس الثورة يهربون أولادهم وخياراتهم ما ين ابتلاع السم أو التسليم للسفارة البريطانية لو حدث ذلك لانهار كل شيء ولأسقط في يد الأمريكان واضطروا كما كان الإنجلز يخططون لقبول الأمر الواقع أي قسمة جديدة للشرق الأوسط بشروط أفضل للإنجليز والفرنسيين والكف عن طردنا من المنطقة قبل الأوان.
ولكن الوطنية المصرية العريقة تسامت فوق أحزان ومآسي وأخطاء وتنكيلات أربع سنوات وكشفت عن معدنها الأصيل في اللحظة ولم تهتز شعرة مصرية والطائرات تضرب القاهرة والمظليون يهبطون في بور سعيد والمصريون يرون أحداثا من خارج عالمهم وغزوا تقوم به أضخم إمبراطوريتين وقوات دولتين كان اسم إحداهما يثير الرعب في آسيا وأفريقيا وإنذار منها يكفي للاستسلام.
فالاعتماد على القوى العالمية أو وضعها في الحساب ممكن بل وضروري أحيانا شرط أن يكون واضحا أن الكلمة الحاسمة هي للقوى الذاتية أو المحلية.
وبنفس القوة لا يجوز أن نزور التاريخ ونتعامى عن الحقائق مما يؤدي إلى الجهل والتجهيل ليس فقط بتاريخنا بل لحسابنا المستقبل ومن ثم فعندما يصر هيكل على أن أمريكا كانت الشريك الرابع لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل في معركة القناة وهو من هو علينا أن نتحسس رؤوسنا ونتساءل ماذا يقصد؟ وماذا يريد فعلا أن يخفي بهذا التزوير المفضوح.
أن عداء أمريكا لمصر وأضرارها بمصر أكبر وأوضح من أن يحتاج لتزوير ويكفي دورها في قلب انتصارنا الوحيد على إسرائيل في عام 1973 إلى هزيمة وأن كل مصري قتل منذ 1967 إلى كامب ديفيد قتل بدولار أمريكي وسلاح أمريكي وربما يهودي أمريكي مرخص له بالقتال في جيش إسرائيل مع الاحتفاظ بجنسيته الأمريكية وإن المواطن الأمريكي تقتطع من ضريبته أية مبالغ يتبرع بها لجيش إسرائيل الذي يقتل المصريين، ويسد طريق مستقبلهم بل ويدمر فرصتهم في هذا المستقبل.
نحن لا نحتاج إلى تزوير التاريخ إذن لنكره الاستعمار الأمريكي ولكن هيكل وأمثاله يريدون أن يخفوا حقيقة يفزعهم ظهورها وهي أن المصالح الأمريكية والروابط الأمريكية كانت موودة وملتقية ومتفقة مع السياسة الناصرية في الفترة من 1952 وربما إلى 1956 بدرجات متفاوته ومع استمرار تباعد محوري التلاقي الذي بدأ ملتحما في 1953 ووصل زروة التعانق في 1956 في معركة القناة ثم بدأ في الانفراج والتلاقي المضطرب إلى أن تمت القطيعة في 1956.
أما فريق الماركسين فهم يريدون من ناحية تغطية خطيئة تعاونهم بل فنائهم في النظام الناصري ومن ثم يزعجهم الاعتراف بأنهم حلوا تنظيماتهم استجابة لمطالب نظام بدأ مع الأمريكان كما يرون عن حق أن إبراز الدور الأمريكي في معركة القناة يقلل من أسطورة الإنذار الروسي من التأييد الحقيقي الذي قدمه الاتحاد السوفيتي لمصر والذي لم يكن ليحقق أكثر من الذكرى الطيبة لولا الموقف الأمريكي ومن ثم فهم يخفون الموقف الأمريكي لأسباب روسية.
وهكذا نرى مؤلف مسلسل ثورة 23 يوليو يتحلى بحياء العذراء الحامل وهو يحلل الموقف الأمريكي قائلا: ولكن السياسية الأمريكية لم تكن تجاري حدة الرغبة الفرنسية والإنجليزية في الوصف هكذا وربما كانت صحتها العنف العصف وفسدت من الاضطراب في نفسية الكاتب وهو يعرف أنه غير صادق مع نفسه أو عاجز عن فهم الموقف ج بجمال عبد الناصر لاقتراب موعد الانتخابات الأمريكية وحرص إيزنهاور على عدم الدخول في مناورات تعرض موقفة الانتخابي للضعف.
ما تأثير عبد الناصر في الانتخابات الأمريكية؟
بالعكس أن جميع الدراسات والتحليلات تؤكد أن أيزنهاور خاطر بتحدي قوى لها وزنها في الناخبين بتأييده عبد الناصر في معركة القناة ومعارضة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالذات وما زال يضرب به المثل، على أن أن اللوبي اليهودي ليس بالقوة الحاسمة في الانتخابات الأمريكية كما هو الشائع إذا ما وجد رئيس أمريكي قوي يتبنى مصالح أمريكا الأساسية والحقيقية تلك المصالح التي كانت تتفق تمام الاتفاق مع طرد بريطانيا وفرنسا من المنطقة في ذلك الوقت وقدر راهن أيزنهاور على أصحاب المصالح الحقيقية.
الذين كانوا مع انتزاع القناة من الاستعمار القديم كتصفية أخيرة لهذا الاستعمار في شرق البحر الأبيض وإزالة سيطرته على ممر حيوي عالمي، وممر أساسي للنفط الأمريكي.
ويظهر تهافت محاولات هيكل عندما يحاول تفسير الموقف الأمريكي بأنه كراهية شخصية بين دلاس وأيدن فيقول: كان إيدن لا يثق بدلاس، بل كان يكرهه، وكان الشعور بين الاثنين متبادلا.
ولن نقول أن سياسة الدول الكبرى لا توجهها الأمزجة الشخصية بل سنقدم الأدلة على أن دلاس بالذات كان أكثر الأمريكين قربا للموقف البريطاني، وأكثرهم تحمسا ضد عبد الناصر وأنه ما أفلت مرة من قبضة الجهاز الأمريكي إلا ولخبط السياسة الأمريكية وبتعاونه مع الإنجليز والفرنسيين.
ويعود هيكل فيعلن حيرته:
- كان موقف الولايات المتحدة الأمريكية في مناقشات مجلس الأمن باعثا على الحيرة فالولايات المتحدة كان تتبنى مواقف بريطانيا وفرنسا المعادية لمصر ولجمال عبد الناصر ولكنها كانت تحاول إفراغ المواقف من احتمال استعمار القوة المسلحة لأن ذلك قد يؤدي إلى تصادم بينها وبين الاتحاد السفويتي ثم إنه كان يسيء إليها عربيا ودوليا أن تؤيد عملة عسكرية يحركها منطق القرن التاسع عشر ويحكمها أسلوب دبلوماسية مدافع البوراج وهذا تزوير ومحاولة خبيثة لتبرئة ساحة الأمريكان من الأطماع واستعمارية القرن التاسع عشر ودبلوماسية البوارج وأي صوة أنبل للموقف الأمريكي من أنه كان منطلقا من الحرص على السلام العالمي ورفضها لدبولماسية البوارج.
والولايات المتحدة لم تتردد في المخاطرة بحرب عالمية في كوريا قبل سنوات بل وكان الشيخ المخيم على عملية التأميم هو الخوف من دبلوماسية البوارج التي استخدمتها أمريك ضد غوايتمالا حتى فقد عبد الناصر أعصابه وقال أحد زواره هل ستحدثني أنت أيضا عن غواتيمالا؟
فأحدث نموذج لدبلوماسية البوارج ومنطق القرن التاسع عشر كان النموذج الأمريكي.
الولايات المتحدة لم تكن تخشى أو تتوقع صداما مع الاتحاد السوفيتي في مصر فلم يكن المطلوب منها أن تتدخل عسكريا، حتى تتوقع مجابهة مع روسيا بل كان يكفي أن تترك الإنجليز والفرنسيين يقومون بالمهمة القذرة وما من دليل واحد على أن الاتحاد السوفيتي كان جادا في استخدام القوة ضد بريطانيا وفرنسا في معركة القناة وإنما كان الأمر كله تصعيد في المواجهة السياسية والإنذار السوفيتي إياه لم يقدم إلا عدما تأكد أن الولايات المتحدة معارضة للتحرك الأنجلو فرنسي بكل قواها بل وبعد أن نجح هذا الموقف الأمريكي في إنهاء العمليات العكسرية وهذا كلام عبد الناصر نفسه ولا ينفي هيكل وعبد الناصر في المدينة أو هكذا المفروض.
ولو كان الغزو الأنجلو فرنسي يخدم المصالح الأمريكية لما ترددت الولايات المتحدة في دفع بريطانيا وفرنسا لاستخدام القوة المسلحة ويكفيها الاستنكار أو اتخاذ موقف سلبي لشل الاتحاد السفويتي وهي لم تترد في استخدام القوة المسلحة في غواتيمالا ثم أرسلت البوارج إلى لبنان مع إنذار بتدمير مصر إذا ما تعرضت لسلامة جندي أمريكي واحد وأيدت النزول البريطاني في الأردن عندما لاح خطر الوحدة العربية الحقيقية 1958 ولم تهتم بمخاطر حرب عالمية ثالثة ولا نطق الاتحاد السوفيتي بحرف فهو يعرف جيدا متى يصمت ومتى يحلو توجيه الإنذارات ونفس الشيء في حرب 1967 والاتحاد السوفيتي يرى انهيار كل استثماراته في العالم العربي على يد إسرائيل الغازية وتحت المظلة الأمريكية فلم يحرك ساكنا.
هذا المنطق الهيكلي يهدف إلى إخفاء علاقة الناصرية بالأمريكان في هذه الفترة ويهدف أكثر إلى تبرئة ساحة الأمريكان من النزعات الاستعمارية أما التفسير الصحيح فهو أن الولايات المتحدة كانت تريد وراثة الشرق الأوسط بتصفية الاستعمار القديم وإخضاعه للاسعمار الجديد وما كانت لتسمح بعودة الاستعمار القديم وهدم كل ما حققته أمريكا في 13 سنة منذ رحلة روزفلت إلى العالم العربي وهذا ما قاله شبيلوف لمحمود فوزي الأمريكيون يريدون الحلول محل الإنجليز والفرنسيين وما قاله سلوين لويد يريدون طردنا من المنطقة قبل الأوان.
ولكن الفكر المتأمرك والمتمركس يلتقيان في نفي شبهة المصلحة الاستعمارية عن الأمريكان تحت غبار سب الولايات المتحدة واتهامها بالتآمر والخداع إلخ وفي النهاية نجدها طاهرة الذيل عارضت العدوان حماية للسلام العالمي أو لأجل كسب انتخابات الرئاسة أو رفضها الدبلوماسية البوارج ونسى الماركسي ما قاله شبيلوف ويخفي المتآمرك شهادة سلوين لويد والوثائق الأمريكية ذاتها.
نقف أولا أمام نصين من مذكرات سلوين لويد يبدو فيهما شديد البراءة أو البلاهة في محاولة مفضوحة لتسر الحقيقة فهو يعلق على خطاب عبد الناصر يوم التأميم:
- في 26 يوليو بالإسكندرية كانت بريطانيا هي الهدف الرئيسي لهجومه معه أمريكا هي التي وجهت الصفعة وهذا التركيز على بريطانيا يثبت أن الخطاب كان معدا منذ وقت طويل.
- ويمكن القول أنه كما كان التأميم مجرد تعلة للقرار البريطاني المسبق بضرب مصر وعبد الناصر فإن سحب تمويل السد العالي كان أيضا مجرد حجة بالنسبة لقرار التأميم المسبق والصدام البريطاني الناصري سابق على التأميم وسلوين لويد هو الذي قال يجب ردع عبد الناصر إذا كنا نريد بقاء نفوذ بريطانيا في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا.
فالقضة لم تكن اسهم بريطانيا في شركة قناة السويس بل الوجود البريطاني كله في الشرق الأوسط وشرق أفريقا وعبد الناصر أخرج الإنجليز من مصر والسودان وسلوين لويد قد نسب لعبد الناصر وهذا صحيح إلى حد كبير دون إغفال الحركة الوطنية الطبيعية المتصاعدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الت فجرها قرار حكومة الوفد بإلغاء المعاهدة ثم تأميم مصدق للنفط الإيراني كل متاعب بريطانيا وكل الإذلال الذي نزل بها من طرد غلوب إلى إلقاء التراب في وجه سلوي لويد، واختفائه في البحرين حتى أمكن تهريبه ليلا إلى المطار والسفير البريطاني في مصر كتب لوزير خارجيته لويد قبل التأميم يقول: في حياتي لم أقرأ سبا وإهانة لبريطانيا مثل المنشور في الصحافة المصرية خلال الشهرو الأخيرة.
وسلوين لويد هو الذي قال أن عبد النصار هو العدو الأول لبريطانيا وكل عملاء بريطانيا في المنطقة كانوا يجأرون بطلب ضرب عبد الناصر وإلا فإن سلطتهم بل حياتهم مهددت بالخطر طالما ظل رعاياهم يسمعون هذا الصوت العربي يسب بريطانيا ويهين حكومتها ويسجل عليها الانتصارات ولو بالخطب ويبقى سليما بل وتزاد مكانته ويخطب وده وهم كما يعرف رعاياهم يلعقون أحذية الإنجليز مستحيل.
ولذلك فإن قرار المواجهة كان سابقا على التأميم والمنطقة لم تكن تتسع لعبد الناصر والاستعمار البريطاني بصيغته القديمة وعملاءه من طراز نوري السعيد والمنتصر واسكندر ميرزا وعبد النصار كان يعرف أنه لا يستطيع التوقف عن تصفية الوجود البريطاني ومن ثم فلا غرابة في أن تكون بريطانيا هي المستهدفة في خطاب الإسكندرية (26/ 7/ 1956) وأن تتخذ بريطانيا على الفور قرارا بالغزو أي الوصول بالمواجهة إلى الذروة.
والنص الثاني يقول سلوين لويد فيه: الذين يقولون أن السويس كانت مزلقا في تاريخنا لأننا تصورنا أن بريطانيا تستطيع أن تتصرف عالميا بإرادتها المنفردة يخطئون فنحن لم نكن نجهل حقيقة وضعنا أما الخطأ الوحيد الذي وقعنا فيه فهو أنا لم نوقع أبدا الإجراءات اليت يمكن أن تتخذها الولايات المتحدة ضدنا فقد كنا تحت تأثير صداقتنا مع إيزنهاور خلال الحرب ونعتقد أن خلافاتنا تدور في نطاق العائلة ولا يمكن أن تصل إلى حد تحطيم الروابط العائلية فلم يخطر ببالنا أبدا أن الأمريكان يمكن ألا يقفوا في صفنا أو على الأقل يتخذون موقف الحياد الودي.
وقد يبدو زير خارجية بريطانيا هنا مغفلا وهو الذي يعرف بالانقلاب المضادة التي دبرتها بريطانيا وأمريكا ضد بعضها في سوريا وبالخلاف حول البوريمي الذي رفض الإنجلز مجرد الحديث فيه، وفي مواجهة إيزنهاور شخصيا وهو الذي أشار إلى العداء والتنافس الإمبريالي مع الأمريكان في أكثر من موضع كما ترى قد يبدو مغفلا تماما وهو يتحدث عن الخلاف العائلي ولكن الحقيقة أن السياسة البريطانية أخطأت الحسابات إذ راهنت على توريط الأمريكان أو فرض الأمر الواقع عليهم في ظل قواعد الصاع داخل عائلة حلف الأطلني أو العالم الحر كما كانوا يسمون أنفسهم والتي تقتضي عدم الضرب تحت الحزام وحفظ مظاهر التضامن بريطانيا كانت تعرف أنها تقاتل في حرب القناة، معركتها الأخيرة للبقاء في المنطقة ومنع الأمريكان من إخراجهم منها قبل الأوان والذي تجلى في زيارة روزفلت لمصر واجتماعه بالملك فاروق الملك عبد العزيز وملاحقة تشرشل له على نحو كوميدي ثم تصريح تورمان عن فتح باب الهجرة لفلسطين ثم إخراجهم نم فلسطين وسياط اليهود على مؤخرتهم وما من قوة كمانت تخرج بريطانيا من فلسطينس إلا الضغط الأمريكي ثم الضغط عليهم لقبول الجلاء عن مصر والتخلي عن السودان ال ذي كان الإنجليز لا يفكرون في قيام حكم ذاتي فيه تحت إشرافهم قبل عشرين سنة كانت بريطانيا تحلم بضرب أو وقف هذا الزحف الأمريكي بإعادة احتلال مصر ووضع الأمريكيين أمام الأمر الوزاقع فيضطرون إلى الحياد أو حتى التأييد اللفظي في انتظار جولة أخرى ولكنهم أخطأوا الحساب.
فالوضع لم يكن بالسوء الذي ظنوه بين الروس والأمريكان والولايات المتحدة لم تكن أقل مهم وعيا بأهمية الوجود البريطاني في قناة السويس أو بالأحرى مصر كما كانوا على وعي بضعف بريطانيا وفرنسا وعجزها عن اتخاذ إجراءات انتقامية ضد الولايات المتحدة أو حتى حلف الأطلنطي وقد رفض أعضاء مجلس الوزراء البريطاني حتى التعليق على اقتراح سلوين لويد بعد الهزيمة بالانتقام من أمريكا ببناء أوروبا المستقلة لهذا لم يتردد الأمريكان في العمل علنا على إفشال الغزو البريطاني ولم يهتموا حتى بشكليات العلاقة العائلية؟
وكان هذا من حسن حظ مصر والأمة العربية وعبد الناصر بالطبع.
أما من ناحة الأمريكان فهم أيضا في البداية لم يتوقعوا أن تكون ردة الفعل البريطاني بهذا الحجم أو كما يقول سلوينس لويد وفي اعتقادي أنه في 27 يوليو بداي لكثير من الأمريكيين أن التأميم مجرد صفقعة لمؤسسة استعمارية عجوز ولم يكن يعنيهم أي إجراء يحسن وضعنا مع الدول العربية أو يدعم مركز فرنسا في الجزائر وكان إيزنهاور يكن شعورا متناقضاي نحو بريطاينا بحكم روابط فترة الحرب، ومن ناحية أخرى تسيطر عليه كراهية عميقة متأصلة لسجلنا الاستعماري.
ورغم مرور ربع قرن فإن لوطني المصري يحس برعشة اللذة وسليون لويد يبكي يقول:
- سجل موفي روبرت وهو أكثر دبلوماسية أمريكي استقامة واعتدالا واتزانا تعاملت معه في كتابه المناقشات التي دارت في واشنطن يوم الجمعة 27 يوليو بعد خطاب عبد الناصر التأميمي ج فقال أن دلاس كان في بيروت فاجتمع إيزنهاور وهربرت هوفر الابن وكيل وزارة الخارجية ومورفي اجتمعوا لبحث ما حدث وقد كتب مورفي في أن أيزنهاور لم يكن مهتما كثيرا ولم يفكر أحد في أن الأمر يحتاج استدعاء دلاس فالشرق الأوسط لم يكن يعتبر ذا أهمية أولوية للولايات المتحدة (؟؟ج) الاستثمارات الأمريكية في شركة قناة السويس لا تذكر بل كان بوسعي أن أسمع هوفر يقول ذلك وتقرر أن يذهب مورفي إلى لندن ليرى ما هذه الضجة وعلاا وليسيطر على الوضع.
وهكذا بعد ستة أشهر من حواري مع دلاس حول ناصر والخطر في الشرق الأوسط فإن هذه اللامبالاة من جانب إيزنهاور كانت كافية لدفع المرء للبكاء.
سلامة قلبك يا خواجه لويد ... السياسة هكذا.. قطع قلبه الأمريكان.
وهذا الذي يسميه سلوين لويد لا مبالاة أمريكية بالشرق الأوسط يطرح له مورفي تفسيرا آخر ذكره في كتابه دبلوماسي بين محاربين عندما قال: كان إيزنهاور مصمما على ألا تستخدم الولايات المتحدة كمخلب قط لحماية امتيازات بريطانيا النفطية ويعلق سلوين لويد على هذه الفقرة بقوله: وكان هذا هو الموقف الذي حز في نفوسنا.
ويعود فيقول أنه رغم جهوده في توضيح خطورة عبد الناصر الذي إذا لم يردع فإن يستطيع أن ينزل الدمار بمصالح الغرب إلا أن أيزنهاور وقتها كان متأثرا بمشاعره المعادية للاستعمار وبتحيز هوفر ضد الامتيازات البريطانية – الفرنسية في الشرق الأوسط .
وقد اجتمع حلف الأطلنطي وحرصت الولايات المتحدة على عدم الاشتراك فيه على مستوى وزير الخارجية بل أرسلت موظفين عاديين يقول سلوين لويد إنهم لم يتحدثوا ولا علقوا واستطاعت بريطانيا وفرنسا انتزاع قرار من حلف الأطلنطي بعدم دفع الرسوم لمصر والتزم بالقرار بريطانيا وفرنسا وهما من الأصل يدفعان خارج مصر وهولندا والنرويج وألمانيا ولكن أمريكا نسفت القرار فقد رفضت تنفيذه أو الالتزام به وأعلن دلاس أن قناة السويس لا تحتل مركزا رئيسيا من اهتمام الولايات المتحدة .
وكان هذا بالطبع أو تأييد علني لعبد الناصر ففيه اعترف بالتأميم، وفيه تتفيه للهستيريا الأنجلو
فرنسية التي كانت تصرخ بأن هتلر مصر وضع أصبع على القصبة الهوائية للغرب إلخ فجاء دلاس يعلن أن أمريكا غير مهتمة بالموضوع بل وسمحت الحكومة الأمريكية لرعاياها بالمل كمرشدين في قناة السويس المؤممة بعدما أمرت الشركة الاستعمارية مرشديها بالانسحاب بأمل تعطيل القناة، وكانت مشكلة المرشدين تصور وقتها وكأنها جوهر المعركة وأنها تحتاج لخبرات هائلة يستحيل توفيرها وهو تصور ثبت أنه مبالغ فيه ولكنه جعل مص تطلب من كل أصدقائها إمدادها بالمرشدين، فجاءوا من روسيا ويوغوسلافيا واليونان وأمريكا وعمل المرشدون السوفيت والأمريكان جنبا إلى جنب وهو تعاون لم يشهد العالم له مثيلا إلا عند قيام دولة إسرائيل ومكافحة شلل الأطفال وستتسع دائرة هذا التعاون في الأمم المتحدة والإنذار لحسم مستقبل الشرق الأوسط، وضعه تحت هيمنة العملاقين حقا لا تاريخيا
وقد تجلت لامبالاة الأمريكان في دعوتهم لدفع الرسوم لمصر وردا على هذه اللامبالاة أتخذ الإنجليز تكتيك تخويف الأمريكان وإقناعهم بأنهم جادون في استخدام القوة لإجبارهم على الدعم أو الضغط على عبد الناصر ولما تأكد الأمريكان أن الإنجليز والفرنسيين مصممون على اللجوء إلى السلاح اتبعوا معهم تكتيك كسب الوقت على قناعة بأنه كلما مر الوقت واتكشف العالم أن القناة تعمل كما كانت بالنسبة لدورها كممر عالمي وشريان النفط والتجارة لغرب أوروبا مع الدعاية الأمريكية والروسية والانقسامات الحزبية داخل فرنسا وبريطانيا فإن مبررات استخدام القوة ستتناقص وكذلك التأييد لها من قبل الأمن العام الأوروبي.
وهذا ما يفسر تاكتيكات الطرفين في الفترة من التأميم إلى مجلس الأمن مع حرص الأمريكان على تقوية المعارضة لقرار استخدام القوة بالتأكيد على انفصال الموقف الأمريكي وتناقضه مع الموقف البريطاني الفرنسي وأيضا الحرص على دعم موقف عبد الناصر ضد أي ضغوط بريطانية فرنسية.
في لندن أبلغهم مورفي أن الرأي العام الأمريكي غير مستعد لقبول فكرة استخدام القوة وأنه يعتقد أن السفن الأمريكية يجب أن تدفع الرسوم لمصر فهي رهينة.
وينفي سلوين لويد ما يقال عن نجاح مورفي في كبح جماحنا وهو يغالط فهو لم ينجح في منعهم ولكن آخر الإجراء عندما نقل إلى إيزنهاور الجو المحموم في لندن، والحديث عن الحرب وعندها تقرر أن يرسل دلاس إلى لندن فورا وشعر الإنجليز بالرضا عن النفس لأ،هم نجحوا في تخويف الأمريكان وإثارة اهتمامهم وسجل ماكميلان في يومياته يوم 31 يوليو 1956 يبدو أننا نجحنا من خلال إفزاع مورفي الذي لابد أنه رفع تقريره بالروح التي أردناها لأن فوستر دلاس قادم الآن على عجل وهذا تطور مهم جدا وبعدما قابل ماكيلان دلاس كتب في يوميات أول أغسطس 1956 يقول يجب أن نبقي الأمريكان خائفين يجب ألا نترك لديهم أي وهم وعندما سيساعدوننا في الحصول على ما نريد دون حاجة لاستخدام القوة .
موقف إلقاء ماء بارد على الأزمة الذي لجأ إليه الأمريكان في البداية لم ينجح وأيضا لم ينجح الإنجليز في إرهاب أو إخضاع الأمريكان وأن نجحوا في إثارة قلقهم ودفعهم إلى تغيير خطتهم فأرسلوا دلاس نفسه وبخطة واضحة هي المماطلة وكسب الوقت، ومنع الحلفاء من التصرف أو اللجوء إلى الحل الوحيد الذي يعيد لهم ما فقدوه في الشرق الأوسط وهو دبلوماسية البوارج.
وهذا ما سجله سلوين لويد نفسه بعد عشرين سنة عندما قال: كان اضحا أن دلاس يلعب لكسب الوقت.
طار دلاس إلى لندن يوم 31 يوليو وحضر في اليوم التالي إلى وزارة الخارجية البريطانية وسلم رسالة لإيدن من إيزنهاور اعترف فيها أنه قد يكون من الضروري استخدام القوة لحماية الحقوق الدولية ولكنه يأمل أن يتمكن مؤتمر الدول الموقعة لاتفاقية 1888 والدول البحرية الأخرى من تحقيق الضغط المطلوب على المصريين من أجل ضمان كفاءة تشغيل القناة في المستقبل وأكد على خطأ الإصرار على استخدام القوة في الوقت الحاضر أما إذا تدهور الوضع إلى الحد الذي يتحتم فيه استخدام القوة فسيلزم دعوة الكونغرس قبل استخدام القوات الأمريكية العسكرية على أن يقتنع الكونغرس بأن كل الوسائل السلمية لحل الصعوبات قد استنفدت وأضاف أنه فهم من الرسائل التي أرسلها له إيدن وماكميلان أن قرار باستخدام القوة قد أقر بالفعل من جانب الحكومة البريطانية وأنه لا نهائي ولا رجعة فيه ولكنه إيزنهاور يأمل إعادة النظر فيه ولذلك أرسل دلاس إلى لندن.
ويضيف سلوين لويد لم أصدق أن دلاس فكر لحظة واحدة أننا سنستخدم القوة في الحال ولذلك كان تناوله للموضوع معقولا، فقد قال أنه لابد أن يطفح عبد الناصر القناة التي ابتلعها وأنه لا يعقل أن تخضع القناة لسياسة دولة واحدة بدون رقابة دولية ولابد من اكتشاف وسيلة لإجبار عبد الناصر على تسليم القناة ولكن القوة يجب أن تكون آخر وسيلة وإن كانت الولايات المتحدة لا تستبعدها إذا ما استفدت كل الوسائل الأخرى ولكن لما انتقلنا إلى مناقشة التفاصيل كان واضحا أنه يلعب على كسب الوقت فقد كان يعتقد أن المؤتمر سيحتاج لثلاثة أسابيع للإعداد له ولم يكن يتصور أنه يجب أن ينعقد في لندن أو باريس أو واشنطن وكان متشككا في جدوى إصدار بيان ثلاثي عقب محادثاتنا هذه أما عن عضوية المؤتمر فكان مصمما على دعوة الدول الموقعة على اتفاقية 1888 إلى جانب آخرين.
جاء دلاس لكسب الوقت والمماطلة وهذا يتطلب بالطبع بعض التأييد اللفظي وإن كان قد قاوم إلى آخر لحظة إعلان ذلك في بيان ثلاثي وكانت اللعبة التي جاء بها هي اقتراح مؤتمر لندن بأمل أن يستغرق الإعداد له والخلاف حول المقر، والدول المشتركة وبرنامج العمل ورئاسة المؤتمر ثم الخطب بداخله ما يكفي من الوقت لتبريد الانفعال البريطاني كذلك دق دلاس أو الدبلوماسية الأمريكية إسفينا ممتازا في المؤتمر بالإصرار على دعوة الدول الموقعة لاتفاقية 1888 وهذا يعني كما فهم الإنجليز دعوة روسيا التي وقعت هذه الاتفاقية عام 1888 بينما كان الإنجليز يريدون المؤتمر إذا كان ولابد من مؤتمر قاصر على الدول الغربية أو الدول التي تعتمد أساسا على القناة وهذا يستبعد روسيا المؤيدة لعبد الناصر وهذا الإصرار الأمريكي على تمثيل روسيا في مؤتمر لندن مؤشر مهم لفهم دبلوماسية المرحلة لمن أراد أن يفهم.
وإن كان دلاس قد سقهم من طرف اللسان حلاوة بالحديث عن تطفيح عبد الناصر القناة والبحث عن أسلوب يرغمه على إرجاعها لهم إلا أن رسالة إيزنهاور المكتوبة كانت واضحة.
- 1- الرجوع عن قرار استخدا القوة.
- 2- هدف المؤتمر والضغوط على المصريين هو ضمان كفاءة تشغيل القناة لا إلغاء التأميم ولا تطفيح عبد الناصر القناة ولا إرجاعها لهم.
- ونجحت الخطة الأمريكية وبدأ الإعداد للمؤتمر ولكن الدبلوماسية البريطانية نجحت في تخفيض الوقت الضائع، بل والخروج من المؤتمر بنتائج أفضل بكثير مما توقع الأمريكان لهم..
وقد لخص سلوين لويد الانطباع البريطاني حول مؤتمر لندن أو قناعتهم بأنهم كسبوا الجولة ضد الأمريكان بقوله:
بعد انتهاء مؤتمر لندن جاءني دبلوماسي صديق من دول الكومنولث وسألني لماذا تركتم زمام القيادة للأمريكان ففتحت عيناي وهمست لنفسي بالمثل القائل: art est Celar artem أي الفن الحقيقي هو الذي يظهر الفن فيه فالحقائق كانت كالتالي:
1- المؤتمر عقد في لندن وهو ما كنا نريده ولا يريده الأمريكيون .
2- توليت رئاسة المؤتمر وهو ما كنا نريده ولا يريده الأمريكان.
3- دفعنا دلاس إلى عرض القرار الثلاثي وهو آخر ما كان يفكر فيه قبل عشرة أيام.
4- وكانت نتيجة المؤتمر قرارا مرضيا تماما لنا، وبأغلبية 18 صوتا من اثنين وعشرين وهذه النتيجة جاءة بفضل جهد كبير في الأعداد والمعالجة الحذرة للوفود عملت الدبلوماسية البريطانية والمخابرات البريطانية والضغوط في العواصم المعنية والرشوة عملها وأيضا غموض الموقف الأمريكي أو على العكس ظهور الوفد الأمريكي في مظهر المؤيد الإنجليزي .
انتهى المؤتمر في 23 أغسطس 1956 بما يمكن وصفه حقا بانتصار بريطاني فرنسي بقرار ضد مصر في شكل إنذا تبلغه لجنة دولية تتكلم باسم 18 دولة من اثنين وعشرين وسواء قلنا أن دلاس قد سايرهم كسبا للوقت فالقرار على أية حال كان للتفاوض وليس بالحرب أو أن الدبلوماسية البريطانية استطاعت تطويقه وزحلقته خطوات أكثر مما تقتضيه لعبة كسب الوق. فإن الإدارة الأمريكية سرعان ما أصلحت الموقف ونسفت كل نتائج مؤتمر لندن.
اندفع لويد يضاعف كمية الصابون تحت قدم دلاس فأبرق إليه يشكره على معالجته الأستاذية لقضيتنا في مؤتمر لندن، وأضاف تحت قيادتك اعتقد أننا سنحرز المزيد م النجاج.
كان نجاح بعثة منزيس يتوقف على قناعة عبد الناصر بحقيقتين: أن بريطانيا وفرنسا مصممتان على استخدام القوة وأن الولايات المتحدة لا تعارض ذلك وهذا هو عين ما حرصت الولايات المتحدة على نفيه علنا.
وإليك القصة كما يرويها سلوين لويد:اجتمع منزيس بعبد الناصر في 3 سبتمبر 1956 وفي اليوم الثاني في مساء 4 سبتمبر قدم له منزيس الموضوع باسم اللجنة واستمع إليه عبد الناصر وكان منزيس قد قأ في الصحف أن عبد الناصر أبلغ قياداته العسكرية أن الحشود الإنجليزية والفرنسية هي مجرد فادحا لو استبعد إمكانية العمل العسكري ورد عبد الناصر أنه لا يعتبر هذا تهديدا من منزيس وأنه سيضعه في اعتباره وفي صباح اليوم التالي كانت الصحف تحمل العناوين المثيرة فقد سئل إيزنهاور في المؤتمر الصحف عن إمكانية استخدام القوة فرفض ذلك بتاتا وبلا قيد ولا شرط أي لا حل أول ولا حل أخير ج) وسئل ماذا يحدث إذا رفض ناصر مقترحات أخرى وقال نحن ملتزمون بحل سلمي للنزاع ولا شيء أخر وهذا بالطبع دمر أية فرصة كان يمكن أن تتاح لنجاح مهمة منزيس.
نجح منزيس في إقناع عبد الناصر أن الإنجليز والفرنسيين سيستخدمون القوة ضده وأنه يخاطر بكل شيء إذا لم يقبل مقترحات لجنة ال18 ووعد عبد الناصر بالتفكير والرد.
وعبد الناصر لا يخشى إلا استخدام القوة إذ أن أي وسيلة أخرى لن ترغم مصر على تسليم القناة أو إلغاء التأميم أو الانتقاص من فعاليته وهنا وقبل أن يتسع الوقت لعبد الناصر للتفكير يهرع إيزنهاور إلى مؤتمر صحفي علن يبلغ فيه عبد الناصر بل يلتزم فيه أمام العالم أجمع برفض استخدام القوة مهما حدث وبالذات إذا رفض عبد الناصر مقترحات منزيس.
والفعل رفض عبد الناصر مقترحات 18 دولة في 9 سبتمبر واقترح تشكيل هيئة مفاوضات لا يمكن للمؤرخ حسن النية، أن يستبعد هذا العنصر في إفشال مهمة لجنة منزيس وفشل مؤتمر لندن وسقوط المرحلة الأولى من المخطط الأنجلو فرنسي وتسمية أمريكا الشريك الرابع في حرب السويس وأنه كان تقسيم أدوار أو خوف من حرب عالمية ثالثة أو لحماية السمعة الطيبة لأمريكا غير الاستعمارية وغير بذلك من حجج العملاء الذين يمارسون لعبة ساذجة هي مدح أمريكا في صيغة الذم.
أنه صراع لصوص ولما اختلف اللصان فازت مصر بالقناة ولا شيء آخر.
بل تأمل كلمة مندوب الولايات المتحدة في لجنة منزيس أمام عبد الناصر كما أوردها هيكل:
- ايد أن أوضح أن أمريكا ليست دولة استعمارية وهذه هي سياستنا المعلنة منذ مدة ولن نقبل الاشتراك في أية خطة استعمارية وإني متأكد أنه لو شعرت الحكومة الأمريكية أن هذا الحل الغرض منه فرض حل معين على مصر لما اشتركت في هذه اللجنة وكل ما في الأمر أننا نريد حلال سلميا بالمفاوضة يتمشى مع السيادة المصرية.
- ولو راجعت كلما مندوب روسيا أثيوبيا وإيران لوجدت مندوب أمريكا أكثر ثورة بل لو كان هذا النص منسوبا لمندوب روسيا لما ظهر فيه كبير اختلاف فهو يصنف بريطانيا وفرنسا كدول استعمارية ويبرئ أمريكا من هذا الدنس ويشير إلى خطط استعمارية وهي التي تحاول فرض حل معين على مصر ويعلن أنه يبحث عن حل سلمي يتمشى مع سيادة مصر ولا يشير إلى حقوق أو ادعاءات أي طرف أخر حتى تحفظ حرية الملحة الذي أورده مندوب أثيوبيا لم يتمسك به المندوب الأمريكي ولا طرحه ويقول لويد مر أخرى والمرارة في فمه أن إيزنهاور بعث رسالة إلى إيدن يوم 2 سبتمبر 1956 يقول له فيها: يجب ألا يتخذ أي إجراء عسكري قبل استنفاد جهود الأمم المتحدة فالرأي العم الأمريكي يرفض بلا مناقشة فكرة استخدام القوة وخاصة عندما يبدو أننا لم نستنفذ كل الوسائل السلمية التي يمكنها أن تحم مصالحنا الحيوية إن استخدام القوة العسكرية ضد مصر الآن قد يترتب عليه نتائج أكثر خطورة من مجرد تجميع العرب حول ناصر ويضيف سلوين لويد بأن إيزنهاور كانت لديه الجرأة أو أن شئت القوة وذلك قبل 24 ساعة من وصول منزييس إلى القاهرة ليقدم لعبد الناصر أو مقترحات منذ التأميمي ولكن إيزنهاور رغم كل ما قاله في رسالة لإيدن يقدم على عقد مؤتمر صحفي علني يعلن فيه رفض استخدام القوة إطلاقا وهذا التصريح دفع عبد الناصر إلى رفض دراسة المقترحات وكذا إشارته إلى هيئة المنتفعين والأمم المتحدة إذ بعد أيام قليلة بدأ دلاس يؤخر الحديث عن مجلس الأمن، ويتراجع عن أي دعم سبق تقديمه لهيئة المنتفعين.
كما تسلم لويد رسالة دلاس قال لها فيها أن الرأي العام العالمي سيتأثر لغير صالحنا بالأنباء التي أصبحت شائعة عن استعدادات عسكرة بريطانية فرنسية وخطط لإجلاء الرعايا.
رفض إيزنهاور أن يدعم خطاب دلاس في مؤتمر لندن ورفض أن يبل أي جهد لاتهام ناصر بأنه يسعى للمتاعب بل خفف عنه الضغط في أحرج لحظة لحظة تقديم إنذار ال18 دولة.
لو أن مسؤلا أمريكيا بارزا أو اثنين تحدثا لعبد الناصر خلال وجود منزيس في القاهرة لكان ذلك كافيا لنجاحنا ولكنهم ضللونا بمشروع جمعية المنتفعين وخانونا كما أكد مورفي في كتابه.
أما مشروع هيئة المنتفعين فقصته أنه بعد أن أفشلت أمريكا نتائج مؤتمر لندن ومهمة لجنة منزيس وأنذرت وحذرت من اللجوء للقوة تقدمت بمشروع جديد لكسب الوقت وهو جمعية المنتفعين أي تشكيل جمعية من الحكومات المنتفعة بالقناة، تتولى إدارة القناة وتحصيل الرسوم وهو الاقتراح الذي قيل أن دلاس خرج به من خلوته في جزيرة ديوك وورد في رسالة إيزنهارو وقال دلاس على رواية لويد أن الجمعية ستحصل الرسوم وهكذا لا يستفيد ناصر من القناة بل يرى المال يتسرب من يديه وهو يغني يا رب هل يرضيك هذا الظما؟ ج وبصرف النظر عن تشويه لويد لفكرة دلاس أو اقتراحه إلا أنه على حق عندما يقول أنه كان مجرد كسب للوقت.
قال لويد كنت على استعداد لقبول هذا الاقتراح على شرط أن نتأكد أولا أن دلاس لا يجرجرنا من اقتراح إلى اقتراح حتى يصبح من غير الممكن شن عملية عسكرية.
أن الدافع لدلاس لتقديم مشروع جميعية المنتفعين هو ما وضحه مورفي في كتابه صفحة 467 وهو أن دلاس كان يعمل في ظل تعليمات صارمة بمنع التدخل العسكري ومن ثم كان عليه أن يبتكر مشروعا يؤخرنا وبالذات عن التوجه لمجلس الأمن في 11 سبتمبر أبلغ أيدن مجلس الوزراء البريطاني أن عبد النصار رفض المقترحات جملة وتفصيلا وأن أمريكا تعارض بشدة استخدام القوة كما تعارض اللجوء إلى مجلس الأمن ولذلك لم يبق إلا تجربة جمعية المنتفعين ولكن نقطة الضعف في مشروزع الجمعية أنها قد تكون ببساطة مجرد خدعة من دلاس للتأخير.
وقبلت بريطانيا مكرهة مجاراة خدعة دلاس في جمعية المنتفعين ولكن بتفسيرها وهو أن الجمعية ستحصل كل الرسوم وذلك وحده يدفع عبد الناصر إلى رفضها والشرط الثاني أنها أي الجمعية ستستخدم القوة في فرض فكرتها وهي الاستيلاء على القناة وإدارتها وشق طريقها في القناة رغم إرادة مصر ودون دفع رسوم لمصر.
ولكن دلاس تراجع ورفض هذا التفسير وأبلغ لويد أنه يرى أن تدفع جمعية المنتفعين تسعين بالمائة من الرسوم لعبد الناصر ولم تكن مصر في هذا الوقت وبعد التأميم تحصل أكثر من 35 % بل وأعلن أن جمعية المنتفعين هذه ولدت وستبقى بلا أسنان وأن السفن الأمريكية لن تشق طريقها بالقوة بل ستطوف حول رأس الرجاء الصالح إذا ما سدت مصر القناة في وجهها ولذا اقترح هيوجيتسكل ساخرا أن تسمى هيئة المنتفعين برأس الرجاء الصالح.
يقول لويد إن المأساة التي لعبت دورا في إحباط المرحلة التالية كانت في تصديقنا أن دلاس يتصرف عن حسن نية باقتراح جمعية المنتفعين وليس أنه مجرد طبخ حصي لتعطيلنا وهو كذاب لأنه لم يصدق دلاس لحظة واحدة وإ،ما تخادع له واستمر الحشد العسكري.
أن يقترح دلاس تقسيم الرسوم بنسبة تسعين بالمائة لناصر الأمر الذي سيجعل ناصر يضحك على الدول الغربية ويدعي عن حق أنه حقق نصرا كاملا جعلني شديد التشاؤم من المستقبل إذ فيما يختص بموضوع الضغط على ناصر كانت الولايات المتحدة هي الحلقة المسكورة رغم كلمات دلاس الشجاعة في مارس عن إسقاط عبد الناصر في ستة شهور وتطفيحه القناة على حد قوله في أغسطس.
لقد خلصا إيزنهاور ودلاس ناصرا من أي قلق من إمكانية اتخاذ الولايات المتحدة موقفا قويا ضده وأصبح بوسعه أن يلعب آمنا على التناقض الروسي الأمريكي.
وظهر عبد الناصر على التليفزيون الأمريكي وبشر دلاس صديقه سلوين لويد أن عبد الناصر قد ترك أثرا طيبا
ربما قالها له وهو يخرج لسانه
نجح تكتيك جمعية المنتفعين في تأجيل ذهاب الإنجليز والفرنسيين لمجلس الأمن وهو الخطوة قبل الغزو مباشرة في مخطط الدبلوماسيةس الانجلو فرنسية كنا نهدف إلى التوجه لمجلس الأمن في بداية الشهر سبتمبر ولكن اضطررنا للتأجيل بسبب اقتراح هيئة المنتفعين فقد حاولنا أن نلعب بإنصاف مع دلاس وكان دلاس قد وافقهم على اللجوء إلى مجلس الأمن إذا ما رفض عبد الناصر مقترحات لجنة منزيس بشرطين: ألا يعني ذلك التزام الولايات المتحدة باستخدام القوة وأن يكون الذهاب لمجلس الأمن بنية شريفة للوصلو إلى حل.
وهذا يقول عنه الفقهاء تعليق الشرط بمستحيل فأني لمثل أيدن وسلوين لوي وموليه بالنية الشريفة؟
ولكن بعد تقديم اقتراح جمعية المنتفعين عارض دلاس بقوة في التوجه لمجلس الأمن حتى يحسم أمر جمعية المنتفعين التي كانت قد بدأت اجتماعاتها يوم 19 سبتمبر في لندن وحضره 13 وزير خارجية من 18 دولة اجتمعت بل وأرسلت كل من نيوزيلندا واستراليا رئيس وزراء سابق ويعلق سلوين لويد بخبث أصحابنا كانوا يأخذون الأمر على محمل الجد.
ولكن بريطانيا وفرنسا كانتا تعلمان باللعبة الأمريكية وقررتا أن الوقت قد حان للتصرف المنفرد وإن ذدمتيها قد أبرئت فتوجها إلى مجلس الأمن يوم 23 سبتمبر 1956 وردت مصر في اليوم التالي بتقديم شكوى هي الأخرى حول الإجراءات العدوانية
وقابل مكميلات إيزنهاور لاستمزاج رأيه في خطوة الذهاب إلى مجلس الأمن فحدثه إيزنهاور في كل شيء ولكنه لم يشر بحرف إلى قرار التوجه لمجلس الأمن وإذا كان إيزنهاور قد تعفف عن الحديث في هذا الفعل الفاضح فإن دلاس كال الصاع صاعين لمكميلان لقد توجهتم إلى مجلس الأمن دون مشاورة معي وأنا أحس أنني عوملت بشكل سيء وأننا لن نجني إلا المتاعب في نيويورك الأمم المتحدة وأننا نسعى إلى كارثة وكان يتحدث على حد تعبير ماكميلان كمن يحذرنا من دخول بيت للدعارة ويكمل سلوين لويد كان من الصعب أن نصدق أن دلاس صادق مع نفسه فهو الذي قال يوم 13 سبتمبر في برنامج تليفزيوني أننا يجب أن نحصل على برنامج من الأمم المتحدة وتحدث معي بالتفصيل حول هذا الأمر أن دلاس لا يمكن أن يثير هذا الغبار، إلا لأني مورفي كان صادقا عندما قال أن دلاس كان يتصرف تحت تعليمات صريحة من إيزنهاور بمنع التوجه لمجلس الأمن كانت قناعته هي خطأ هذا التوجيه ولكنه شعر بضرورة الالتزام به.
ونظرة إيزنهاور كانت أصدق لعدة عوامل منها أن مجلس الأمن كان آخر إجراء في تبرئة ذمة الإنجليز والفرنسيين قبل استخدام القوة ولذلك كان يريد منعهم من اجتياز هذه العقبة حتى يستمر في تسليتهم بمشروعات جديدة من طراز جمعيةي المنتفعين .
- • لأن إيزنهاور كان يعلم أن طرح النزاع في مجلس الأمن سيعطي الاتحاد السوفيتي الفرصة لتقديم الدعم الذي يتقنه والذي غذى عليه العرب منذ ذلك التاريخ وهو الدعم الأدبي بالتصويت والخطب في الأمم المتحدة وهي دعاية للروس في ظروفهم الحرجة وقتها المجر أمريكا في غنى عنها.
- • أن إيزنهاور كان يدرك موقف الولايات المتحدة في مجلس الأمن وأنه سيكون على غير هوى بريطانيا وفرنسا وهو لا يريد أن يعمق الجراح وهو يخوض حربا محدودة ضد بريطانيا وفرنسا وليس عداوة أبدة شاملة ويدبر مصالحتها بعد انتزاع اللقمة من فمهما.
- ولكن بريطانيا أرادت أيضا توريط أمريكا، ورفضت هذه التورط فصوتت على إدراج الشكوتين المصرية والانجلو فرنسية، الأول بسبع أصوات ضد لا أحد والثانية ب 11 صوتا ضد لا أحد
تحديد يوم 5 أكتوبر للنظر في الشكوتين
يوم 2 أكتوبر عقد دلاس مؤتمرا صحفيا أعلن فيه عن وجود خلاف حاد بين أمريكا وحلفاءها الأوريين حول السويس: إن الولايات المتحدة لا يمكن أن ينتظر منها أن تربط نفسها مائة في المائة لا مع القوى الاستعمارية ولا مع القوى التي تهتم فقط بالحصول على الاستقلال بأسرع وأكمل ما يمكن.
ولا أظن أنه يوجد تعريف يمكن أن يطوب ويثني على السلطة المصرية في خطوة التأميم مثل وصفها بقوة تسعى لتحقيق الاستقلال بأسرع وأكمل صورة في مواجهة القوى الاستعمارية.
فلا مصر معتدية ولا ناصر هتلر، ولا القناة سرقت على طريقة علي بابا كما قلا الاشتراكي النصاب أنورين بيفان بل خطوة نحو استكمال الاستقلال أو انتزاعه من القوة الاستعمارية وأن كانت تشويها بعض الأنانية أو اللامبالاة بالنتائج الأخرى أو التسرع.
وقال بينما تتفق مواقف فرنسا وبريطانيا وأمريكا حول حلف الأطلنطي فإن أية قضية تمس في جوهرها أو مسلكيتها بشكل ما يسمى بالاستعمار ستجد الولايات المحدة نفسها تلعب دورا مستقلا نوعا ما.
وهو بهذا قد صنف مشكلة القناة بأنها مشكلة استعمارية وليست حقوق أو التزامات دولية
ثم تحدث عن هيئة المنتفعين فقال أن البعض يتحدث عن عملية خلع أسنان المشروع والحقيقة أنه لم تكن له أسنان أصلا في حدود معلوماتي.
وفي اليوم التالي وبعد أن شتم بريطانياي في زفة المؤتمر الصحفي استدعى السفير البريطاني ليصالحه في عطفه وزارة الخارجية وقال له أنه غير سعيد بالمؤتمر الصحفي وأن ملاحظاته قد ربطت دون أن يدري بين السويس والمسألة الاستعمارية وأن النص قد وزع على الصحافة قبل أن يقرأه وهذا حد من حريته ورد السفير البريطاني متذرعا بكل البرود الإنجليزي إن هذه المؤتمرات الصحفية خطيرة جدا، ووافقه دلاس ولكنه أضاف أن هذه هي المرة الأولى التي ارتكب فيها مثل هذا الخطأ الفاحش.
يوم 5 أكتوبر وقبل ساعات من انعقاد مجلس الأمن وحاول لويد وبينو إثارة نخوة دلاس الذي أخبرهما أن الرئيس إيزنهاور ضد الحرب وأن هذا الموقف ليس له علاقة بالانتخابات فشرح له لويد أخطار عبد الناصر الذي يتآمر عى قتل الملك إدريس في ليبيا وحتى الملك سعود وجه له تهديدا ونوري ثابت في العراق ولكن السخط ينتشر بين صغار الضباط العراقين بتحريض عبد الناصر والأردن تم التغلغل فيه سوريا عمليا تحت حكم عبد الناصر الذي يساعد أيضا منظمة أيوكا في قبرص وأكمل بينو فشرح الوضع في شمال أفريقيا.
ولكن دلاس كرر اعتراضه على استخدام القوة في الوقت الحالي، وإن وافق على إبقاءها كأح الخيارات.
ولكن في اليوم التالي فوجئوا بالصحف الأمريكية طافحة بأنباء الخلافات بين أمريكا من جانب وبريطانيا وفرنسا من جانب آخر وقال سلوين لويد: وقد علمت أن هذه الأخبار سربت من الوفد الأمريكي في الأمم المتحدة وأضيف أن دلاس أخبر المحيطين به من الصحفيين أن على بريطانيا أن تقبل المشروع الهندي وقابلت دلاس يوم الأحد وطلبت منه أن يحدد بالضبط أين نحن؟ وكان واضحا من لهجتي أن صبي قد نفذ فأنكر أنه تحدث عن المشروع الهندي واعتذر ووعد بضبط سلوك الوفد الأمريكي وأنه لا صحة لوجود خلافات وأنه يؤيد استعداداتنا العسكرية وأنه نفسه لا يستبعد استخدام القوة في مرحلة أخيرة.
وقد شهد سلوين لويد بأن دلاس كان يقول لهم عكس ما يفعل فلا حاجة لإجهاد أنفسنا لتفسير ما يبدو وكأنه تناقض.
تمخضت اجتماعات الأمم المتحدة عن مشروع المبادئ الستة المشهور وقد قبله الطرفان بنية عدم تنفيذ المعتدون على أساس أن الخطة التي وضعوها مع إسرائيل ستضع العالم أمام وضع جديد ويكفيهم أنهم قبلوا الحل السلمي وإنما جد ظرف لم يكن في الحسبان بهجوم إسرائيل ومصر قبلتها للمطاولة والمناجزة والأخذ والعطاء على أساس الاستراتيجية القائلة أن كل يوم يمر من فرص العدوان وإمكانيات نجاحه ولكن أمريكا التي كانت على يقين من الاستعدادات العسكرية لم تشأ أن تترك الأمر للظروف بل حرصت على توريط حلفاءها بإعلان أن قبولهم مشروع المبادئ الستة وقبول مصر له حل الأزمة وبالتالي سقط أي حق لهم في استخدام القوة وهو ما كان الإنجليز على حذر منه ولذلك يقول سلوين لويد وأعلن همرشولد الاتفاق على ستة مبادئ وقد حذرت المجلس مجلس الأمن ج من الانجراف في التفاؤل وقلت أنه لا تزال هناك ثغرات واسعة بين مصر وبيننا وفي هذه للحظة بالذات اختار إيزنهاور مرة أخرى أن يسحب البساط من تحت أقدامنا فبعد أن أخبر همرشوله المجلس بالمبادئ الستة أعلن إيزنهاور في مؤتمر صحفي ما يلي:
إن عندي اليوم ما أعلنه عندي أفضل خبر يمكن أن أعلنه لأمريكا اليوم وهو التقدم الذي أحرز في تسوة خلاف السويس فبعد ظهر اليوم ومن الأمم المتحدة اجتمعت مصر وبريطاينا وفرنسا من خلال وزراء خارجيتهم ووافقوا على مبادئ للمفاوضات وكل الأمور تدل على أننا تخطينا أزمة خطيرة جدا وأنا لا أيد أن أقول أننا قد خرجنا من الغابة تماما ولكن تحدثت مع وزير الخارجية قبل أن أتي إلى هنا واستطيع أن أقول لكم أن قلبه ورأسه عامران بصلاة ال شكر وجن جنون سلوين لويد الذي فهم المقلب والذ كان رأسه وقلبه عامران بالمكر والكفر فوصف تصريح رئيس الولايات المتحدة بأنه تصريح أهبل يقول وقد احتججت بشدة لدي دلاس واعتقد أنه هو نفسه أخذ وراح يغمغم ببعض عبارات حول عدم الاهتمام بما يقال في الانتخابات. وأحسن فوزي بزوال الضغط عليه واستشهد بخطاب إيزنهاور وبدأ تراجعه عن المادة التي طلب إبعاد القناة عن سياسة أية دولة.
وذهبت لمقابلة دلاس لأناقش معه ماذا يعني إيزنهاور بالضغط على عبد الناصر وما هي الوسائل وبدأت بالحيدث عن الرسوم لأكتشف ياللهول أن دلاس يقترح أن تدفع الرسوم لجمعية المنتفعين وهذه بدورها تدفع تسعين بالمائة منها لناصر أي أنه سيحصل على أكثر مما يحصل عليه الآن 35% ج وقلت له أن هذا الاقتراح قد ملأني رعبا ولكن الوقت كان متأخرا لعمل أي شيء فلم نتناقش طويلا.
وبسبب هذا الرعب لبس الإنجليز طاسة الخضة أو خوذة الحرب.
والفترة من 12 أكتوبر إلى 29 منه، معروفة كان موعد المفاوضات المقبلة هو نفس اليوم الذي تحدد للهجوم وستكرر معنا أمريكا نفس اللعبة الأنجلو فرنسية بعد عشر سنوات وسنندب ونصدق .
المهم وقع الهجوم الإسرائيلي والإنذار البريطاني وألقي كل طرف باللثام وكشف عن نواجزه فهي الحرب أما النصر أو الموت الزؤام أصبحت المعركة علنية وصريحية ومريرة بين أمريكا من جانب وبرطاينا وفرنسا من الجانب الآخر ولم تشفع لهما مشاركة إسرائيل بل بالعكس حل اثمهما وكراهيتهما على إسرائيل بنت أمريكا وكانت أول وأخر مرة تقف فيها أمريكا ضد إسرائيل بهذا الوضوح والجدية.
وعرض العدوان على مجلس الأمن وفي 30 أكتوبر تقدمت كل من الولايات المتحدة وروسيا بمشروع قرار للمجلس استخدمت بريطانيا وفرنسا حق الفيتو ضدهما القرار الأمريكي كان يدين إسرائيل لأن بريطانيا وفرنسا لم تهجمها بعد ج كمعتدية ويطلب انسحابها ويدعو كل الدول الأعضاء إلى الامتناع عن استخدام القوة يقول سلوين لويد أما المشروع السوفيتي فكان أخف لهجة ج وكنا نفضل الاكتفاء بالامتناع عن التصويت عليه ولكن فرنسا أصرت على استخدام حق الفيتو فوافقنا لدعم تضامنا وبحق الفيتو البريطاني والفرنسي في مجلس الأمن كان يستحيل صدور قرار ضد المعتدين الثلاثة ولذلك كانت الخطوة التالية من قبل مصر هي نقل الموضوع إلى الجمعية العامة، حيث لا حق فيتو وحيث الأغلبية التي يمكن أن يشكلها الأمريكان والروس والدول المعادية للاستعمار..
ولكن لتحويل القضية إلى الأمم المتحدة كان لابد كما تقضي اللائحة أن تحال بأغلبية سبعة أصوات وقد تقدمت يوغسلافيا بطلب الإحالة فنال سبعة أصوات بينهم صوت أمريكا ضد اثنين وامتناع اثنين.
وتترك وزير خارجية بريطانيا يعلق: فلو اكتفت الولايات المتحدة حتى بالامتناع عن التصويت لسقط قرار الإحالة ولبقي الأمر في يد مجلس الأمن.
ولما صدر بالطبع قرار الإدانة والانسحاب إلخ..
وفي الجمعية العمومية افتتح دلاس المناقشات باقتراح أمريكي وهذا يعطي ثقلا واضحا للمشروع إذ لايترك مجالا للغموض حول موقف أمريكا وبالتالي يدفع كل الاتباع إلى التصويت معه ج يطلب وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية والبريطانية والفرنسية واعادة فتح القناة التي كانت مصر قد نجحت في سدها وحاول مندوب كندا انقاذ بريطانيا بتقديم مشروع قوات الطوارئ ولكن دلاس لم يقبل أي تأجيل للتصويت على مشروعه وكان هذا مثالا آخر على العداء لنا أي تأجيل للتصويت على مشروعه وكان هذا مثالا أخر على العداء لنا.
وصدر القرار بأغلبية 65 صوتا ضد 5 أصوات هم استراليا ونيوزيلندا وفرنسا وإسرائيل وبريطانيا وامتناع كندا وستة دول أخرى.
وفي الشارع كان نيكسون نائب الرئيس الأمريكي يقود مظاهرة ضد بريطانيا إذ علق على نتيجة التصويت بأنها اقتراع عالمي على قيادة الرئيس إيزنهاور في الماضي كانت شعوب آسيا وأفريقيا تتوقع أن نقف في اللحظات الحرجة مع سياسات حكومتي بريطانيا وفرنسا فيما يتعلق بالمناطق التي كانت مستعمرة ولكن لأول مرة في التاريخ أبرزنا استقلالنا عن السياسات الأنجلو فرنسية إزاء آسيا وأفريقيا والتي تبدو لنا انعكاسا للتقاليد الاستعمارية أن إعلان الاستقلال هذا كان له تأثير الكهراء في سائر أنحاء العالم.
وسنعفي القارئ من تعليق المخوزق سلوين لويد ولكن هل من أحد يريد أن يتحدث عن أمريكا كشريك أربع للعدوان الثلاثي وأن المعركة كانت ضد أمريكا!!
ولم يقتصر الأمر على قرارات الأمم المتحدة بل وجه إيزنهاور إنذار إلى إيدن وموليه يطلب فيه وقف إطلاق النار خلال 12 ساعة وقد قبلته بريطانيا بدون حتى استشارة فرنسا وذلك بعد أن أوشك الاسترليني على الانهيار لتعرضه لعملية نزيف بإيعاز من الحزانة الأمريكية على حد قول أو اتهام سلوين لويد وعرقلت الولايات المتحدة محاولات بريطانيا استخدام حق السحب الخاص من صندوق النقد الدولي حتى مالنا الخاص كما يقول لويد نقلا عن ماكميلان عن تهديد لجورج كفري وزير مالية أمريكا .
وحاولت بريطانيا بعد وقف إطلاق النار أن تبقى في موقعها بورسعيد وعشرين ميلا تحتلها من قناة السويس وتساوم على هذا وتنتظ الفرج أو سقوط عبد الناصر ولكن أمريكا أصرت على الانسحاب العاجل والشامل وبدون قيد ولا شرط.
ويقول سلوين لويد أنه سافر خصيصا إلى الولايات المتحدة بأمل إقناعهم بالمساومة على العشرين ميلا التي نحتلها من القناة ولكني فشلت ولذلك قررت أن أتقدم باستقالتي وكان جورج همفري وزير المالية الأمريكي صديق بتلر وزير مالية بريطانيا ولكنه قال له بصراحة إن الولايات المتحدة لن تتحرك لمساعدة بريطانيا إلا إذا أعلنا قرارنا بالانسحاب.
لقد وضعت الولايات المتحدة كل ثقلها من أجل أن يكون انسحابنا بلا قيد ولا شرط وكان علينا أن نقبل ذلك.
يخيل إلى أنه لو كان مثقفا لاستشهد بقول المهزوم العربي: مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها وفشلت جميع المحاولات البريطانية لزحزحة إيزنهاور عن إصراره بأن يكون الانسحاب البريطاني الفرنسي من بور سعيد بلا قيدو لا شرط.
أما ماكميلان الصقر في بداية الأزمة فقد تحول إلى حمامة فور سماعه بأخبرا نيويورك عن فرض عقوبات نفطية فقدألقى بيديه إلى الوراء وصاح: عقوبات نفطية؟ هذا ينهي كل شيء.
نستمر مع فصول الدراما الأمريكية البريطانية
بعد وقف إطلاق النار وتأكيد هزيمة بريطانيا اجتمع سلوين لويد مع مندوب أمريكا في الأمم المتحدة وقائد الحملة ضدها كابوت لودج.
وقد بدأ حديثه معي بموعظة أخلاقية فقلت له إذا كنا سنتحدث عن الإثم الأخلاقي فماذا عن غوايتمالا؟ ألم تتصرف الولايات المتحدة في 1954 بنفس الطريقة؟ كل الفرق أننا وقتها حاولنا أن نساعدكم في مجلس الأمن رغم كل الضغوط علينا وقلت لو أن الولايات المتحدة لم تقد الحملة ضدنا في مجلس الأمن، لأحرزنا نصرا رائعا ولكان ناصر في خبر كان
ولكن لويد لم تنته الأمة بعد ذهب إلى دلاس في المستشفى فإذا بالعجوز الأمريكي يغمز له بعينة ويقول: لماذا توقفتم لماذا لم تمضوا قدما فتسقطون ناصر ويعلق وزير خارجية بريطانيا لو أن قشة فعلا يمكن أن تقصم ظهر البعير لكانت هذه دلاس الذي قاد الحملة ضدنا وأيد تحويل الأمر من مجلس الأمن للأمم المتحدة وبذلك كل جهد ممكن لهزيمتنا الآن يتساءل لماذا توقفنا.
ومعروف أن الإنجليزي لثقل قلبه وبرودة حسه لا يفهم النكتة من أول مرة، ولم يكن دلاسفي المستشفى في مزاج يسمح بإعادتها عليه وقرر سلوين لويد أن يتحول إلى مكافح للإمبريالية وداعية للاستقلال.
واجتمع مجلس الوزراء البريطاني في 8 يناير 1958 حيث أبلغهم سلوين لويد بالآتي:
- وبعد الخلاف الخطير في الرأي مع الولايات المتحدة فإن علينا أن نحاول جعل غرب أوروبا أقل اعتمادا على أمريكا ولكني لم أتلق عطفا كبيرا من زملائي لأن غالبيتهم اعتقدوا أن الأولوية يجب أن تعطي لترميم الجسور مع الولايات المتحدة.
- اختارت بريطانيا قبول الأمر الواقع والتعلق بالقطار الأمريكي ولو في الدرجة الثانية وكانت بحاجة إلى عشرين سنة أخرى للتأكد من حقيقة القوة الأوربية.
ويخرج الإنجليز والفرنسيين من بورسعيد وخلوص القناة لمصر بلا قيد ولا شرط تحت الإدارة المصرية الخالصة .. هزمت بريطانيا وفرنسا وانتصر عبد الناصر في معركة التأميمي انتصارا كاملا غير منقوص وهو النصر الذي استحق به تأييدنا وشكرنا بل وصبرنا خمس سنوات أخرى بل حتى الهزيمة الفادحة على أرض سيناء في نفس المعركة وهوما سنتعرض له غفرناها له وتلمسنا الأعذار من حداثة العهد ونقص الخبرة والغفلة عن الخطر الإسرائيلي والانشغال بالجلاء لكن العذر الأكبر كان من توقعنا أنها أخطاء لن تتكرر وأنه سيستفيد مما وقع فيحول الخطأ إلى تجربة .
ولكنا لم نصر وما كان بوسعنا أ، نصر على مناقشةتلك الأخطاء لكي نضمن تصحيحها وتلافيها فكانت النكبة الكبرى واليوم وبعد أكثر من ربع قرن وبعد النكبة التاريخية والمصيرية يحاول نفس المذنب أن يقفل أعيننا ويسد آذاننا بالكذب والتضليل مرة أخرى؟
أن اتهام أمريكا بأنها كانت شريكا في العدوان هو مناورة متذاكية لتفادي السؤال وهو الماذا عارضت أمريكا العدوان لما تجره الإجابة على هذا السؤال من إحراجات.
قلنا أنه من الناحية السياسية كان تأميم القناة في هذا الوقت بالذات ضربة معلم فقد تم بعد جلاء القوات البريطانية رسميا ولم يعد من الممك اتخاذه كحجة لإلغاء اتفاقية الجلاء من جانب بريطانيا وكانت تود ذلك بل أصبح عليها أن تعيد غزو مصر ثم توقيت الضربة في وقت وصل فيه التناقض الأمريكي الأنجلو فرنسي ذروته وربط مصالح مصر باستراتيجية الطرف الأقوى في هذا التناقض جعل النصر مضمونا خاصة وأن الهدف من الوضوح والعمق في الوجدان الوطني المصري مما جعل الإرادة المصرية فلم تكن هناك ثغرة يمكن أن ينفذ منها العدو بمؤامراته.
وقد استطاعت الإدارة المصرية والدبلوماسية الأمريكية تأخير الغزو أكثر من ثلاثة شهور وهي بلا شك كانت كافية للاستعدادات العسكرية لمواجهة هذا الغزو وهو مالم يحدث.
وهنا ننتقل للجانب السلبي. جانب الهزائم في معركة قناة السويس وذلك قبل أن نتفرغ لمناقشة هزيمة سيناء العسكرية في 1956 .
أخطأت القيادة المصرية ونقصد عبد الناصر بالذات، فهو وحده الذي وضع تقدير الموقف بالاشتراك مع هيكل في رواية هيكل أو بالاستئناس برأي التسعة المشهود لهم بالثورة ولكنه في النهاية كان صاحب القرار.
ويشهد هيكل أن عبد الناصر أخطأ عندما تصور أن لجوء بريطانيا وفرنسا إلى الأمم المتحدة يعني أنه لم يبق لدى لندن وباريس ما تفعلانه ضد القاهرة غير تسجيل موقف الأمم المتحدة ويهز رأسه في حكمة متأخرة جدا وكان ذلك خطأ كما أثبتت الظروف فيما بعد.
وهذا التعالي والاتهام لعبد الناصر يعكس نوع الوفاء الاستثماري الذي يكنه هيكل لسيده السابق وكتابه يتحدث في كل صفحة عن مشاورة الرئيس له حتى يخرج القارئ بانطباع أنه ما كان يبرم أمرا إلا عن مشورة هيكل ولو كان وفيا أو يتمتع بذوق في فن الكتابة لقال ولقد أخطأنا عندما تصورنا أو أخطأت مصر عندما تصورت ولكنه حملها لعبد الناصر وحده وله عذره فلم يكن لأحد من رأي أو فكر إلى جانب عبد الناصر فقط نرجو أن يعترف هو بذلك.
ويقول هيكل أن عبد الناصر كان يعتقد أنه ما من جنرال لديه يستطيع قيادة المعركة السياسية الحاسمة والنهائية مثل محمود فوزي.
ويبدو أن عبد الناصر سيء الاختيار للجنرالات بصفة خاصة حتى الجنرال السياسي لأن محمود فوزي بشهاة هيكل خدعه همرشولد، وهو بدوره خدع عبد الناصر وذلك في رسالته بتاريخ 4 أكتوبر إذ كتب لجمال عبد الناصر من نيويورك.
تكلمت مع همروشولد عن النوايا وبنيت له أنه إذا كانت النوايا مبيته على عدم الوصول إلى اتفاق فليست هناك فائدة من جه ود السكرتير العام وأجابني همرشولد بأنه يعرف سلوين لويد من زمن وأنه خاطبه في الأمر وخرج بانطباع أن لويد يرغب حقيقة في الوصول إلى حل رغم المظاهر وهمروشولد يستبعد جدا استعمال الإنجليز للقوة أما الفرنسيون فلهم متاعبهم الداخلية وهي كثيرة فوزي.
ولم يقتصر التضليل على همرشولد، بل اشترك الرفيق شبيلوف في التغرير بمحمود فوزي الذي بدوره ضلل القيادة المصرية، فقد كتب للرئيس عبد الناصر بتاريخي 11/10/ 1956 قابلت شبيلوف الذي أعرب لي عن تأكده من أنه قد استبعدت أخيرا الإجراءات العسكرية.
وهكذا ضلل الجنرال القائد العام مع أن دلاس خان أصدقاءه وبلغ محمود فوزي بصريح العبارة: ذكر لي دلاس أن بعض المسئولين في انجلترا وفرنسا لا يريدون حلا سلميا.
ويقول هيكل أن عبد الناص أجرى تقدير موقف قبل التأميم وقدر أن احتمال التدخل العسكري سيتناقص من 80% في الأسبوع الأول من قرار التأميم إلى 20 بالمائة في نهاية أكوبر ثم يبدأ في التلاشي بعد ذلك لأن الفرصة تكون قد أفلتت تماما وأن تقدير الموقف ها تصور الغزو من ناحية الإسكندرية ويبدو أن الإنجليز بحثوا هذا الاحتمال في البداية ولكن ابتداء من الأسبوع الأول من سبتمبر استقر الرأي على بورسعيد ويصعب تصور أن فكرة الغزو من الإسكندرية كانت فكرة جدية كما يصعب فهم كيف ظلت القيادة المصرية مقتنعة بها رغم التجربة التاريخية حيث حاول الإنجليز وفشلوا مرتين في غزو مصر عن طريق الإسكندرية واضطروا في المرة الثانية (1882) إلى تغيير طريق الغزو إلى بورسعيد ونجحوا وتجربة الحملة الأولى كان من الممكن أن تعطي مؤشرا للقيادة المصرية حيث قابلت حملة فريزر 1807 مقاومة مؤثرة من الأهالي انتهت بفشل الحملة بل وهزيمتها هزيمة مذله إذا أرسلت الرؤوس والأسرى وفيهم رأس فاسال كبير إلى شوارع القاهرة للاستعراض فالطريق من الإسكندرية إلى القاهرة يعرض الغزو لمجابهة الكثافة البشرية المصرية كذلك فإن الغزو كان يتعلل بالقناة فمن الطبيعي أن يسعى لاحتلالها والسيطرة عليها.
على أيه حال أن هذه النقطة لم تلعب دورا كبيرا بالنسبة إلى الغزو الانجلو فرنسي ولكنها لعبت دورا خطيرا لصالح الغزو الإسرائيلي ذلك أن عبد الناصر قرر في 8 أغسطس سحب القوات المصرية من سينا وسنعود لذلك بالتفصيل.
لا يملك المؤرخ أن يسجل تخبط وعجز القيادة عن توقع الاحتمالات واتخاذها سلسلة قرارات تنبع أساسا من أحلام يقظة تدور كلها حول تمني عدم الصدام مع إسرائيل مما ضاعف من فرص نجاح إسرائيل ولا نعرف من أين استقي حمروش معلوماته عن أن تقدير الموقف الذي وصل إلهي مجلس الحكماء أن الاحتمال الغالب هو دفع إسرائيل للهجوم وكان هذا احتمالا مرجحا عن أي غزو بريطاني وفرنسي.
فالإجراءات التي اتخذت تبدو أكثر من خاطئة إذا كان هذا تقديرهم فعلا إذا لا يعقل أن يكون الإجراء الذي يتخذ لمواجهة هجوم إسرائيل هو سحب الجيش من سيناء وهو المواجهة لإسرائيل.
رواية هيكل أكثر منطقا فضلا عن أنها مستمدة من وثيقة شاهدها هو بعينه ويعرف بالضبط أين هي في خزائن عبد الناصر وإليك ما قاله هيكل: وقرأ جمال عبد الناصر تقرير المعلومات المعروض عليه عن أوضاع القوات البريطانية في المنطقة ودرجة استعدادها وأعاد قرارته أكثر من ثلاث مرات وهذا يعني أن هيكل كان قاعد يعد.. أو أن عبد الناصر اهتم وسط كل هذه الزوابع بإبلاغ محمد أنه قرأها أكثر من ثلاث مرات ومالك على يمين ياسي محمد ج وقارن المصادر المتعددة للمعلومات ببعضها ثم كتب بخط يده تحت التقرير حاشية تتضمن مجموعة ملاحظات نصها كمانقلته فيما بعد من الوثيقة الأصلية وأظن أن الوثيقة الأصلية موجودة حتى اليوم في خزانة مكتب الرئيس جمال عبد الناصر في الدور الأرضي من بيته على يمينك وأنت داخل حتى بالأمارة جنب الخاتم إياه اللي ما أنت عارف ج.
دعنا من هذا الهذر المهم أنه يقول أن عبد الناصر كتب بخط يده:
مستحيل أن تلجأ بريطانيا وحدها أو بريطانيا بالتنسيق مع فرنسا إلى الاستعانة بإسرائيل في أي عملية ضد مصر لأن ذلك يقلب الدنيا في العالم العربي ضدها بريطانيا لا يمكن أن تدخل في عملية من هذا النوع بالتنسيق مع إسرائيل ولا يمكن لأيدن أن يفعل ذلك بسبب المصالح البريطانية والعلاقات البريطانية مع الملوك والشيوخ العرب.
بل وفي ويوم 8 أغسطس أتخذ عبد الناصر قرار سحب القوات المسلحة من سينا ويفسر هيكل هذا القرار المصيري بقوله: كان جمال عبد الناصر لا يزال على اعتقاده بأن بريطانيا لا يممكن أن تسمح لنفسها بالاشتراك في معركة عسكرية جنبا إلى جنب مع إسرائيل وهكذا عادت من سيناء فرقتنا من فرق الجيش المصري، إحداهما فرقة مدرعة ولكن لماذا لم يخطر بالبال أن إسرائيل وبدون تنسيق ستنتهز فرصة الغزو وانشغال مصر بمحاربة بريطانيا وفرنسا وتهجم هي على سيناء؟ وهل كان بوسع الجيش المصري وقتها أن يصد بريطانيا وفرنسا؟ فلماذا التركيز على الهجوم الإنجلو فرنسي وإخلاء سينا حيث الإمكانية أكبر احتمالا للتصدي لإسرائيل على أية حال حتى الحذر من الهجوم الأنجلو فرنسي تلاشي في الأسابيع الأخيرة وساد الاسترخاء التام ورفض اتخاذ أي إجراء عسكري للدفاع أو الإعداد للمقاومة الشعبية.
لقد كان هناك إصرار في القيادة المصرية على رفض كل الدلائل التي تؤكد العدوان وقد أحصى مؤف مجتمع عبد الناصر المصادر التي أبلغت عبد الناصر شخصيا بالعدوان وهي:
- 1- ثروت عكاشة الملحق العسكري بفرنسا وصلته خطة تحرك القوات الفرنسية قبل العدوان بعشرة أيام وأرسلها إلى جمال عبد الناصر بخطاب خاص مع الملحق الصحفي عبد الرحمن صادق لتسليمه شخصيا إلى جمال عبد الناصر وقد كتبه بخط يده من نسختين فقط أرسل واحدة واحتفظ بالأخرى.
- ولم يقل حموش إذا كان الملحق الصحفي تمكن من مقابلة الرئيس وسلمها له أم مازال يتنظر المقابلة إلى اليوم في مكتب الجيار؟
- 2- زكريا العادلي أمام الملحق العسكري بتركيا عرف كافة أسرار الحشد العسكري في قبرص وإسرائيل عن طريق بعض المندوبين الأتراك الذين أرسلهم إلى هناك عقب ملاحظته أن الأتراك ألغوا الأجازات وأعلنوا حالة الطوارئ القصوى وأرسل نتيجة معلوماته ببرقية يوم 6 أكتوبر تقول:
ستوجه انجلترا وفرنسا إنذار نهائيا إلى مصر يعقبة عدوان جماعي بالتعاون مع إسرائل في منتصف نوفمبر ثم تبعها ببرقية أخرى تقول رغم أن المعلومات عندي بأن الهجوم في منتصف نوفمبر إلا أن الظواهر تدل على أنه سيكون قبل آخر أكتوبر أرسلها مع الملحق الإداري الذي سافر وعاد فورا وردت عليه المخابرات الحربية بأنه الملحق العسكري الوحيد الذي أبلغهم مثل هذه المعلومات هل كانت تتوقع أن توزع هذه المعلومات في نشرة عامة على الملحقين؟ ج.
ولما استشعر الخطر سافر بنفسه إلى القاهرة يوم 19 أكتوبر ليبلغ عن أمرين: أولهما تدريب إسرائيل لفرد من عائلة الحوت لاغتيال جمال عبد الناصر والثاني تأكيد أخبار العدوان وقد التقى بعد الحكيم عامر وأبلغه بكل ما يعرفه دون أن يتلقى ردا شافيا ثم غادر القاهرة يوم 27/ 10/ 1956 دون أن تتاح له فرصة مقابلة جمال عبد الناصر رغم إصاره على ذلك.
نقطع استرسال حمروش لنعلق على هذه النقطة فالحق أن ذكريا العدلي إمام الذي دل الغزو وموعد الغزو ولكنها أهملت تماما وسنعود لذلك.
النقطة الثانية أنه عن طريق الأتراك وباسم الأخوة الإسلامية ورغم تدهور العلاقات بين مصر وتركيا في هذا الوقت حصل وحده على أدق المعلومات وذلك رغم توتر العلاقات كما قلنا بسبب حلف بغداد وأهم من ذلك بسبب تأييد حكومة عبد الناصر لنشاط مكاريوس وجريفاس ومنطمة أيوكا الرامية إلى إبادة المسلمين القبارصة وضم الجزيرة إلى اليونان استكاملا للحرب الصليبية اليونانية ضد تركيا.
وحمروش الشيوعي يقدم شهادته مستندا إلى شخصة موجودة وبرقيات يمكن الرجوع إليها أما المزور الأكبر عدو المسلمين فلا يفوته أن يشوه أو يشوش على هذه القصة ومغزاها فيفتري الآتي:
لكن الإنصاف يقتضي أن أذكر اليوم أن الصورة الكاملة لأوضاع القوات البريطانية ودرجة استعدادها في قبرص بصفة خاصة وفي البحر الأبيض بصفة عامة جاءت من الأسقف مكاريوس زعيم قبرص ومن الجنرال جريفاس قائده العسكري في ذلك الوقت والمسئول أمامه عن المقاومة المسلحة لمنظمة أيوكا.
أولا: هذه المعلومات عن أوضاع القوات البريطانية في قبرص لم تكن مهمة لمصرلأن مصر لم تكن تفكر في غزو قبرص وإنما كان المهم هو معرفة الاستعداد لغزو مصر
ثانيا: ومن هذه الناحية فهي باعتراف هيكل نفسه ساهمت في تضليل عبد الناصر واتخاذه القرار باستحالة الهجوم.
ثالثا: وهذه حقيقة تارخية أن أيوكا أعلنت عشية الهجوم البريطاني على مصر وقف جميع عملياتها العسكرية في الجزيرة وكان المفروض بحكم الدعم الذي قدمناه لها ضد كل حقائق التاريخ وحقوق الشعوب في تقرير مصيها ورفض الروح الصليبية كان المفروض أن توسع من عملياتها في مؤخرة الإنجليز وأذكر أنني لم أندهش لحظة يوم وصلت هذه البرقية على وكالات الأنبياء فقد كان ذلك مطابقا لوجهة نظري حول خداع هؤلاء الصليبين وأنهم يونانيون صليبيون يريدون ضم الجزيرة وإبادة المسلمين فيها ولا شيء أخر وأن كل ما يتحلون به ويرددونه من شعارات ماركسية هو مجرد قشرة خارجية لإخفاء صليبية القرون الوسطى وأذكر أن رفيقا من الحزب الشيوعي القبرصي كان يشرح لنا في السجن أن قبرص قطعة من اليونان جيولوجيا وكان المغفلون المصريون يؤيدونهم.
- فلما جاءت لحظة الجد أوقفوا العمليات العسكرية ضد الإنجليز نعود لاستعراض حمروش للتحذيرات التي وردت للقيادة المصرية وأهملتها.
- 3- عقب عودة صلاح سالم من لندن حيث كان هناك وقت انعقاد المؤتمر الثاني جمعية النتفعين ج أبلغ جمال عبد الناصر أن العدوان مؤكد وحتمي.
- 4- سرب الأمريكيون معلومات إلى سفيرنا في واشنطن بأن الجنرال كيتلي قد اختير لقيادة غزو مصر وأنه يدرب رجاله في قبرص.
هذا ما أحصاه أحمد حمروش عن المعلومات المؤكدة التي وصلت للرئيس عن الغزو المنتظر دون حاجة للرجوع إلى أوراق عبد الناصر الشخصية بل وأكد أن التحليل السياس العادي كان لابد أن يفضي إلى توقع الهجوم واستشهد على ذلك بتصريحات إيدن في مجلس العموم الذي تحدث فيه عن حماية حقوق بريطانيا بوسائل أخرى وتهديدات روبرت منزيس رئيس وزراء استراليا لعبد الناصر شخصا عبد الناصر كما وضحنا قبلها على أنها تحذير ج إلخ..
وهناك شهادة من داخل البلاط لها قيمتها فقد ذكر البغدادي أن خالد محيي الدين أبلغ جمال عبد الناصر بمعلومات كان قد حصل عليها من أحد أصدقائه بباريس وتشير إلى أن فرنسا تعمل متعاونة مع إسرائيل لمهاجمتنا ولم يأخذ جمال عبد الناصر هذه المعلومات إلينا هو لدفعنا إلى حشد قواتنا الدفاعية تجاه إسرائيل تاركين الإسكندرية ورشيد وهي طريق تقدم القوات البريطاية كما قدر دون قوات دفاعية كافية للتصدي لها؟
بل إن رواية بغدادي أكثر هولا إذ يقول أنه على أثر تلقي عبد الناصر هذه المعلومات من خالد محيي الدين قرر تفادي أي احتكاك أو صدام مع قوات إسرائيل ولذا أمر جمال عبد الناصر بانسحاب الفدائيين الذين كانوا في قطاع غزة.
العبارة غير مفهومة ولا أدري هل هذا المقصود من بغدادي الذي لا يخفي نقده لعبد النصار وكفاءته هو وعامر من الناحية العسكرية.
ما المقصود بمنع الاحتكاك أو الصدام مع قوات إسرائيل؟ داخل إسرائل أم حتى إذا هجمت على مصر؟
لأنه إذا كان المقصود عدم الاحتكاك من جانبنا أو عدم الصدام مع قوات إسرائيل وهي خارج حدودنا ... كان يكفي أمر مشدد بوقف العمليات الفدائية والمفروض أنهم جنود منضبطون.
أما سحبهم نهائيا من قطاع غزة، فالمقصود به منع الاحتكاك أو الصدام حتى لو بدأته إسرائيل.
هيكل وحمروش يفسران هذا الإصرار على تجاهل الحقائق المؤكدة التي وصلت إلى يد ملحقين عسكريين وأعضاء مجلس ثورة حاليين وسابقين وأتراك وأمريكان إلخ يفسر أنه بأن تقدير عبد الناصر الذي كتبه بخط يده في الوثيقة إلخ أو بالتصريح الذي أدلى به إلى كينيث لدف في حديث صحفي بعد ذلك بثماني سنوات قال فيه أنه استبعد لجوء البريطانيين إلى التحالف مع الإسرائيليين لاستعادة القناة بالقوة أما بالنسبة لفرنسا فكانت غير راضية عن حلف بغداد وكنت أعتقد أنهم منهمكون في الجزائر بما لا يسمح لهم بالحملة ضدنا وقال هيكل أن عبد الناصر قرر أن نسبة الغزو وانخفضت إلى عشرة بالمائة بل إنه استبعد عمليا احتمال الغزو.
على أية حال الوقائع تدل على أن احتمال هجوم بريطاني كاو واردا عند القيادة ولو بنسب متفاوته ما بين ثمانية وعشرة بالمائة أما الاحتمال المستبعد تماما والذي أصرت هذه القيادة على استبعاده رغم كل الدلائل فهو احتمال الغزو الإسرائيلي فقد نسب هيكل لعبد الناصر أنه عندما اختلى به وحده لوضع تقدير للمقوف يوم 21 يوليو وبادره بأنه قد عرف أفكاره المهم قال له عبد الناصر حرفيا: إسرائيل أيضا قد تفكر في التدخل ولكنها لا تستطيع اتخاذ تأميمنا لقناة السويس ذريعة لشن الحرب ثم أن تدخل إسرائيل ضدنا سوف يجعل معركتها ضد مصر حربا ضد الأمة العربية كلها وهذا يفرض على أمريكا محاولة فرملة إسرائيل ثم إن إسرائيل من مصلحتها أن تنتظر لكي ترى صراعنا مع الغرب كله يشتد ويعنف وأنه لم يكن يخشى أن يتدخل أي طرف إلا بريطانيا فهناك إذا حالة إصرار على رفض المواجهة مع إسرائل ولو في تقدير موقف نظري ولاحظ الاعتماد على فرملة أمريكا لإسرائيل.
وهذه هي الظاهرة التي نود أن نقف عندها طويلا، لأنها في رأينا جوهر مأساة النظام الناصري وأن تكن مترتبة على الخطيئة الأولى وهي قبول تنفيذ الثورة بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية.
التفسيرات عديدة لهذا الإهمال الخطير الذي ارتكبته القيادة المصرية والذي كان كافيا لتنبيهها فيما بعد إلى خطورة الاعتماد على مواهبها وحدها في تقدير الموقف وضرورة الاستعانة بالخبراء والمحترفين من أهل الثقة في كفاءاتهم لا تبعيتهم وهو ما لم يحدث للأسف.
لم يتحقق استنتاج عبد الناصر من تقدير موقفه وفوجئ يوم 29 أكتوبر بخبر يقول أن الإسرائليين قد أعلنوا أنهم أرسلوا طابورا مدرعا إلى سيناء للقضاء على الفدائيين ثم أعلنوا في نفس الليلة أن قواتهم تقتر من قناة السويس.
التفسيرات تختلف باختلاف الاجتهادات في تفسير ظاهرة الناصرية.
- • فالذين يربطون حركة 23 يوليو بالأمريكيين يرون أن الزعيم كان مطمئنا لوعود الأمريكان بأنه لا عدوان.
- • ولكن الذين ضلوا في عداوتهم لعبد الناصر يرفضون ذلك ويقولون أن الأمريكان أنفسهم أبلغوا سفيرنا في واشنطن بأنباء الإعداد للغزو، وقائد الغزو وتدريبات الغزاة في قبرص ويزعمون أن القيادة المصرية كانت تريد انتصار إسرائيل وهذا الزعم باطل وافتراء متهافت لأن الصورة التي قدمها بغدادي لعبد الناصر وهو يطوف هائما في شوارع الإسماعيلية والدمع في عينيه هاتفا بالإنجليزية لقد هزمني جيشي لا يكن أن تكون مشهدا من هاملت وإنما حزن زعيم كان يتمنى لوهزمه الإنجليزي ولا يهزم أمام دويلة إسرائيل المزعومة كما كانت لا تزال تسمى في صوت العرب...
- ورغم خطأ هؤلاء فإن لهم عذرهم إذيرون هيكل يحتفل بهزيمة عبد الناصر ويسميها أكمل نصر لهم عذرهم إذيرون هيكل يحتفل بهزيمة عبد الناصر ويسميها أكمل نصر لهم عذرهم أن حسبوه ينطق بلسان إسرائيل!
- كذلك مرفوض القول بأنه أراد هبذه الهزيمة لجيش عبد الحكيم عامر ليتخلص منه وصحيح أن الخلافات كان موجودة وصحيح أن هذا التفسير أصبح أكثر قوة في حرب 1967 وملابساتها إلا أن الخلاف في 1956 لم يكن قد وصل إلى هذا الحد وكان الزعيم لا يزال بحاجة إلى عامر للتخلص من جمال سالم وبغدادي وحسن إبراهيم.
- • أما المدرسة الرافضة للديكتاتورية فتطرح تفسيرا أكثر تماسكا وأقرب للعقل وإن يكن غير كامل فهي ترى أن الحاكم الفرد المطلق عندما وضع تقدير الموقف في 22 يوليو 1956 وقرر أن احتمال الغزو هو الأسبوع الأول من التأميم فهو يؤمم والإنجليز يهجمون وكأنهم ينتظرون في بورسعيد غافلا بالطبع عن تعقيدات إصدار قرار بالحرب في بلد ديموقراطي لا يحكم بالقرار الفردية ولا النزوات الطارئة وإن لا إيدن ولا موليه يتمتعان بسلطات شمس بدران أو شعراوي جمعه..
ولما مرت الاسابيع ولم يحدث الغزو وتأكد صحة تحليل الزعيم ومن ثم استحال راجعه لأن الديكتاتور في رأي هؤلاء تستند ديكتاتوريته ومكانته على قناعة بأنه لا يخطئ لأنه لو ثبت إمكانية خطأة فسينظر إليه كمجرد بشر قابل للخطأ ومن ثم قابل للمناقشة والنقد والتعليم أي قابل للاعتراض على قراراته وأحكامه قابل للرفض دون أن يشكل ذلك خيانة وطنية، او اعتراض على حركة التاريخ وذلك لا يستقيم مع متطلبات الحكم الديكتاتوري ولذا فإن أية خسارة لا تهم ما دامت قدسية قرارات واستنتاجات الزعيمي لا تمس ولا تخدش ولا تتغير أو كما قال كوبلاند لقد حدث المحتوم للقادة من طراز ناصر، وأعني الحاجز بينه وبين العالم الخارجي الذي أصبح من الكثافة بحيث استحال وصول أي معلومات أو آراء إليه إلا ما يؤكد عصمته وخلوده.
ومن الطريف أن الناصريين تحت تأثير عقدة ذنب 1956 يركزون في دفاعهم عن 1967 إلى أن الزعيم حدد هذه المرة يوم الهجوم كأنه قارئه فنجان ثم ذهب لينام هزمنا وضاع ثمن الوطن مرة لأن الأعوان حذروا والزعيم رفض أن يصدق تقاريرهم وخسرناها مرة ثانية لأن الزعيم حذر.. والمساعدون رفضوا تصديق نبؤته..
نبقى خالصين
وهذا التفسير على دقته من الناحية النفسية وكقانون عام للنظم الديكتاتورية وخصة في البلدان المختلفة إلا أنه يغفل جانبا أكثر أهمية وأكثر خطورة فيحالة مصر وهو الإصرار على إلغاء المواجهة المصرية الإسرائيلية من قائمة الاهتمامات للقيادة الناصرية منذ أن تولت السلطة وإلى 5 يونية 1967 وحرصها أو هل نقول التزامها بتجنب هذه المجابهة بأي ثمن وسنوضح أن الحجر الأساسي في الاستراتيجية الإسرائيلية هو المراهنة على هذا الالتزام المصري أعني رفض المجابهة ومحاولة تحاشيها تماما وذلك من 1954إلى 1973.
وقبل أن ننتقل لذلك نشير إلى الفرق بين دقة وتعدد المعلومات التي وصلت للقيادة المصرية في 1956 وإن لم تعملبها وبين الغفلة التامة التي كانت تسبح فيها هذه القيادة في 1967 لأن مصر كانت لا تزال حديث عهد بالنظام الثوري لم تغلغل فيها الروح الثورية على يد صلاح نصر الذي حول المخابرات إلى أكبر وكر فساد عرف في التاريخ ويما ما ستكشف حقائق تخزي أمة لعشرة قرون وإلى جهاز كبت للشعب ولأن التصفيات قد استبعدت من الجهاز الدبلوماسي والمخابرات كل الشخصيات الراغبة والقادرة على العمل وحتى لو أفلتت هذه الشخصية فإن الإخطبوط الذي كان في القاهرة ولم تعرف كل أسراره بعد كان كفيلا بمنع وصول جهودها إلى حيث يثمر مفعولها وراجع حكاية ضياع أخطاء نقطة الحدود بالهجوم الإسرائيلي البري صباح 5 يونيه لأنه الرسالة لم تفتح وراجع ضياع إنذار عبد المنعم رياض عن الحشد الجوي الإسرائيلي المتجه لمصر على شاشات الرادار والذي لم يستقبل لأن الشفرة بالصدفة تغيرت صباح هذا اليوم بالذات ونسيوا يبلغوها لمن وضعوهم على الحدود لهذه المهمة فقط فلما أنجزوها لم يستلموها منهم.
الفصل الخامس:هزمني جيشي ونصرني إعلامي
كيف دارت المعركة على أرض سينا فيما وصفه هيكل بأنه أكمل نصر في الحروب المحدود بل أكمل نصر عربي في تاريخهم الحديث.
في الساعة الخامسة بعد الظهر تحرك لواء ميكانيكي إسرائيلي في اتخاه منطقة الكونتيلا وعلى آخر ضوء تم اسقاط كتيبة مظلات إسرائيلية في منطقة سدر الحيطان في ممر متيلا.
أين كانت القيادة المصرية وكيف وصلها النبأ ومن الذي أبلغها النبأ؟ اليد ترتجف والجبين يقطر خزيا وعارا والقلب ينكسر ولعل ذلك ما قصد إليه هيكل في إيراد هذه الرواية.
كان جمال عبد الناصر ساعتها يشترك في احتفال عيد ميلاد ابنه عبد الحميد وسلمت إليه برقية وكالة يونايتدبريس تنقل البيان الرسمي الإسرائيلي وقرأ عبد الناصر البرقية ثم ناولها إلى عبد الحكيم عامر، وكان يحضر حفلة عيد الميلاد وخرج الاثنان من القاعة المليئة بالأطفال ربنا يحرسهم ج وتوجها إلى غرفة مكتب عبد الناصر ومن هناك راح عبد الحكيم عامر يتصل بمقر القيادة العسكريةي المصرية في كوبري القبة ولم تكن الوحدات المصرية في الميدان قد أبلغت بعد حدوث شيء.
يعني لو لم تصدر إسرائيل بلاغا عسكريا بهجومها وتوزعه على وكالات الأنباء وتحرضها على إبلاغه للعالم كله لو لم تفعل إسرائيل لاستمر الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة بين الأطفال أحباب الله إلى نهاية الحفل السعيد ثم انصرفا إلى السهرة أو النوم أوقطع فروة صلاح سالم دون أن يسمعا فضلا عن أن يواجها الغزو الإسرائيلي لسيناء.
ولا يجوز اتهام إسرائيل بالغفلة في إفشاء سر غزوها لمن لا يريد أن يعلم ولا بعداء خاص للطفل عبد الحميد وتعمد تعكير حفل عيد ميلاده بإعلان هجومها بل ذلك كان ضمن الاتفاق الأنجلو فرنسي الإسرائيلي وهو أن تعلن إسرائيل أنها تشن حربا ليس مجرد مناوشات حتى يبدأ العد التنازلي لتنفيذ الجانب الأنجلو فرنسي بتقديم الإنذار إلخ..
رئيس الدولة ونائبة في حفلة عيد الميلاد ولحظة غزو مصر لماذا لا يحضر واحد ويبقى الآخر إلى جانب التيكر، ما دامت وكالات الأنباء أصبحت المصدر الذي نعرف منه خبر غزو بلادنا بل والمصدر تل أبيب إبراهيم ومراد عرفا بغزو نابليون من رسول محمد كريم في الإسكندرية في نهاية القرن الثامن عشر وليس من القنصل الفرنساوي .
لا اتصال بين القيادة والجبهة لا القيادة السياسية ولا القيادة العسكية التي لم يكن لديها أي خبر من الوحدات المصرية في الميدان حتى بعد قطع التورتة، وإذاعة وكالات الأنباء الخبر.
لا مخابرات ولا أجهزة إلا إذا كانت الأمر يتعلق بوفدي أو إخواني أو شيوعي أو ضابط غير متجاوب في الجيش عندما يكون عند القيادة الخبر اليقين.
هيكل يحملها للوحدات في الميدان لم تكن قد أبلغت شيئا؟ تبلغ من القيادة التي لم تسمع ولم تعلم رغم مرور ساعتين على الإنزال وبعد صدور البلاغ الإسائيلي التام لم يكنك لها أي اتصال بالجبهة حتى بعدما ذهبوا إلى القيادة وحضر بغدادي لم يكن الموقف قد عرف بعد على حقيقته حتى تلك اللحظة ولم تصل أخبار بعد نزول قوات مظليين في سد الحيطان والذي كان هادئ البال عندما حدثه هيكل من كابينة التليفون في ميناء هاوس طلبت خارجيا وأدت بدي رقم تليفون مكتب جمال عبد الناصر إلخ وسألته إذا كان يريدني أن أذهب إليه وكان تعليقه عندما تفرع من عشائك مر علي .
ورغم تكرر الهزيمة في 1967 فقد ظل الجهاز الحاكم غارقا في هذه الغفلة وفي الغياب عن الوجود الحضاري وسيسمع الرئيس بعد 12 سنة أن المظليين الإسرائيليين ذاتهم نزلوا في إحدى الجزر المصرية وفكوا محطة الرادار وحملوها وانضرفوا ووصلوا بها إلى إسرائيل فيرد قائد الجيش الذي كان سينفذ الخطة بزراميت أقصد جرانيت: دقيقة واحدة أسأل يا ريس وأخبرك.
وحتى بعدما وقع العز ويقرر هيكل أن عبد الناصر كان يستبعد من ذهنه احتمالات التواطؤ ثم إن الطريقة التي بدأت بها العملية لم تنقل إليه الإحساس بأنه أمام شيء خطير كانت لديه تحفظاته التي تجعله يقطع بأن بريطانيا بالذات لديها من الروادع ما يصدها عن الاشتراك مع إسرائيل في عمل عسكري ضد مصر وكان تحت تصور أن مشكلة قناة السويس في طريقها إلى حل سياسي عندما يجتمع الدكتور محمود فوزي مع سلوين لويدركريستيان بينوفي جنيف بحضور همرشولد دعنا من حساباته إزاء بريطانيا وفرنسا لماذ لم يقنعه ما حدث بأنه أمام شيء خطير غزو بري وإنزال كتيبة كاملة في عمق سينا ما هو الخطير إنزال في قصر القبة وراوية حمروش أخف دما فقد قرر مجلس الثورة أنه غزو إسرائيل ولكن لم يحاول أحد أن يربط بين ذلك الهجوم واستعدادات انجلترا وفرنسا لغزو منطقة قناة السويس.
نحن إذ أمام خطأ فادح في التقدير وإهمال جسيم في الاستفادة من المعلومات بل التصرف على عكس ما تتطلبه تماما.
مما أدى إلى إضعاف المقاومة المصرية وتسهيل مهمة العدو في احتلال سيناء وتدمير جميع المنشآت فيها وتدمير جميع السلاح السوفيتي وسلاح الطيران المصري.
ألم يكن سكوتنا عن مناقشة هذه الأخطاء عشر سنوات سببا لتكرارها في 1967 أيجوز أن نستمر في السكوت اليوم
وعندما تأكد أنه الغزو ماذا فعلت القيادة
اضطراب وتخبط وانقسام وزعل وأمرا متعارضا متضارب كلها لصالح العدو..
رأينا كيف اتخذ عبد الناصر في 8 أغسطس ما وصفه باشكاتب الناصرية نفسه بأنه قرار بالغ الأهمية وهو القرار بحسب القوات المصرية من سيناء لأن جبهة القتال المحتلمة قد تغيرت والقوات المصرية التي كانت في سيناء وسحبت هي القوات الدائمة القوات الضاربة أو القوة الأساسسيةي المتمركزة هناك من 1948 المتواءمة مع الأرض بحنادقها واستحكاماتها وحقول ألغامها وتمويهاتها ونفط استطلاعها وكل هذا يهجر بل ويدمر عندما يصدر أمر بالانسحاب لأن العدو على وشك الهجوم في جبهة أخرى إذا لا أحد يفكر في العودة لهذه الجبهة وخاصة بالنسبة للفرقة المدرعة السيئة الحظ مع قيادة 23 يوليو فهي لا تتاح لها الفرصة أبدا للبقاء في مواقعها والقتال وإنما هي دائما في حركة أما منسحبة بفعل قرار خاطئ أو عائدة على عجل لتصحيح قرار الانسحاب الخاطئ.
المهم كانت سيناء بلا مقاومة جدية صحراء حقا مفتوحة للعدو واجتمعت القيادة ونترك عضو مجلس قيادة الثورة قائد الجناح عبد اللطيف بغدادي ينقل لنا صورة ما حدث.
بعد أن تم استعراض الموقف وتقدير نية الإسرائيليين تقرر مقابلة هذا العدوان منهم بالقوة أي بالحرب خاصة بعد أن تأكدنا من انزالهم هذه القوة عند ممر متلا ولأنه اتضح أن العملية أكبر من أن تكون غرة من قوات عسكرية إسرائيلية على موقع من واقعنا كما كانت العادة قد جرت من قبل وقدرتي أنه من الضروري استخدام قواتنا الجوية في نفس الليلة لقذف قوات العدو التي أنزلت عند الممر وأن تقوم أيضاي في الصباح المبكر بتركيز ضرباتها على مطار العدو وطائراته وأن تعمل قدر طاقتها للحصول على السيطرة الجوية حتى تتمكن بعد ذلك من العمل ضد قوات العدو الأرضية بمرونة وحرية.
ثم حضر بعد ذلك محمد صدقي محمود رئيس هيئة أركان حرب القوات الجوية وصدرت إليه الأوامر بقيام قواتنا الجوية بضرب تلك القوات التي أنزلت عند الممر، وكذا مطارات العدو فورا ولكن زهر عليه الاضطراب والارتباك وأبدى أن هناك بعض الصعوبات التي تعترض قيام الطائرات القاذفة بعملياتها فورا، بحجة عدم توافر الوقود اللازم لها بمطار غرب القاهرة القاعدة الخاثة بقاذفات القنابل ولما كانت القاعدة المأخوذ بها هي ملء خزانات الطائرات بالوقود يوميا بعد انتهاء طيرانها اليومي لذا اقترحت عليه بعد أن ذكر هذه العقبة أن تقوم الطائرات بالمهمة المطلوبة منها في تلك الليلة بما تحملة في خزاناتها من وقود على أن يتخذ الإجراءات في نفس الوقت ليتم توافر كميات الوقود الضرورية بالقاعدة في الصباح وانصرف بعد ذلك.
وبعد انصرافه تكلم معي جمال عبد الناصر مصرحا لي بأنه غير مستريح لصدقي للاضطراب الذي ظهر عليه وطلب مني مساعدة عبد الحكيم في الإشراف على القوات الجوية وانصرف الجميع بعد أن صدرت الأوامر لعدة وحدات من الجيش بالتحرك .
ويقول بغدادي أن عامر لم يقبل طلب ناصر أن يشرف بغدادي على الطيران ففضلت عدم إحراج نفسي ولا إيجاد مشاكل في هذه الظروف خاصة أنه ليس هناك قرار واضح يحدد مسئوليتي المباشرة بالنسبة لهذا الشأن .
لا أحد يلوم عبد الناصر كثيرا على أنه لم يصدر أمرا بإقالة صدقي محمود في هذه اللحظة وتشكيل مجلس عسكري في الموقع وإعدامه وإن كا الاحتياط يتطلب إحالته على التقاعد وتسليم السلاح لضابط من المحترفين لا لعبد اللطيف بغدادي الذي لم يتعرف على طائرة عسكرية منذ 1952.
ولا أحد يلوم عبد الناصر كثيرا على أنه في هذه اللحظة لم يسأل صدقي محمو كيف تترك قاعدة تموين القاذفات بدون بنزين وهم يتوقعون غزوا بريطانيا فرنسيا بلاش إسرائيلي حتى ولو كانت النسبة عشرة بالمائة وأين سيستخدم البنزين أفضل من تطير الطائرات.
ولكن اللوم كل اللوم أنه لم يحاسبه بعد الهزيمة بل أبقاه 11 سنة حتى فعلها فينا مرة أخرى بالتمام والكمال وتوفير البنزين هذه المرة.
ربما نجح الإعلام الهيكلي في تغطية حقيقة ما جرى في سينا عام 1956 بل حقيقة ما جرى على صعيد المواجهة العربية الإسرائيلية ولذا لا أحد اهتم بمغزى عجز الطيران المصري أو شلله خلال ال24 ساعة الفاصلة في مصير الشرق الأوسط ما بين الهجوم الإسرائيلي الساعة الخامسة بعد ظهر يوم 29 أكتوبر والإنذار البريطاني في الرابعة من بعد ظهر يوم 30 أكتوبر.
- 1- كان الطيران المصري أقوى من الطيان الإسرائيلي والطيارون المصريون أفضل من زملائهم في عام 1967 لم تكن قد تمت عملية الإفساد التي بدأت بحفلات فؤاد محرم وانتهت بالحفل الراقص ليلة الهجوم .
وكانت إسرائيلي التي تستعد للحرب ضد مصر من يناير 1955 لا تخشى شيئا أكثر من هجمة الطيران المصري على مدن إسرائيل 150 طائرة ميغ و 40 قاذفة اليوشن وقد اشتغرقت هذه القضية جلسات طويلة وحادة بين الوفد الإسرائيلي والوفد البريطني بالذات إذ كان بن غوريون يصر على أن تبدأ إسرائيل هجومها إلا بعد أن يدمر السلاح لجوي البريطاني السلاح الجوي المصري وقد استخدم بن غوريون عبارة يمسح مدن إسرائيل في حديثه عن إمكانيات الطيران المصري إذا ما دخلت إسرائيل الحرب قبل تدمير الطيران المصري وكانت خطة بريطانيا بالذات أنها ستدعي دخول الحرب لفك الاشتباك بين مصر وإسرائيل وحماية القناة من قتالهما ومن ثم لابد أن تكون هناك حب وإن تستمر بعض الوقت حتى يقوم العذر على رجليه ولكن بن غوريون أصر على أن إسرائل لن تشن حربا وحدها وإن إسرائيل ستتعرض لمخاطر شديدة، وخصوصا إذا شن الطيران المصري غارات على المدن الإسرائيلية.
وكانت المناقشة حامية وقد سألتهم موشي ديان عما إذا كان السلاح الجوي الفرنس سوف يهب لمساعدتنا إذا ما تعرضت مدننا للقصف خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى عنما تكون طائراتنا كلها مشغولة فوق ميدان القتال؟ وكان ردهم بالسلب، وأضافوا أن البريطانيين يعترضون على هذه الفكرة لأنها في رأيهم تفسد السيناريو وعند هذه النقطة انفجرت عضبا من المنطق نفسه ومن كثرة ترديد كلمة السيناريو وقلت لهم أن شكسبير كان كاتب سيناريو عبقري ولكني أشك في أن أحدا في مجلس الوزراء قد ورث كفاءته.
وكان من المستحيل طبعا تلبية طلب إسرائيل سواء بأن تبدأ بريطانيا وفرنسا الحرب بضرب المطارات المصرية أو حتى بأن يتم الغزو في نفس التوقيت ولأن إسرائيل كانت متعطشة للحرب أو كما قال موشي دياني كان علينا ألا نضيع الفرصة التاريخية لمحاربة مصر مع فرنسا وربما بريطانيا أيضا فلن نكون وحدنا وقال سولين لويد كان بن غوريون يطلب منا تعهدا بتصفية السلاح الجوي المصري قبل أن تتقدم قواته في سينا وإلا فإن مدن إسرائيل مثل تل أبيب ستمحي من الوجود إلى هذا الحد كان الرعب في مصر وبعد عشر سنوات من العمل الثوري وبناء قوة مصر والدخل في عصر الحضارة ستدمر الطيران المصري بدون معونة السلاح الجوي البريطاني.
وكان الحل الوسط هو تقصير الوقتي ما بين الهجوم الإسرائيلي والتدخل البريطاني ضد السلاح الجوي المصري وكان في ذلك مخاطرة أكيدة، ونستطيع أن نتخيل اليوم النتائج التي كانت ستترتب عربيا ومصريا وعلى صعيد المواجهة العربية والإسرائيلية لو أن السلاح الجوي المصري ضرب مدن إسرائيل وقتل ما بين عشرين الف وخمسين ألف إسرائيلي في الأربع وعشرين ساعة ما بين بدء الحرب والتدخل البريطاني مهما أسرف الخيال فلا يمكن المبالغة في النتائج التي كانت ممكنة فلا أحد كان يتوقع من مصر أن تهزم بريطانيا وفرنسا ولكن الرأس العربي كان سيرتفع شامخا مع كل ضربة تنزل بإسرائيل وكنا سنحطم جدار الأمن الذي اجتهدت أو تمحورت السياسة الإسرائيلة في توفيره للمواطن الإسرائيلي.
ربما كان تغير مصير الشرق الأوسط...
نعم كانت مخاطرة كبيرة أن تقبل إسرايل التعرض لهذا الاحتمال ولكن موشي ديان أو القيادة الإسرائيلية خاطرت على عامل سياسي ونفسي في القيادة المصرية هو الذي أشرنا إليه رغبتها في تجنب القتال فقدان إرادة القتال الميول الاستسلامية سلوك آكلي العشب في مواجهة الحيوانات المفترسة فالذئب كما قال ماو مرة مستفز بطبعه تجده مستعد للقتال والافتراس بصفة دائمة يعتبر مجرد رؤيته لآكلة العشب إعلان حرب فيقفز نحوها بارزا أنيابه ومخالبه أما آكل العشب فنواياه سلامية وهو يحاول تحاشي القتال أطول مدة ممكنة وبأي ثمن أو حصره في أضيق نطاق وفي الحدود التي تشبع الذئب المهاجم وهو لا يعتبر أي تصرف من الذئب مبررا للقتال وتعكير صفو السلام يفضل الحل السلمي أو الهروب والنتيجة معروفة أنه ما من مرة هاجم آكل العشب الذئب وما من مرة أراد الذئب فيها القتال إلا ووقعي وقلما وقع القتال ونجا آكل العشب.
وانظر إلى الذئب عندما يكون شبعانا أو متخابثا فيقف مسالما بين قطيع الماعز الجبلي أو البقر تراهاسعيدة مغتبطة بسيادة السلام غارقة في التهام الحشيش والترويح بإذيالها على أفخاذها السمينة وكروشها المنتفخة شحما وبطالة ومذلة وفسقا.. في غفلة تامة إلى أن يحدد الوحش هدفه في واحدة منها ويقرر أن يضرب ضربته فيزمجر وعندها يقرر القطيع حصر القتال وعدم التصعيد وأن لا يترك الوحش يجره إلى معركة لم يحدد أرضها وزمانها فيقرر الفرار كل تس على مسئوليته وينهش الذئب ما أراد.
ولو أن جيشنا المصري أثبت أنه أسود ولولا أنهم نهشوا تيوس إسرائيل في 1973 واثبتوا أن العيب ليس فيهم ما كتبنا هذا الكلام.
المهم خاطرت القيادة الإسرائيلية على العنصر الحاسم الذي تميزت به القيادة المصرية في مواجهتها لإسرايل وهو عدم الاستجابة للتحدي الرغبة في عدم تصعيد أي اشتباك إلى مستوى الحرب يقول كنت آمل أن معارك الأيام الأولى ستكوم محلية وهذا يشجع المصريين على تقديرها بأنها ليست أكثر من عمليات ردع كبيرة وبما أنهم لا يرغبون في تصعيدها إلى حرب شاملة فلن يعبروا الحدود ولن يقذفوا مدن إسرائيل ومطاراتها بالقنابل.
بالطبع كانت هناك خطور في المراهنة على هذا الاحتمال فلو ثبت خطأه وشنت مصر هجومها على المدن الإسرائيلية فسندفع ثمنا غاليا ثمن تفويت الفرصة بمفاجأة الطائرات المصرية وهي لا تزال على الأرض ولكني قدرت القيادة المصرية لن يكون لديها تصور صحيح لما يجري في الساعات الأولى.
وليس إلا في صباح اليوم الثاني حتى إن رئي الأركان المصري سيدرس رده ومن المؤكد أنه سيحشد كل قواته لمواجهة الوحدات الإسرائيلية التي تسللت إلى الأراضي المصرية ولكن لا أعتقد أنه سيرسل طائراته لضرب تل أبيب.
وقد ثبت صحة تقديرنا وهو أننا إذ لم نهاجم مطارات المصريين فلن يمدوا نطاق عملياتهم الجوية خلف حدود سيناء.
لاحظ أنه حتى خاطر بخسارة فرصة مباغتة الطيران المصري لأنه إذا فعل وضرب المطارات المصرية في القاهرة والإسكندرية فلا يمكن للقيادة المصرية أن تتعلل بأنها مجرد اعتداء على الحدود وعندها يمكن أن يصل جانب من السلاح الجوي المصري إلى مدن إسرائيل ولذلك حرص على إعطائها المبرر للتخاذل.
على أية حال الطايرات ما كانشي فيها بنزين.
وهكذا ضاعت 24 ساعة حاسمة فاصلة في تاريخ الشرق الأوسط ووصل الإنذار البريطاني ولكن لم يأخذه جمال عبد الناصر مأخذ الجد، وكان يعتقد أن الغرض منه هو أن نعمل على الاحتفاظ بالجزء الأكبر من قواتنا دون تحريكها إلى أرض المعركة في سيناء.
إذا جاءت معلومات بهجوم إسرائل توقع أ،ها تضليل لستر هجوم بريطانيا وإذا جاء إنذار بريطاني توقع أنه لتغطية هجوم إسرائيلي.
وينتقده البغدادي وكان هذا هو ما يعتقده جمال رغم المظاهرات السابقة وصورة الجدية في تحريك انجلترا وفرنسا لقواتها إلى جزيرتي مالطة وقبرص ومواقفهما من الحلول السلمية المختلفة.
أخطأ الرئيس فهم نوعية العلاقة بين أمريكا من ناحية وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا من ناحية أخرى فجهاز الإعلام المصري الذي يصف إسرائيل بأنها عميلة أمريكا يفهم هذه العمالة بمصطلح نوري سعيد أي الخيانة والتبعية حتى ضد المصلحة الذاتية ولذلك تصور أن أمريكا تستطيع فرملة إسرائل على حد تعبير المتحدث الرسمي هيكل وربما بريطانيا ورسنا ولكن الحمد لله ثبتت رؤيا أو بتعبيره تكشفت العملة بلك أبعادها عندما صعد إلى سطح البيت وشاهد القصف على مطار العاصمة كانت الطائرات قاذفات بعيدة المدى كانيبرا بريطانية في الغالب الله أعلم ج وعلى العموم فلا أحد يملك في المنطقة قاذفات بعيدة المدى غير الإنجليز
يعني لازم هم
إذا كانت هذه قاذفة بعيدة المدى، وهذه هي القاهرة واليوم هو الأربعاء فهؤلاء هم الإنجليز ونكون فعلا في حالة حرب.
كان عبد الناصر قد اتخذ قرار بسحب القوات من سينا في أغسطس 1956 وبذلك أصبحت مكشوفة بتعبير هيكل نفسه وكان ذلك أكبر مما تحلم به إسرائيل إذ جعل من الممكن أن تهبط مظلاتها في قلب سينا وأن تنخفض خسائرها بنسبة كبيرة جدا وما أبدته الوحدات المصرية القليلة المتناثرة من مقاومة مذهلة يمكن أن يوحي بما كانت يمكن أن ينزل بالجيش الإسرائيلي في ضربات قاصمة لو أن القوات لم تسحب من هناك.
وفور التأكد من الهجوم الإسرائيلي أصدر عبد الناصر الأمر للجيش بعبور القناة شرقا والتوجه إلى سيناء واتخذ عامر وضع الهجوم.
ورغم كراهية بغدادي لعامر وشهادته السيئة لأسلوب إدارته للمعركة إلا أن الشهادة نفسها تؤكد أن عامر كان يقاتل بكل قواته, وكان ينفذ توجيه الرئيس بحرفياته وكان يأمل وله الحق في الانتصار على إسرائل يقول بغدادي وفي يوم الثلاثاء 30 أكتوبر 1956 ذهبت إلى القيادة المشتركة في الساعة التاسعة صباحا فوجدت كمال الدين حسين موجودا مع عبد الحكيم ولكن لاحظت أن عبد الناصر يدير المعركة بحالة عصبية ويتولى إصدار الأوامر في كل كبيرة وصغيرة والقادة في الميدان لا يملكون التصرف إلا بعد الرجوع إليه وهذا عيب كبير في إدارة المعارك الحربية وهو كقائد عام يجب عليه أن يتفرغ للأمور الهامة أثناء المعركة وقد لاحظت أيضا أنه كان يدفع بقوات كثيرة إلى أرض المعركة دون مبرر واضح يدعو إلى هذا التصرف ولكن على ما يظهر كان يرغب في تحقيق نصر سريع لأنه كان عندما يمر بعض الوقت دون سماع أخبار عن تحقيق النصر الذي يأمله يقذف بقوات جديدة إلى أرض المعركة.
المهم أن القوات المصرية كانت في حالة اندفاع إلى سيناء ولم يكن الوقت قد سمح لها بعد بتحقيق انتصارات كما سينتج بغدادي فالأوامر صدرت بالهجوم في ليل يوم 29 وبغدادي في القيادة في التاسعة صباحا فهي على الأغلب وحتى مساء نفس اليوم إما مازالت تعبر وعبور القناة وقتها لم يكن بالعملية السهلة فلم يكن هناك إلا الكوبري وعبارة شبه يدوية أو وصلت إلى سيناء وبدأت تأخذ مواقفها وتوزع مهماتها وتحاول تحديد مكان العدو.
وفجأةي انقلب كل شيء رأسا على عقب.
قرر الرئيس الانسحاب
وإليك رواية المحامي العام.
وكان جمال عبد الناصر في مقر قيادة القوات المسلحة في كوبري القبة يواجه مواقف بالغة العنف.
دخل هو إلى القيادة وفي ذهنه أن الانسحاب الكامل من سيناء ضروري حتى لا تقع كارثة كان يخشاها ويتحسب لها وكان عبد الحكيم عامر يعارض قرار الانسحاب من سيناء وحاول عبد الناصر أن يتكلم بهدوء في بداية الأمر ويقول لعبد الحكيم عامر:
ألا ترى أن استمرار تدفق قواتنا على سيناء معناه أننا نجري بأقصى سرعة لكي نضع أنفسا في فخ؟
أن قواتنا سوف تجد نفسها والإسرائيليون أمامها والإنجليز والفرنسيون وراءها ولابد من تجمع القوات كلها في منطقة قناة السويس وإلى الغرب منها لخوض المعركة ضد العدو الرئيسي وهو بريطانيا وفرنسا وبعدها يكون أمر إسرائيل سهلا.
ويقاوم عبد الحكيم عامر لأسباب عاطفية قرار الانسحاب ويصر جمال عبد الناصر ويبعث الإشارات موقعة منه إلى قادة الوحدات المتقدمة في سيناء بأمرهم فيها بالانسحاب وكانت خطته على النحو التالي.
- 1- أن الكتائب الأصلية الثماني التي كانت موجودة في سيناء من الأصل عليها أن تقاوم مهما كان الثمن وحتى إلى أخر رجل وأخر طلقة ولمدة ثمانية وأربعين ساعة وذلك حتى توقف تقدم الجيش الإسرائيلي في سيناء فلا تشتبك مع القوات المتدفقة عليها بينما هي الآن تحاول الانسحاب عائدة إلى غرب قناة السويس.
- 2- على كل القوات المتدفقة عبر قناة السويس إلى الشرق وفي مقدمتها الفرقة الرابعة المدرعة أن تكمل انسحابها من سيناء في ظرف ست وثلاثين ساعة مهما كانت الثمن وعليها أن تتمركز في منطقة القناة وفي مناطق الدلتا لتكون مستعدة لمواصلة القتال مع العدو على الجبهة الرئيسية للمعركة.
- 3- تعطيل الملاحقة في قناة السويس ونسف بعض السفني المحملة بالأسمنت فيها وسط المجرى الملاحي ووضع كل غزاة القناة أمام أمر واقع جديد.
- 4- على الطيران المصري أن لا شتبك مع العدو لأن المعركة غير متكافئة وليس مهما تدمير الطائرات المصرية وإنما المهم الحفاظ على الطيارين المصريين المدربين وعددهم محدود وإذا تمكن العدو من اصطيادهم في الجو وإسقاط طائراتهم وهم فيها وقتلهم فسوف تمر عشر سنوات قبل أن يكون لمصر طيارين قادرين على العمل والأوضاع الحالية لا تترك للطيران المصري فرصة فأمامه قرابة ألف طائرة بريطانية فرنسية وإسرائلية ولي لمصر أكثر من مائة وعشرين طيار مدربا ولسوف ينتهي الغزو البريطاني الفرنسي يوما وتبقى إسرائيل أمامنا ولا يستطيع أن نواجهها بغير طيارين.
- 5- الاستعداد لحرب شعبية ممتدة ضد الاحتلال حتى لو توقفت الحرب المنظمة واستطاعت قوات الغزو أن تتغلب على القوات النظامية للجيش المصري وتم ما طلبه جمال عبد الناصر.
أما بغدادي فيقول إن صلاح سالم هو الذي اقنع عبد الناصر بالانسحاب ويقول في العاشرة والثلث مساء صدر قرار الانسحا الشامل لقواتنا من تلك المناطق سيناء وحتى من قطاع غزة ورفح والعريش وشرم الشيخ.
وبغدادي يجعل القرار جماعيا ولا يشير بحرف إلى معارضة عامر العنيفة لقرار الانسحاب ولو كان فيه الخير أي قرار الانسحاب لأطنب في تسجيل معارضة عامر .
ويقول حمروش قرر عبد الناصر سحب قوات الجيش إلى منطقة القناة لتقف مع الشعب في دفاعه عن حريته وقناته بدلا من دفعها إلى سيناء وهي ثمن مساحة مصر كلها والقوات المتيسرة ليست كافية للدفاع عنها في ظروف تفرض الصحراء فيها متاعب إدارية وفنية كبيرة.
عبيد السوء هؤلاء الذين اغتالوا سيدهم يكرهون سيناء وهي عندهم صحراء وباعتبارهم مهاجرين من بروكلين ومانهاتين وكييف لا يقدرون على حرب الصحراء ومتاعبها الإدارية والفنية مثل البدو اليهود ولذلك يتركونها لهم كلما هجموا .
لماذا تخلى ثمن مساحة مصر لماذ لا يدافع الجيش عن حريتنا وقناتنا في سيناء على الضفة الشرقية للقناة؟ وأي دفاع عن القناة هذا إذ سمحت للعدو بالوصول إلى شاطئها الشرقي وإذا كنت تريد الدفاع عن نشاطئها الشرقي بالانسحاب إلى الضفة الغربية إذا كنت ستدافع على شاطئ سيناء فلماذا لا تدافع في الممرات؟
وهل هذه قضايا يقررها عبد الناصر حتى إذا كان قريب العهد من عمله في مدرسة الأركان إن خطة الاستيلاء على مقر قيادة الجيش يوم 23 يوليو لم يضعهاعبد الناصر بل كلفوا بها زكريا محيي الدين لماذا لا يترك للعسكريين الذين أوكلت لهم الثورة مسئولة الجيش اتخاذ القرار؟
عبد الحكيم عامر وضباطه ورفضوا الانسحاب وقرروا أنه من المصلحة الالتحام مع الجيش الإسرائيلي في سيناء وتكبيده أكبر خسارة ممكنة فهذا من ناحية يفيد الاستراتيجية المصرة على المدى البعيد لأن إسرائيل هي العدو الدائم والجار المقيم ولأن القال كان سيطعم الجنود بالدم فيتعودون الصمود والاشتباك مع اليهود والسلاح كان متوافر أكثر من أي وقت منذ 1948 وهذه فرصة التعميد بالنار كما يقولون ولأنه سوف ينتهي الغزو البريطاني الفرنسي يوما وتبقى إسرائيل أمامنا.
ويرى العسكريون وفي مقدمتهم عبد الحكيم عامر أن الانسحاب سيدمر الروح المعنوية للعسكريين والشعب بل والشعوب العربية وسيخلق سابقة سيئة في أول حرب تخوضها الثورة ضد العدو الدائم كما أنه سيضاعف الخسائر، لأن الأسلحة هناك ولا تغطية جوية ومن ثم فالاحتمال الأرجح هو فقدان كل العتاد العسكري ونسبة هائلة من الجنود فلا يبقى ما يدافع به عن قناتنا وحريتنا وهذا نص أمر عبد الناصر: الانسحاب من سيناء في ظروف ست وثلاثين ساعة مهما كان الثمن وما هو الثمن هنا إلا العتاد وعدم اللامبالاة بالخسائر في الأرواح.
وهو ما حدث فعلا أو كما يقول هيكل وتم لعبد الناصر ما أراده وكأنه فتح تل أبيب.
ولنفرض أن الجيش المصري حوصر فعلا بين الجيش الإسرائيلي والجيش البريطاني الذي لم يتخذ موقعا على أرض مصر إلا قبل وقف إطلاق النار بيوم واحد ولم يتجاوز بورسعيد فيما بقي الجزء الأكبر من القناة مفتوحا للجيش المصري إذا شاء القتال لنفرض أنه حوصر هل كانت الخسارة ستكون أفدح؟
لقد حسرت مصر جميع الأسلحة البرية والجوية، وانفرط عقد الجيش تماما وصدر الامر كما يقول هيكل للكتائب الثماني في سيناء أن تنسحب كل رجل على مسئوليته أي تفرقوا أيدي سبا.
انسحب الضباط ومن نجا من الجنود بالملابس المدنية بعد أن هجروا أسلحتهم الثقيلة وباعوا أخفيفة للبدو مقابل الحصول على جلباب وحذاء غير عسكري وجرعة ماء.
وكانت إسرائيل تعتقل الضباط وتترك الجنود وتجبرهم على عبور سيناء حفاة جياع شبه عراة وتطاردهم بالطائرات في ما يشبه لعبة صيد الأدميين وقد خلالها الجو وقالت غولدا مايير أنهم انتقوا خمسة ألاف ققط كأسرى من بين ثلاثين ألف جندي مصري كانوا هائمين في سيناء بلا ضابط ولا رابط فريسة مكشوفة للطيران الإسرائيلي الجبان، الذي لا يظهر إلا بعد تدمير الطيران المصري!
هل هذه الخطة كانت أبرع من استشهاد ضباطنا في ثيابهم الرسمية فوق دبابتهم وعلى رأس جنودهم؟
وللحقيقة والتاريخ يسجل حمروش أن عبد الحكيم عامر رفض قرار الانسحاب وظل في مناقشة عاصفة معه جمال عبد الناصر طوال الليل مما أخر سحب الدبابات قليلا وأخيرا رضخ عامر أو تمت تنحيته حسب رواية هيكل إذ راح عبد الناصر يبعث الإشارات موقعة منه إلى قادة الوحدات المتقدمة في سيناء يأمرهم بالانسحاب وتخيل معنوية القادة والأمر تصلهم من رئيس الجمهورية ويتساءلون أين القائد العام ماذا جرى؟
وظهر خلاف جديد!
الانسحاب تم كما توقعه عامر وكما حاول طوال الليل أن يتفاداه فالجيش المصري غير الجيش البريطاني الذي قال فيه أنه كان ينتصرببراعة انسحابه فما أن صدر الأمر للجيش بالانسحاب والالتحام مع الشعب وبأي ثمن؟ حتى انسحبت القيادات إلى الزقازيق ولكن جمال عبد الناصر أوضح لهم أنه لا يجوز ترك القناة عارية بلا دفاع لأن ذلك يسهل للمهاجمين اقتحامها دون عناء وأنهم سيقفون عند حدوث ذلك دون رغبة في اقتحام الدلتا أو الوصول إلى القاهرة.
وحدث خلاف جديد بين جمال عبد الناصر وبين العسكريين من رجال الجيش الذين تصوروا أن ألتحام ال شعب بالجيش يكون بسحب القوات إلى غرب القناة حيث تزيد كثافة السكان ونقلوا مركز الرئاسة إلى الزقازيق فعلا.
وهذا هو المفهوم المتوقع إذ لا شعب في صحراء سيناء يلتحمون به ولماذا الاستنتاج وها هو الأمين على الناصرية الذي يطلع على الوثائق في الخزائن التي في الدور الأرض يقول حرفيا أمر أمر عبد الناصر هو: تجمع القوات كلها في منطقة قناة السويس وإلى لغرب منها لخوض المعركة ضد العدو الرئيسي وهو بريطانيا وفرنسا.
تحاو الانسحاب عائدة إلى غرب قناة السويس ص 234 الفرقة المدرعة تتمركز في منطقة القناة وفي مناطق شرق الدلتا ص 234.
هذا كله هذر الانسحاب بالصيغة التي صدر بها كان وقف إطلاق نار وتسليم سيناء بلا قيد ولا شرط.
- 1- سحب جيش مازال مندفعا في طريقه إلى المعركة وبع أن قذف بمعظم القوات إلى أرض المعركة.
- 2- الأمر بالانسحاب مهما كان الثمن.
- 3- سحب الطيران نهائيا من المعركة ولا حتى من تغطية الانسحاب على الطيران المصري أن لا يشتبك مع العدو لأن المعركة غير متكافئة وليس مهما تدمير الطائرات المصرية. .. إلخ.
- 4- إرباك العسكريين بجملة إنشائية سخيفة: الالتحام مع الشعب التي لا مكان لها في التوجيهات العسكرية فالالتحام يكوم مع العدو في معركة طاحنة وكان أن فهمها العسكريون بأنها تعني الاختفاء داخل الحدائق وبين المنازل والتحول إلى المقاومة الشعبية.
أن أمر الجيش بالالتحام مع الشعب تعبير معروف يقصد به حل الجيش أو الاعتراف بانحلال الجيش لأن القوات المسلحة النظامية طالما ظلت تحتفظ بكيانها فليس المطلوب منها الالتحام مع الشعب وإنما منع نار الحرب من الوصول إلى الشعب.
وإذا كنا نعتقد أن عبد الحكيم عامر هو أسوأ قائد تولى قيادة الجيش المصري منذ مراد وإبراهيم باستثناء محمد فوزي إلا أن الانصاف يتقضي القول بأنه لا يتحمل مسئولية كبيرة في ما جرى خلال حرب سيناء هذه وأقصد يوميات القتال فلم يكن الأمر أمره، ولا التقدير تقديره ولا القرار قراره.
عبد الناصر يحمل المسئولية الكاملة في ما نزل بجيشنا فقد تم له ما أراد بنص كلمات هيكل الفرحة واستقرت الخطة الدفاعية على أساس تفكير جمال عبد الناصر كما يقول حمروش ثم يعود فيناقض نفسه ويقول إن عبد الحكيم عامر كان يستحق المحاكمة على قيادته للجيش في حرب 1956 وهو ظلم مبين للرجل فبعد قرار الانسحاب لم تعد هناك معركة ولا حرب عبد الناصر هو الذي أصدر قرار الانسحاب وكان سعيدا وفخورا به فعندما أبلغ جمال عبد الناصر أن عملية الانسحاب قد تمت قال شعرت على الفور ساعة أخطرت أن مصر كسبت المعركة حين أحبطت خطة العدو ولو أن قرار الانسحاب قد تأخر 24 ساعة فقد كان الأمر كله قد انتهى.
معركة وكسبناها فلماذا يستحق القائد العام المحاكمة؟
ونعتقد أن هذه هي عينة من الشعارات المسبوكة التي وضعت فيما بعد لقلب الصورة وجعل الهزيمة انتصارا والقرار الخاطئ بالانسحاب عبقرية وإلا فما الذي تحقق بالانسحاب من سيناء؟
ماة مليون جنيه وثلاثة ثمن السلاح الذي دمروا سقط في يد العدو واستشهاد الآلاف من شبابنا..
ما هي المعركة التي كسبتها مصر بالانسحاب.
لم يكن سلوك عبد الناصر وكلماته في لحظات الصدق مع النفس خلال الحرب تعكس مثل هذا الادعاء بنجاح الخطة وكسب المعركة فقد كان يبكي ويقول هزمني جيش وليس هكذا يتكلم القائد الذي كسب المعركة بفرق 24 ساعة هذا كلام كان يقبل ويردد بدون مناقشة يوم كان عبد الحليم حافظ يغني له (قول ما بدا للك أحنا رجالك وذراعك اليمين) حتى فنت الرجال وقطع اليمين.
كذلك قد عرفنا من شهادة بغدادي وتحليل موشي ديان سبب عدم اشتراك الطيران المصري في المعركة وسر انتظار الطائرات حتى جاء الإنجليز وحطموها على الأرض في يوم واحد وكانوا يتوقعون يومين ولكن هيكل كالدبة التي قتلت صاحبها ينسب هذا إلى الرئيس عبد الناصر نفسه عندما يقول أنه أصدر أمره بالآتي:
على الطيران المصري أن لا يشتبك مع العدو لأن المعركة غير متكافئة وليس مهما تدمير الطائرات المصرية، وإنما المهم الحفاظ على الطيارين المصريين المدربين وعددهم محدود وإنما تمكن العدو من اصطيادهم في الجو وإسقاط طائراتهم وهم فيها وقتلهم فسوف تمر عشر سنوات قبل أن يكون لمصر طيارين قادرين على العمل والأوضاع الحالية لا تترك للطيران المصري فرصة فأمامه قرابة ألف طائرة بريطانية فرنسية إسرائيلية وليس لمصر أكثر من مائة وعشرين طيارا مدربا ولسوف ينتهي الغزو البريطاني الفرنسي يوما وتبقى إسرائيل أمامنا ولا نستطيع أن نواجهها بغير طيارين.
ولأنه مجرد إنشا ورص كلام أو بصراحة مجرد أكاذيب فهو يتناقض مع بعضه إذا كان الانسحاب من سيناء هو موضوع التبرير تصبح بريطانيا وفرنسا هما العدو الرئيسي وبعدها يكون أمر إسرائيل سهلا ص 233 فإذا انقلب إلى الدفاع عن تدمير السلاح الجوي أصبح الغزو الإنجليزي فرنسي ظاهرة عارضة أما إسرائيل فهي العدو الدائم الباقي ص 234.
سلوين لويد قال أن عبد الناصر كان لديه جهاز إعلام يحسده عليه جوبلز ربما ولكن جوبلز لم يكن يكذب على نفسه وعلى هذا النحو المفضوح التناقض.
وفي إحصاء هيكل لما تم مما طلبه جمال عبد الناصر
احصى الآتي:
- • استطاعت الكتائب المصرية الثماني في سيناء أن تقاتل وأن تصمد في قتالها على مدى الثماني والأربعين ساعة المطلوبة منها ولم تستطع القوات الإسرائيلية أن تتقدم على محاور سيناء الأربعة إلا بعد أن توقفت مقاومة هذه الكتائب بعد الموعد المقرر لها وبدأ انسحابها وكان رأي قادتها أنها لا تستطيع الانسحاب بطريقة منظمة خصوصا وأنها أبلت في القتال بلاء حسنا وهكذا كان الأمر ل كل رجل على مسئوليته.
- • عادة القوات التي كانت تتدفق على سيناء وفي مقدمتها الفرقة الرابعة المدرعة وكان الطيران البريطاني الفرنسي قد ركز عليها لتدميرها أثناء انسحابها ولكنه لم ينجح إلا في إصابة بعض مركباتها الخفيفة وأما القوة المدرعة الرئيسية فقد تمكنت من العودة سالمة إلى مواقعها الجديدة.
- • تم تعطيل قناة السويس وتوقف شريانها الحيوي عن الضخ ووجد الذين كانوا يحاولون ضمان حرية الملاحة في القناة أن القناة توقف نبضها.
- • ابتعد الطيارون المصريون عن سماء المعركة أمام تفوق لا قبل لهم به وهو كفيل بالقضاء عليهم جميعا واحدا واحدا.
- • كان الاستعداد لمواصلة الحرب الشعبية على قدم وساق واختار جمال عبد الناصر موقعا في وسط الدلتا قرب طنطا ليكون مقر قيادته في حرب كل الشعب ضد الغزو إذا كانت هناك ضرورة لذلك.
- 1- وإذا كنا سنعود لهذه النقطة في ما بعد الأن هيكل يعترف أن قرار الانسحاب هو الذي أوقف المقاومة المصرية للقوات الإسرائيلية وهذه فعلا كانت من أعنف المعاركة وكان يمكن أن تغير الصورة لولا الأمر بالانسحاب وكأن القيادة المصرية كانت تعمل مع القوات الإسرائيلية وإلا فكيف تفسر موقفها من هذه القوات التي وصفها بأنها صامدة ومستمرة في القتال ولا سبيل لتأمين سلامتها بل ولا تستطيع الانسحاب بطريقة منظمة فذا بالقيادة تنفض يدها منهم بل يا ليت ياليتها تركتهم يقاتلون إلى آخر جندي أو إلى آخر طلقة ثم يأسرون كما يحدث في كل الحروب، بع أن يعطلوا تقدم العدو ويكبدوه أكبر خسارة ممكنة لا تأمرهم بالانسحاب كل رجل على مسئوليته وهو أمر لا يعني إلا التمزق والتحلل من الانضباط العسكري والروح الجماعية، التحول إلى وحوش كل منهم يحاول النجاة بجلده لماذا لماذا تأمرهم بوقف القتال ولماذا تصدر هذا الأمر القبيح كل رجل على مسئوليته!
- وأي جوبلز هذا الذي يحسد إعلاما يردد نجمة هذا الأمر الغريب أو التخلي عن مسئولية تأمين الانسحاب لهؤلاء الأبطال والسبب أنهم أبلوا في القتال بلاء حسنا هل الذي يبلي في القتال بلاء حسنا نسرحه ونقوله له دبر حالك خد بالك من اليهود وأنت ماشي؟
- ما هذا الهذر؟ وكيف يفسق في تاريخنا هذا الجاهل يقول: وكان رأي قادتها أنها لا تستطيع الانسحاب بطريقة منظمة خصوصا وأنها أبلت في القتال بلاء حسنا وهكذا كان الأمر لها: كل رجل على مسئوليته ص 235 إن كان هذا كلام عاقل فهو مريب الهدف.
- وإن كان هذا هو منطق هيكل فيا حسرة على أمة كان هو المصدر الوحيد للمعرفة فيها ومستشار قيادتها؟
- 2- يعترف أن القوات المدرعة التي كانت تتدفق على سيناء وفي مقدمتها الفرقة الرابعة انسحبت تحت ضرب الطيران البريطاني والفرنسي والذي ركز على تدميرها أثناء انسحابها ولكنه يزعم أن الطيران البريطاني والفرنسي أو الألف طائرة إياها ولا ندري لماذا استثنى الطيران الإسرائيلي من هذه المهمة ج لم ينجح ولا يفسر لنا سبب ذلك فالقوات تعبر مضيقا مائيا لا يمكن أن تعبر عليه إلا عرة واحدة في الوقت الواحد وبلا غطاء جوي لأن الحكيم قرر أن الطيرين أهم من أن يخوضوا حربا فيقتلهم العدو داخل طائراتهم لماذا وكيف فشلت الألف طائرة في اصطياد هدفا مكشوفا محصورا مثل هذا؟
- سنقدم في هذا الأمر شهادة عبد الناصر نفسه ولكن ألم يكن وضع هذه القوات في سناء أفضل وهي مشتبكة مع العدو، مما يقلل فعالية الطيران بسبب الاشتباك ألم يكن هذا أفضل من وضعها وهي تقوم بدوره 360 درجة من الاندفاع إلى الهجوم إلى التراجع وجيش إسرائيل في ظهرها وألف طائرة فوقها؟
- 3- تهريب الطيارين من المعركة كان قرارا خاطئا، فلو كانوا قاتلوا وقتلوا في طائراتهم وخلف مدافعهم وهم يتعرضون لطائرات العدو ويسقطون منها قدر جهدهم لخلقوا تقاليد سلاحنا الجوي ودافعوا عن شرف هذا السلاح وأضافوا لتراث الوطن العسكري وخففوا بلا شك من خسائرنا وأنزلوا الخسارة بالعدو وخاصة في اليوم الأول قبل تدخل الطيران البريطاني وحتى لو استشهدوا جميعا حتى لو صدقنا خرافة أننا نحتاج لعشرة سنوات أخرى وليكن فمعنى ذلك أننا كنا سنكون جاهزين في نوفمبر 1966 وهو وقت كافي جدا لخوض حرب 1967 وإلا فماذا فعلنا بطيارينا الذين انقذناهم في الفترة ما بين 1956- 1967 إلا ضرب الحدود السعودية والمعارضة اليمنية؟
- ولماذا نلوم صدقي محمود إذا نفذ توجيهات الزعيم وصدق كل ما قيل عن عبقريتها فأنق الطيارين مرة أخرى وترك الطائرات تدمر في 1967؟
وإذا كان هيكل قد كلفت معركة سينا في أقل من صفحة في كتاب من ثلاثمائة وأربع صفحات مخصص لإثبات أنها كانت أكمل نصر عربي فلأنه يريد أن يخفي الحقائق التي تفضح كذبه ولذلك لابد أن نقدم نحن صورة ما جرى فعلا في حرب سيناء.
ونبدأ بشبه الماركسي الحائر بين ما ظل يردده باعتباره من المسئولين في الإعلام الناصري عن نصر السويس وبين الحقائق التي يعلمها وتعلمها.
قال حمروش كان مفروضا أن يحاكم عبد الحكيم عامر عكسريا على موقف القوات المسلحة في عدوان 1956 الذي ثبت يقينا أنها لم تؤد دورها كما يجب مع تقدير وجودها في مرحلة انتقال .. إلخ.
وقد ناقشنا حجم مسئولية عامر وسنناقشه وإنما المهم هنا هو الاعتراف بأن التقصير وصل إلى حد استحقاق القائد العام للمحاكمة العسكرية وهي صورة لا توحي أبدا بنصر كامل فضلا عن أكمل نصر في تاريخ العرب الحديث؟ يا لعار تاريخ العرب الحديث إذا كان أكمل نصرهم يستوجب محاكمة قائدهم؟
ويقول: كانت المقاومة الشعبية تقاتل في بورسعيد بينما توقف الجيش عمليا عن القتال بعد انسحابه
إذ لا حماية حريتنا ولا قناتنا ولا التصدي للهجمة الانجلو فرنسي العدو الرئيسي كل هذا لم يكن سوى كذب وتضليل لإخفاء حجم الهزيمة.
والمؤرخون لهذه الفترة والماركسيون بصفة خاصة يشيدون بالمقاومة الشعبية في بورسعيد والموقف الرائع للشعب المصري ولكنهم يخطون تفسير هذه الظاهرة ويخفون الكثير من حقائق هذا الموقف ولكي نقدر موقف الشعب المصري ونتعرف على طبيعة المقاومة الشعبية في بورسعيد حيث سقطت 23 يوليوا وأصبح الشعب وحده في مواجهة الاحتلال يجب أن نأخذ فكرة عن الحالة عند القمة..
يسجل بغدادي باستياء أنه عندما جا الخبر الكاذب عن إنزال جنود مظلات في أرض السباق بمصر الجديدة: حدث على الأثر ما لا كنت أتوقعه من الانفعال والعصبية وتكلم عبد الحكيم قائلا: اختفوا جميعا واتركوني مع الجيش واضطرب جمال عبد الناصر وفكر في أولاده وطلب العمل على نقلهم فورا إلى القناطر الخيرية، ولكنه عاد بعد فترة وطلب نقلهم إلى منزل في وسط القاهرة خوفا من كلام الناس وحتى لا يقال أنه هرب أولاده وترك الناس معرضين للخطر وأما صلاح سالم فإنه كان يصر على قيامنا فورا بمغادرة مبنى القيادة والاختفاء وطلب منا أن نذهب إلى منزله لنناقش الموقف في هدوء بعيدا عن الخطر لعله كان يفكر في مذبحة قلعة أخرى وتكرار قصة شمشون .
ولم يكن هناك أي قوات بالقاهرة إلا الكتيبة 13 المكلفة بحراسة منزل جمال عبد الناصر إذا كانت الرواية الشائعة هي نصيحة صلاح سالم بالتسليم فإن بغدادي يقسم هذه النصيحة مناصفة بين عبد الحكيم عامر وصلاح سالم بل ويجعل عامرا هو السابق إليها فيقول إن عامر اختلى بجمال عبد الناصر وعرض عليه التسليم أو طلب وقف القتال وأن عبد الناصر استدعى بغدادي إلى مكتبه وطلب من عبد الحكيم عامر أن يتحدث معه وزكريا في الموضوع الذي سبق وذكره له أي لجمال وقال عبد الحكيم أنه يفضل طلب إيقاف القتال.
أما حكاية صلاح سالم فهي أطرف في رواية هيكل إذ قال لجمال عبد الناصر لقد أديت لمصر خدمات عظيمة وأنت اليوم مطالب بخدمة أخرى سف يذكرها لك التاريخ وهي أ، تذهب إلى السفارة البريطانية وتسلم نفسك.
بصرف النظر عن أمانة هيكل في النقل وصلاحيته كمصدر إلا أن الرواية أيدها بغدادي وغيره من المصادر الأكثر مصداقية وهي على أية حال لا تستغرب من صلاح سالم فقد كان يتمتع بقدرة على السخرية حادة لا يفوقها إلا حقده على عبد الناصر وقناعته بأنه أي عبد الناصر لا يؤمن بأية قيم، ولا يفكر إلا في مجده الشخصي واستمراره في السلطة وتقدم سليمان حافظ بطلب إعادة جمال عبد الناصر إلى الكتيبة السادسة المشاة، وإعادة محمد نجيب لأن الناس تقول أن عبد النصار يخلط بين مجده الشخصي وبين مستقبل البلاد.
والحمد لله لم يتقدم بطلب التسليمي أو وقف إطلاق النار شيوعي ولا إخواني ولا وفدي ولا مواطن من الذين حرمتهم الثورة من العمل السياسي منذ أن وصلت إلى السلطة بل عامر وصلاح سالم وأخيرا المستشار الخاص الذي فلسف لهم الإرهاب، ونظم لهم القضاء على القوى الوطنية.
وبينما صورة هيكل هي سيطرة عبد الناصر تماما على الموقف العسكري وغبطته بنجاح خطته العسكريةي نجد صورة مخالفة تماما عند بغدادي.
ثم بدأ عبد الناصر يتكلم عن أنه لا يعلم شيئا عما يفعله الجيش وأن القوات العسكرية انتشرت في شوارع القاهرة وتركت منطقة القناة رغم الاتفاق على سحبها من سيناء للدفاع عن تلك المنطقة وأنه منعزل تماما عن القيادة العسكرية ولا تصله أية معلومات عن أوامر العمليات أو تحركات القوات أو خطة الدفاع وذاكرا أنه المسئول الأول في الدولة وأن صلاح سالم هو الذي أصبح وكأنه هو المسئول وتنفذ اقتراحاته ويصدر الأوامر كما ذكر أنه أي صلاح الذي اصبح كان قد اقنع عبد الحكيم بالتسليم ووقف القتال ومن أن صلاح قد أصبح مسيطرا عليه وكانت حالة جمال عصبية وهو يذكر ذلك بل كان يكاد يفقد السيطرة على نفسه فطلبت منه أن يهدأ ...إلخ.
وتكلم جمال في هذا الاجتماع ذاكرا لعبد الحكيم وبصراحة تامة كل ما يشعر به عن انعزاله عن القيادة العسكرية تماما وعدم علمه بما يجري رغم مسئوليته وأن صلاح هو الذي أصبح يدير البلد على حد قوله ولكن عبد الحكيم رد عليه عند ذكره لهذا بقوله أنت تعلم أن لي شخصيتي ولي رأيي، ولا يمكن أن أنصاع لا لصلاح أو غير صلاح وكان جمال يتكلم وهو في حالة عصبية أما عبد الحكيم فقد كان متمالكا لا عصابه ولقد سأل جمال عما يريدون منه وذاكرا أنه ليس لديه مانع من أن يتولى جمال القيادة العسكية بنفسه وهو على استعداد أن يعمل تحت قيادته ولكن جمال رد عليه بقوله: أنا لا أطلب أن أتولى القيادة ولكني أطلب أن أكون على علم بما يجري وأن يؤخذ رأينا فنحن أيضا كنا عسكريين ونفهم شويه في النهاية وبعض نقاش حاد ثم الاتفاق على أن يقوم عبد الحكيم بإرسال ضابطين من ضباط الأركان حرب من مكتبه ليكونا ضابطي اتصال بمكتب جمال وذلك حتى تتوافر له الصورة كاملة أولها بأولها.
ولا أعرف شخصية بغداد ولكن لابد أن يتمتع بقدرة عالية على السخرية فهذا ما قدمه من معلومات ضابطي الاتصال أو الصورة الكاملة التي أعطياها لعبد الناصر...
قالا أن الخطة الدفاعية هي غرب فرع رشيد وذلك حتى يتم تنظيم القوات المنسحبة ونظرة إلى الخريطة تعني أن القيادة قد تركت سيناء وقناة السويس والدلتا منطقة مفتوحة.
وأثبت عبد الناصر أنه فعلا يفهم شوية في العسكرية أو على الأقل في الجغرافيا عندما سأل مرتاعا معنى هذا أننا الآن ونحن في القاهرة شرق فرع رشيد ج خارج منطقة الدفاع فقيل له نعم.
يبقى صلاح سالم ما غلطش لما اختصرها من أولها.!
وعلمنا منهما أن أغلب قواتنا العسكرية كانت قد انسحبت إلى منطقة القاهرة والأنكى من ذلك أنه كان في تقدير ضابطي الاتصال أنه من الصعوبة بمكان إنزال قوات معادية في بورسعيد أو السويس وإن كان هناك محاولة من العدو فستكون غرب الإسكندرية ولذلك لم تعطي أهمية قصوى لتقوية الدفاعات في منطقة القناة وقد أشرنا إلى خطأ هذا التقدير منها لأن الإنذار البريطاني الفرنسي قد حدد المنطقة التي هددا باحتلالها وسياسيا أمام الرأي العام العالمي الدولي لا يمكنهما غزو كل مصر حتى يصلا إلى منطقة القناة موضع الخلاف ولأن خسائرهما في تلك الحالة ستكون كبيرة ولكن كان هذا هو تقدير القيادة العسكرية المصرية.
ويقول بغدادي في تلك الفترة كان هناك تقدير مرير لعبد الحكيم عامر والجيش من الكثيرين ولكن لابد أن نكون منصفين فالحمل كان أكثر من أن يتحمله عبد الحكيم بمفرده خاصة بعد دخول انجلترا وفرنسا المعركة والعامل النفساني كان له تأثير كبير على تصرفات الكثيرين كما وأنه كان قد حدث شلل مفاجئ للكثيرين أيضا بعد أن اتضح دخول الدولتين المعركة بالإضافة إلى إسرائيل.
وقال إن البعض شبه عامر باللواء المواوي قائد العمليات في حرب 1948..
وفي يوم الأحد 4 نوفمبر توجهت إلى حجرة جمال لتناول الإفطار معه فوجدته وقد ارتدى ملابسه ويقوم بتناول الإفطار وقال لي إنه لم ينم طوال الليل، وصرح لي أنه قد بكى وأنه على ما يظهر قد أضاع البلد على حد قوله فتأثرت لحاله ولا أعرف ماذا أفعل لأساعده وأساعد نفسي أيضا في هذا الموقف العصيب الذي يحيط بنا.
وهذه اللحظات لا تعيب عبد الناصر ولا تنتقص من شجاعته أو تعطي مجالا للقول بأنه قامر بالوطن بالعكس أنها طبيعية جدا، وكان يفترض في بغدادي أن يقول له مثل هذا الكلام ولكن يبدو أنهم جميعا كانوا مقتنعين بأنهم أو أنه هو وحده أضاع البلد!!
وسافر عبد الناصر مع بغدادي قاصدين بورسعيد وإليك ما شاهداه: وعلى هذا الطريق شاهدنا عربات عسكرية كثيرة مدمرة أو مقلوبة ودبابات متروكة، منها المحروق ومنها ما يظهر على أنه سليم أو ربما يكون معطلا نتيجة إصابته من الطائرات المغيرة، والتي ظلت تهاجم القوات المتحركة على هذا الطريق بعد الانسحاب وهي في طريقها إلى القاهرة وكان جمال يسألني عن كل دبابة أو عربة نمر بها؟
وكنت أشعر أنه ي عالم آخر غارق في التفكير وكنت ألمس أنه متعب جدا من الموقف وكنت أحاول أن أخفف عنه وأهون عليه الأمر وكنت اعتبر هذا من واجبي في هذه الآونة التي تمر بها بلادي وأعرف أن جمال هو رمز الثورة في مصر بل وفي المنطقة كلها.
ونحن في طريقنا إلى الإسماعيلية قال جمال بصورة مؤثرة ومحزنة بعدما شاهد من العربات والدبابات محطمة على جانبي الطريق أنها بقايا جيش محطم وأخذ يتحسر على المبالغ التي كانت قد أنفقت على تسليح الجيش قائلا أن مائة وثلاثة ملايين من الجنيهات قد ضاعت هباء كما قال أيضا بالإنجليزية I WAS defeated by my army قد هزمت بواسطة جيشي وكنت أقول له لا تيأس ولكنه يرد على بقوله أنك تعرف أنني لا أيأس أبدا وكنت أحس أن امامي رجلا محطما.
ربما من ضخامة النصر الكامل هل نصدق عبد الناصر أم نصدق هيكل. بقايا جيش محطم ومائة وثلاثة ملايين من الجنيهات ضاعت هباء أي كل الصفقة الروسية. هذا تقدير عبد الناصر.
أما زعم هيكل ولكنه لم ينجح إلا في إثابة بعض مركباتها الخفيفة وأما القوى المدرعة الرئيسية فقد تمكنت من العودة سالمة إلى مواقعها الجديدة.
قد يغفر له الكذب خلال المعركة وكلنا كذبنا وكلنا مدحنا عبقرية قرار الانسحاب ولكن بعد المعركة؟ وبعد الهزيمة الثانية، وبعد أن أصبح المكسب الوحيد الممكن هو تحويل كوارث التاريخ إلى تجارب فإن الإصرار على الكذب جريمة .
ولا تعجبني شماته عبد اللطيف بغدادي وهو يسجل في يومياته أن عبد الناصر كان وقتها لا حول له ولا قوة مع أنه قائد ثورة ورئيس جمهورية وكنت في تلك الأثناء أنظر إلى جمال وأقارن بينه في تلك اللحظة وبينه في لحظات أخرى سابقة عندما كان يشعر بالانتصار والقوة.
عيب
فالهزيمة كانت على يد العدو الأجنبي... شعبنا كان أنيل وأكثر وعيا، نسي كل الآلام التي تجرعها من الحكم الديكتاتوري خلال 4 سنوات والتي كانت تجعل تريفور إيفانزل المستشار بالسفارة البريطانية والخبير بالشئوون المصرية يتوقع قيام المظاهرات وقلب عبد الناصر.
العكس تماما هو ما حدث كان التصدع والشقاق في القمة والالتحام والصمود على مستوى الشعب.
الذين على القمة لم يكونوا في مستوى اللحظة كما رأينا من خلافاتهم ونصائحهم بالتسليم والخلاف حول من هو المسئول وتخويف عبد القادر حاتم في رواية ناتنغ لعبد الناصر من العدوزان بدلا من رفع معنوية الجماهير كذلك في التصرف المعييب وأعني به الاعتقال غير المبرر والمهين الذي اتبع مع رئيس الجمهورية الأول الرئيس محمد نجيب وتكفي شهادة ناصري: صدرت الأوامر بنقل محمد نجيب إلى طما في جنوب الصعيد ليكون بعيدا عن القاهرة في حالة إذا ما حاولت قوات العدوان الاستعانة به إذا انتصرت وكانت الرحلة شاقة وقاسية وعومل فيها معاملة لا تليق بقائد ثورة ورئيس جمهورية وضباط برتبة لواء وكان ذلك بتصرف ذاتي ج من بعض صغار الضباطي الذين لا يرون في أنفسهم إلا أدوات تعذيب وامتهان دون تفكير ويشهد حمروش أن محمد نجيب لم يأخذ موقفا مضادا لقيادة عبد الناصر ولم يصدر منه تصريح مضاد.
ويخطئ الكاتب الماركسي سابقا، كما أخطأت القيادة المصرية في تفسير موقف الجماهير إذ يقول أنها التفت حول عبد الناصر في معركة 1956 بسبب مواقفه الوطنية: باندونغ وانتصاره في معركة الأحلافف وصفقة السلاح وإبراز دور القومية العربية.
وأظن أن رجل الشارع في بورسعيد والقاهرة فضلا عن الفلاح، لم يكن يحسن نطق باندونج ولايفهم ما هي الضجة حول حلف بغداد، أو يفهم بالضبط ما تعنيه كلمة حلف ولماذا يكره عبد الناصر أن يحلف على بغدادي أو يحلف ببغدادي!!
لا.. هذا انتقاص من وطنية الشعب المصري لو كان يحكم مصر أحمد فؤاد أستاذ المتمركسين في حركة الجيش وهو بلا شك أبغض شخصية عامة في مصر منذ زيور باشا .
وجاءت بريطانيا تهاجم مصر وتعلن أن هدفها إسقاط لفداه المصريون بأرواحهم وما يطيقون.
الوقفة الشعبية في 1956 رغم كل السلبيات من جانب السلطة والمرارة التي كانت في النفوس هي وقفة وطنية طبيعية ومتوقعة من شعب في عظمة وعراقة ونضج شعبنا ولكن الشعب على عبد الناصر من الظهر ويفتك به ورجاله أو يقدمهم فدية مكتفين للإنجليز!
حاشا لله!
بل عندما تنحى عبد الناصر في 1967 كان جانبا كبيرا من الجماهير التي خرجت من تلقاء نفسها تطالبه بالبقاء يحركها منطق غريب تومي الفدائي في جميع المعارك من 51 إلى 1967 ثم انقطعت عني أخباره فلا أعرف ماذا فعل في 1973 وقتها قال: دي تبقى فضيحة العمر إن عبد الناصر لما يجي يسقط إللي تسقطة إسرائيل.
ولكن عبد الناصر للأسف وباعتراف كل أنصاره لم يثق بالشعب أبدا وظل يصدق إلى أن مات أنه لو أتيحت الفرصة لاي دجال أو عميل أن يصل إلى السلطة ويمتلك الإذاعة والخزانة فسيرقص له الشعب والنواب كم فعلوا معه أو كما كان يقول دائما أن الشعب باع قرارات مارس بألفين جنيه أي المبلغ الذي دفع لصاوصاو.. ولذلك رغم الخطب عن التحام الجيش بالشعب تصور أنه يمكن للإنجليز أن يحتلوا القاهرة ويعينوا محمد نجيب رئيسا للجمهورية وهو مقتول أو أسير أو يقود المقاومة السرية فيرضى الشعب المصري ويهتف لمحمد نجي في ظل الراية البريطانية ولذلك قرر منع ذلك بنقل محمد نجي إلى طما.
ودعنا من تصور قبول محمد نجيب لهذا الدور وهو أول رئيس جمهورية لمصر والذي رفض أن يكون طرطور لضباط جيشه المصري فهل يقبل أن يكون أداة للإنجليزي وهل صحيح كان الإنجليز سيتوددون للشعب المصري برئيس مجلس الثورة ألم يكن لديهم من السياسيين ما يكفي لتشكيل حكومة إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
ولماذا لا يعيدون الملك وهو بعد احتلال القاهرة ذنب أو عيب؟
الإجراء كان تنكيلا بمحمد نجيب وأيضا تعبيرا عن العقدة القاتلة وهي فقدان الثقة بالشعب.
ومما هو جدير بالملاحظة أن المدينة التي حمل فيها الشعب السلاح وقاتل دفاعا عن عبد الناصر ونظامه هي المدينة الوحيدة التي سقطت فيها سلطة عبد الناصر ووقف الشعب فيها وجها لوجه ضد المستعمرين الغزاة لم يقع انقلاب ولا ظهر كائن يقبل ولو حتى منصب محافظ تحت الحماية البريطانية بل انخرطت الجماهير على الفور في المقاومة المسلحة بالسلاح الذي تمكنت من الحصول عليه أو الذي وصل قبل الهبوط المظلي بساعات فالشعب الذي لم يسمح له أبدا بحمل السلاح عندما حصل عليه استخدمه في حماية الوطن والسلطة التي ابقته دائما تحت الوصاية أو الحجز التحفظي بتهمة الغفلة أو الغدر.
ويمكن أن نلخص الموقف خلال معركة تأميم القناة وما قبلها وما بعدها بتلك الجملة الرائعة التي قالها مواطن بورسعيدي لعبد اللطيف البغدادي الذي عينه عبد الناصر مسئولا عن تعمير بورسعيد فكان أو إجراء اتخذه في هذا التعمير هو جمع السلاح من الشع وأجبر على ذلك المواطنون البورسعيدون، الذين عرفوا دائما بالشجاعة والصراحة والشخصية المفتوحة الحادة التعابير... وبينما كان المواطنون يتدفقون لتسليم السلاح قال هذا البورسعيدي لبغداي: خلي السلاح معانا يا بيه يمكن يجوا الإنجليز تاني نبقى ندافع بيه عنكم.
أي أتركوا لنا السلاح.. .فربما يعود الإنجليز فندافع به عنكم هذا هو ملخص القصة.
وكما قيل وقتها سقط نظام وجيش عبد الناصر ونجح الشعب وعبد الناصر كتب أحمد حمروش أحد الضباط الأحرار.
كانت في بورسعيد من قوات الجيش اللواء 7 والكتيبة 4 مشاة إلى جانب المدفعية الساحلية والمضادة للطائرات ولكن عندما نزلت القوات البريطانية في الجميل تبعثرت القوات العسكرية نتيجة انهيار القيادة المسئولة قائمقام عبد الرحمن قدري وإصدار قائد المحطة أمير الاي صلاح الموجي الأوامر بوقف إطلاق النار ثم إلغائها بعد ذلك وفشل قائد المقاومة الشعبية الرسميةس ج صاغ غريب الحسيني وقائد جيش التحرير الشعبي صاغ عبد المنعم الحديدي في إقناع الجماهير بالتحرك معهم لبعدهم عن فهم روح الشعب الحقيقية ثم هربهم بعد ذلك من بورسعيد وقد تم فصل هؤلاء الضباط الأربعة من الجيش بعد انتهاء المعركة.
أي أن الضباط الذين حكموا مصر 4 سنوات بحجة حماية الوطن فروا فور أول طلقة وجهت للوطن واستمر النظام يخشى الشعب المسلح وعندما تشتت القوات وغلبت الحيرة صغار الضباط طلب حمدي عبيد ومحمد أبو نار من الضباط منير موافي الذهاب لمقابلة شمس بدران مدير مكتب عبد الحكيم عامر الذي كان يفتش على الحرس الوطني في المنصورة وقال له أن الحل الوحيد هو في السماح للشيوعيين بالدخول إلى بورسعيد لأنهم أقدر من غيرهم على فهم نفسية الجماهير والتعامل معهم وقد رجع شمس بدران إلى القاهرة ثم وافق على ذلك.
الغزو بدأ والجيش تبعثر والقادة هربوا، والمدينة محتلة وهم يستأذنون في الدخول وينتظرون حتى يعود للقاهرة ويشاور أهل الذكر هل يسمحون للشيوعيين المصريين بدخول بورسعيد أسوة بالإنجليز والفرنسيين الذين دخلوها بلا استئذان؟
ويقول محمد أبو نار أن رجال المباحث العامة خلال القتال كانوا يراقبون تحركات الشيوعيين في الوقت الذي هرب فيه قائد المباحث العامة من بورسعيد وسلم البوليس أسلحته بالكامل للإنجليز قارن بين هذا وموقف البوليس في ظل حكومة الوفد الذين قاتلوا حتى آخر طلقة ولكن إذا كانت الأوامر للجيش بالانسحاب مهما كان الثمن وللطيارين بالبقاء بعيدا عن طائراتهم لحسن خطر!! فهل نطلب أو نتوقع القتال من الشرطة؟
ويقول إن الإنجليز كانوا يقبضون على الإخوان والشيوعيين من سجلات البوليس.
طالب الناس بالسلاح منذ أول لحظة في عدوان إسرائيل ولكن تعطل ذلك لكي يتم تحت إشراف المباحث العامة وبشكل روتيني ومظهري وغير فعال ورغم الغارات على بورسعيد فإن عددا قليلا من السلاح كان قد تم توزيعه ولكن مع هبوط جنود المظلات ووصول قطار محمل بالسلاح والذخيرة إلى محطة بورسعيد بدأ توزيع السلاح على الأهالي دون نظام .
السلاح في الشحم والناس غير مدربة أو منظمة تتحرك وراء أي صوت يدعوها لهجوم على العدو في أي مكان الأمر الذي قلل من فاعليتها وعرضها لبعض الخسائر وهكذا تم توزيع السلاح على الشعب في للحظة الأخيرة وكأنه طوق نجاة يلقى لغريق.
والحقيقة أنه لم يتم توزيع السلاح ولا حتى في اللحظة الأخيرة، فقد كانت السلطة قد انهارت تماما والذي حدث أن الأهالي نهبوا القطار لكي يدافعوا عن أنفسهم وخشية وقوع السلاح في يد الإنجليز وقد كنا معاصرين لتلك الأحداث فالنظام الثوري لم يختلف في شيء عن أي نظام حكم مصر منذ الانهيار الملوكي وهو الخوف من الشعب أكثر من الحذر من العدو الأجنبي رفض دور الشعب في الدفاع عن الوطن أو كما قال محمد علي للمصريين عندما تصدوا للإنجليز: ليس على العامة خروج حظر حمل الشع للسلاح هو المبدأ الذي مارسته كل الحكومات غير الشعبية مع فارق أن الحكومات الأخرى كانت تحارب إلى أخر جندي ولا يحتل الوطن إلا إذا قتل السلطان أو شنق على باب زويله..
كانت المقاومة الشعبية تقاتل في بورسعيد بينما توقف الجيش عمليا عن القتال منذ انسحابه من سيناء.
وبينما سمح للخارجين على القانون بالدفاع عن بورسعيد سلمت السويس للمغضوب عليه صلاح سالم وكحل للتخلص منه بعدما كاد أن يوقع أو أوقع بالفعل بين عبد الناصر وعامر وبعدما قام في حركة مسرحية ولبس بدلة عسكري المراسلة الذي يقدم القهوة في الاجتماع وصدر إليه الأمر بالتوجه إلى السويس ويشهد له حمروش أنه حولها إلى حصن كله خنادق ودشم ومغزل مما يجعل اقتحامها صعبا جدا على الغزاة وتكلف ذلك ما يقرب من نصف مليون جنيه صرفت خلال أيام قليلة قبل أن يتوقف إطلاق النار واعتمد في ذلك على الجماهير بالدرجة الأولى.
وبالطبع كان يمكن أن يحدث ذلك في كل مدن القناة بل في كل مدن مصر لو أن القيادة أخت بجدية، لا أقول احتمال الغزو بل احتمال مقاومة الغزو ولكنها لم تفكر في ذلك بشكل جدي على الإطلاق بل سارت الأمور بالتداعي والصدف أما فكرة الصديق الروسي عن نوعية القتال الذي قام به الجيش في تلك الفترة فقد لخصته تمنيات شبيلوف وزير خارجية الاتحاد السوفيتي.
قال شبيلوف أنه يأمل إذا تجدد القتال أن يكون استعداد مصر قد أحكم وأن يكون على رأس وحدات الجيش المصري ضباط مفرسون يختارون من بين من ينتظر منهم إجادة القتال والصمود هم وجنودهم إلى الناية وإن يكون المدنيون على أكثر دراية مستطاعة باسعتمال السلاح وبوسائل الدفاع.
كلمات موجعة قارصة ولكنها مخلصة من الصديق السوفيتي وواضحة المغزى، حتى ولو عجزنا عن فهم كلمة مفرسون فالمعنى واضح جدا ولعلها متمرسون وقع الغزو الإنجلو فرنسي وتوقف تحت تأثير العوامل التي أشرنا إليها وأهمها بالطبع موقف الولايات المتحدة برئاسة إيزنهاور وتأكد انتصار واستمرار النظام في مصر.
فاليهود لا يعبرون القناة وما يجري في صحراء هيكل لا يصل علمه إلا الشعب إلا قليلا والإجليز لن يتقدموا عن العشرين ميلا وسرعان ما اختفت لحظات الصدق والطهارة ونقاء العلاقة التي فتنت بغدادي خلال الأيام الأولى للعدوان وجعلته يتذكر الأيام الخوالي وعادت روح التآمر والصراع على السلطة وهذه يوميات بغدادي.
في صباح يوم الخميس 8 نوفمبر 1956 ذهبت إلى مكتب جمال في مبنى مجلس الثورة، وكان قد سبقني وتناول إفطاره بمفرده وهذه من علامات الشر عند بغدادي ج وبعد أن جلست معه بعض الوقت بادرني بقوله نا لم أكن أعرفك جيدا من قبل ولم أعرفك على حقيقتك إلا من يوم 29 أكتوبر الماضي وإذا كان قد حدث بيننا سوء تفاهم فيما مضى فالسبب هو صديقك جمال سالم وقد فكرت أن أقول لك هذا لأننا لا نعرف ماذا يخبئ لنا المستقبل والصورة سوداء واستمر يحرضه على جمال سالم حتى قال بغدادي أنه هو الذي تعب من صداقة جمال سالم وأنه يحمد الله لأن جمال عبد الناصر عرف حقيقتي اليوم وهو يوم شدة وأنقطع استمرار الحديث لحضور زكرياس وشعرت بألم شديد وصدمت في جمال سالم صديقي وصدقت ما اله جمال عبد الناصر ولم يخطر في ذهني أدنى شك عن صدقه فيما ذكره لي لأني لم أتصور أن يكون قد فكر ونحن في هذا الموقف العصيب ولا نعرف ما يخبئة لنا القدر أن يعمل على الإيقاع بين جمال سالم وبيني ويقول بغدادي أنه بعد سنتين وفي صيف 1958 عندما قدم بغدادي استقالته على أثر صدام وقع بينه وبين عبد الناصر حضر جمال سالم لزيارته، فصارحه بما أخبره به جمال عبد الناصر فقام جمال سالم وصلى ركعتين لله، وأقسم على المصحف أن هذا لم يحدث منه واحتار بغدادي بين قلبه وعقله آيهما أصدق وفضل النسيان.
والحقيقة أن الصورة ليست بهذه البشاعة كما يصورها بغدادي ويبدو أن الذاكرة خانته فإذا كانت الحادثة كما ذكر وقعت يوم 8 نوفمبر فهذا يعني أنها كانت بعد الإنذارين الأمريكي والروسي ووقف إطلاق النار وتأكد الرئيس أن الأمريكان لم يتخلوا عنه وأنهم في النهاية قادرين على فرملة الجميع واقتراح البوليس الدولي يطبخ في مكتب مصطفي أمين وصمدت حكومة مصر الأيام الثلاثة المطلوبة ومن ثم فإن الأمور ليست سوداء كما ظن أو كما كان يظن بغدادي ومن ثم فقد استعاد الرئيس شخصيته واستأنف المهمة التي اقتنع بضرورتها من أول يوم رأى فيه يوسف صديق يجلس على مكتب رئيس الأركان وهي ضرورة تصفية كل الذين يداينوه باسم الاشتراك في يوم 23 يوليو لكي يتمكن من تنفيذ برنامجه الوطني العظيم!
يوم السبت 10 نوفمبر 1956 وكنت مجتمعا في مجلس قيادة الثورة مع جمال عبد الناصر والدكتور محمود فوزي وعلي صبري وبعد انتهاء الاجتماعي وانصراف الدكتور فوزي صدر من جمال عبد الناصر بعض الكلمات الجارحة عن الجيش وأخذ يشرح لعلي صبري ما يأخذه على الجيش وعلى عبد الحكيم عامر وروح الاستسلام التي كانت قد انتابتهم والشلل الذي حدث لهم بعد دخول الإنجليز والفرنسيين المعركة وعدم إطاعة الجيش لأوامره رغم تكرار الاتصال بهم وذكر أيضا دور صلاح سالم.
والغريب أن بغدادي يسجل على نفسه أنه تدخل في الحديث وكأن جمال زعلان من عبد الحكيم على إيجار الشقة أو جهاز البنت فهو يقول إنه رد عليه: إنه الأخ الأكبر لعبد الحكيم والموقف كان عصيبا وهل يدخر الجيش وقادة الجيش إلا لمواجهة المواقف العصيبةو ج وعلينا أن نعمل على إصلاح مافسد وعليه هو أن يتحمل فهو كبير العائلة صحيح أن بغدادي ابن عمدة فهذا كلام مصاطب لا قيادة سياسية فضلا عن ثورة ج والظروف تحتم على كل منا أن يتحمل تصرفات الآخر واقترحت عليه دعوة عبد الحكيم للعشاء أو الغداء وهو سيلبي الدعوة.
يعني الطبيخ مش حيندلق!
موقف خاطئ من بغدادي وهو بهذا الاعتراف يتحمل المسئولية كاملة بقدر وزنه في استمرار عبد الحكيم وجماعته في قيادة الجيش المصري ويزعم أنه زار عبد الحكيم وظل معه ساعتين يحاول أن يقرب وجهتي النظر وإزالة سوء التفاهم وإن رجولته تمنعه من التصرف بما يسيء إلى البلاد، وتعانقنا في نهاية المقابلة وقبل كل منا الآخر رجولة أية؟
وماذا كان بوسع عبد الحكيم أن يفعل ليسيء إلى البلاد أكثر مما فعل لو شنقه عبد الناصر وقتها لتضاعفت شعبية عبد الناصر فلم يحدث أن كان المصريون بمثل هذه النقمة على جيشهم كما كانوا في تلك الأيام وبالذات على قائد الجيش.
كان الموف لم يتضح فيه نصر بعد ولكن الشعب كله كان ملتفا حول عبد الناصر وفي نفس الوقت كانت البلد كلها تعرف وتتحدث عن هزيمة الجيش وفرار الضباط كما قيل أن ظنوا فلم تكن قد نظر بعد فتوى الانسحاب العبقري وكان الجيش والشعب يحملان المسئولية لعبد الحكيم عامر أو المواوي كما أطلقوا عليه ولما اقنع الإعلام الشعب بالانتصار وظلت الجماهير مقتنعة أن عامر والجيش هزموا مصر وناصر والشعب خلصوها من هذا المأزق.
فماذا كان بوسعي عامر أن يفعل؟
ويقول بغدادي أنه أبلغ عبد الحكيم بما كنت ألمسه واسمعه من ضباط القوات المسلحة الجوية ومن أنهم فقدوا الثقة في قياداتهم نتيجة الأخطاء التي حدثت وأن هذا يستلزم منه اتخاذ بعض الإجراءات بالنسبة لهؤلاء القادة حتى تعود الثقة بين القادة ومرءوسيهم وعليه أن يجري تحقيقا مع القادة الذين تسببوا بإهمالهم في هذه الأخطاء والعمل على نقلهم إلى جهات أخرى وتدخل عبد الناصر مؤيدا ذلك واقترح نقل صدقي محمود إلى منصب وكيل وزارة الحربية لشئون الطيران.
لحظة واحدة؟
أية أخطاء؟
الأمر الصريح هو عدم الاشتباك مع طيران العدو حفظا على حياة الطيارين فما هو الخطأ وكيف يمكن أن يخطأ قادة ويستحقون الإحالة على التقاعد بل والتحقيق ويثور ضباطهم عليهم في ظل هذه الخطة؟
هل يا ترى لم ينفذوا الأمر وسمحوا للطيارين بالدفاع عن شرف البذلة؟
نريد أن نعرف ما هي الأخطاء إذا ما كانت الخطة العبقرية هي بنص حروف قارئ الوثائق وفاتح الخزائن: على الطيران المصري أن لا يشتبك مع العدو لأن المعركة غير متكافئة.
ماذا كان بوسع قائد الطيران أن يفعل لتنفيذ هذا الأمر مما فعل أمر الطياين بالتوجه فورا إلى منازلهم وترك الطائرات خالية للتغرير بالعدو فيضربها ويكسرها ويخسر قنابله على الفاضي فالطيار طار بدون طيارة.
أما أن هذا اتهام غير مفهوم وتجني على صدقي محمود وعامر بعدما وقعت البقرةي وكثرة السكاكين وأما في رواية هيكل كاذبة كلفقة لستر الهزيمة على طريق العمدة الذي ترى القملة على ذقنة فيقول من خجلة سيبها يا ولد أنا اللي حاططها.
يريد هيكل أن يقول أن ضرب الطيران كان خطة مدبرة وسقوط سيناء في يد اليهود كان ضربة بارعة من جانبنا وهكذا بهذا المنطق وحده تصبح الهزيمة نصرا فنحن أردناها وصممناها نعود الآن لصحراء هيكل أو بالأحرى للوادي المقدس طوى، حيث سيتقرر مصير العرب مصير الشرق الأوسط ومصير مصر خلال القرن الحادي والعشرين وبعدما ترتوي كل حبة رمل فيها وكل حجر بدم المصريين الشرفاء وتطهر إلى الأبد من الأطماع الدنسة للمغتصبين العنصريين الدخلاء.
إن الغزوة الإسائيلية لم تكن أكثر من حلقة في سلسلة المواجهة الإسرائيلية المصرية الدائمة والتي وعتها إسرائيل منذ وعد بلفور، بل حتى منذ أن بدأ اليهود يفكرون في فلسطين كوطن قومي فلم يكن أمامهم إلا الدولة العثمانية كحقيقة تاريخية وكسلطة قائمة في فلسطين وحقيقة الوجود المصري أو إن شئت الفيتو على الأحلام الإمبراطورية لإسرائيل مصر كانت ولا تزال القوة الوحيدة القادرة على مواجهة المخطط الصهيوني ومن ثم فإن تدمير مصر تعجيز مصر هو الهدف الأول والدائم لجميع المسئولين الصهيونيين بصرف النظر عن أشخاص ومبادئ الحاكمين في مصر وسواء أكانت العلاقة ساخنة دموية أو متجمدة أو حتى طبيعية مع تبادل الاعترافن وبصرف النظر عن نوايا وأفعال السلطة المصرية.
وفي مقبل هذا نحن نزعم أن السلطة المصرية من 1952 – 1956 لم يكن في بالها ولا تصورها إمكانية وقوع مواجهة ساخنة مع إسرائيل ومن 1956 إلى 1967 كان مخططها أو سياستها تدور حول تجنب هذه المواجهة بأي ثمن.
وبالتال هزمنا...
ولكن قبل أن نناقش هذه القضية الكبرى تعالوا نلقي نظرة على سيناء أرض المعركة ويجب أن نقول ابتداء أن الجندي المصري والجندي الإسرائيلي لم يتقابلا في حرب حقيقية إلا عام 1948 و 1973 وقد هزمنا بشرف في 1948 لأسباب عديدة ليس أقلها أننا كنا مستعمرة بريطانية وأن جيشنا لم يكن جنوده قد خاضوا حربا قط، ولا تعاملوا مع المعاك الحديثة، بينما كان الجيش اليهودي في معظمه من المحاربين في الحرب العالمية الثانية وفي معارك لها شهرتها العالمية وخبرتها بحكم القوى الجبارة التي اشتركت فيها هذا عن اليهود الإسرائيلين وأكثر منه طبعا بالنسبة لليهود المتطوعين الذين جاءوا من الخارج أما حرب 1973 فقد اثبتت أنه إذا ما توفرت قيادة سليمة إلى حد ما وشبه تعادل في السلاح ولو لصالح إسرائيل فإن الجندي المصري أفضل من الجندي الإسرائيلي وأقدر على هزيمته ومفاجأته وقتله وأسره.. وكل ما تعيرنا به الدعاية الصهيونية.
وكتب موشي ديان وغولدمائير وإيغال اللون وكل إسرائيلي كتب هي كتب هادفة في المخطط الدائم وهو تعجيز مصر ولذلك فهي حافلة بالأكاذيب والمعلومات المشوهة خذ مثلا موشي ديان كتب كل تفصيلة في معركة سيناء 1956 ونسي أو لم يسمع بوجود قرار مصري بالانسحاب لأنه إذا أثبت ذلك في كتابه لسقط كل ادعاء بالبطولة إذ أي بطولة في غزو منطقة انسحب جيشها أو يقاتل تحت أمر صريح بالانسحاب خلال 48 ساعة أو 72 ساعة مهما كان الثمن فريق ما نشتر لكرة القدم لا سيتطيع أن يلعب تحت هذا الإنذار الزمني.
لذا حذف موشي ديان تماما حكاية قرار الانسحاب هذا فلا تجد له أثرا لا في كتاباته عن 1956 ولا 1967.
ومع ذلك ورغم أن كتابه منشور تافه يهدف إلى تشويه صورة الجندي المصري وإضعاف معنوياتنا وإفقادنا الثقة في قدرة شعبنا على تقديم مقاتلين ورغم كل ما تعرضت له القوات المسلحة المصرية من إفساد وتجهيل على يد القيادة العسكرية من 1952 إلى 1967 ورغم القرارات السياسة الفاحشة الخطأ والت لعبت الدور الحاسم في انتصار إسرائيل وبدون قتال في الغالب فإن أبطالنا ما اتيحت لهم فرصة الاشتباك مع العدو إلا واثبتوا بسالتهم وتفوقهم عليه ليس فقط في معارك أكتوبر بل في معركة سيناء الأولى والثانية والدليل كماقلنا أن هذا الموشي لا ينسى في كتابه تفاصيل الجندي المصر المقطوعة ساقه إلخ ولكنه ينسى قرار الانسحاب ومع ذلك فهو يعترف بوقوع قتال شرس دافعت فيه القوات المصرية المحدودة ببسالة وضراوة وكفاءة عن مواقعها رغم أنها كانت قوات رمزية بسبب القرار الخاطئ الذي اتخذته القيادة على أساس استحالة وقوع هجوم إسرائيلي والرغبة في تفادي أي استفزاز لإسرائيل وذلك قبل المعركة بشهرين وكان على هذه القوات أن تتصدى لهجوم كامل شامل جرى الإعداد له منذ أكثر من عامين.
ومع ذلك أحبط الهجوم الأول في أثكر من موقع وأوقف تقدم القوات الإسرائيلية طوال الثلاثة أيام الأولى حتى صدر قرار الانسحاب فانهارت المقاومة المصرية أو قل أو قفت بأمر عسكري من القاهرة بعد أن سجلت صفحات من البطولة للجندي المصري الذي كتب بدمه مجد مصر، وخطيئة القيادة التي خذلته مرتين وهزمته بقراراتها ولو كان عبد الناصر صادقا مع نفسه لقال هزمت جيشي أن هزمت جيشي وليس جيشي هزمني
فكيف ينتصر جيش لم يؤمر بالقتال
في أبو عجيلة وسدروفه استمرت الوحدات المصرية تقاتل من عصر يوم الهجوم الإسرائيلي إلى ظهر اليوم التالي، وهم لا يزيدون عن بضع عشرات من الجنود ضد لواء مدرع إسرائيلي معزز بالطائرات حتى أبيدوا عن آخرهم.
وفي العريش كاد قناص مصري وبعدما سقطت المدينة، كاد أن يصيب موشي ديان رصاصته قتلت عسكري المراسلة المرافق له الذي سقط قتيلا إلى جانبي كما يعترف ديان واضطرت الطائرات الإسرائيلية إلى الابتعاد من فوق سماء العريش المحتلة من شدة نيران المقاومة التي استمر فيها جنود مختبئون رفضوا قرار الانسحاب واستمروا في القتال.
وفي ممر متلا ظلت قوات المظلات المعززة بالدبابات والطائرات تقاتل سبع ساعات وكانت خسائرنا لم يسبق لها مثيل 38 قتيلا ومائة وعشرين جريحا وهذا تهجيص إسرائيلي فالخسائر كانت بالمئات بدليل أنه صدر قرار عزل قائد المظليين اليهود لعجزه عن القتال أمام المصريين وقائد المظليين لا يعزل على 38 قتيلا ولا أحد يتوقع منه أن يستوفي على ممر متلا بأربعين قتيلا ونحن نزعم أن القتال كان يمكن أن يستمر إلى أجل غير محدد لولا وصول أمر الانسحاب كما يشهد هيكل نفسه.
فليس تغيير القائد الإسرائيلي هو الذي أدى إلى سقوط الممر ولكن تغيير القائد المصري في القاهرة لأوامره.
وكذلك فشل اللواء العاشر الإسرائيلي في الاستيلاء على أم كتاف في 31 أكتوبر رغم حضور موشى ديان بنفسه إلى موقع اللواء وحثه الجنود على الاستيلاء على أم كتاف بأقصى سرعة ممكنة فقد بقي هذا الموقع هو وأم شنان في منطقة أبو عجيلة في يد العدو وصدر تقدمنا في سيناء في القطاع الأوسط ورغم استيلاءنا على القسيمة وأبو عجيلة نفسها وسد الروفه، فقد أخبرنا على الالتفاف واللجوء إلى الممرات الترابية وهذا يعني إمكانية أن يخلقوا عنق زجاجة لقوافل التموين وبالتالي يوفون تقدمنا أم كتاف كانت تتحكم في الطريق الأسفلتي الذي سيحل مشالكنا والاستيلاء عليها يفتح لنا محاور لتقدنا ولم أجد اجتماعي مع ضباط اللواء مقبولا وكان واضحا أن ضباطنا يشكون في كفاءة عسكرهم وقد فقدت صبري مع الضباط ولم أعد راغبا في سماع شكواهم عن الصعاب كنت أعلم أن رجالهم متعبين وأن الإمدادات لم تصلهم في وقتها والليالي باردة، والنهار حار وبنادقهم روكبت وعرباتهم تغرز في الطين، ولكن لم يكن لدي حل فأنا لا أملك تغيير طبيعة الأرض وعلي أن أفتح الطريق الجديد.
هاجموا أم كتاف في تلك الليلة ولكن قلوبهم لم تكن معهم فلم يخرجوا بشيء من الناحية الأخرى تقدمت وحدة من اللواء المدرع السابع والثلاثين بتصميم واضح ولكنها فشلت أيضا كان الضباط يندفعون نحو استحكامات العدو دون انتظار للدبابات التي تأخر وصولها بخطأ من مخابرات القيادة الجنوبية ولم تكن هناك خطة محكمة للعمليات.
وعدم تركيز القوة بما يكفي ساهم أيضا في فشلنا وكذلك أخطأت أنا إلي حد ما إذ ضغطت على قائد الجبهة الجنوبية لفتح الطريق عبر أم كتاف بأسر ما يمكن وهو بدوره ضغط ولكن كان قصدي أن يتم ذلك قبل ظهر اليوم التالي مهما كانت الضحايا ولكن بعد الاستخدام السيء للواء العاشر جرى عزل قائد اللواء وأيدت هذا التغيير ثاني قائد يعزل خلال الحرب بل وعلى أرض المعركة وقائد الطيران المصري يقول ما عندوش بنزين ويبقى قائد ا للطيران 11 سنة أخرى !ج) ولم تسقط أم كتاف حتى جاءت النجدة من القاهرة أو الانسحاب.
هل نستمر في النقل..
تخيل كل المتاعب التي ذكرها موشي ديان عن طبيعة الأرض وأضف إليها الآتي:
- 1- جيش إسرائيل ودولة إسرائيل خلف القوة المهاجمة أما أبطال أم كتاف فيعرفون أن بقية الجيش متجهة بأسرع ما يمكن بعيدا عن سيناء وأنه لا أمل في أي نجدة من القاهرة .
- 2- وزير الدفاع في معسكر الجيش الإسرائيلي المهاجم والقوة المحاصرة لا تعلم ماذا يجري في بقية الجبهة إلا أن أوامر الانسحاب تصدر من عبد الناصر وليس عامر وأن هناك أمرا بالانسحاب العام إلى غرب أو شرق القناة لن نختلف ومعنى ذلك أننا خسرنا الحرب وسلمنا سيناء كلها أو لا أمل لهم في نجدة أو مدد بل أن قتالهم بلا معنى وقد سقطت سيناء كلها من حولهم أو بمعنى أصح أسقطت سلمتها قيادتهم في القاهرة بلا حرب!
- 3- الطيران الإسرائيلي بكل قوته يغطي القوة المهاجمة ويضرب القوة المحاصرة والطيران المصري بلا طيارين حرصا على حياتهم.
ألم يكن من الضروري أن تدرس معركة أم كتاف في المدارس المصرية وتوضع عليها الدراسات والأفلام خلال العشر سنوات التي انقضت ما بين الحربين بدلا من أن يكون مرجعها الوحيد هو شهادة الأعداء.
ولكن كيف يمكن الإشادة ببطولة من صمدوا لوم ينسحبوا إذا كان الإعلام المصري قد جعل من الانسحاب أعظم نصر وأكثر القرارات عبقرية في تاريخ الحروب؟
خسرنا الحرب مع إسرائيل من الناحية العسكرية.
- 1- تم الانسحاب من سيناء كلها واحتلتها إسرائيل بالكامل كما احتلت مضيق تيران وأعلنت حرية الملاحة الإسرائيلية فيه.
- 2- تحول الجيش المصري بنص عبارة عبد الناصر إلى بقايا جيش محطم .
- 3- خسرنا من العتاد الحربي ما قيمته بنص كلمات عبد الناصر: مائة وثلاثة ملايين جنيه مصري بجنيه ما قبل الاشتراكية أو كل صفقة السلاح الروسي كاملة!
- 4- دمرت إسرائيل طرق المواصلات والسكك الحديدية في سيناء وكذلك قامت بوضع ألغام على هذه الطرق.
- 5- والمذابح مازالت مستمرة بطريقة منتظمة والتخريب قائم على نطاق واسع وجيمع المنشآت الموجوة في سينا وعلمت أنهم يسرقون البترول الخام في سدر وبلاعيم في مراكب تتجه إلى ميناء إيلات.
وهذه هي الرسالة التي علق عليها هيكل وكأنه يخرج لسانه للقراء إذ قال:
وبرسائل ناصر وفوزي تنتهي قصة السويس كأكمل وأشمل انتصار حققه العرب في العصر الحديث بالمعنى الحقيقي للنصر في هذا العصر.
احتلوا الأرض وحطموا المنشآت وشحنوا نفطنا وانتصرنا بل وأعظم انتصار!
إذا هزمنا عسكريا في سيناء فهل انتصرنا سياسيا كما هو الشائع في الأوساط الأقل فجورا من هيكل التي تعتبر بالهزيمة العسكرية ولكن تعطي ذلك بالخلط بين انتصار مصر على الإنجليز والفرنسيين إذ أجبر الضغط الأمريكي والإنذار السوفيتي الدولتين على الانسحاب بلا قيد ولا شرط وبين انسحاب إسرائيل من سيناء وغزة خاصة وأن شروط انسحاب إسرائيل لم تعلن أبدا في مصر بل وظل المصريون المثقفون لا يسمعون بها حتى كان مؤتمر ستورا 1962 والعامة لم يسمعوا بها إلا عشية حرب 1967 إذ عرفوزا لأول مرة أن إسرائيل كات تمر من خليج العقبة بل هل هو كتاب يصدر بعد عشرين عاما ومخصص لتحليل حرب السويس كما يسميها لا يشير بحرف واحد إلى شروط انسحاب إسرائيل ولا ما تنازلت عنه مصر نعم حرف واحد عن هذا الأمر لم يرد في كتاب هيكل الأمين على تاريخ الناصرية.
استمرار في التزوير والتجهيل
الحقائق تؤكد أن القيادة المصرية فشلت وهزمت في حرب سيناء سياسيا ودبلوماسيا مما مكن إسرائيل من تحقيق هدفها المرحلي الذي دخلت من أجله الحرب.
وصحيح أن بن غوريون أعلن ضم سيناء وغزة ولكنه هو نفسه فسر ذلك بقوله: لقد كان تقدمنا في سيناء سرعا كان انتصارانا سريعا جدا، وكنت سكران بخمر النصر فحتى حلفاء إسرائيل في الغزو ما كانوا يقرونها على ضم سيناء وقد حذر سلوين لويد موشي ديان حرفيان في خلال مفاضوات التآمر على الغزو أرجو ألا تراودكم أحلام في استغلال الفرصة بضم سيناء.
وقال موشي ديان بالنسبة إلى النهاية لن نكن نريد احتلال سيناء إلى الأبد ولكن كنا نريد ضمان حرية الملاحة إلى إيلات وتدمير الجيش المصري الذي يهدد إسرائيل في سيناء ووقف عمليات الفدائيين ضد إسرائيل من قطاع غزه.
وقد تحققت هذه الأهداف كاملة طبعا استمر اليهود بساومون إلى آخر لحظة للحصول على أقصى ما يمكن الحصول عليه من مكاسب ولكن هذه كانت أهداف المرحلة و أقل الحد الأدنى الذي يغطي مخاطر ونفقات الحملة ولا تنسى أن إسرائيل كما قال بن غوريون كانت على اعتقاد بأنها لا تستطيع أن تشن وحدها حربا ضد مصر.
وقد لعبت الدبلوماسية الأمريكية دور الوسيط بين إسرائيل ومصر فاستخدمت الأمم المتحدة والخطر الروسي والإمكانيات الأمريكية للضغط على إسرائيل لتحقيق الانسحاب من سيناء وغزة وضغطت على مصر بالاحتلال الإسرائيلي والبريطاني والفرنسي إلى حد ما ثم بما كان بين أمريكا ومصر من علاقات بعضها معروف وأكثرها غير معروف لقبول مطالب إسرائيل.
قادت أمريكا الناقشات في الأمم المتحدة وكان إيزنهاور قد بعث برقية لبن غوريون فور العدوان يقترح فيها سحب إسرائيل لقواتها من سيناء وأنه سيقدر تمام التقدير استجابتنا فلما لم يصل رد إسرائيل طلب هنري كابوت لودج مندوب أمريكا عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن حيث قدم قرارا يدعو إسرائيل لسحب قواتها من المنطقة وقد تأجل الاجتماع خمس ساعات بناء على طلب فرنسا وقد اعتبر إيزنهاور ذلك عملا من أعمال الغش.
وتبنت أمريكا اقتراح إدانة إسرائيل والأمر بانسحابها إلى خطوط الهدنة.
وكان الإنذار السوفيتي لإسرائيل والأمر بانسحابها إلى خطوط الهدنة وكان الإنذار السوفيتي لإسرائيل أكثر تحديدا وأقل دبلوماسية من الإنذار الموجه لبريطانيا وفرنسا إذ تحدث عن إمكانية زوال إسرائيل واستغل الأمريكيون ذلك فبعث سفير الولايات المتحدة بمعلومات لإسرائيل بأن الاتحاد السوفيتي ينوي توجيه ضربة قاصمة لإسرائيل تسويها بالأرض.
ولكن بن غوريون قال: لم يكن يهمني ما يقوله بولجانين، أو ما يحتمل أن يفعله لقد كان اهتمامي كله بموقف الأمريكيين فقد كنت أعلم قوة وسائل الضغط التي يملكونها علينا بما يجعلنا نرضخ لطلبهم بالانسحاب أنني كنت مهتما بالأمريكيين أكثر .
ويقول غولدا مائير لم نخض حملة سيناء من أجل كسب أرض ولا نهب أو أخذ أسرى وإنما كان الشيء الوحيد الذي نريده هو السلام أو على الأقل الوعد بسلام لعدة سنوات كنا قد انتصرنا ولن الفرنسيين والإنجليز خسروا حربهما وقد خضع الإنجليز فور صدور قرار الأمم المتحدة بانسحابهم من منطقة القناة وكذلك صدر الأمر بانسحاب إسرائيل من شبة جزيرة سيناء وقطاع غزة وبدأت الأربعة شهور ونصف شهر من وجع القلب في المعركة الدبلوماسية التي خضناها ولكن الرئيس إيزنهاور كان غاضبا وقال إذا لم تنسحب إسرائيل فسيؤيد فرض عقوبات ضدها في الأمم المتحدة وأخبرني دلاس أكثر من مرة أن إسرائيل ستتحمل مسئولية حرب عالمية ثالثة. وفكرت أكثر من مرة في أن أهرب من الأمم المتحدة وأعود لإسرائيل ولا أواجه دلاس وكابوت لودج رئيس الوفد الأمريكي في الأمم المتحدة ولكني بقيت وأبتلعت مرارتي، وفي النهاية حوالي آخر فبراير، وصلنا إلى تسوية ما ستغارد قواتنا غزه وشرم الشيخ مقابل تعهد بأن الأمم المتحدة ستضمن حرية الملاحة للسفن الإسرائيلية في مضيق تيران وأنه لن يسمح بعودة الجيش المصري إلى غزة.
وبالطبع تسكب غولدا مائير الدمع على ما تنازلت عنه إسرائيل أو ما أجبرتها عليه أمريكا من تنازلات وما زال الإسرائيليون يقولون أن مناحم بيغين تنازل للسادات عن سيناء.
غولدا مائير التي أقيمت لها التماثيل وخلدت حياتها في السينما بعد ذلك اعترفت وقتها 1956 بدا وكأن العالم كله ضدنا غولدا ص290 حياتي.
ومع ذلك قبل عبد الناصر هذه التنازلات لإسرائيل مع أن العالم كله كان معه.
- 1- فتح خليج العقبة للملاحة الإسرائيلية وإزالة الوجود العسكي المصري في تيران وشرم الشيخ بل وإزالة السيادة المصرية الفعلية هناك وأن بقت اسميا وسلمت المنطقة لقوات البوليس الدولي.
- 2- تجميد الحدود المصرية الإسرائيلية بالبوليس الدولي الذي قبل أن يوضع على جانب واحد من خط الحدود وهو الجانب المصري فأصبحت مصر عمليا في نفس وضعها بعد كامب ديفيد، أي خارج إمكانية المواجهة وقد علم بعد ذلك أنه إلى جانب القوات الدولةي فقد كانت هناك اتفاقية سرية بين مصر وأمريكا بتجميد الوضع عشر سنوات وهو ما حدث.
ويجب أن ننبه إلى أن قوات الطوارئ لم تكن بالتي تنسحب فور طلب مصر كما حدث وكما راج وإنما قرار الأمم المتحدة كان يشترط لسحبها الرجوع إلى الأمم المتحدة وهذا ما كان في خاطر عبد الناصر عندما طلب سحب القوات لكي تتاح الفرصة لمناقشة الموضوع في الجمعية العمومية للأمم المتحدة كما ينص قرار تشكيلها وعندما تفتح الأبواب للخطب والاتصالات وتبريدر الموقف بدون حرب بعدما يكون قد حقق الكسب السياسي ولكن النية كانت قد اتجهت لضربه كانت إسرائيل قد أكملت استعدادتها وأت أن الوقت قد حان للضربة القاضية، وهي التي دفعت الأحداث إلى ما وصلت إليه وباتفاق ومباركة الولايات المتحدة لذلك فوجئ عبد الناصر باستجابة سكرتير الأمم المتحدة للطلب وسط دهشة العالم كله ولم يلتزم بالجزء الخاص بضرورة عرض الأمر على الجمعية العامة للأمم المتحدة حتى أنهم أسألوا مرسال على عجل يسحب الطلب فقيل لهم فات الأوان وبالطبع لو كانت إسرائيل أ, أمريكا لا تريدان الحرب لما حدث ذلك وعلى أية حال أية مفاجأة يمكن لمصر أن تمارسها ضد إسرائيل وهي لا تستطيع أن تهجم إلا بعد إخطار العالم كله وذلك بطلب سحب قوات الأ/م المتحدة.
والواقع والذي حدث فعلا أن الجبهة المصرية الإسرائيلية جمدت تماما ولمدة عشر سنوات وأطلقت يد إسرائيل على الجبهات الأخرى ولبناء جهازها العسكري ليصبح أقوى جهاز في الشرق الأوسط وبنفس القوة فإن هذا التجميد أعطى القيادة المصرية دعهما جديدا لخطها السياسي في تجاهل الخطر الإسرائيلي فأهملته تماما في نفس الوقت الذي وضعها في موقف محرج مع شعبهال ومع الفلسطينيين ومع الجماهير العربية المطالبة بصدق بالمواجهة مع إسرائيل وأيضا في حرج مع المزايدين العرب الذين عرفوا بالقيد الذي قيدت مصر به نفسها فراحوا يستفزون القيادة المصرية بتحديها لمواجهة إسرائيل وانتقاد سماحها بالمرور الإسرائيلي في خليج العقبة وحماية حدودها بالبوليس الدولي وإنكار ذلك على دول المواجهة الأخرى ومعروف أن عامر اشتكى من الحملة التي صادفته في الخارج حول خليج العقبة.
ويقول المؤرخ المصري دكتور عبد العظيم رمضان.
وهذا كله يصور مدى الضغط النفسي والسياسي الذي كان يثقل على القيادة السياسية بسبب وجود القوات الدولية في شرم الشيخ ومرور الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر رغم إرادة مصر حتى دفعها في النهاية إلى اتخاذ قرارات فوق إمكانياتها العسكرية وصدق مصطفى كامل عندما قال قبل ستين سنة إن من يتهاون في حقوق بلاده مرة واحدة يبقى أبدا الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان!
التفريط في 1957 أدى إلى التورط في 1967 ويبدو أننا يجب أن نقف لحظة هنا لنعرض ما هو خليج العقبة ومضيق تيران والملاحة الإسرائيلية.
المعروف أن مصر إلى ما قبل 1948 كانت الدولة الوحيدة التي تطل على البحرين الأحمر والأبيض ومن ثم كانت فكرة قناة السويس وبالطبع كان التطور التالي في العصر الحديث هو أنابيب النفط التي تربط بين المنابع القريبة من البحر الأحمر وبين الأسواق على البحر الأبيض او قريبه منه ولكن وجود قناة السويس أعني عن ذلك ولم يجعل الشركة ولا الإدارة المصرية تفكر في منافستها...
وفي مشروع التقسيم 1947 لم تعط إسرائيل منفذا على البحر الأحمر في الخريطة التي صدر بها قرار الأمم المتحدة وظلت الأردن هي الدولة التي تطل على البحر الأحمر من العقبة التي انتزعها الإنجليز من السعودية عام 1952 وصموها للأردن وميناء صغير اسمه أم الرشراش وقد تصدت بريطانيا لأية محاولة إسرائيلية للاقتراب من العقبة التي كانت مع عدن مفاتيح السيطرة البريطانية على البحرا لأحمر ولكن تحت الضغط الصهيونية الأمريكية سمحت بريطانيا لرجلها في الأردن الجنرال غلوب الذي أمر نائبة في الموقع برومج بالانسحاب من أم الرشراش في 6 مارس 1949 واحتلها إسرائيل في 10 مارس 1949 دون طلقة واحدة.
وهكذا أصبحت إسرائيل الدولة الثانية التي تطل على البحرين وكانت الخطوة التالي هي بناء ميناء وخط أنابيب ينقل النفط من إيلات على البحر الأحمر إلى أسدود على البحر الأبيض منافسا لقناة السويس وخط التابلاين الذي ينقل النفط السعودي وخط الآي بي سي الذي ينقل النفط العراقي كما يربط الميناء الجديد إسرائيل بأفريقيا ودول آسيا وكانت مصر قد منعت الملاحة الإسرائيلية في قناة السويس منذ لحظة قيام إسرائيل في 15/ 5/ 1948.
أما مخليج العقبة الذي تقع إيلات على رأسه فإن طوله مائة ميل، وأوسع مناطقه 17 ميلا ومدخله 9 أميال تسده جزيرتان تيران وصنافير وهما سعوديتنان وتقعان داخل الثلاثة أميال جزيرة تيران تقسمه إلى فتحة سعودية مليئة بالصخور وفتحة مصرية عرضها 4 أميال بها ممران والممر الواحد الصالح للملاحة هو الممر المصري القريب من شرم الشيخ ورأس نصراني ولما كان الممر في المياة الإقليمية المصرية بجميع المقاييس حتى التي تقتصر على ثلاثة أميال ومن الجانب الآخر مياه إقليمية سعودية والوجود الإسرائيلي في أم الرشراش أصلا غير شرعي ولا حتى بقرار التقسيم المعترض عليه فقد كان من الطبعي أن تفكر الحكومة المصرية في إغلاق فتحة الخليج من أسفل وبلك تفقد إيلات أو أم الرشراش كل مبررات وجودها باستثناء السباحة وصيد السمك وتقف كافة مشاريع الاستفادة من موقع إسرائيل على البحرين.
لذلك اتفقت الحكومة المصرية مع الحكومة السعودية في يناير 1950 على استخدام جزيرتي تيران وصنافير ونصبت المدافع في رأس نصراني وصرح وزير الحربية المصري مصطفى نصرت حكومة الوفد.
إن تزايد نشاط إسرائيل على ساحل إيلات قد اضطرنا إلى تدعيم قواتنا المصرية في منطقة مدخل خليج العقبة فأرسلت قوات مناسبة إلى رأس نصراني لتتحكم تحكما تاما في هذا المدخل وفي 21 ديسمبر 1950 أغلقت حكومة الوفد الرجعية المضيق في وجه الملاحة الإسرائيلية.
وفي 15/ 1/ 1951 حددت مصر مياهها الإقليمية بستة أميال واعتبرت كل المياه ما بين جزيرتين مصريتين مياها إقليميا..
وفي أول يوليو 1951 أطلقت البحرية المصرية النار على سفينة بريطانيةس حاولت اختراق الحصار واعتقلتها 24 ساعة واستمر الحال على ذلك في حكومة الثورة.
وفي سبتمبر 1954حاولت إسرائيل تحدي الحصار فأرسلت السفينة بات جليم فصادرتها السلطات المصرية واعقتل بحارتها ثم أيعدوا إلى إسرائيل.
وفي سبتمبر 1955 منعت مصر الطيران فوق الخليج وتوقفت رحلات شركة العال وينقل الدكتور عبد العظيم رمضان عن موشي ديان قوله:
كانت هذه المضايق هي الهدف الرئيسي للمعركة ولو توقفت المعارك وفي يدنا شبه جزيرة سيناء دون شرم الشيخ إذن لظل الحصار قائما على الملاحة إلى إسرائيل ولكان ذلك يعني أننا خسرنا المعركة.
ويستعرض د. عبد العظيم رمضان تطورات فتح الخليج كالآتي:
- • قدمت الهند مشروعا قويا يندد بتأخر الانسحاب في 22 نوفمبر 1956 وكانت الجمعية العامة قد أقرت قرارا بانسحاب إسرائيل الكامل دون إشارة إلى حرية الملاحة وأن همروشولد رفض أن تضمن القوات الدولية حرية الملاحة في خليج السويس.
- • ولكن بعد أن تم الاتفاق المصري الأمريكي وانسحبت إسرائيل في مارس 1957 أرسلت أمريكا في 6 أبريل 1957 سفينة أمريكية تحمل نفطا إيرانيا لإسرائيل ومرت في خليج العقبة واكتفت مصر بالاحتجاج وكان ذلك أول اقتحام للخليج منذ أغلقته حكومة الوفد.
وتم أكمل نصر في تاريخ العرب الحديث...
الوفد وحكومات ما قبل 1952 أغلقت الخليج في وجه إسرائيل، وحكومة ما بعد 1952 فتحته ومع ذلك يقول هيكل بلا حياء: وحتى سنة 1952 رغم اشتراك مصر في حرب فلسطين سنة 1948 فإن الرياح في مصر كانت تسير على هوى إسرائيل وفجأة تغيرت اتجاهات الرياح.
تغيرت نعم ولكن لتهب في شراع سفينة إسرائيل وحاسبونا على النتائج إذا كان من ما حققته إسرائيل في ظل الرجعية أكبر مما حققته في ظل الثورة فمعك حق يا أمين على التاريخ بل حتى حرب 1948 التي خسرناها كانت أشرف في وقائعها ونتائجها يا مفرط في الجغرافيا.
شقت أمريكا الطريق في قلب السيادة المصرية الممزقة وجاء الدور على إسرائيل لكي تستعرض وتعربد وتعلن انتصارها وتلقى الفتوح العلا..
في أول مايو 1957 اتجهت مدمرة إسرائيلية من إيلات إلى شرم الشيخ ثم بلدة الشيخ حميد السعودية على بعد كيلومترين ثم اقتربت إلى مسافة كيلومتر واحد من بلدة مقنى على الساحل السعودي وفي نفس اليوم واليوم التالي أجرت مدمرتان وثلاثة طرادات وطائرات حربية إسرائيلية مناورات على الساحل المصري لخليج العقبة بين إيلات وطابه ووصلت إلى المياه السعودية على الضعفة الشرقية للخليج.
ربما كانت حملة تهنئة بأكمل نصر عربي، ولذلك لم تحرك قيادة مصر ساكنا لأنها على ما يبدو كانت مشغولة بدورها باحتفالات أكمل نصر في تاريخ العرب فتركت إسرائيل تتجرع هزيمتها في المياه المصرية.
ويعلق المؤرخ المصري المعاصر د. عبد العظيم رمضان علي سكوت مصر فكأنها وافقت بذلك موافقة صامتة على هذا المرور.
ويقول: ومرور الملاحة الإسرائيلية في مضيق تيران يعد أضخم مكسب حصلت عليه إسرائيل منذ احتلالها ميناء أم الرشراش في مارس 1949 وهو أخطر تطورات الصراع بين مصر وإسرائيل منذ إنشاء تلك الدولة فقد فتح البحر الأحمر أمام إسرائيل وأتاح لها أن تتمتع لأول مرة بمزايا موقعها على بحرين: البحر الأحمر والبحر المتوسط وقد ترتب علي ذلك النتائج الآتية:
أولا تحول ميناء إيلات إلى مينا عالمي ومحاولة إسرائيل الاستعاضة به عن قناة السويس لنقل البضائع والبترول بين آسيا وأفريقيا وأوروبا فقد عمدت إلى إقامة شبكة من المواصلات بين إيلات البحر المتوسط وإدخال تحسينات كبرى على الميناء وقامت بتوسيعه وتقسيمه إلى ثلاثة أقسام: قسم جنوبي وهو ميناء البترول وتصل إليه السفن التي تحمل البترول الخام الذي يدفع إلى معامل التكرير بحيفا وقسم شمالي يختص بشحن وتوزيع البضائع وقسم أوسط يتم فيه تخزين البضائع.
وفي عام 1959 كانت هناك ثلاث شركات ملاحية تعمل بواخرها بانتظام بين إيلات والساحل الشرقي لأفريقيا وقد سجل الأسطول التجاري الإسرائيلي تقدما مضطردا منذ عام 1959 كانت هناك ثلاث شركات ملاحة تعمل بواخرها بانتظام بين إيلات والساحل الشرقي لأفريقيا وقد سجل الأسطول التجاري الإسرائيلي تقدما مضطردا منذ عام 1959 وعلى سبيل المثال، فقد كانت حمولته في ذلك الحين نبلغ 000‚321طن فبلغت في سنة 1960 ، 000‚462 طن وفي سنة 1961 بلغت مقدار 000‚640 طن وقامت الخطوط الملاحية بربط إسرائيل باليابان وبورما وسيلان وشرقي أفريقيا وغربها واستراليا.
وفي أعقاب فك الحصار عن مضيق تيران، هبت إسرائيل لمد خط أنابيب للبترول من إيلات إلى معامل التكرير بحيفا وكانت هذه المعاملة تعمل منذ حرب 1948 بربع طاقتها فقط ومن المعروف أن إسرائيل كانت تنتج حوالي 10 في المائة مما تحتاجه من البترول، وتستورد ما تحتاجه كمصدر للطاقة ولصناعة البترول وكيماويات من إيران بالخليج العربي وقد جرى التفكير في إنشاء هذا الخط في أعقاب عدوان 1956 وتم إنجازه على ثلاث مراحل: من إيلات إلى بير سبع ويبلغ طوله 240 كيلومترا وقطره 8 بوصات وتم إنجازه في منتصف شهر أبريل 1957 ومن بير سبع إلى أسدوديام ويبلغ طوله 77 كيلو مترا، وقطره، 8 بوصات لمسافة 15 كيلو مترا و 16 بوصة لمسافة 62 كيلو مترا ومن إسدوديام إلى حيفا ويبلغ طوله 139 كيلو مترا وقطره 16 بوصة وقد انتهى العمل فيه في منتصف يولية 1958 ومنذ منتصف شهر مايو 1959 بدأ إنشاء خط النفط الدولي بين إيلات وحيفا الذي وقعت اتفاقية في مطلع العام مع جماعة من الممولين الفرنسيين على رأسهم البارون روتشيلد.
وسرعان ما أنشأت إسرائيل مطارا عسكريا شمال إيلات على بعد كيلومتر من الساحل على الجانب الغربي من الطريق العام يصلح لهبوط الطائرات النفاثة ويعد مطرا إيلات هو المطار الثاني في إسرائيل بعد مطار اللد وأنشأت إسرائيل طريقا بريا من الدرجة الأولى بين حيفا وإيلات يبلغ طوله 467 كيلو مترا، أطلق عليه الإسرائليون اسم قناة السويس البرية وقد استطاعت إيلات أن تستقطب سريعا حركة الملاحة من ميناء العقبة الأدرني حتى بلغ حجم السفن التي تصل إليها في عام 1967 سبع سفن مقابل كل سفينة تصل إلى ميناء العقبة.
ثانيا: تسرب النفوذ الإسرائيلي إلى أفريقيا تدعمه الاستثمارات الإسرائيلية والامبريالية وتنوع النشاط الإسرائيلي في الميادين الاقتصادية والثقافية والعسكريةي ومن الطبيعي أن هذه العلاقات قد فتحت أمام الحاصلات الزراعية والمنتجات الصناعية الإسرائيلية أسواقا رائجة استطاعت إسرائيل من خلالها التغلب على الحصار الاقتصادي العربي ومنافسة الصناعات العربية.
وهذا كله من بعض شروط وعلامات كمال النصر، وإن كان تواضع مؤرخ الناصرية جعله يغفلها تماما فلم يشر بحرف لا إلى الخليج ولا إلى شرم الشيخ ولا إلى الملاحة الإسرائلية فهذه قضايا تافهة لا يجوز أن تشغلنا عن النصر الأكبر في باندونغ والنصر التاريخي في حرب المائة ساعة على مشروع إيزنهاور.
ثالثا: كذلك نزع سلاح غزه، ومنع الجيش المصري من دخولها وكان هناك منذ عهد الرجعية التي خانت قضية فلسطين فخرج منها بعد ما بدأت الرياح تهب في غير مصلحة إسرائيل.
وحرمت مصر من الإمكانية الممتازة للقطاع في دعم أي هجوم مصري بل واوقفت العمليات الفدائية التي كانت تتم من القطاع.
قالت جولدا مائير: زال رعب الفدائيين .. تقررت الملاحة في مضيق تيران، وقوات الطوارئ تحركت إلى قطاع غزة وشرم الشيخ وكسبنا نصرا جعل التارخ السعكري يثبت مرة أخرى قدرتنا على حمل السلاح للدفاع عن أنفسنا.
يقول حمروش وهو يعتذر:
- ضغطت أمريكا على إسرائيل للانسحاب وضغطت على مصر لتبقى قوات طوارئ دولية في شرم الشيخ حتى لا تتاح للقوات المصرية مستقبلا فرصة قفل خليج العقبة ومنع الملاحة فيه ولم يشأ جمال عبد الناصر أن يعاند ويواصل تحدي أمريكا لأنها وجد في ذلك على حد تعبيره موقفا غير سياسي وقبل هذا الشرط مرغما كما يقول ناتنج.
وهكذا نرى عبد الناصر يتحدث عن إرغامة وهيكل يتحدث عن أكمل نصر في تاريخ العرب.
ولم ترسل مصر حاكما عسكريا لغزة كما كانت الأمور من قبل وإنما عينت حاكما مدينا ولم ترسل معه قوات عسكرية بل اكتفت بفري من الشرطة العسكرية.
ونضيف أن مصر كانت لا تفكر في إرسالة حتى الحاكم المدني ولكن ثورة الأهالي هناك ومبادرتهم برفع الراية المصرية فور الانسحاب الإسرائيلي ومطالبتهم بالعودة المصرية الكاملة أدت إلى تطويق هذه الحركة بإعادة الإدارة المدنية مع قبول شرط إسرائيل بإلغاء الوجود العسكري هناك وقد كنا معاصرين هذه الأحداث زمانا ومكانا.
ويقول: وقبلت مصر قوات الطوارئ الدولية لتكون حاجزا بينها وبين القوات الإسرائيلية حتى لا تتكرر الاشتباكات المسلحة التي ظلت تحتل العناوين الرئيسية في الصحف على فترات متقاربة منذ غارة غزة 28 فبراير 1955 حتى عدوان 1956 إذا انتهت معركة صفقة السلاح وتحطيم احتكار السلاح وهدير الطارات والدبابات في شوارع القاهرة والاشتعراضات السمينة لا الهزيلة انتهى ذلك كله بحاجز يمنع تكرار الاشتباكات.
ولا أحد يجادل أن هذا التجميد كان لصالح إسرائيل وحدها فقد خرجت منه أكبر قوة عسكرية في المنطقة وخرجت مصر منهوكة القوى أكثر عجزا من الناحية العسكرية عما كانت عليه حتى في عام 1956 ويريد حمروش أن يقول أن عبد الناصر بقبول قوات الطوارئ قد استبعد نهائيا من جانبه الحرب مع إسرائيل ولكن نفاقه للناصريين يمنعه أن يقول ذلك صراحة فيلف ويدور ليقول الآتي: بقبول عبد الناصر التجميد هذا وجدت أفكار جمال عبد الناصر التي كان قد عبر عنها إلى مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية في فبراير 1955 قبل تصاعد هذا التوتر، وجدت فرصتها للتحقيق من جديد فقد قال يومئذ: ليس هناك محل للحرب مع سياستنا الإنشائية التي قررناها لتحسين مستوى الشعب.
إذن فمحصلة حرب سيناء 1956 هي العودة إلى سياسة لا محل للحرب وكان الظن أن تنبه القيادة المصرية إلى أنه لا حل إلا الحرب.
عدنا لسياسة العمدة والقملة على قفاه وادعاء أنه وضعها قصدا.. فنحن لم نهزم وقوات الطوارئ ليست مطلبا إسرائيليا وإنما خطة ناصرية لرفع مستوى الشعب.
وكان هذا بالطبع تصيرا خطيرا في مسئوولية الأمن القومي للوطن، كماأن المكاسب التي حصلت عليها إسرائيل من العدوان كان من بينها الحق المكتسب في الملاحة في خليج العقبة وبالتالي عندما أرادت مصر أن تسترد هذا الحق في 1967 كان لدى إسرائيل المبرر العالمي للعدوان الثاني.
وربما يؤدي مناخ مبادرة روجرزو كامب ديفيد، وما أعلن من تنازلات في العشرين سنة الأخيرة، ربما يؤدي إلى استهانة القارئ الحديث بهذه التنازلات ويعتقد أن القيادة المصرية فعلا كانت مرغمة عليها أو أن ظروفها كانت مماثلة لظروف 1967 وما بعدها والحقيقة مخالفة تماما فلم يكن المناخ الدولي في يوم من الأيام مناسبا لمصر في تاريخ المواجهة مع إسرائيل كما كان في عام 1956.
- 1- الهجوم الإسرائيلي أو العدوان واضح لا شبهة فيه ولا محاولة لإخفائه أو ادعاء أنه هجوم وقائي وإدانته 64 دولة من بين ثمانين دولة في الأمم المتحدة طلبت الأغلبية الساحقة انسحاب إسرائيل بلا قيد ولا شرط.
- 2- إسرائيل تورطت في أسوأ غطاء دولي يمكن أن يلجأ إليه دولة صغى وهو القتال تحت مظلة بريطانيا وفرنسا الاستعماريتين، أو كما بدت وقتها وهو غير صحيح مخلب قط لهدف استعماري قبيح وما كان يمكن لأي يساري أو منتسب لفكر متحرر ليبرالي أن اشتراكي أو إنساني أن يؤيد أو يدافع عن غزو يقوم به الاستعاران العجوزان أو مخلب قط لهما، ولم يكن هناك ثمة مبرر ولا حتى عند اليهود خارج إسرائيل للعدوان وانفجرت المعارضة للغزو وتأييد مصر في لندن وباريس وكل عواصم أوروبا تقريبا وانتقد الغزو في مجلس العموم البريطاني وكاد الأعضاء أن يتضاربوا فرفعت الجلسة لتهدئة الموقف واستقبال وزير الدولة البريطاني انتوني ناتنج احتجاجا على العدوان وهو حدث في تاريخ بريطانيا.
ولأول وآخر مرة تتفق أمريكا وروسيا ضد إسرائيل وينزلان معا بكل ثقلهما الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي إلى جانب مصر ولفرض الانسحاب وقرارات مجلس الأمن ضد إسرائيل وبالانسحاب تقدم بها الوفد الأمريكي.
بينما في 1967 خرج اليسار الفرني كله في مظاهرة وراء سارتر يهتف بالموت للعرب والمسلمين وجمعوا أربعة مليارات فرنك لدعم إسرائيل التي استطاعت أن تقنع العالم أن الوحش المصري سيفتك بها وكانت أمريكا ثقلها خلف إسرائيل.. وهذا يوضح أنه ليس بفضل شعبية الزعامة المصرية في 1956 كان الموقف العالمي بل بسبب بشاعة الصيغة التي تم بها العدوان والمكانة التي كانت لمصر قبل أن يحكمها المماليك الجدد.
وبعكس 1967 عندما كان الوضع العربي ممزقا وكثير من النظم العربية بخشى انتصار عبد الناصر أكثر مما يخشى هزيمة مصر كان الوضع العربي في 1956 أفضل بكثير فالحركة الوطنية للأمة العربية في زخمها وطهارتها وبكارتها ومصر في حلف عسكري مع الأردن وسوريا وقيادة عسكرية تحت إمرة القائد العام المصري وفي انتظار إشارة للهجوم على إسرائيل وإذا كان لا يعرف حتى الآن السبب الذي جعل عبد الناصر يمنعهم من الاشتراك في الحرب... وإذا كنا نرفض العذر البارد بأنه رأى المؤامرة في الأيام الأولى أكبر مما تصور فأثر تطويقها في خسارة مصر وحدها...حتى مع هذا فقد تغير الوضع في الفترة من ديسمبر انسحاب الإنجليز والفرنسيين ومارس 1957 انسحاب إسرائيل إذ كان مازال يملك ورقة فتح جبهة أردنية وأخرى سورية فلماذا لم يستخدم هذه الورقة في المساومة والضغط لفرض الانسحاب بلا قيد ولا شرط ودون أن تحقق إسرائل أي مكسب كما يقضي العرف الدولي وكما كان العالم كله معه في ذلك؟
وهو وضع لم يكن متاحا بالطبع بعد 1967؟
وكانت مصر في ما هو أكثر من تحالف مع السعودية التي وضعت كل إمكانياتها تحت تصرف مصر كما كانت قد جندت كل هذه الإمكانيات مع مصر قبل العدوان ومنذ 1952 على جميع الجبهات وبدلا من وضع 1967 حيث كانت مصر تحارب السعودية في اليمن وكانت مصر واليمن والسعودية في اتحاد دفاعي وحلف مسلح.
كل الظروف كانت مع عبد الناصر إلا عبد الناصر وقد أبدى ممثل الاتحاد السوفيتي في الأمم المتحدة دهشته علنا من قبول مصر لهذه الشروط وقال أنها لا تحتاج لقبول البوليس الدولي.
ولكن إذا كانت هذه رغبتها فهو لا يمانع وعرفنا بعد ثلاثين عاما أن البوليس الدولي كان فكرة مصطفي أمين وهيكل والعضو الأمريكي في محطة المخابرات الأمريكية في مصر.
لماذا قبل عبد الناصر شروط إسرائيل؟
لماذا لم يعمد ويبدأ عملية تعبئة وبناء القوات المسلحة، خاصة وأنه قد تم له ما أراد ووفقا لرواية هيكل أنقذ الجيش المصري من الفخ الذي نصبوه له والطيارون أحياء عند صدقي محمود يرزقون والحمد لله وحتى لو صدقنا كذبة عبد الناصر عن تدمير السلاح المصري ورفضنا صدق هيكل عن تدمير بعض المعدات الخفيفة، حتى لو صدقنا ذلك لم يكن تعويض السلاح مشكلة وقد فتح السوق السوفيتي بل وكان الروس في غاية التحمس وقتها لتصدير السلاح لماذا لم يعبئ كل القوات ويدبأ أو يهدد بحرب تحرير سيناء بعد الانسحاب البريطاني والفرنسي وحرب ضد إسرائيل وحدها تقلب العالم العربي بنص تعبير عبد الناصر
سؤال نضمة إلى الأسئلة الحائرة في ضمير الناصريين المخلصين
لماذا بعد انسحاب الإنجليز والفرنسيين خضع عبد الناصر لشروط إسرائل لماذا رفض أن يستغل النصر الالتفاف الشعبي العربي والعالمي حوله لخوض معركة تحرير ضد إسرائيل.
ولكنه لم يفعل لماذا؟ قولوا لنا ما هي المخاطر التي اراد تجنبها؟
لن نذهب مذهب المخرفين الذين يتهمون عبد الناصر بأنه جزء من المؤامرة الصهيونية العالمية ومن ثم اقترحوا له تمثالا في إسرائيل؟
ولكننا أيضا لا نقبل تزوير المزورين الذين يرفضون مواجهة هذا السؤال ويصرون على أنه انتصر وأن كل شيء كان بحسبان؟
ويضاعف من جريمتهم أنهم لم يقتصروا على خداع الشعب والجيش بل خدعوا القيادة نفسها فصدقت أنها انتصرت وسكت ميدالية مكتوب عليها سيناء أرض النصر وجدها الحاكم العسكري الإسرائلي في عام 1967 في مكتب محافظ سيناء فأعطى واحدة منها إلى يائيل دايان الجندي في جيش إسرائيل وابنه موشي دياني قائلا أظن أن هذه الميدالية من حقنا نحن.
قالت غولدا مائير بعد تأميم قناة السويس لم يكن أمام عبد الناصر لكي تصبح مصر التي يحكمها زعيمه العالم الإسلامي إلا شيء واحد هو إبادة إسرائيل.
وفي ديسمبر 1956 كان قد تم تأميمس وامتلاك القناة، وهزم وزال أي خطر من الاستعمار القديم ولا نقول ما قالته غولدا مائير عن إبادة إسرائيل بل نقول أ، زعامة العالمين العرب والإسلامي كانت دانية قطوفها لحاكم مصر الذي يبدأ عملية إزالة إسرائيل برفض المساومة والبدء في تحرير سيناء.
ولكنه لأمر ما استبدل الذ هو أدنى بالذي هو خير هذه هي وقائع التاريخ ونحن حين نتجاهل التاريخ لا نلغيه ولكننا نخرج أنفسنا من دائرة حركته فما بالك حين لا نكتفي بتجاهله بل نتعمد تزويره؟
باختصار نحن نعتبر معركة تأميمي القناة نصرا بارزا لمصر ورئيسها عبد الناصر ونعتبر معركة سيناء أول هزيمة حاسمة ومصيرية في المواجهة المصرية الإسرائيلية تركت بصماتها ولا تزال على تلك المواجهة.
ننتقل الآن على السؤال الكبير...
ما هو موقف عبد الناصر من المواجهة المصرية الإسرائيلية..
هل حقا كانت هذه المواجهة في تصوره هي قضية الأمن القومي لمصر ومستقبل القومية العربية، ومن ثم تحتل قائمة الأولوية في استراتيجيته؟
نحن نقول لا بل ونضيف أن العكس تماما هو الذي حكم سلوك عبد الناصر في الفترة من 1952 إلى 1967..
ونحن أن نبدأ بناصري شديد الحماسة بل لعله من أطهر الناصريين نفسا وأعفهم يدا ولسانا وفي مقدمة الذين قيل فيهم الطريق إلى جهنم مرصوف بذوي النوايا الحسنة هو أمين هويدي السذج والمغرضين الذين يقيمون الأحداث الآن، قائلين أن عبد الناصر كان عليه أن يترك فلسطينس في ذمة التاريخ لنتفرغ لأحوالنا ومشاكلنا وأنه كان عليه أن يقفل عليه حدوده، وبذلك يتفادى الصدام مع إسرائيل، احترنا والله ما بين الهويدي أمين والأمين هيكل الأول يقول إن الدعوة إلى التفرغ لمشاكل مصر وتفادي الصدام مع إسرائيل لا يصدر إلا عن السذاج والمغرضين والأمين هيكل الواصل للخزائن والوثائق يؤكد لنا أن أول من طرح هذا الشعار في مصر بل في الوطن العربي هو الزعيم عبد الناصر الذي قال ل: ر. ك اختصار ريتشارد كروسمان الذي بدوره قال ل ب. ج. أشاره بن جوريون وهذا وحده دليل أكيد على صحة الرواية قال الزعيم أ،ه لا يشغل نفسه بإسرائيل وإنما يركز على التنمية الداخلية في مصر وأنه لذلك خفض ميزانية القوات المسلحة بخمسة ملايين جنية عن السنة الماضية.
حتى أن بن غوريون هرش شعره المنكوش لما سمع ذلك وتمت بصوت خفيض وهو يهز رأسه: هذه أنباء سيئة أنباء سيئة جدا.
ولا أظن أن هناك مجالا للشك بعد هذا الوصف الدقيقة للطريقة التي تصرف ها ب. ج عند سماع الخبر.. فهو أول كان منكوش الشعر كما وصفه شاهد عيان وأخبر هيكل وهو ثانيا هرش شعره هذا المنكوش ولم يمسح عليه أو ينتفه تماما ثت تمتم لم يهمس ولا صرخ إنما تمتم وبصوت خفيض كل هذه الأدلة تجعلنا نصدق انزعاج بين غوريون لأن عبد الناصر غير مشغول باسرائيل ويعمل على أنقاص قدرات مصر العسكرية.
وهي حالة معروفة بين العشاق حتى أن أم كلثوم تشكو حتى الجفا محروم منه.. يا ريتها دامت أيامه والأغاني المصرية حافلة بمثل خليني ع البال يا خلي البال ولا شك أن بن غوريون كان يعاني من هذه الحالة التي للأسف هيكل هو المصدر الوحيد للإعلام عنها.
دعنا من الجزء الخاص برأس بن غوريون ومشاعره المهم أن عبد الناصر وهذه واقعة مؤكدة يخفض الميزانية ويخطب الرئيس وبمسلكه كان يرى عدم التحرش بإسرائيل عدم الانشغال بها والتركيز على مشاكلنا الداخلية فلماذا يهاجم هويدي هذا الموقف وبنسبه للسذج والمغرضين إلا إذا كان قد قرر الانضمام إلى جوقة عدم الوفاء وتشويه سيرة الزعيم الخالد؟؟
أولم يقل حمروش أنه بقبول مصر قوات الطوارئ لتكون حاجزا بينها وبين القوات الإسرائيلية حتى لا تتكرر الاشتباكات تحققت أفكار عبد الناصر وهي: ليس هناك محل للحرب مع سياستنا الإنشائية التي قررناها لتحسين مستوى الشعب.
على أية حال بعد سطر واحد اندفع أمين هويدي يثبت أن مصر لم تتحرش قط بإسرائيل وإنها فعلا كانت تود لو أن بينها وبين إسرائيل جبلا من نار فلا يصلون إليها ولا تصل إليهم إذ يقول:
ولكن هل تحرشت مصر بإسرائيل حينما قامت بغارتها الوحشية في غزة واتبعتها بغاراتها في مناطق عديدة بعد ذلك؟ هل تحرشت مصر بإسرائيل حينما انضمن الأخيرة إلى بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي.
والجواب على الفور أبدا.. لا تحرش ولا كشرت بل ونضيف ولا فكرت أو قدرت مواجهة مع إسرائيل خلال 15 سنة من الثورة إلى النكسة15 سنة وسياسة الحكم المصري تدور حول تجنب المواجهة مع إسرائيل والاطمئنان إلى التأكيدات الأمريكية والالتزام بالوعود والاتفاقات مع الأمريكان بتجنب تصعيد الموقف وخسمة عشر عاما لم تتوقف المؤسسة الإسرائيلية عن التفكير والتدبير والتنفيذ للقضاء على الوجود المصري المؤثر في الشرق الأوسط.
وبعد أن يؤكد أمين هويدي أن التحرش كان من جانب إسرائيل حتى عام 1956 يؤكد أن أبسط قواعد الأمن القومي تشير إلى أن فلسطين هي من ضرورات الأمن المصري منذ عصور الفراعنة، ووجود دولة معادية هناك فيه تهديد قاتل لأمن مصر إذن فسلامة فلسطين من ضروريات الأمن المصري.
وهذه بديهية لا نعارضه في حرف منها وإن كانت السنوات التي تلت عام 1952 اتسمت بالعمل على إخفاء هذه الحقيقة عن المصريين ونجحت تماما في تجهيل المصريين بها ولا يمكن القول بأن وعي جيل أبريل 1967 بهذه الحقيقة كان أفضل أو حتى مماثل لوعي جيل أبريل 1948.
هذه قضية تحتاج إلى بحث مستفيض وإنما نسأل السيد هويدي هل التزمت الناصرية بهذه القناعة؟ هل خدمت الأمن المصري بإزالة الدول المعادية.
لا النتائج ولا النوايا تعزز القول بأن الناصريين فهموا هذه الحقيقة وإلا فقد فهموها وعملوا أو انجزوا عكسها تماما فلا مجال للمقارنة بين قوة الدولة المعادية وحجمها عام 1952 وما وصلت إليه وما أصبحت تحمله من تهديد لأمن مصر الوطني في سنة 1970 لقد زحف خطر الدولة المعادية من رفح حتى وصل إلى القنطرة الناصريون الذين تسلموا الحكم ومصر تدافع عن أمنها القومي في قلب فلسطين وغزة تركوا الحكم والإسرائيليون أقوى دولة فيا لمنطقة بل أقوى من دول المنطقة مجتمعة ممتدة من البحر إلى النهر ومن الجولان إلى القنطرة ومدافعها دكت أجمل ثلاث مدن مصرية وسيناء بأكملها أو ثمن الوطن بمواطنينا هناك تحت الاحتلال الإسرائيلي والقطاع الذي تسلمه ثوار يوليو أمانة سلموه لليهود هزيمة.
ولم يحدث منذ الاحتلال البريطاني إن كان أمن مصر في أضعف سلموه لليهود هزيمة.
ولم يحدث منذ الاحتلال البريطاني إن كان أمن مصر في أضعف وأخطر مراحله مثلما حدث على يد الناصريين.
هذا من ناحية الواقع، ما تحقق بالفعل وهو ما تجري المحاسبة عليه في السياسة ومع ذلك سنقبل طلب الرأفة ونحاسب على النوايا.
هل يمكن تقديم دليل واحد على أنه في الفترة من 1952 إلى 1967 كان أمن مصر القومي بهذا المفهوم الذي طرحه عن حق أمين هويدي أي سلامة فلسطين ومنع قيام دولة معادية فيها هل من دليل واحد على أن هذا الفهم كان المسيطر على تفكير أو استراتيجية الناصرية؟
هو بنفسه اعتراف بأنه حتى عام 1956 لم يقع أي تحرش بإسرائيل بل إسرائيل هي التيك انت تلح باعتداءتها لإيقاظي القيادة الناصرية من غفلتها وتذكيرها بالخطر القومي والأمن المهدد أو بالأحرى لعجم عودها والتأكد من فقدانها لإرادة القتال ولتدريب جنودها على الاستهانة بالعدو المصري!
ولكن القيادة المصرية ظلت تقفز خلف الأشباح وتندفق إلى جميع المعارك في شتى الميادين إلا معركة الأمن الوطني وحتى بعد 1967 بعد أن أصبح الخطر الوطني يطل على بورسعيد والإسماعيلية والسويس يطلب أحدهم من الرئيس عبد الناصر سحب الجيش المصري من اليمن للدفاع عن القاهرة فيرد الرئيس: واخللي البدر يدخل اليمن منع البدر من دخول اليمن أهم من دخول إسرائيل سيناء أهم من تهديد إسرائيل للقاهرة أو دمشق وعمان؟
ثم تتحدثون عن أمن مصر وتتباكون على قميص فلسطين متى فكرتم فيها وأنتم مشغولون بمحاربة الرجعية والبعثة والشيوعيةي وتحرير الكونغر والانتصار في باندونغ متى؟ أذكروا لنا واقعة واحدة تؤكد إيمانكم فعلا بأن إزالة هذه الدولة المعادية هو الضرورة القومية أو الوطنية الأولى هل تسليم الجيش لقيادة هزمت في حرب 1956 في أول مواجهة شاملة مع إسرائيل ورغم قناعة الرئيس التامة بعجزها العسكري الفاضح ثم يسلمها بجميع أفرادها من الصاعقة إلى الطيران إلى القائد العام يسلمها مرة أخرى قيادةي الجيش دليل قناعته بأن إسرائيل هي الخطر القومي القاتل الذي يجب أن يتصدر قائمة الأهميات وقائمة الولاءات؟
ألم يكن من الواضح لابسط الناس إن القيادة التي هزمت في 1956 والتي عجزت عن مواجهة النحلاوي والكزبري لابد أن تنهزم ضد إسرائيل فماذا يعني تسليم القيادة العسكرية لها مرة ثانية والدخول بها في حرب أخرى معروف سلفا أن العدو فيها أكثر قوة المغرضون سيقولون أن الناصرية أرادت هذه الهزيمة ومن ثم وضعت نفس العناصر المنهزمة في مركز القيادة.
ولكن تمسكا بحسن النية ألا يكون أفضل التفسيرات هوان هذه القيادة الناصرية لم يكن يعنيها أمن مصر القومي أولا تدرك أبسط قواعد الأم القومي بتعريف هويدي أو كانت لا ترى تهديدا لأمن مصر من ناحية إسرائيل ومن ثم لم تهتم بتوفير قيادة عسكريةي في مستوى هذا الخطر معتقدة أن تصفية الإقطاع في كمشيش أهم وإن مكاسب توزيع شقق الحراسة وتحديد إقامة كمال الدين حسين وعزل بغدادي تبرر وع عامر وصدقي محمود وجلال هويدي والغول وعلي شفيق وشمس بدران وبقية النخبة الاشتراكية على رأس جيش مصر ولو كان الثمن هو ما دفعناه؟
جميل أن يتحلى هويدي بالوفاء وإن يتصدى للدفاع عن الناصرية، ولكن بشرط أن يلتزم بالناصرية الحقيقية التي نعرف وقائعها لا أن يخترع لنا ناصرية جديدة الوقائع الثابتة تعززها النتائج ثبت أن حركة 23 يوليو لم تكن مهتمة بأمن مصر الوطني، ولا كانت إسرائيل على قائمة الأولويات وأول دليل هو موقفها من الجيش عندما وصلت إلى السلطة إذ كان اهتمام القيادة الأول هو تأمين سيطرتها عليه حتى ولو كان ذلك على حساب قدرته القتالية ومن ثم اتخذت هذه الإجراءات:
- 1- تسريح كل من هو فوق رتبة بكباشي وهي رتبة جمال عبد الناصر ومافي وفي للناصرية مهما بلغ تنطعه يستطيع القول أن هذه الرتبة تشكل حدا وطنيا وطبقيا من تجاوزها ولو قبل الثورة بيوم واحد فهو رجعي ومن كان تحتها فهو في النعيم مع الأبرار لمجرد مصادفة أن قائد الانقلاب بكباشي!
وهذا خسر الجيش المصري في قرار واحد ولحظة واحدة كل قيادته الفعلية وغذا كان هيكل يبرر منع الطيارين من الدفاع عن وطنهم في حرب 1956 بأنهم لو ماتوا فسنحتاج إلى عشرسنوات حتى نخرج طيارا وهو تهجيص فكم تحتاج حتى نخرج اللواء أو الفريق أو حتى العميد؟
ولكن المذبحة لم تتوقف بل فصل خلال الثلاثة شهور الأولى من الانقلاب أكثر من خمسائة ضابط.
الثورات الحقيقة تحل الجيش القائم باعتباره جزءا من الدولة والنظام ليحل محله فورا الجيش الثوري الجديد المكون من قواعد الثورة الطبقية وعلى روح جديدة وقد يضم بعض الكفاءات التي كانت في الجيش القديم التي تنضم عن وعي أو بالدافع الوطني ولكنه غالبا يعتمد على الروح الثورية وأحيانا على الخبرة القتالية إذا كانت الثورة قد وصلت إلى الحكم على يد جيشها الخاص المهم أن معنويات الجيش تبدأ من القمة فهو جيش الثورة ومن ثم يسهل جدا كسب الكفاءة القتالية والخبرة الفنية إذا ما توفرت له القيادة الصالحة وخلال فترة التكوين هذه يغطي النقص المؤقت بالروح المعنوية العالية لما يتمتع به أفراده من مساواة وانضباط بل تقشف وصوفيةي ثورية واحترام لكرامة الفرد وطهارة القيادة، واتضاح أهليتها للمسئولية.
ولكن ما جرى في مصر كان ختلفا تماما فقد بقي الجيش الملكي بتكوينه وتركيباته ومسلكيته وعلاقاته الاجتماعية والطبقية داخل صفوفه مع انهيار كامل في مستوى قيادته ثم تتابعت إجراءات تكسيحه وتحطيم معنوياته وتمزيق ترابط فقد رأينا كيف عزل كبار الضباط بالرتبة وليس بالموقف الفردي لكل ضابط وما في ذلك من ظلم ما يخلفه من مرارة وهلع في نفوس الباقين فضلا عن الحرمان من الخبرة التي أشرنا إليها ثم فصل خمسائة ضابط بلا محاكمة ولا حتى مجالس عسكرية وأغلبهم لم يعرف تهمتة حتى اليوم ونستطيع أن نتصور معنويات بقية الضباط خلال تلك المحنة فباستثناء التسعين ضابطا أعضاء تنظيم الضباط الأحرار كان كل ضابط خارج هؤلاء التسعين يتوقع أن تكون رأسه هي التالية على القائمة السوداء فينشغل بحماية هذه الرأس ولو بالوشاية أو التزلف أو الافتراء ثم كان الأذلال المهين والوحشي والأول من من نوعه في تاريخ مصر باستثناء الأيام الأولى للاحتلال البريطاني للضباط المصريين وهم في الزي الرسمي في أشرف مهمة وأشرف موقع فالجندي وظيفة إنسانية شديدة التعقيد يتم فيها إقناع إنسان عاقل بتعريض نفسه للقتل من أجل أن يحيا الآخرون من مواطنيه حياة أفضل وأكثر أمنا ومن ثم لا بد من توفر نفسية شديدة الخصوصية تدور حول إيمانه بأنه بارتداء البدلة العسكرية أصبح مستوى خاص وله قدسية خاصة لا تمس ما دام لم يسيء إلى شرف هذا الزي وهذه القناعة لا يمكن تصورها في ليل مهان خائف متلصص دساس وقديما قال المصري: قالوا للكلب انبح وهز ذلك قال ما أقدرش على الشغلتين فالنباح الذي هو رمز القوة والحراسة واليقظة والمبادرة لا يتفق مع هز الذيل تملقا وتذللا.
وقد جاءت الثورة بأول تعذيب وحشي للضباط العاملين عندما ضرب البكباشي حسن الدمنهوري ورآه زملاؤه أثناء التحقيق والضرب ينهال عليه والدماء تسيل منه ثم نقل إلى السجن الحربي مقيد اليدين والرجلين بالحديد وهو بملابسه الرسمية وكان أول حكم بالإعدام يصدر على ضباط بالجيش المصري بتهمة أخرى غير الخيانة العظمى.
وتسمتر شهادة أحمد حمروش أحد الضباط الأحرار التسعين بل والقريب من عبد الناصر حتى وقوع الانقلاب الذي كان شاهد عيان لأنه هو أيضا كان مسجونا يقول:
وكان هذا التعذيب هو بدايةي التصرفات الهمجية الوحشية من جانب ضباط القيادة ضد زملائهم في السلاح وكان اعتقال ضباط المدفعية والتحقيق معهم بواسطى أعضاء المجلس كلمة النهاية في وجود تنظيم الضباط الأحرار لأن أعضاء مجلس القيادة وجدوا في الضباط الأحرار تنظيما يمكن أن يشاركهم ويضعي تصرفاتهم تحت مجهر النقد والمحاسبة بالطبع امتدت نار الإرهاب والتصفية إلى التسعين وحل تنظيم الضباط الأحرار، وقد اعترف شمس بدران للمؤلف جلال كشك أنه كلف من عبد الناصر وعامر بتصفية تنظيم الضباط الأحرار.
وهذا قانون معروف في كل النظم الديكتاتورية إذ لا يمكن أن تتةوقف التصفية حتى لا يبقى على القمة من الذين قاموا بالانقلاب إلا الزعيم وحده.
وحتى بعدما أخرج من الجيش كل الضباط الذين كانوا ضد 23 يوليو وكل الضباط الذيني قاموا بحركة 23 يوليو هل ترك الجيش يستعيد روحه القتالية ؟ أبدا وهذه شهادة ناصري: استبدلوا بالتنظيم القديم الضباط الأحرار تنظيمات خاصة أخرى تعتمد على الضباط المحيطين بهم القريبين منهم المكونين للشل الخاصة الذين تسرب إليهم عدد لم يكونوا من الأحرار أصلا وإنما أظهر براعة في مخاطبة الغرائز الشخصية لأعضاء مجلس القيادة ووضع في مراكز القيادة نوعان من الضباط:
أما أهل الثقة الكاملة المرتبطون بأعضاء مجلس القيادة ارتباطا شخصيا وثيقا وأما الضباط الذين لا راي لهم ولا يهتمون إلا بمصالحهم الخاصة ولا ينفي هذا وجود بعض الاستثناءات مؤكد.. وإلا فمن أين جاءت البطولات التي لمعت كالنجوم في لية الهزيمة الذي صنعه النوعان المكونان للظاهرة العامة لضباط الجيش في عهد الثورة هذه الاستثناءات هي التي صنعت نصر أكتوبر 1973.
المهم أنه ما ين 1952 إلى 1956 كانت القيادة في الجيش من نصيب دلاديل أعضاء مجلس القيادة والذين لا رأي لهم ولا يهتمون إلا بمصالحهم الخاصة أصبحت الكفاءة والوطنية والاهتمام بالمصلحة العامة هي الاستثناء هل هذه هي نوعية القيادات التي يمكنها قيادة الجش في مواجهة إسرائيل؟
وهل الذي يعين أو يقصر القيادات على مثل هذه النوعية يفكر في أمن مصر القومي ويجعله الهدف الأول، واسمى الواجبات؟ لا بل هذه مسلكية من رأي أمنة وأمن سلطته هو أمن مصر القومي ولو سقط نصف الوطن تحت الاحتلال الأجنبي تماما كما قال الدوبلير مايلز كوبلند:
يتابع حمروش شهادته:
كانت شخصية الضباط الأحرار تستمد قبل الحركة من ارتباطهم بالتنظيم واستعدادهم للنضال والتضحية ولكنها أصبحت بعد ذلك تستمد من رضا القيادات عليهم واستعدادهم للخضوع والمسايرة.
الخضوع والمسايرة ومخاطبة الغزائز الشخصية للمسئولين استحلفك بالله وبالوطن يا حاج أمين هويدي وما أعلم عنك والله إلا كل خير من ناحية الدين والخلق والوطنية هل يحسن العبد الكروالفر؟
هل يحرر مصر ويواجه إسرائيل ضباط يجيد الخضوع والمسايرة هل هذه هي الصفات المطلوبة لتحقيق هدف: بناء جيش وطني قوي هل هذا سلوك من يهتمون بأمن مصر الوطني؟ هل التحقت بالكلية الحربية وساهمت في انقلاب 23 يوليو لتحسن الخضوع والمسايرة.
ولكن أهل الثقة وأهل الوفاء والناصريون الجدد لديهم شماعة ممتازة يعلقون عليها كارثة الجيش وهي الزعم بأن عبد الحكيم هو الذي لم يكن لم يكف كفؤا وإن عامل هذا استقل بالجيش فلم يعد للزعيم سلطة عليه.
عظيم ولكن لماذا عين عبد الناصر عبد الحكيم عامر في هذا المنصب؟ من أجل كفاءاته في قضية أمن مصر الوطني وما توسمه فيه من قدرة على بناء جيش وطني قادر فعلا على التصدي للعدو، ولكنه خيب آماله وعجز عن تغييره؟
التصدي للعدو، ولكنه خيب آماله، وعجز عن تغييره؟
نقرأ ما يقوله المدافعون
كان عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة غير مؤهل في شخصيته لولي هذا المنصب الخطير ولكن جمال عبد الناصر عينه فيه خلال أزمة التناقض مع محمد نجيب ليضمن السيطرة على الجيش لثقته من ولاء عبد الحكيم عامر له باعتباره صديق عمره والذي كان يسكن معه في سكن واحد قبل الزواج ولذا فإن مواجهة عبد الحكيم عامر للعدوان لم تكن إيجابية ولا ديناميكية وشخصيته الطيبة المحبوبة لم تكن ذات تأثير نافذ في ظروف المعركة كان تحريكه للقوات وإعداده للخطط رغم استعانته حتى ذلك الوقت في مكتبه بعدد من خيره الضباط أركان الحرب لم يكن متناسبا مع خطورة الموقف، فأصدر أوامرا لمحمد رياض محافظ بورسعيد بتولي قيادة القوات المسلحة في بورسعيد وهو مدني متخرج من كلية الحقوق كما أن مساعدة قائد القوات الجوية محمد صدقي محمود ترك طائراته فريسة للهجوم وهي رابضة على الممرات الجوية دون تحليق مما أدى إلى تحطيمها فعلا في يوم واحد رغم خطة المعتدين قد قررت لذلك يومين.
حمروش هنا غير منصف لصدقي محمود فحسب رواية الأمين على التاريخ كان ترك الطائرات على الأرض بأمر صريح من الرئيس عبد الناصر وخطة مدروسة وبالطبع العدو قدر يومين على أساس الاشتباك ولكن تحطيم طائرات أو أوز رابض على الأرض مقصوص الجناح لا يحتاج إلا إلى ساعة واحدة.
ولكن ليس هذا أخطر ما في شهادة حمروش فهو يشهد أن:
- 1- عبد الحكيم عامر غير مؤهل لمنصب القائد العام.
- 2- عبد الناصر اختاره لعلاقته الشخصية به وسكناه معه في شقة واحدة قبل الزواج ولكي يضمن سيطرته على الجيش من خلاله.
هل هذه هي المؤهلات التي تعين بها الثوار قادة الجيوش؟ هل هكذا تحمي الأوطان؟
والملك فاروق أراد أن يعين صهره وزيرا للحربية وليس قائدا عاما للجيش والأول منصب سياسي والثاني فني فقامت عليه القيامة.
استحلفك بالله يا حاج أمين هل هذا سلوك من يعتبرون إسرائيل هي الخطر الدائم والداهم على أمن مصر القومي والوطني.
يقول بغدادي.
- وكنت معتقدا أن جمال عبد الناصر لم يرشح عبد الحكيم لتولي قيادة الجيش إلا لغرض سياسي وأنه يهدف إلى أن تصبح له السيطرة السياسية دون باقي المجلس وذلك عن طريق مساندة الجيش له وإن الذي يضمن له لك هو تعين عبد الحكيم قائدا عاما له معتمدا على قوة الصداقة المتينة والتفاهم القائم بينهما كما كنت أخشى أيضا من تولى عبد الحكيم أمر الجيش أن يصبح الجيش في المستقبل أداة تدخل في السياسة العامة ومدى خطورة هذا على مستقبل البلاد لذا رأيت أن اعترض على اقتراح جمال مبينا أنه من الأفضل أن يتولى أمر الجيش ضباط محترفون للتفرغ له والابتعاد به عن السياسة وذكرا أن الجيش إذا تدخل في السياسة فسد الجيش وفسدت السياسة أيضا ولكن جمال عبد الناصر تمسك باقتراحه مبينا أنه من المستحيل أن يوكل أمر الجيش لشخص غريب ولس منا فيتحكم في رقابنا على حد تعبيره وموقفي هذا من تعين عبد الحكيم خلق حساسية منه نحوي لم أعلم بها إلا فيما بعد من جمال سالم.
ويستمر بغدادي: أصبح لا هم للكثير من الضباط إلا التقرب من عبد الحكيم وجمال عبد الناصر أو إلى من هم قريبين منهما طمعا في منصب أفضل خدمة تؤدي لهم وأصبح الجيش مع مرور الوقت أداة قوية في يد جمال وعبد الحكيم وانعزالنا نحن نهائيا عنه ونتج عن هذه السياسة فساد الجيش مما ترتب عليه نتائج وخيمة عسكرية وسياسية كما سيتضح للقارئ من خلال هذه المذكرات.
فهذا عضو مجلس ثورة وأهم من الثورة مني ومن هويدي وهيكل يشدد أن سياسة عبد الناصر أدت إلى فساد الجيش.
ويروي عبد اللطيف بغدادي قصة الضابط العظيم اللواء حسن محمود قائد سلاح الطيران فهو الوحيد الذي اعترض على تعيين عبد الحكيم عامر قائد الجيش واتخذ موقفا يثبت جدية اعتراضه ومبدأيته..
فقد رفض أن يكون مرؤسا لصاغ وقال كلمته المشهورة العامرة بالوعي والتجرد عينوه بقوة الثورة رئيسا للجمهورية أو وزيرا للحربية أو حتى ملكا ويسنطيع ولكن الجيش لا يقوم إلا على الضبط والربط.
يقوم على الخبرة وإلا قدمية والرتبة ومحال أن يوجد جيش يخضع فيه اللواء للصاغ وخرج من الجيش مرفوع الرأس.
وعينوا من مكانه؟ محمد صدقي محمود!ما غيره!
ودفعت مصر الفرق بين أهل الرأي والخبرة والشجاعة وبين أهل الثقة والخضوع والمسايرة دمار سلاحها الجوي مرتين.
والغريب أنه رغم معرفة بغدادي بأن تعين عامر يفسد الجيش والسياسية فقد تولى هو محاولة إقناع حسن محمود بقبول فساد الجيش والسياسة بل وقبل بغدادي الاستمرار في عملية الإفساد هذه 12 سنة على أية حال إذا اختلف الثوريان ظهرت الحقيقة.
ما دمنا قد وجدنا الشجاعة لننقد كفاءة عامر وإعلان أنه غير مؤهل فيجب أن نتحلى بشحاعة أكبر لنقد المسئول عن هذا التعيين.
لا بهدف الإدانة فقد مات الجميع ولكن لأن إثبات عدم كفاءة عبد الحكيم عامر أقل أهمية من تحليل وإدانة الأسلوب الذي أوصل عامر لهذا المنصب، والذي إذا لم يكشف ويدان وتحصن البلد ضده يمكن أن يأتي لنا بحكيم آخر ولنفرض كما لنا أن كل هذا كان خافيا على القيادة السياسية وإنها فوجئت فعلا بما جرى في 1956 من أكل نصر عربي جعلها تبكي في شوارع الإسماعيلية لماذا لم تغير الوضع؟
قائد الجيش غير كفؤ وتصرف تصرفاتي لا تليق أثناء المعركة وقائد الطيران ترك الطائرات تضرب على الأرض فهل من المعقول أن نجد نفس القائد العام ونفس قائد الطيران في مواقعهما بعد عشر سنوات ليكررا نفس الخطأ ولكن بحجم أكبر ورتب أعلى هل هذا معقول؟
لو أن عمدة كفر البطيخ سلم أمن دوار العمودية لغفير لا يتمتع بأية موهبة إلا ثقة العمدة وسكناها في شقة واحدة فسرقت الدرا ونهب ما فيها واعتدى على حرمتها فكافأة العمدة برفع رتبة وزيادة اختصاصه وثبته في موقعه حتى نهب الدوار مرة أخرى بل وأقام فيه اللصوص 13 سنة فأين يكون العمدة من حركة التاريخ وهل يليق بأهالي كفر البطيخ أن يختصوا الغفير باللوم والعمدة بالثناء؟
نسأل الحاج أمين هويدي فيقول:
- أن العلاقة بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية كانت واضحة ومحددة في حرب السويس وحتى حدوث الانفصال.
- عظيم إذا يجب أن تتحمل القيادة السياسية والقيادة العسكرية كانت واضحة ومحددة في حرب السويس وحتى حدوث الانفصال.
عظيم إذا يجب أن تتحمل القيادة السياسية مسئوليتها كاملة في هزيمة 1956 فقد كانت القيادة العسكرية خاضعة ومنضبطة لتوجيهات القيادة السياسية وهذا وقع تؤكده الحقائق التي وردت عن إرغام عبد الحكيم عامر على الانسحاب وصدور الأوامر بتوقيع عبد الناصر والأمر بمنع اشتباك الطيارين مع العدو.
ولكن الحاج هويدي لا يفير لنا لماذا إذا عجزت هذه القيادة السياسية عن عزل صدقي محمود؟
الأمر يحتاج لخبرة القراد والحاوي الطروب لإيجاد مخرج من هذا المأزق فإذا كان عبد الناصر مسيطرا على الجيش في 1956 فكيف سكت على المتسببين في الهزيمة الحل جاء به الحاوي الطروب هيكل: لم يكن هناك هزيمة بل أكمل نصر والطيران لم يضرب بل انبطح أرضا عن خطة موضوعة حتى ضربوه وماتوا بغيظهم...!
فلماذا التغيير؟
الحاج أمين لم يصل إلى هذا المستوى والحمد لله ولذلك لم يشر إلى الهزيمة ولا النصر وإنما جعل الفساد يدب بعد 1956 قال (وأدرك عامر أنه يستمد سلطته من القوات المسلحة فوثق صلته بقادتها وظل يواصل العطاء والمنح لكل من يطلب وأصبح للمشير أظافر وأنياب وكان من الواجب حسم مثل هذه الأمور عند بدايتها ولكن إهمال ذلك أدى بالقيادة العسكرية لكي تشكل بروزا ورميا خطيرا أصبح من الصعب استئصاله وأصبحت القيادة السياسية ينقصها القدةر ولا أقول الرغبة لإزالة هذا الورم وهنا اهتزت كل الأور فتغيرت طبيعة العلاقات داخل القيادة العسكرية فهبط ميزان الكفاءة ليحل محله ميزان الولاء وأصبح التأمين الذاتي وليس الأمن القومي هو محل الرعاية والاهتمام الحمد لله ها أنت قلتها وليس الأمن القومي محل الرعاية والاهتمام فهل تصنفهم في السذج أو المغرضين إذا كنا لا نزال نذكر بدية الحديث أم المفرطين المقصرين إن لم نقل الخونة المتآمرين وأي خيانة أكبر من أن لا يهتم ولا يراعي الحاكم إلا من القومي لوطننا بشهادتك أنت؟
على أية حالة إن المسئولية من حجم لم يتمكن معه أمين هويدي من الاعتذار عنها أو تناسيها فدار حولها وأخفى رأسه في رمال الوفاء، أو في قوله والله أعلم نعم الله أعلم ونعمى بالله ولكنه سبحان وتعالى أمرنا أن نتعلم ونسأل أهل الذكر.
يقول: وهنا يتساءل الكثيرون وأنا معهم أي هويدي لماذا لم تعالج القيادة السياسية الموقف ربما يكون ذلك لعجز في القدرة بعد اختلاف موازين القوى بين القيادتين وربما تكون القيادة السياسية قدرت أنه لتصحيح الأوضاع لابد من صدام ولكنها لم تكن مستعدة لهذا الصدام إلا على الأرض الملائمة وفي الوقت المناسب ولكن يبقى سؤال قائم لماذا لم تعالج القيادة السايسية الموقف قبل أن يستفحل والإجابة على السؤال صعبة وربما يرجعها البعض إلى عامل الصداقة وربما يرجعها البعض الآخر إلى تغلب عامل التوازن بين اتجاهات أعضاء مجلس الثورة القديم والله أعلم.
مرة أخرى: نعم .. الله أعلم.. ولكن تعالى نناقش بعض الذي علمته أنت وسجلته الزعيم الخالد رأي الجيش المصري يفقد صفاته القيادية وسكت على ذلك من أجل الصداقة ألم نقل لك أن أي محاولة للاعتذار عن هذه الخطيئة القاتلة لن تأتي إلا بالعذر الذي هو أقبح من الذنب ومتى كان عبد الناصر يقيم وزنا للصداقات؟ ومتى كانت زعامة سياسية تضحي بالوطن وبالأمن القومي تضحي بالجيش في سبيل صداقة مع قائد الجيش هذا مالم نسمع به ولا في عهد الثنائي مراد وإبراهيم!
أليست هذه التفسيرات العقيمة هي التي اعطت المجال لتفسيرات هستيرية تدعى أن قيادة النظام الناصري لها جذور يهودية ومن ثم كان يعنيها أن يحدث ما حدث لمصلحة إسرائيل وهذا ما جعل فتى مصري دارت به الدنيا بعد النصر الإسرائيلي في 1967 يقترح على توفيق الحكيم إقامة تمثال لعبد الناصر في إسرائيل؟
معذور ما دام أمين هويدي يقول بعد ذلك مباشرة:
- لم يكن عبد الناصر يؤمن بالمبدأ الإصلاحي في معالجة الأمور ولكنه كان قائد ثورة ثم أصبح زعيم أمة أعطته ثقتها في الانتصارات والهزائم على حد سواء.
ولا شك بعد كل هذا الذي قلناه فإن عبد الناصر كان شجاعا إلى أقصى حدود الشجاعة وهو يواجه كل الضغوط التي وجهت إليه، فلم يتردد في خوض معركة تلو الأخرى وبحكم طبيعته واجه التحديات بإجراءات حاسمة وبطريقة مباشرة لا تعرف الالتواء الأسودأسود والأبيض أبيض ولعل السرعة الخاطفة التي اتسمت بها ضرباته ترجع إلى وضوح الرؤية والتحضير المسبق.
هذه شهادتك في صفحة 135 فكيف تريد الشاب المصري العاقل أن يصدق تفسيرك في الصفحة المقابلة تماما 134 أن عبد الناصر هذا الشجاع الذي لا يؤمن بالمبدأ الإصلاحي بل بالبتر الثوري الذي لايعرف بين بين بل أبيض وأسود والذي يواجه التحديات بالإجراءات الحاسمة وبطريقة مباشرة كيف تريده أن يصدق أنه ترك الجيش يتعفن واستقلال الوطن يتعرض للخطر خوفا من مواجهة شمس بدران وعلى شفيق أوسكت على ذلك حرصا على صداقة عبد الحكيم عامر وذكريات الشقة؟ أو أنه فضل الالتواء والانتظار ومسك العصا من النصف تحينا للأرض المناسبة والوقت المناسب لخوض معركة هذا المشير ففاتنا تخير الوقت المناسب وأرض المعركة مع إسرائيل لأن قيادتنا كانت متشغلة بتحضيرها لمقاتلة زوج برلنتي؟
ألا يعزز هذا في ظن بعض المتسرعين، التفسير العجيب الذي يقول بأن عبد الناصر زج بالجيش في معركة خاسرة لكي تتوفر الأمرض المناسبة والوقت المناسب للقضاء على عبد الحكيم عامر؟
هل كان عزل صدقي محمود في عام 1956 يسقط النظام؟
- هل كان الزعيم الذي يسقط حلف بغداد ويعلق نوري السعيد في المنشقة ويطرد غلوب ويحاصر سلوين لويد في البحرين عاجزا عن إقصاء صدقي محمود عن الطيران ؟ هل كان يعجز أن يصدر مرسوما بإقالته ويفاجئ به عامر ثم يصطلحان خاصة وأن هويدي يشهد أن الورم لم يبدأ إلا بعد 1956 هل كان صدقي محمود أقوى من محمد نجيب ومن البغدادي وجمال سالم وصلاح سالم والنحاس والتنظيم السري للإخوان والشيوعيين؟ الذين ضربوا رئيس مجلس الدولة وخطفوا رئيس الجمهورية كان يعجزهم إخفاء صدقي محمود لو أرادوا...؟
هل كان عامر سيقوم بانقلاب في 1956 على الزعيم من أجل صدقي محمود؟ ألم تكن سلامة الطيران المصي وتأكيد سلامة الجيش تستدعي المخاطرة بإغضاب صديق العمر وشرك شقة العزوبية؟
أن تعيين عبد الحكيم عامر قائد الجيش كان خطوة محسوبة ومعروفة النتائج وهي السيطرة على الجيش لحساب لعبة السلطة ولم يكن في خاطر الذين اتخذوا هذه الخطوة أي اهتمام جدي بالجيش كقوة مقاتلة ضد الخارج أو هذا هو ما اتفقت عليه جميع المصادر الناصرية واليسارية.
ولم يكن ناصر وأعضاء مجلس الثورة هم وحدهم الذين يعرفون سرا اختيار عبد الحكيم عامر بل عامر أيضا كان يعرف هذا هو مفتاح اللعبة، فإذا كان المطلوب منه هو تأمين الجيش للسلطة أو لعبد الناصر بالذات بصرف النظر عن كفاءته القتالية ضد العدو الأجنبي فهو بدوره بحاجة إلى تأمين مركزة في الجيش بضابط مرتبطين به أوفياء له بصرف النظر عن كفاءتهم القتالية إلخ وهو الذي ساهم وضمن تصفية محمد نجيب ويوسف صديق وخالد محي الدين وجمال وصلاح سالم وبغدادي وكمال الدين حسين يعرف أن هؤلاء جميعا تمت تصفيتهم لأنهم فقدوا وزنهم العسكري في الجيش ومن ثم لا يمكن أن يقبل عزله عن الجيش لا بترفيعه إلى منصب أعلى يرفع قدميه عن الأرض كما في الأسطورة اليونانية، ولا بتغير أركان حربه بعناصر أقل ولاء أو ارتباطا به.
إذا كنا نريد أن نحاسب عبد الحكيم عامر على رفض أن ينتحر قبل 11 سنة فهذه قضية أخرى وعلى أية حال فقد فعل لما فقد الجيش.
وهذا هو تفسير الذي يطرحه هويدي على استيحاء وينسبه للبعض وهو أن سكوت عبد الناصر على تخريب عامر للجيش المصري، وما ترتب على ذلك، كان بفعل: تغلب عامر التوازن بين اتجاهات أعضاء مجلس الثورة القديم.
وهو التفسير الأقرب للعقل أو بصراحة الذي يمكننا من الاحتفاظ بعقلنا فلا نجنح لتفسيرات التمثال إياه!!
وكان دمار الجيش على يد عامر هو الثمن الذي دفعه عبد الناصر أو بالأحرى دفعته مصر واضطر عبد الناصر لقبوله مقابل ضمان عامر وبالتالي الجيش إلى صفه ضد خالد وجمال سالم وصلاح سالم بغدادي وكمال الدين حسين وزكريا إلخ من أجل الانفراد بالسلطة وتصفية رفاق الانقلاب ثم لمنع محاولة انقلابية أو ثورة شعبية وهكذا ضحى بالأمن القومي.
وقد قال كوبلند أنه سئل مرة إذا أخير عبد الناصر بين التنازل عن السلطة أو دمار مصر فماذا يختار؟ فقلت بلا تردد سيختار البقاء في السلطة.
لقد عبد المصريون العجل يوما ولكن لم يعرف تاريخهم عبادة العار والهزيمة أوتقديس التفريط في الوطن.
وضل بني إسرائيل أربعين عاما في التيه لما عبدوا العجل لما رأوا أخواره ونحن فتنا بالخوار ثلاثين عاما دون أن نرى حتى العجل فانتقلنا من التيه إلى الضياع يشردنا في الآفاق ويطوف بنا خوار العجل على جيف الأماني نحسبه زئيرا فنفر منه إليه.
ويقول هويدي أنه من سوء حظ الأمة العربية أن القدر لم يمهله حتى يتم إزالة أثار النكسة فمات!
ولا شك أنه من سوء حظه كما قرر هويدي لأنه مات مهزوما ويضرب المثل بوفاة ستالين مثلا خلال حصار ستالينجر أو قبل أن يطرد الألمان من الاتحاد السوفيتي وأن ذلك لو حدث لحملوه مسئولية الإهمال في الاستعداد وهذه طبعا فيها قولان الأول أن تسالين لم يهمل بل كان يحاول إزالة آثار نكسة الثلاثينات وستالين لم يهاجم ألمانيا ولا تحرش بها وهو يعرف أنها أقوى منه ولكنه فعل المستحيل حتى أجل الحرب سنتين كانت حاسمة في نقل المصانع وتعزيز الدفاعات ولو استطاع لبقى خارج الحرب حتى يستنزف الرأسماليون أنفسهم ثم يضرب ضربته وستالين استطاع أن يستفيد من هذه الحرب بين الأعداء فاحتل نصف بولندا وفنلدا مما مد خطوط الروس وجعل هذه الدول تتحمل الصدمة الأولى أما أن هتلر استطاع أن يصل إلى ستالينجراد فلم يكن ذلك لعيب خاص في الجيش الروسي أو ستالين فأداة الحرب الألمانية كانت متفوقة على نحو لم يعرفه تاريخ العالم ولنذكر كيف التهم هذا الجيش الألماني غرب أوروبا حتى الساحل وستالين كان وطنيا وفي مستوى المسؤولية أعاد الكنيسة وأعاد الوطنية الروسية وأخرج الجنرالات من السجون وأعادهم للخدمة العسكرية وقال لهم اترككم لوطنيتكم وناصر اعقتل محمد نجيب واستمر يدير المعركة بعامر وشمس وفي المرة الثانية لم يهتم حتى بالرد على رسالة بغدادي وكمال الدين حسين ولو من باب المجاملة!
القول الثان أن ستالين عاش وأزال آثار العدوان حتى برلين!
وحقق لروسيا أكبر وأكمل نصر في تاريخها ومد الإمبراطورية إلى حدود لم يحلم بها أشد القياصرة جنونا فماذا فعل به الروس عبدوه؟ منعوا انتقاده؟ أخرجوا جثته من تابوت المجد ونبذوه في العراء وحاسبوه على شبهة التقصير؟
وما دمت ترى أن الروس كان يحق لهم محاسبته واتهامه بالهزيمة لو مات قبل النصر فلماذا تحرم ذلك على المصريين!
إزالة أثار النكسة
حتى الوزير أمين هويدي يظن أن عبد الناصر كان سيزيل آثار النكسة بالدبلوماسية كما قيل أنه فعل في عام 1956 هيهات..
أما القول بأنه لو عاش فكان سيزيلها بالحرب فهذه فرضية لا يوجد أي دليل عليها ولا يمكن مطالبتنا بالمراهنة على فرضية لرجل في ذمة الله والتخلي عن حقيقة أنه عاش بيننا كيف يطلب منا التخلي عن حقيقة أن حياته صنعت النكسة ونقبل فرضية أنه لو طال به العمر لانتصر بل ويطلب منها باسم هذه الفرضية أن نتابع المتاجرين باسمه .
هل استبدال فوزي بعامر كان سيحول النظام الذي لم ينتصر في معركة عسكرية واحدة ولا حتى في اليمن إلى نظام يهزم إسرائيل ما بعد 1967بل إن هويدي أورد قائمة لانتصارات عبد الناصر الاستراتيجية واستشهد بها على أنه لم يكن يتبع سياسة قصيرة النفس أورد فعل كما يتهمه الحاقدون وأصحاب المنفعة من أيتام لجان الحراسات.. إلخ..
هذه القائمة شملت 15 هدفا حققها عبد الناصر ليس من بينها الهدف القومي والوطني في محاربة إسرائيل كان هويدي أشرف من أن يزور أو يدعي النصر في تلك المعركة أو هذا الهدف الذي فضلا عن أنه يجب كل الأهداف الأخرى إلى أنه أيضا هدف واضح لا مجال للادعاء فيه فنصره واضح كالصبح وهزيمه واضحة كئيبة بشعة مذلة فاضحة مفضوحة.
ولسوء حظ الأمة العربية ومصر في طليعتها أن هذه المعركة هي التي لا يجوز أ، يعلو حديث بنصر آخر على حديثها وستظل كذلك إلى زمن نرجو ألا يطول من 1952- 1954 لم تكن إسرائيل على قائمة اهتمامات عبد الناصر باعترافه هو في أكثر من خطاب وبشهادة هيكل وقد بلغ من عدم الانشغال بإسرائيل أن بن غوريون كما رأينا هرش شعر رأسه وغمغم بأن هذا مؤسف للغاية؟
عقدة اليهودي الذي عان الإهمال قرونا طويلة!
إسرائيل أيضا لم تحاول التحرش بالثورة لا خوفا منها ولكن للتفسير الذي يطرحه د. عبد العظيم رمضان وهذا هو حرفيا بصرف النظر عن تعليقه الشائق وتحليل وقال:
ويعتبر تتبع العلاقات بين إسرائيل وثورة 23 يوليو من الأمور الشاقة فلم تكن إسرائيل عند قيام هذه الثورة قد استشعرت الخطر من جانبها لأسباب كثيرة ربما كان على رأسها أن القوى الوطنية قبل الثورة كانت قوى شديدة العداء للصهيونيو فهي التي أمرت جيوشها بدخول فلسطين لتحريرها من العصابات الصهيونية وهي التي احتلت جزيرتي تيران وصنافير وهي التي فرضت الحصار على البحر الأحمر وحرمت إسرائيل من الاستفادة من ثمار الغصب والنهب الذي ارتاكبته ولما كانت علاقة الثورة بالولايات المتحدة علاقة ود وتفاهم في ذلك الحين فمن هنا توهمت إسرائيل أنها سوف تلقى على يد الثورة معاملة أفضل مما تلقته على يد القوى الوطنية القديمة وعلى رأسها الوفد.
هنا يطرح المؤرخ الشريف فرضية ويبرهن عليها بالوقائع ولكن الدجال يطرح فرضية مضادة تماما وهي أن الوضع قبل الثورة كان على هوى إسرائيل بعكس ما حدث في 1952 ثم لا يقدم دليلا إلا أن مصر كانت فقيرة؟
يقول د. رمضان:
- وهذا يفسر انحياز إسرائيل إلى صف الثورة في صراعها مع القوى الوطنية القديمة الود والشيوعيين والإخوان المسلمين فعندما أصدر الوفد برنامجه يوم 2 سبتمبر 1952 وفيه التمسك بعروبة فلسطينس وجامعة الدول العربية وتأييد شعوب أفريقياي في جهادها لنيل استقلالها ودعم مجموعة الدول الأفريقية الآسيوية وإنهاء الاحتلال المشترك من أراضي مصر والسودان وتحقيق الوحدة بينهما علق راديو إسرائيل على هذا البرنامج غاضبا بقوله: إن حزب الوفد ما زال حزب التطرف السياسي والتعصب الأعمى في أكثرية المسائل التي لا تخص المصريين ولا تتعلق بحياتهم وظروف معيشتهم وإن هجومه على النظام الجدد جاء في شكل كلام مزوق وتعابير منمقة وعواطف جياشة حول التمسك بأماني مصر القومية والعمل على تغير الأوضاع في الديار المقدسة وما شاكل ذلك.
إذا فقول الدجدال إن إسرائيل لم تكن مهتمة وأنه نبح حسه مع بيفان لكي يجعلهم يهتمون كذب فإسرائل كانت مهتمة وممتنة.
ونود أن ضيف إلى أرشيف المؤرخ المصري بأن التعاون أو التفاهمي وصل في تلك الفترة إلى أن أصدقائ الثورة في المخابرات الأمريكية في مصر طلبوا من أمريكا أن تطلب من إسرائيل مدح الإخوان المسلمين في إذاعتها العربية لتشويه سمعتهم وقد حدث ذلك بالفعل أما عن موقف الثورة فإن الدكتور عبد العظيم يلفه لنا في قطعة سكر فهو يقول:
ومن ناحية الثورة، فإن انشغالها بالصراع الداخلي ومعركة الجلاء مع الإنجلز قد حجب عن ناظريها الخطر الكامن في وجود إسرائيل على الحدود المصرية ومن هنا حين أنشأت قيادة الثورة هيئة التحرير في 15 يناير 1953 كتنظيم سياي يسد الفراغ الذي سوف ينشأ من حل الأحزاب القديمة ونشرت هذه الهيئة التي تمثل الثورة ميثاقها وأهدافهاي القومية ومنهاجها في السياسة الداخلية والخارجية جاء ها البرنامج خاليا من أية إشارة إلى فلسطين.
ونحن لا نملك إلا الاعتراض على الأعذار التي أوردها المؤرخ المصري، رغم قناعتنا بأنه يشاركنا الرأي وأنه اضطر إلى وضع هذه الملطفات بحكم ظروف النشر ولكي لا يفزع ذوي القلوب الضعيفة مثل وصفه هذه العلاقة بأنها من الأمور الشائقة بدلا من أن يقول الشائكة أو الشاذة أو الشائنة لأن الثورة التي جاءت على الحكم بحجة الهزيمة في حرب فلسطين لا يمكن أن يسقط من برنامجها سهواء قضية فلسطين وهو البرنامج الذي تناول الثورة وميثاقها وأهدافها في السياسية الخارجية والداخلية كل هذا لا يتسع لإشارة إلى قضية فلسطين في برنامج حركة ثورة بدأ تجمعها خلال حصار الفالوجا على أرض فلسطين وحول حكاية الأسلحة الفاسدة... إلخ.
وإذا كنت ناسي أفكرك إذا كانت هيئة التحرير ومجلس الثورة نسوا في زحمة الشغل فلسطين وأمن مصر والوطني أما كان برنامج الوفدي الذي ظهر جديرا بتذكيرهم؟
ماذا تعني الصلة الحسنة بين الأمريكان والثورة لإسرائيل إلا إذا انعكست في مثل هذا الموقف وهو إزالة أثار الموقف الوطني للقوى الرجعية بشطب قضية باسم فلسطين من برنامج وميثاق وأهداف هيئة التحرير وحل الحزب الذي ذكرها وسجن وشنق من قاتلوا على أرضها؟
لا يمكن تفسير هذا الموقف إلا بالرجعوع إلى المعامل س الاتفاق الذي تم بين الولايات المتحدة ورجال العهد الجديد قبل الوصول للحكم وبعد الاستيلاء عليه وهو تجميد قضية فلسطين والتركيز على المشاكل الداخلية وإتاحة فرصة للولايات المتحدة لإيجاد حل سلمي دائم وإسرائيل لا تتوهم ولا تنتظر أن تلقى على يد الثورة معاملة أفضل وإنما إسرائيل تدرس وتخطط وتحلل وهي تعرف أن النظام القديم لا يمكن أن يتهادن معها وقد رأينيا باعتراف المؤرخ نفسه أنه كان أي هذا النظام القديم شديد العداء للصهيونية خاض حربا شاملة ضدها عسكريا بالهجوم في 15 مايو 1948 واقتصاديا بإغلاق قناة السويس والمبادرة الناجحة بسد خليج العقبة والحكم بالشلل والموت على كل مشاريع إسرائيل عبر البحر الأحمر وإيلات وبوضع قوانين المقاطعة الاقتصادية بل والإصرار على أنتشمل المواد الغذائية رغم معارضة الدول العربية وخاصة التي كانت تبيع وتستورد من إسرائيل.
فلم يكن لدى إسرائيل عواطف أو أوهام نحو النظام القديم ولذلك لم تكن ترغب في أي تحرك يخدم هذا النظام أو رجاله فالتحرش بمصر في هذه الفترة كان سيضعف العسكر الحديثي عهد في السلطة ويكشف عجزهم العسكري وهذه كانت أقوى ورقة في يدهم والأمل الذي راهنت عليه الجماهير بعد هزيمة 1948 التي نسبت إلى السياسيين فإذا ثبت أن العسكر أضعف وأقل قدرة على المقاومة فإن الجماهير ستكتشف فداحة الخطأ عندما ضحت بالديموقراطية النسبية بأمل أن يكون المقابل هو القوى الوطنية من هنا كانت مصلحة إسرائيل الواضحة في توفير المجال للعسكر لتصفية النظام القديم وخاصة التنظيمات العقائدية شبه العسكرية التي كانت قضية فلسطين تحتل مكانا بارزا في تفكيرها وبرامجها مثل الإخوان المسلمين ومصر الفتاة إلخ أو الوفد الحزب الشعبي ذو التاريخ الديمقراطي والمكانة الدولية البارزة لدى حركات التحرير البورجوازية في آسيا وأفريقيا والذي أثبت عداوته المؤثرة ضد إسرائيل.
وإذا مضينا خطوة أبعد في أوهام إسرائيل فلا شك أنها كانت تتوقع وأثبتت الأيام صدق نظرتها أن النظم العسكرية هي الأكثر مسالمة مع الخارج والأقل قدرة على القتال كما لعلها كانت تعتقد وكل الظواهر كانت تؤيد هذا الظن أن مصر لو دخلت في الحكم العسكري فستبدأ دوامة الانقلابات والإعدامات والتصفيات الأمر الذي يستنزف قواها ويشل جيشها عن أي تحرك خارجي.
يضاف إلى ذلك كله الضغط الأمريكي الذي طالبها بإعطاء فرصة للمتعقلين الجدد لكي يمكن تحقيق التسويةي وبالطبع لم تكن إسرائيل لتستجيب لهذا الاتفاق إلا لما رأته من عوامل أخرى لصالحها.
وقد انتهت هذه المرحلة بسحق التنظيمات السياسية في مصر وتدمير جمعية الإخوان واستقرار الحكم العسكري ونجاحه في فرض اتفاقية الجلاء رغم كل القوى المعارضة عندئذ بدأت إسرائيل المرحلة الثانية من الاستراتيجيةي وهي استفزاز العسكر ودفعهم إلى معاداة الولايات المتحدة والغرب لفسخ الاتفاق الأمريكي الناصري ونسف علاقة الود والتفاهم بين الثورة والولايات المتحدة.
أما غير المقبول على الإطلاق ولا نملك معه المجاملة أبدا فهو قول الدكتور رمضان على أنه لم تكد تستقر الأمور في يد الثورة عبد الناصر بالذات بعد أزمة مارس 1954 حتى كان يهدد بتطبيق ميثاق الضمان الجماعي العربي في مواجهة أي اعتداء يقع من جانب إسرائيل بالقوة.
هل يفهم من هذا أن علاقة الود بين الأمريكان والثورة كانت على يد محمد نجيب هل ميثاق هيئة التحرير وبرنامجها وضع بدون علم عبد الناصر؟
لا ليس من مصلحة أحد أن نحول عبد الناصر على ملك أو أمير مؤمنين تؤخذ الدنيا باسمه وهو ليس له من الأمر شيئا إذا كانت هناك سياسة تتعلق بإسرائيل في الفترة من 1952 إلى 1954 فهو مخططها وهو منفذها أما أنه إذا سئل في مهرجان جماهيري ماذا يفعل إذا ما اعتدت إسرائيل وليس ماذا سيفعل هو ابتداء لتحرير فلسطين.
فيرد... سنطبق ميثاق الضمان الجماعي العربي فهذا أضعف الإيمان ولو أ،ه لم يطبقه. قط.
ننتقل إذا لمفاجأة الغارة على غزة في 28 فبراير 1955 وسنلاحظ إجماعا غريبا في جميع المصادر الناصرية أو المتصلة بالناصرية في تلك الفترة أو المؤرخة لتلك الفترة هي الدهشة والمفاجأة التي قوبلت بها الغارة من جانب السلطة المصرية الحدث عن الهوم الذي انقشع وما لم يكن في الحسبان والاستيقاظ على الحقيقة.
يقول حمروش تم هذا الحادث اقتحام الحدود المصرية وقتل 38 جنديا داخل معسكر الجيش المصري في وقت لم تكن فيه العلاقات المصرية الإسرائيلية في حالة من التوتر الشديد بل كانت هناك فرصة للتفاهم لم تقبلها المؤسسة العسكرية في إسرائيل
ويقول بغدادي:
فوجئنا بغارة عسكرية من الجيش الإسرائيلي على معسكر لنا بالقرب من مدينة غزة وكان الهجوم ليلا وبعد عودة بن جوريون إلى الحكم بعدة أيام قلائل فقط وكان عدد القتلى من جنودنا سبعة وثلاثين جنديا في مقابل ثمانية جنود إسرائيليين.
وتخون بغدادي الذاكرة فيقول: أن تلك الغارة كانت بداية لسلسلة من الغارات المتبادلة بني إسرائيل وبيننا وليس في السجلات غارة وأحد شنت على إسرائيل في عهد عبد الناصر من 1952 إلى 1967 كل ما حدث هو أنه سمح للفدائيين بالعمل مع قطاع غزة أو من الأردن وقد اشترك مصريون ولكن على شكل فدائيين ولم تقم مصر بغارة بقواتها النظامية أبدا بل يقرر حمروش أنه بعدما تحرشت إسرائيل بعبد الناصر في عدوان 1955 كانت ردود افعل عند جمال عبد الناصر هادئة أوقف عمليات الفدائيين في غزة تحاشيا لاستفزاز الإسرائيليين وخلق مبرر لهم للهجوم.
وقد فهم بغدادي أو تصور على حد تعبيره وقتها أن إسرائيل تريد إضعاف نظامها الوليد لما انت تلك الغارة قام بها الجيش الإسرائيلي نفسه وضد قواتنا النظامية أيضا فقد جعلتنا نتصور ونعتقد أن الغرض منها هو العمل على إضعاف نظاما الثوري الوليد وأنه لم يكن أمامهم من وسيلة غير دفع أكبر عدد من الفدائيين للتسلل داخل الأرض الإسرائيلية للرد على غارة 28 فبراير 1955
ويقكد هيكل تفسيرنا بل ونجاح المخطط الإسرائيلي الذي كانت بدايته غارة 28 فبراير 1955 وهو نسف الغارة هي الدافع المباشر الذي جعل جمال عبد الناصر يستدعي السفير الأمريكي في القاهرة هنري بايرود ويقول له:
إذا لم تبع لي الولايات المتحدة ما أحتاج إليه من السلاح للدفاع عن الأمن القومي لمصر فلسوف أطلب السلاح من الاتحاد السوفيتي.
ويوردد عبد العظيم رمضان فقرة غير مفهومة عن أن عبد الناصر كان تحت تأثير وهم غريب هو الربط بين الشيوعية والصهيوينة إلا أن هذا الوقهم انقشع مع انقشاع سحابات دخان الغارة الإسرائيلية الوحشية على غزة يوم 28 فبراير 1955 وقد عبر عبد الناصر بنفسه عن ذلك في خطبته يومي 22 يوليو 1957 فقال:
إن دخان الغارة على غزة في 28 فبراير 1955 انجلى ليكشف حقيقة خطيرة تلك هي أن إسرائيل ليست الحدود المسروقة وراء خطوط الهدنة وإنما إسرائيل في حقيقة أمرها رأس حربة للاستعمار ومركز تجمع لقوى أخطر من الاستعمار وهي الصهيونية العالمية ويؤكد لنا الدكتور أن عبد الناصر كان يعي خطورة الوجود الصهيوني في خليج العقبة وأنه طالب بإخلاء إسرائل للنقب في 13 سبتمبر 1954.
وهذا ما نقوله أن حذف إسرائيل من برنامج هيئة التحرير ومن اهتمام قيادة الثورة، لم يكن عن جهل بخطر إسرائيل بل لسبب آخر كذلك لا نفهم المفاجأة في عدوان فبراير 1955 إلا لأنه كان هناك اعتقاد ما أو تصور ما أو اتفاق ما يتعارض مع هذه الغارة وإلا لو كانت العلاقة عادية فأي غرابة في عداوان إسرائيل والصهيونية.
وقاعدة الاستعمار كما وصفها المصريون من 1917 وليس 1955.
والمفاجأة هي الارتباط أو الوعد الذي تم بين قيادة الثورة وبين أمريكا بتجميدس قضية فلسطين والوعد بأن إسرائيل لن تتحرش بالعهد الجديد ولن تدخل في حرب معه وكما قلنا من قبل أن غلطة النظم العربية أنها تتصور علاقة إسرائيل بامريكا كعلاقة مستعمرة بالدولة الحامية الكبرى وأن أمريكا تستطيعس أن تتحكم باستمرار في سياسة إسرائيل بالاتصال الهاتفي أو بتعليمات يبلغها السفير والعلاقة الأمريكية الإسرائيلية كما شرحنا أكثر تعقيدا من ذلك وإسرائيل ليست عملية لأمريكا كما يجنح البعض للتبسيط المخل.. فلها قرارها المستقبل وخططها الخاصة المتناقضة في أكثر من موقع مع السياسة أو حتى المصالح الأمريكية وصحيح أن الولايات المتحدة لو أرادت تستطيع وإلى اليوم أن تجبر إسرائيل على الرضوخ لإرادتها ولكن المشكلة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية هي أن الولايات المتحدة ليست مطلقة اليدفي التعامل مع إسرائيل بل إن المواجهة معها تتحول إلى حرب أهلية داخل أمريكا بمعنى مواجهة بين الإدارة الأمريكية واللولبي الإسرائيلي داخل وحول هذه الإدارة في قلب أمريكا فالعلاقاة عكس العلاقة المعتادة بين الدولة الكبرى والدولة الصغرة التي تعتمد على حمايتها ففي هذه الحالة تملك الدولة الكبرى مفاتيح القوى داخل الدول الصغرى تلعب بها لتوجيه سياستها وفق إرادتها دون حاجة إلى استخدام عضلاتها بشكل علني أو مباشر بينما في حالة أمريكا وإسرائيل فإن إسرائيل هي التي تملك مفاتيح توجيه السياسة الأمريكية في داخل المؤسسات الأمريكية ومن هنا كان حرص الإدارة الأمريكية على تجنب المواجهة العلنية مع إسرائيل إلا في الضرورة القصوى.
على أية حال مرت علاقة الثورة بإسرائيل في عهد عبد الناصر بثلاث مراحل:
- 1- مرحلة التآمر المشترك، والواسطة فيه هي الولايات المتحدة حيث تم الاتفاق بين المخابرات الأمريكية والتنظيم الناصري على استبعاد قضية فلسطين وتبريد الوضع على الحدود وهذه المرحلة استمرت من جانب النظام الناصري إلى عام 1956 .
- أما من ناحية إسرائيل فقد كانت من ناحية تحت ضغط أمريكي مكثف إذا كانت الولايات المتحدة تراهن على النظام الجديد في مصر من أجل الحل النهائي لمشكلة إسرائلي ومن ناحية كان كل ما يجري في مصر على هوى إسرائيل من ناحية تصفية النظام الليبرالي وضرب الأحزاب والحركات الوطنية وقيام نظام عسكري ومن ثم تركت الأمور تمضي في مجراها.
- 2- مرحلة التحرش وفصم التحالف وبدأت في نهاية 954 أو بعدما تأكد خروج البريطانيين وبدأت المحاولات الأمريكية الجدية ي فرص التسوية ولم تكن لتتم في ذلك الوقت إلا على حساب الأراضي المحتلة من إسرائيل وعلى حساب الأراض المطلوب احتلالها ولذلك تحركت إسرائيل لمنع هذه الكارثة وذلك بالتحرش بمصر وسوريا لتأزيم العلاقات مع أمريكا وفسخ التحالف أو الارتباط المصري الأمريكي ودفع البلدين إلى محالفة الروس وقد بدأت هذه المرحلة بمحاولة سخيفة هيا لمعروف بعملية لافون ويبد أن المخابرات الإسرائيلية تأثرت أو تشجعت بنجاح المخابرات CIA في مصر فأرادت أن تنافسها بتخطيطي وتنفيذ سياسة إسرائيل ولما فشلت فشلا ذريعا أعيدت إلى مهمتها الأصلية وتولى ساسة إسرائيل والمؤسسة العسكرية التحرش بالنظام المصري وكانت غارة فبراير 1955 ثم غارة 31 أغسطس 1955 إذ قام الجيش الإسرائيلي بمهاجمة مركز البوليس في خان يونس بقطاع غزة.
كما هاجم مواقع مصرية أخرى، وكان عدد القتلى من جانبنا نتيجة هذا الهجوم حوالي خمسة وثلاثين قتيلا وخسمة عشر جريحا) ولم يقتصر الأمر على استفزاز وإحراج النظام الوليد بالاعتداءات وانزل الخسائر بالقوات المصرية، بل تجاوزها إلى ضم الأراضي ففي 20 سبتمبر 1955 احتلت قوات إسرائيل منطقة العوجة المنزوعة السلاح.. والمتحكمة في عدة طرق، وكلها تؤدي إلى داخل الأراضي المصرية.
وبعد توقيع معاهدة الدفاع المشترك مع سوريا شنت إسرائيل غارة على سوريا قتل فيها أكثر من خمسين جندي سوري.
وانحصرت ردة الفعل في الصراخ بطلب السلاح من الأمريكان أو الاتصال بالروس، ولم يخطر ببال القيادة الثورية أن تقوم بإجراء عسكري مضاد، ويصعب تصور أن مصر كانت عاجزة حتى عن حماية مواقع الحدود، ودعنا من الحرب الشاملة ومع التسليم بما أنزله النظام الثوري بالجيش من تصفيات وفرض المرضي عنهم بدلا من المقاتلين والكفاءات العسكرية وما نتج عن ذلك من إضعاف للروح المعنوية، إلا أن الموقف السلبي للقوات المصرية كان موقفا سياسيا، ينبع من الارتباط مع الأمريكان ومن الخوف أو الرغبة الشديدة في تجنب المواجهة الشاملة مع إسرائيل.
ولو حدث رد فعل مصري مناسب لاشتعل الموقف ولانضم إليه كل العرب ولربما ربما توصلنا إلى تسوية أفضل بكثير مما كان يرجى بقبول القرار 242 ومبادرة روجرز أو على الأقل لخلقنا مناخا عربيا ضد إسرائيل ولكن السياسة المصرية ومستشاريها فضلوا تفجير القمية العربية من خلال معركة حلف بغداد فكان أن حملت مرض الطفولة معها إلى أن ماتت بالسكتة في كامب ديفيد.
وقد وقع حدثان عجلا بأنهما هذه المرحلة:
- صفقة السلاح التي تصرف الأمريكان إزاءها بتعقل فلم يعارضوها مما أدى إلى نزع الفتيل الذي كان يهدد العلاقات ولكنهم خرجوا مؤقتا من مأزق الخيارين اغضاب اللوبي الإسرائيلي بإعطاء عبد الناصر السلاح أو منع السلاح عنه وتدمير كل ما بنوه في مصر وهذه هي كلمات السفير الأمريكي في مصر هنري بايرود:
إن كل ما بنيناه في مصر مهدد بالانهيار وذلك بشهادة أو نقلا عن هيكل.
الأمريكان كانوا يبنون في مصر طوال الفترة من 1952 إلى 1956 ونحن كنا نسجن والبعض يشنق بتهمة تعطيل مجهود الثورة في تصفية قواعد الاستعمار في مصر.
تم انقاذ الموقف بصفقة السلاح وبدأتأمريكا مساعيها لطرح تسوية سلمية، أو مشورعات تهدئة، وتعاون مشترك تخفف التوتر وتفتح المجال الأكثر شمولا .
- الحدث الثاني: هو تأميم القناة وقرار بريطانيا وفرنسا الحرب ضد مصر وكانت إسرائيل لتفرة كافية لبناء قدرة إسرائيل لتحقيق أهداف المرحلة الثالثة.
ويقول موشي ديان أنهم في منتصف 1955 أرسلنا وحدة متطوعين لاكتشاف طريق بري إلى شرم الشيخ وهذا سهل مهمة اللواء الإسرائيلي المدرع الذي احتلها بعد عام ونصف.
ومخطط إسرائيل من فتح خليج العقبة كممر مائي لإسرائيل تنافس به وتزيل دور مصر كحلقة الوصل المائية بين الشرق والغرب قديم منذ التفكير في إسرائيل ومنذ مشروع التقسيم والإلحاح الذي تم على ترومان حتى طلب من الوفد الأمريكي تليفونيا ضم الساحل لدولة إسرائيل في مشروع التقسيم المعروض وقتها على الأمم المتحدة واستجاب المتهالك على إرضاء الصهيونية الرئيس ترومان.
ولكن التطور الجديد عجل تنفيذ هذه الخطة فقد كانت بحق فرصة العمر فإسرائيل كما قال موشي ديان لا تضيع أية فرصة لضرب مصر أو كما قال بن زوهار: كانت أزمة السويس أزمة طارئة وهي لم تغير خطط إسرائيل التي كانت ستهاجم مصر على أية حال ولكنها سهلت لنا أهم مشكلتين: السلاح والحليف وهكذا قرر إسرائيل المشاركة في الغزو وتنفيذ هدفها في فتح الخليج حتى وإن كان ذلك قد أدى إلى توتر مؤقت في العلاقات مع الولايات المتحدة سرعان ما عالجته القيادة المصرية بحملتها على مشروع إيزنهاور...
ونقف هنا لحظة عند رواية غريبة ينسبها هيكل للرئيس تجعلنا لا ندري أحقا يريد هذا الرجل تمجيد عبد الناصر وتبرئة ساحته أمام الراي العام العالمي أم العكس؟ خاصة أنه أورد هذه الرواية في كتابه عبد الناصر والعالم الذي صدر بالإنجليزية الرواية تقول أن مهمته قد أبلغت إلى جمال عبد الناصر على أساس أنها محاولة أمريكية للبحث عن أساس للسلام في الشرق الأوسط يقوم بها مبعوث خاص يمثل الرئيس إيزنهاور وكان قد أخطر أيضا بالرغبة في إبقاء هذه المهمة سرية، حرصا على توفير فرص النجاح.
وكان اللقاء الأول بين الاثنين في بيت جمال عبد الناصر، وطار أندرسون بعدها إلى تل أبيب والتقى بن جوريون وتكررت رحلاته ثم عاد يوما بمشروع للاتصال البري بين المشرق والمغرب في العالم العربي يقتضي بإعطاء طريق علوي قرب إيلات للعرب يمرون فوقه من سيناء إلى جنوب الأردن ونظر جمال عبد الناصر إلى خريطة قدمها أندرسون وفيها رسم للطريق العلوي الذي يستعمله العرب وتحته الطريق العادي الذي تستعمله إسرائيل إلى إيلات وهز راسه وقال لأندرسون أن المشروع لا ينفع، وراح جمال يفند عمليات عدم جدوى ذلك الاقتراح ثم أضاف ضاحكا: لنفرض أن أحد رجالنا أحس بنداء الطبيعة وهو يمشي فوق الطريق العلوي، وترك الطبيعة تأخذ مجراها ثم نزل الرذاذ على سيارة عسكرية إسرائيلية تصادف مرورها على الطريق السفلي فماذا يحدث هل تقوم الحرب.
لم يشأ هيكل أن يقول الأسباب العلملية الأخرى واكتفى بتلك القصة التي تقول لقرائه من الأمريكيين والغربيين أن الرئيس المصري شخ على اقتراح المبعوث الشخصي لأكبر رئيس أمريكي والرئيس الوحيد الذي وقف ضد إسرائيل وأجبرها على الانسحاب من سيناء في خمسة شهور.
وهكذا نكسب الرأي العام...!!
وبالهجوم الإسرائيلي بدأت المرحلة الثالثة والتي كانت في جزء منها امتداد للمرحلة الثانية فيما يتعلق بهدف نسف العلاقات المصرية الأمريكية وهو ما تحقق بناجح رائع عشية 1967 كما تم تحييد مصر في المواجهة العربية الإسرائيلية بإقامة حاجز القوات الدولية وما ترتب على ذلك من تمزق الجبهة العربية.
وقد أتيحت في هذه الفترة لعبد الناصر أكثر من فرصة لضرب إسرائيل سواء للتحرير أو للتحريك أو حتى التسخين ولكنه لم يفعل.
لم يفعل عندما كانت الجمهورية العربية المتحدة كالطوق أو الكماشة حول إسرائيل ولكن إسرائيل المطمئنة لاستحالة أقدام النظام المصري على خوض حرب ضدها ما دام هناك فرصة واحدة لتجنب ذلك مهما كان الثمن اطمئنانا لذلك لم تقصر إسرائيل في التحرش والاستفزاز والضرب والكسب بل قامت بهجوم على سوريا في معركة التوافيق واكتفى عبد الناصر بمطئنة الأمة العربية بأن السوريين ما يحبوش هزار وأنهم ردوا على إسرائيل فورا واحتفظ هو للجيش المصري وحده بحب الهزار.
كانت فرصته لشن هجوم على سوريا حيث الجيش المصري والسوري كانا جيشا واحدا وفرصة لسحب قوات الطوارئ وغلق خليج العقبة لأن إسرائيل معتدية.
ولكن المواجهة مع إسرائيل لم تكن يوما ما في خاطر عبد الناصر وظلت الجمهورية العربية المتحدة أو الكماشة قائمة ثلاث سنوات سقط خلالها نظام نوري السعيد وكان الجيش العراقي في الشهور الأولى على أتم الحماسة والاستعداد لخوض الحرب المقدسة لو فعل عبد الناصر ولكنه لم يقدم بل لم يفكر مع أن الصحافة الغربية فسرت ثورة العراق على الفور بأ،ها تعني زوال إسرائيل.
وتخيل هجوما على إسرائيل في عام 1958 أو مطلع 1959 من الإقليم الشمالي والجنوبي والعراق عبر سوريا أو حتى الأردن هل كانت بقية الدول العربية ستتأخر؟ وهل كانت أمريكا ستحارب العرب أجمعين وهم في قمة التفاهم حول زعيم الأمة العربية.
وجماهير تلك الأمة وكانت هذه السطور منهم على استعدا لتقديم حياتهم في سبيل صلاح الدين ورهن إشارته أو كما كان عبد الحكيم يغني له (جماهير الشعب تدق الكعب تقول كلنا حاضرين).
ولكن المارد العربي تفرغ للبحث عني جمال عبد الناصر في ثورة العراق وتأمين الشواف وتتبع أنباء رفعت الحاج سري وتدبير مؤامرة على إمام اليمن وسب خرشوف وإيزنهاور معا ثم تحطمت الكماشة لأن الفكر الثوري اكتشف أن تحرير الشعب السوري من الشركة الخماسية أفضل وأهم من تحرير فلسطين من النجمة السداسية وهكذا كان الانفصال من سوريا التي حملت جماهيرها صلاح الدين بعربته على الأعناق؟
وفي سنة 1946 وصل التوتر العربي الإسرائيلي إلى أحد قممه عندما أكملت إسرائيل مشاريعها للاستيلاء على المياه العربية وكانت فرصة إذا شاء عبد الناصر أن يوحد الصف العربي مرة أخرى على الأرض الطبيعية للوحدة العربية أرض المواجهة القومية والمصيرية خاصة وأن الحكم في العراق كان قد انقلب مرة أخرى على ظهره الحدوي والسوريون هم الذين سعوا يطلبون النجدة أو الإحراج!
فماذا فعلت القيادة المصرية؟
أخرجت من جعبة الحاوي فكرة مؤتمر القمة العربي.. أو المبادرة التي استجاب لها الحكام العرب بعد كل ما كيل لهم من تهم وسباب مما جعل كاتب عربي يسجل ذلك كعار التاريخ.
إلا أن هذه الاستجابة تؤكد أنه كان يتمتع بنفوذ لا مثيل له وقدرة غير محدودة في تجميع الإدارة العربية ضد إسرائيل لو شاء ولكن المواجهة الحقيقة كانت دائما غير واردة في برنامجه أو تفكيره.
وهكذا كان مؤتمر القمة حلال بارعا لتنفيس الموقف لا تفجيره ولا حتى مواجهته واستطاعت هذه الضربة البارعة إعطاء العرب ثلاث سنوات تلهو فيها بمؤتمرات القمة بعضها ينعقد بالإجماع ويفرح العرب ويغنون وينشد لها اليمنيون الأشعار وبعضها يتغيب هذا وذاك ويأسف العرب ويتصلون به لتطيب خاطره حتى وصلنا إلى النهايةي وإسرائيل تضع اللماسات الأخيرة لضربتها الشاملة ونسسي تماما نهر الأردن ومياهه وأعلنت القيادة المصرية فشل مؤتمرات القمة ورفض حضورها لأنها تحولت إلى مظلة للرجعية تقيها من شمس القومية العربية الحارقة.
الدعوة للقمة والدعوة ضد القمة لم تكن إلا تكتيكات في استراتيجية دائمة هي تفادي المواجهة مع إسرائيل وقد نجحت هذه التكتيكات نجاحا لا مثيل عليه حتى قررت إسرائيل وقت ومكان المواجهة فاستدرجتنا إليهما وفي 1967 حشدنا كل الجيش المصري والاحتياطي في سيناء وتسابقت الدول العربية تطلب تذكرة في قطار المجد وقال عبد الحكيم رقبتي يا ريس ووضع خطتين للهجوم واحدة يوم 27 مايو 1967 بما عرف باسم الضربة الأولى والثاني في شكل عملية محدودة تستهدف الاستيلاء على إيلات والنقب الجنوبي ورفض الرئيس الاقتراحين وقال إن قدرنا هو أن نتلقى الضربة الأولى التي ثبت أنها الضربة الأخيرة ومن يدلنا على ميزة واحدة ممكنة لمصر في تلقي الضربة الأولى ورفض خطة عامر في البدء بالهجوم فمن حقه أن يحرقنا فوق كتابنا هذا وبعد 67 دخلنا في حرب الاستنزاف وهي كما يجمع كل المؤرخين اليوم كان لأهداف سياسية وأدت إلى استنزاف مصر فالمعركة كانت تدور فوق مصر وليس في أرض إسرائيل معركة بين مدن مصر مصانعها ومدارسها وبين المدفعية والطيران الإسرائيلي خسرنا فيها ثلاث مدن مصرية وعشرات المصانع وخزان وعدد غير معروف من القتلى والجرحى المصريين وقد بذلك الرئيس عبد الناصر جهد أثر على صحته في إقناع الروس ببناء حائط الصواريخ حتى يتوقف الطيران الإسرائيلي عن اختراق المجال الجوي المصري خارج سيناء المحتلة ونجح فعلا ولكن ماذا كانت الخطوة التالية؟ هل صعد المواجهة بعدما أمن على الجبهة الداخلية من انتقام إسرائيل؟
أبدا قبل وقف إطلاق النار وقبول مبادرة روجرزاي قبول الدخول في سرداب المفاوضات م موقع المهزوم ومات وقف إطلاق النار ساري المفعول.
ومن هنا فإن البعض الذي يقول بأن عبد الناصر لم يفكر قط في شن حرب ضد إسرائيل وأنه لو عاش ألف سنة لما فكر في ذلك يستندون إلى واقع 18 سنة.
أما الذين يقولون أنه لو عاش لشن الحرب على إسرائيل فإن العامة المصريين يقولون لوحرف تمحك.
بقيت نقطتان على قائمة انتصارات معركة السويس الهيكلية واحدة بالسلب والأخرى بالإيجاب فهو يمن علينا أن الثورة استطاعت أن تكتشف مكر إسرائيل الذ أراد أن تحقق مصر وحدة وادي النيل وبذلك تنشغل عن تصفية إسرائيلي وزعامة العالم العربي ولكن الثورة أفسدت هذا المخطط الشرير، وتخلصت من ضغوط وادي النيل وانفصل السودان..
المكسب الأخر هو الوحدة المصرية السورية التي بلا شك وضعت بذورها في خلال معركة التأميم وفي البيعة العربية الشاملة لبطل معركة التأميم.
ومن ثم لا بأس من إلقاء بعض الضوء على موضوع السودان وقصة الوحدة....
الفصل السادس: بطل الوحدة والانفصال
ولا السودان دام! صلاح سالم هو بلا شك أكثر الشخصيات إثارة في مجلس الثورة وأبرزهم خلال العامين الأولين فترة الصراع ضد محمد نجيب فقد كان يتولى وزارة الإرشاد وقضية السودان ومسئولية تصفية محمد نجيب في الشارع بينما كان أخوه يتولى تحقير رئيس مجلس الثورة ورئيس الجمهورية داخل الجهاز الحاكم.
صلاح سالم هو بلا شك أكثر أعضاء مجلس الثورة ذكاء ولا نقول مكرا أو دهاء وهو أيضا في أكثرهم حماسة وإخلاصا ووطنية وصلاح سالم أكتشف السر فجن كما في أساطير السحرة والجان.
وفي لحظة من لحظات التأمل واليأس الصافي غير الحاقد ولا الأسف أو قل الاستسلام لقدر لا يفهم ولا يقبل وكان بغدادي يغزيه بأن التاريخ سيحكم بينهم وبين عبد الناصر رد صلاح سالم تاريخ مين يا شيخ؟ ومن أين يسعرف التاريخ هذه الحقائق؟
هذه القناعة التي ملأت نفسه أنه حتى التاريخ لن يثأر له..
حتى التاريخ لن ينصفه...
حتى التارخ سيفرض عليه التعتيم والتجهيل فلن يعرف الحقيقة.
حتى التاريخ سيخضع لرقابة موفق الحموي وتزير هيكل وسيصبح كمجلة التحرير يثرثر بالأباطيل والجهل والكذب المتعمد...!!
لعل هذه القناعة تكون قد غفرت له كل ما ارتكب من ذنوب في حق زملائه أعضاء مجلس الثورة وأعضاء تنظيم الضباط الأحرار وحق الوطنيين من رجالات مصر الذين حاربوا الإنجليز والسراي وحق وطنه الذي ساهم بقدر ما في ضياع نصفه وكبت حرية النصف الأخر.
ونحن سنتناول هنا قصة صلاح سالم من زاوية الدور الذي لعبه في السودانس وللأسف فقد تحققت نبؤته بخصوص تجهيل التاريخ الناصري لا يعرف السودان وتلاميذ التاريخ الناصري لا يعرفون السودان إلا أنه بلد النميري والثرثرة الدائمة حول التكامل والترابط والتزامل إلخ لا أحد من هذا الجيل يعرف وحدة وادي النيل ولا أحد دمعت عيناه وعبد الوهاب يقرع السياسين ورجال الأحزاب قائلا:
فلا مصر استقرت على حال.. ولا السودان دام..
لا أحد سمع زعيم الأمة يقول: تقطع يدي ولا تقطع السودان ويترك الوزارة والحكم ولا يفرط في السودان.
لا أحد سمع رئيس وزارء مكروه من الشعب يتقرب إليه قائلاس جتكم بالسودان لا أحد سمع فؤاد سراج الدين يقول ن فكرة استفتاء السودانيين كانت مستبعدة تمام ومرفضوة لأنه يمكن إقرار استفتاء أسيوط مثلا.
لا أحد يعرف أنه لما عرض محمد صلاح الدين اقتراحا بطرح فكرة الاستفتاء في السودان كنوع من الشطارة الدبلوماسية وفي وقتي كان من المستحيل قبول ذلك من جانب البريطانيين رفض مجلس الوزراء الوفدي اقتراحه جملة وتفصيلا ولكنه طرح الفكرة في خطابه هذا وهاجمه الوزراء ووصف طه حسين موقفه بأن الخيانة الوطنية العظمى وطلب النخاس باشا استدعاءه على أول طائرة ولولا أنه وصل بعد حرق القاهرة وسقوط الوزارة لنكلت به حكومة الوفد...
فإلى هذا الحد كانت إيمان المصريين بوحدة مصر والسودان هذه حقيقة قد تفننت الثورة في محوها محوا من التاريخي المصري ومن ذاكرة التاريخ حتى شب جيل لا يعرف عنها شيئا ولو عرف لحكم على جيلنا بالإعدام لأننا فقدنا نصف الوطن في أقل من 3 سنوات وقد حفظه لنا أسلافنا ما ي قرب من قرن ونصف.
أن الوطنية المصرية نشأت في إطار وحدة وادي النيل فلم يكن لمصر وجود مستقل متميز بدون السودان لقد حصل محمد علي على استقلال مصر والسودان جزء لا يتجزأ من مصر ولذلك فإن القومية المصرية السودانية تكونت في وقت واحد وفي إطار سياسي وجغرافي واجتماعي واقتصادي واحد ويمكن الإشارة إلى أن ثلاثة من أعضاء مجلس الثورة ولدوا في السودان واثنين منهما من أم سودانية ولكن ضخامة رقعة الوطن وتخلف النظام الاقتصادي وبالتالي وسائل الاتصال ثم سلسلة الإجهاضات التي حدثت لعملية النمو الرأسمالي بهزيمةي محمد علي وقبوله معاهدة لندن 1848 ثم احتلال مصر (1882) أدى إلى وقف عملية التماثل وبقت الجزر المتخلفة المنعزلة هنا وهناك حتى في داخل الإقليم الشمالي مصر وجاء الإنجليز فضربوا ستارا عازلا ضد حركة التوحيد التي لو استمرت في مسارها الطبعي لما وجدت مشكلة السودان ولا قضية وحدة وادي النيل...
ولا تنسى أن المفهوم الوطني بالشكل المحدد القواطع كما هو الحال في أوروبا غير معروف في المجتمعات الإسلامية والعربية على وجه الخصوص فقبل الحملة الفرنسية ومحمد علي لم يكن هناك تميز قومي أو وطني واضح بين الجزائري والمغربي أو الليبي والتونسي إلى سقوط الدولة العثمانية لم يكن هناك عراقي وكويتي وسوري لا كانت هناك حدود ونفس الشيء عن سوري لبناني فلسطيني كانت التقسيمات على أطر أضيق فهناك الحلبي والحموي والشامي والغزاوي البحراوي والصعيدي والنوبي والدنقلاوي والبقارة والدنكا وتحل النسبة للإقليم محل النسبة للقبيلة مع تطور البنية الاجتماعية والاقتصادية ولكن التقسيمات الوطنية حديثة العهد جدا مع التحفظ بالنسبة لمصر لأن كيانها لاسباب جغرافية كان دائما أكثر تميزا المهم أنه لم توجد مشكلة وطنية بين مصر والسودان ولا خطر في بال مصري أو سوداني حتى الاحتلال البريطاني وجود افتراق محتوم في المصير فضلا عن تناقض وطني.
وقد حاول الإنجليز من جانبهم وقبل أن يكتشف ذلك صلاح سالم تزوير التاريخ وهم أكبر مزيفي تاريخ عرفهم الجنس البشري فادعوا أن ثورة المهدي في السودان كانت حركة اسقتلالية ضد الاستعمار البريطاني فتأمل كيف نكون مستعمرين بالفتح والسكر في وقت واحد ولم تكن مصر قد دخلت في العصر الرأسمالي بعد فضلا عن أن تدخل في الإمبريالي ولم تكن هناك قومية متغلبة مثل القومية الروسية أو التركية حتى يقال أنه استعمار إقطاعي ولمن شاء فيرجع إلى كتابنا عن السودان ليكشف الأكاذيب العفنة للعجوز سلوينس لويد الذي يحاول بعد ربع قرن من انتصاره أن يستمر في تزوير التاريخ رغم الحقائق المتاحة على لسان الإنجليز أنفسهم والتي تؤكد مدى مق الارتباط مع السودان في وجدان الحركة الوطنية المصرية ومدى ارتباط تاريخ المواطنين في مصر والسودان أو حتى إ ذا سمحنا لأنفسنا الآن بالحديث عن الشعبين في مصر والسودان وكذلك يمكن تصور مدى المخاطرة ولا أقول الشجاعة التي أقدمت عليها الحكومة الجديدة في مصر بقبول مبدأ الاستفتاء ولكن قرارها هذا ما كان يمكن قبوله، بل ولا حتى صدوره من مجلس الثورة إلا تحت تأثير قناعة تبلغ حد اليقين من أغلبية أعضاء المجلس وتنظيم الضباط الأحرار بالأتي:
- 2- أن هذا الإجراء هو لعبة ذكية تسحب البساط من تحت رجل الإنجليز إذ يجردهم من كل حججهم في الممطالة في الجلاء عن مصر والسودان.
- 3- وجود ضغط أمريكي ووعد أمريكي بأنه من المستحيل قبول الإنجليز ضم السودان لمصر دون إجراء يحفظ ماء وجههم والوعد بأنه لا خدعة في الأمر وأن الأمريكان تضمن خروج الإنجليز من مصر والسودان.
ويبقى السؤال إذا كان هذا ما فهمه بسطاء مجلس الثورة فماذا كان المعلوم عند حكماء 23 يوليو؟ هل كانوا يعرفون من البداية أنه لابد من انفصال السودان أم أن عبد الناصر كما يدعي مايلز كوبلند وكما تقول معظم الروايات المعاصرة ترك السودان ينفصل ليتخلص من محمد نجيب ثم صلاح سالم؟ هذا ما سنحاول اكتشافه في الصفحات التالية.
المهم أنه حتى 25 مارس 1954 كان صلاح سالم يتحدث لمجلس الثورة عن : المشاكل المتوقعة في السودان بعد أن صبحت مضمونا قيام الاتحاد بين البلدين وقد أطال في هذا الموضوع وأطال المجلس الاستعمار له وحتى يوليو (29/ 7/ 1954) كان أتلي رئيس الوزراء السابق والبعيد عن خفايا السياسية الإمبراطورية يتهم المحافظين بإلقاء السودان في البحر وأنه يتوقع أن يسقط السودانيون مرة أخرى في يد المصريين وفي جلسة مجلس الثورة 25 مارس 1954 حدد عبد الحكيم عامر أهداف الثورة كالأتي: الهدف الأول الاستعمار والتخلص منه.
الهدف الثاني: السودان وقيام الاتحاد معه.
الهدف الثالث: الإصلاح الزراعي وضمان تنفيذه.
وصلاح سالم اعتبر انفصال السودان خيانة وطنية لا يجرؤ على مواجهة الشعب بها ولا حمل مسئوليتها تاريخيا وإن الذين اتهمهم بالعمل على تحقيق الانفصال من المصريين ارتكبوا جريمة الخيانة العظمى.
فهو لم يكن يختلف في تكفيره وتقديره للسودان عن الوزير الوفدي طه حسين وفي الحقيقة لو أن هذا التصور كان التصور الوحيد لدى القيادة المصرية لما أمكن اتهامهم بأكثر من الغفلة مع حسن النية فقد انطلى الزور عليهم وصدقوا أن الإنجليز يمكن أن يرحلوا من السودان ويتركوا شعبه يختار الاتحاد مع مصر كأن الإنجليز فعلا كانوا في السودان ستينس سنة لتأهيله للاستقلال وكانوا في صدام مع الحركة الوطنيةي الصمرية طوال هذه الفترة دفاعا عن حق السودانيين في تقرير المصير ومن ثم سيقبلون طائعين قرار الاتحاد شرط أن يصدر عن إرادة حرة للسودانيين هذا هذر لم يكن الإنجليز أنفسهم يجرؤن على ترديده بشكل جاد وبعيدا عن الدعاية الرخيصة.
وفي إطار هذا التصور كان يمكن أن نلمس العذر للقيادة المصرية الحديثة عهد بالسياسة وإلا عيبها إذا انطلقت من قاعدة راسخة في القناعة المصرية، وهي استحالة اختيار السودانيين الانفصال إذا ما اتيحت لهم فرصة الاختيار الحر بعيدا عن ضغط الإنجليز وهذا ما حدث فعلا واختار السودانيون الاتحاد كذلك يمكن القول أن القيادة الجديدة تفاءلت وعلى رأسها زعيم أمة سودانية وأبوه وخاله دفناي في السودان، وساهم هو شخصيا في الحركة الوطنية بالسودان قبل ثلاثين سنة.
إذن كان لهم عذرهم في المخاطرة أو تحدي الإنجليز بقبول فكرة حق تقرير المصير إذا ما قبلنا هذا التفسير ولكن صلاح سالم قدم بعدا أخر شديد الخطورة وهو ما يدور حوله حيدثنا إذ اكتشف وهو مكلف بتحقيق وحدة وادي النيل، إن القيادة العليا لها مخطط أخر وأنها متفقة على الانفصال وهذه الرواية أو الكشف الصلاحي السالمي تعززها وتعزز هي بدورها الاتفاق الناصري الأمريكي.
ذلك أن الأمريكيين عندما بدأوا الضغط على الإنجليز لحل المشكل الرئيسي بين مصر والغرب أي الجلاء ووحدة وادي النيل وكانت قضية الجلاء مرتبطة من وجهة نظر الإنجليز بقبول استمرار القاعدة البريطانية في منطقة قناة السويس ومبدأ الدفاع المشترك أما قضية السودان فكانت حكومة الوفد قد سدتها سدا محكما غير قابل للحل أو المساومة.
يقول سلوين لويد: في 8 أكتوبر 1951 قدم النحاس باشا ثلاثة مشاريع بقوانين إلى البرلمان المصري الأول يقتضي بإلغاء المعاهدة البريطانية المصية لعام 1936 واتفاقية 1899 الخاصة بالسودان من جانب الحكومة المصرية وحدها والثاني إعلان وحدة مصر والسودان والثالث بسلطات ملك مصر والسودان.
ويقول سلوين لويد في 8 أكتوبر 1951 قدم النحاس باشا ثلاثة مشاريع بقوانين إلى البرلمان المصري الأول يقضي بإلغاء المعاهدة البريطانية المصرية لعام 1936 واتفاقية 1899 الخاص بالسودان من جانب الحكومة المصرية وحدها، والثاني إعلان وحدة مصر والسودان والثالث بسلطات ملك مصر والسودان.
ويقول سلوينس لويد أن هذا الذي حدث كان جذور ما حدث في 1956 وقد يفهم البعض قصده بأن إلغاء المعاهدة وإلغاء شرعية السلطة البريطانية في السودان كانتا السبب في حريق القاهرة ومن ثم وصول عبد الناصر إلى حكم مصر وأن هزيمة عبد الناصر في السودان قد أذكت عداوته لبريطانيا مما جر إلى سلسلة مصادمات انتهت بأزمة السويس وكل هذا صحيح تاريخيا ولكنه لا يصلح لتفسير وصفه بأنه جذور لما حدث في عام 1956 اعتقد أنه يقصد النحاس باشا هو الذي طرح مبدأ الإلغاء المنفرد للعقود الدولية أو ترجيح حق السيادة على الالتزام الدولي وقبول المخاطرة بالصدام مع قوى كبرى على قبول استمرار انتقاص الحق الوطني هذا المبدأ الذي تجسد وسيطر على تاريخ النصف الثاني من القرن العشرين من خلال معركة القناة إنما مارسه الوفد ولأول مرة وقبل تأميم مصدق للنفط في إلغاء المعاهدة من جانب السلطة المصرية وحدها وفي مواجهة مباشرة صريحة مع الدولة البريطانية وليس شركة للبريطانيين فيها حصة الأسد وفي مواجهة تمانين ألف عسكري بريطاني فوق أرض مصر فعلا وليس في مواني بريطانيا وقبرص ومالطة.
النحاس باشا في 1951- 1952 كان في وضع يشبه وضع عبد الناصر مع فروق كثيرة:
- 1- عبد الناصر استطاع أن ينتظر حتى تم الجلاء عن مصر فأمن الاستيلاء البريطاني الفوري على القناة، ولكن النحاس باشا لم يكن في مقدوره ذلك ومن ثم فقد خاطر في مواجهة ثمانين ألف عسكري بريطاني.
- 2- ظهر عبد الناصر كان مؤمنا من الإنجليز والسراي وأحزاب الأقليات والقوى المرتبطة بهؤلاء بينما كان الوفد يواجه ذلك كله ومن هذه القوى قيادة الجيش نفسه.
- 3- كان عبد الناصر مطمئنا للدعم الأمريكي والسوفيتي وهو ما لم يكن متاحا للوفد عندما ألغي المعاهدة.
وقد انتصرت هذه العوامل على الوفد كما انتصرت على مصدق ودفع الوفد والشعب المصري ومصدق والشعب الإيراني الثمن فادحا ولكنها مهدا الطريق بلا شك لخطوة عبد الناصر..
وقد ردت حكومة بريطانيا بنفس الرد على حكومة الوفد عندما أعلنت في خطاب العرش على لسان ملك بريطانيا يوم 6 نوفمبر 1951 إن حكومتي تعتبر إلغاء الحكومة المصرية لمعاهدة التحالف واتفاقية السودان قرار غير قانوني وبلا فعالية.
وقد أمكن التخلص من توتر الموقف ومنع الانفجار الشامل بحرق القاهرة وإقالة حكومة الوفد ثم بالانقلاب العسكري الذي وضع زعماء الوفد في السجن وكأن تجربة زاهدي طبقت في مصر أولا ولكن الوفد كان قد نسف الجسر الذي يمكن أن يعبر عليه أي زيور أو زاهدي جديد وذلك بمرسوم وحدة مصر والسودان تحت التاج المشترك والمناداة بملك مصر ملكا لمصر والسودان وقد انتقل اللقب إلى الطفل أحمد فؤاد بعد خلع فاروق ولكن ما من حكومة مصرية حتى ولو شكلت من متجنسين حديثا كان بإمكانها أن تصدر مرسوما يلغي لقب ملك مصر والسودان وقد انتقل اللقب إلى الطفل أحمد فؤاد بعد خلع فاروق ولكن ما من حكومة مصرية حتى ولو شكلت من متجنسين حديثا كان بإمكانها أن تصدر مرسوما يلغي لقب ملك مصر والسودان وقصره على ملك مصر أو إخراج السودان من التاج المشترك ولذلك كان الحل هو الذي روج له الموظفون الإنجليز عندما سموا القانون تحت المهرج المشترك لعبا على التشابه بين لفظي CROWN أي التاج و CLOWN أي المهرج كان الحل هو إسقاط التاج المشترك وقد حدث وأعلنت الجمهورية واختفى ملك مصر والسودان ووصف بما هو أبشع من المهرج.
وفرح الأطفال ولم يعد السودان تحت التاج المشترك ولا حتى مصر وبذلك أطلقت يد الثورة في المساومة مع الأمريكان والإنجليز.
وكان الأمريكيون كما تؤكد كل المصادر المنشورة عن تلك الفترة يضغطون لإخراج الإنجليز م مصر والسودان ولم يكن لدي الأمريكان رغم نصائح الإنجليز ومطالب جمعيات التبشير والمرتبطين بهم من المصريين مثل هيكل لم يكن لديهم كبير ممانعة من ارتباط السودان بمصر باربطة اتحادية ما فقد كانوا على ثقة من مركزهم في مصر ولكن الاستراتيجية البريطانية منذ ما قبل الحر العالمية الثانية كانت تستهدف فصل السودان نهائيا عن مصر وجعله مقر للإمبراطورية البريطانية الإفريقية أو الإمبراطورية الثالثة كما كانوا يسمونها ويحلمون بها واستبعاد أي احتمال للاختفاء من الحكم المباشر في السودان وقبل نهاية القرن وللمزيد من الاحتياط تم فصل الجنوب وترك الشمال المسلم العربي كآخر ورقة في المساومة وفي نفس الوقت كانت بريطانيا تعتمد على المشكل السوداني والإصرار المصري على وحدة واداي النيل مع العجز عن تحقيقها كمبرر لتأجيل الجلاء عن مصر تماما كما استخدمت إسرائيل الرفض العاجز العربي في استمرار احتلالها واستمرار عدوانها على قرارات الأمم المتحدة مع تحميل العرب المسئولية فالإنجليز كما أشرنا يقولون أنهم على استعداد للجلاء عن مصر بشرطين: سلامة قناة السويس وتسليم مصر باستقلال السودان أو تخليها عن حقوق مواطنيها في السودان من الوحدة الوطنية.. لأنها أي بريطانيا لايمكن أن تتخلى عن الأمانة التي في عنقها نحو السودانيين بتسليمهم للاستعمار المصري أو الحكومة السيئة التي تستفيد من السودان ولا تفيد بشيء كما دس هيكل عند المخابراتي الأمريكي ضد حكومة مصر.
وهذا منطق الفجور الاستعماري المهم أن الشرط الأول لم يكن من المستحيل التغلب عله أما شرط السودان فكان عقبة حقيقية فبريطانيا لا تفكر في التنازل فيه والنظام المصري بجميع اتجاهاته لا يمكن أن يقبله وهكذا استمر اضطرار المفاوض المصري لقطع المفاوضات بسبب السودان ويستمر الأمر الواقع وهو الاحتلال البريطاني لمصر والسودان.
فلما جاءت حركة الجيش في 23 يوليو وقررت أمريكا أنها الفرصة الأخيرة إذ وجد الحكم القوي الذي يستطيع قبولا يرضى به الشعب بدأت كما قلنا الضغوط الحاسمة على الإنجليز وهنا قاتلت الإمبراطورية العجوز معركتها الأخيرة، وصممت أنها لن تقبل بأي حال اتحاد السودان مع مصر وكانت تأمل في سقوط النظام إذاغ ما قبل هذا الانقسام أ, تدبير انقلاب بريطاني ضده يجمد الموقف مرة أخرى كما كان يحدث في سوريا من تبادل الأمريكان والإنجليز للانقلابات أو على الأقل يعجز النظام الجديد عن فرض فصل السودان على الشارع المصري فتبقى القضية معلقة مثل شرط تعليق الجلاء على قبول عودة الاحتلال إذا ما وقع عدوان على تركيا وهو شرط لم يكن يقصد منه أي هدف عسكري وإنما استفزاز الجماهير أو السلطة لرفض المعاهدة أو في النهاية يتم الجلاء وتتنازل مصر لبريطانيا عن السودان.
وأيقنت الولايات المتحدة أن رفض بريطانيا لاتحاد مصر والسودان هو رفض نهائي لا سبيل لتذليله لا بالمساومة ولا بالضغط لأنه يمثل استراتيجية بريطانية أساسية وسياسه تاريخية في إضعاف مصر ومنع امتدادها في أفريقيا السوداء، وقضية حيوية لحماية المصالح البريطانية الاستعمارية والصليبية في أفريقيا السوداء لو كانت وحدة وادي النيل قائمة لتذكر الأوغنديون أنهم كانوا جزءا من السودان ومن مصر وكان حاكمهم يعني من القاهرة ولتذكروا وهم الأهم أنهم في وادي النيل يصبحون أكثر أمنا على دينهم وحريتهم.
وصادفي هذا الموقف البريطاني هوى لدى المبشرين الأمريكان والاستعماريين التقليديين في الإدارة الأمريكية من أعداء الامتداد العربي الإسلامي في أفريقيا والمدرسة الصهيونية التي ترفض أية تقوية لمصر والتي تعتقد أن الضغط على الشعب المصري أو خنقه داخل حدود مصر هي أفضل وسيلة لانهيار مقاومتة وقبوله السيادة الإسرائيلية على المنطقة أو على الأقل تقليل فعاليته.
ومن ثم كانت التسوية هي إقناع الإنجليز بقبول الجلاء عن السودان مقابل عدم اتحاده مع مصر وإقناع المصريين بالتركيز على تحقيق الجلاء وبناء قوة مصر بدلا من الجري وراء سراب وحدة وادي النيل.. التي لن يسمح بها الإنجليز أبدا..
وهذا ما اقتنعت به وقبلته الجهات العليا في مصر والتي كما سنرى كانت أكبر وأعلى من مجلس الثورة، وما ضم من بسطاء ولكن عملية الإخراج اقتضت الاقتصار على قبول مبدأ حق تقرير المصير مع التأكيد والإيعاز وكل الدلائل كانت تؤكد ذلك أن السودان لن يقبل إلا الاتحاد مع مصر وحتى إذا ما حاول الإنجليز التملص فإن ذلك سيخلق وضعا جديدا يمكن لمصر استثماره.
وفي نفس الوقت جرى العمل على تنفيذ الاتفاق الأنجلو أمريكي بفصل السودان وجلاء الإنجليز على كره منهم.
قال سلوين لويد: أعلن حكام مصر الجدد تنازلا لم تقدمه حكومة مصرية من قبل وهو حق السودانيين في تقرير المصير.
وقد مدحهم إيدن في البرلمان لأنهم قرروا التركيز على محاربة سوء الإدارة في بلادهم والخلافات الدولية التي ورثوها عن الحكومات السابقة كما أشاد بقبولهم مبدأ حق تقرير المصير.
وقد مدحهم إيدن في البرلمان، لأنهم قرروا التركيز على محاربة سوء الإدارة في بلادهم والخلافات الدولية التي ورثوها عن الحكومات السابقة، كما أشاد بقبولهم مبدأ حق تقرير المصير.
ويعترف بغدادي: الصخرة التي كانت تتحطم عليها المفاوضات هي مطالبة مصر الدئامة بوحدة مصر والسودان تحت التاج المصري وانجلترا كان يهمها دائما إبعاد السودان عن مصر وتعمل على أن ينال استقلاله الذاتي لأن ذلك يحقق مصالحها.
وبغدادي وإن لم تواته الصراحة الكافية لكي يقوم وقد حققنا لبريطانيا مصالحها كاملة إلا أنه لم تتوفر له وقاحة هيكل الذي وضع تحقيق مصالح بريطانيا على قائمة انتصارات الثورة ويقول حمروش أن عبد الناصر تفرغ لقضية الجلاء عن مصر بعدما تم فصل العقدة السودانية لأول مرة، واتخذ أيضا في قضية الجلاء عدة خطوات إيجابية بناء على تقدير شخصي قرر من ناحية المبدأ قبول عودة القوات البريطانية إلى منطقة القناة إذا هوجمت تركيا وهو أمر كان مرفوضا قبل ذلك من الجانب المصري وقرر أيضا بعد شهر واحد من توليه وقف النشاط الفدائي بعد أن كان قد بلغ الذروة.
ويحاول بغدادي أن يخفف الأمر علينا فيقول أنهم نجحوا في استبعاد إيران من الدفاع المشترك ومن الذي اقترح إيران؟ ويفوته أن ما قبلوه هو عين الدفاع المشترك وأسوأ مما عرض على حكومة الوفد ورفضته.
وقبل أن ننتقل إلى التنفيذ نقول كلمة عن المبدأ .. فقد كان التسليم بحق تقرير المصير هو الاعتراف بانفصال السودانيين عن المصريين والتخلي عن مبدأ من غير المعقول أن نستفتي أسيوط مثلا وليس في التاريخ إلا حالات نادرة جدا أعطي فيها بلد حق تقرير المصير واختار غير الانفصال.
ولا يجوز النزر لهذا الأمر في ظل الظروف القائمة الآن وبعد ثلاثين سنة من انفصال السودان وتشكل أوضاع جديدة تجاهلها الآن خطأ لا يقل خطورة عن خطيئة تجاهل عناصر الوحدة التي كانت ممكنة منذ ثلاثينس سنة والذي امتدح شجاعة الثورة في حل العقدة والاعتراف بالأمر الواقع ولو ضد الإرادة الشعبية هو الذي أعطى السابقة لا نور السادات كي يفعل نفس الشيء وق تقبل الشعب الأمرين اتفاقية السودان، وكامب ديفيد وسواء من حق أو خطأ فقد كان السودان أعز وأكثر رسوخا في الضمير الوطني المصري وقتها من حقوق الشعب الفلسطيني عام 1978.
يجب أن نضع ذلك في اعتبارنا نحن نحلل الأحداث التاريخية، فلا ننفعل اليوم ولا نسخر من مشاعر الأمس.
وإذا قيل أن حل عقدة السودان كان شرطا لتحقيق الجلاء وما جره من خير فالرد على ذلك أولا من ادعاءاتهم هم إذ يهزون ذيولهم تيها ويقولون أن بريطانيا أجبرت على الجلاء بعدما استحال عليها الوجود في القناة بفضل حركة المقاومة المنظمة التي قادها عبد الناصر والمخابرات المصرية ضدهم لا المقاومة الفوضوية الارتجالية الوفدية ... إلخ..
صدقنا إذن فالجلاء كان مضمونا فلماا تطوعت حكومة الثورة بدفع بقشيش يمثل هذا الحجم وهةو التنازل عن نصف الوطن الذي تسلمتموه؟ لماذا؟
ثانيا: لو كانت 23 يوليو فعلا حركة وطنية فضلا عن ثورة لأمكن تنظيم مقاومة فعلية ضد الاحتلال لا في مصر وحدها بل في مصر والسودان ولتحقق الجلاء وتمت الوحدة بالأسلوب الفيتنامي لا البورقيبي ..وإن كان بورقيبة نال تونس كاملة.
بدأت الثورة تعالج قضية السودانس أو تحل العقدة أو تدفع بعض من الجلاء فاختارت صلاح سالم الذي وصف نفسه بأنه كان يجهل كل شيء عن السودانسي وقال: لم أقرأ في حياتي قبل 23 يوليو عن السودانسي سوى كتابين أحدهما لعطا اثنا سيوس عن الصيد في جنوب السودان والثاني لتشرشل بعنوان حرب النهر ولم يكن لي صديق سوداني واحد يحدثني وأتحدث معه في شئون بلاده وأهله ولم أسمع شيئا عن السودان إلا من والدي الذي أمضى زهرة شبابه وحياته في ربوع القطر.
وكانت مصر تضم المئات إن لم نقل الآلاف ممن عاشوا في السودان ولقضية السودان ولهم صداقات بل ومكانة قيادته لدى السودانيين ولكن الثورة لم تختر أحد منهم ولا استعانت بأحد منهم كان لديهم مثلا فتحي رضوان وهو صاحب تاريخ عريض في الاتجار بتراث الحزب الوطني والتمسك بوحدة وادي النيل ولكنهم أعطوها للصاغ صلاح سالم ولم يقصر الرجل ولكن حتى صلاح سالم لم يكن المسئول الحقيقي عن السودان لدى الجهات العليا في مصر ولن نشير إلى الزعامات المصرية التي كانت لها قوى سياسية وجماهيرية في السودان مثل الوفد والإخوان والشيوعيين فهؤلاء كانوا في السجن أو العزل وقد مثل مصر في اللجنة الخماسية التي تولت تنفيذ حق تقرير المصير حسين ذو الفقار صبري وهو شقيق علي صبري مدير مكتب جمال عبد الناصر للشئون السياسية والوثيق الصلة بالأمريكان كما جاء على لسان رجال الثورة وهو الذي اتهمه صلاح سالم بأنه ينفذ مؤامرة فصل السودان ووصفه مايلز كوبلند بقوله: علي صبري وهو أكبر صديق لنا في مصر.
ويقول اليوزباشي محمد أبو نار وهو مساعد صلاح سالم لشئون السودان أن الأمريكان ساعدوا صلاح سالم في دخول جنوب السودان عن طريق اتصالات مستر كافري السفير الأمريكي في القاهرة ومستر سويني ضابط اتصال السفارة.
وقد نجح صلاح سالم نجاحا كبيرا في البداية وخاصة في جنوب السودان وهو الثغرة التي كان الإنجليز يزعمون أنها لا يمكن أن تقبل الاتحاد فإذا بصلاح سالم يكسبها برقصاته أو هكذا حرصت الصحافة البريطانية على تصوير الموقف بينما الحقيقة أن الجنوبين الذين عاملهم الإنجليز معاملة الحيوانات وحرصوا على إبقائهم عراة ومنعوا عنهم الثقافة والحضارة وحولوا جنوب السودان إلى سفاري آمي رأوا زعيما أسمر اللون شديد السمار يتحدى الإنجليز ويأتي إليهم ويأكل معهم ويرقص معهم ويسب الإنجليز في قلب جنوب السودان ويعدهم بإخراج الإنجليز فعشقوه.
وأجريت الانتخابات في 25 نوفمبر 1953 وتحقق ما كان يأمله الوطنيون في مصر والسودان فقد سقط حزب الأمة حزب العمالة لبريطانيا والعداوة لمصر سقوطا فاحشا وإن كان القارح العجوز سلوين لويد يفسر ذلك بأنه نتيجة أفعال التعايش إذ عرفت أن حزب الأمة لم يفز بأي دائرة من التي حكمها الخليفة التعايشي.
والتعايشي حكم السودان كله والانصال ليس لهم أي علاقة في ذاكرة السودانيين بالتعايش من أيام حكم التعايش نفسه الذي أعتقلهم.
المهم فاز الحزب الوطني الاتحادي الذي خاض الانتخابات حول مبدأ الاتحاد مع مصر فاز ب 54 مقعدا وحزب الأمة 20 مقعدا والجمهورية 4 والمستقلون 12 ثم انضم الجمهوري للاتحادي فاصبح له 58 مقعدا وللأمة والمستقلين 32
ويقول بغدادي:
وهذا النجاح جعل أملنا في الاتحاد مع السودان كبيرا ولكن هذا الأمل خاب وسيأتي ذكر أسباب هذا الفشل.
المهم أن هذه النتيجة لأول انتخابات أو استفتاء في تاريخ السودان هي كلمة الفصل في بطلان أي زعم بأن الوحدة كانت مطلبا مصريا يستند إلى حق الفتح فالاتحاد كان إرادة مصرية سودانية ولم يكن سرابا وإن كان تحقيقه صعبا بل شديد الصعوبة ولكنها إمكانية تشبث بها الشعب المصري أكثر من نصف قرن ولو على حساب الجلاء عن مصر وقاتل الشعب السوداني من أجلها في 1924 ووفي لها في 1953 في ظل الاحتلال البريطاني.
ثم ضاعت هذه قضية لا يجوز أن نهيل عليها التراب أبدا.
لم تنهزم القوى الإمبريالية والعملية ولم تيأس بل بدأت تعمل راهنت على أخطاء مجلس الثورة في مصر وعلى أطماع وطموحات السياسيين في السودان والحركة السياسية في السودان كانت صورة من الحياة السياسية في مصر مع فارق عشرين سنة ومن ثم كانت طموحات السياسيين السودانيين أكثر شبقا وشبابا مع ارتباطهم بالحياة السياسية في مصر ولا شك أن أقوى ورقة في يد الثورة هي محمد نجيب الزعيم المحبوب في كل أنحاء العالم العربي والحل لمشكل السودان فالقيادات هناك ككل قيادات العالم الثالث ليس فيها عمر يقول لأبي أبكر أمدد يديك أبايعك..
لم يكن فيهم من يرضى بأن يصبح الآخر ملك أو رئيس السودان وبما كان قطاعا من الاتحاديين يطلب الاتحاد كراهية في حكم عبد الرحمن المهدي أقبح صور التخلف والعمالة وقتها ولذلك كان الحل هو ملك مصر والسودان والملوك لا ينتمون إلى إقليم ولا على طائفة والعرش هو رمز للوحدة دائما فلما سقط العرش تحتم أن يكون رئيس مصر هو رئيس السودان وتشاء الظروف الحسنة أن يكون هذا الرئيس نصف مصري ونصف سوداني فلا غبن ولا سيطرة، ولا نزعة شوفينية يمكن أن تثار بل هو بملامحه أكثر سودانية.
وجاءت الضربات تتوالى من القاهرة رأى الأشقاء الصغار ما جرى على الأخوة الكبار من المعاملة المهينة لزعيم الأمة النحاس الذي كان ومازال بعض زعماء العالم العربي يقلدونه في كل شيء من اللقب الرئيس الجليل إلى الدروشة رأى الإخوان في السودان إخوان مصر يعلقون في المشانق ورأى الشيوعيون السودانيون الرفاق الرواد يلعقون بلاط السجون بينما يتودد لهم هم النظام المصري ولم يكن من العسير عليهم أن ستنتجوا ماذا سيحل بهم إذا ما امتد نظام الحكم الناصري إلى هناك.
وحمروش حائر بين فطرته الوطنية التي آمنت بوحدة وادي النيل ولو في مرحلة الثانوي وبين ماركسيته التي طرحت لأول مرة في مصر شعار حق تقرير المصير بمفهوم الانفصال وكان ذلك أحد جرائم الحركة الماركسية في مصر إذ كان يفترض أن يتكامل الشعار يقول حمروش في التعليق على أول وزارة سودانية شكلها إسماعيل الأزهري يوم 9 يناير 1954 الحزب الوطني الاتحادي الذي يملك الأغلبية شكل من أعضاء مرتبطين في نضالهم الطويل بالشعب المصري ووحدتهم كانت على أساس الاتحاد مع مصر ولكن الأمور لم تمض في طريقها الطبيعي.
الحمد لله إذن الوحدة كانت الطريق الطبيعبي وهذه شهادة لو جاءت في وقتها لكلفته عضوية حدتو وصحيح أن العل يكتمل بعد الأربعين ولكن القرارات المصيرية تؤخذ قبل ذلك ولأن حمروش ماركسي وليس وحدويا متعصبا بل هو يشهد بأن الشيوعيين وحدهم إلى جانب الإنجليز طبعا كانوا مع حق السودانيين في الانفصال وهو ليس متعصبا ضد الناصرية بل يبذل الجهد في إحصاء فضائلها وجهدا أعظم في الاعتذار عن نقائصها ولذلك لا يمكن الطمع في شهادته عن أسباب سلوك الأمور الطريق الشاذ أي الانفصال قال:
لم يسلك مجلس القيادة أسلوبا حكيما في التعامل مع السودانيين ولم يواجه زعماءهم بوجه واحد وإنما ترك صلاح سالم يتصرف في الأمور بطريقته الخاصة دون مناقشة جماعية مشتركة وبغير حرص على الاستفادة من علاقة محمد نجيب الطيبة بكافة الزعماء السياسيين.
ولذا فإن الأمور لم تمض في طريقها الطبيعي وتصرف صلاح سالم في معاملاته مع بعض زعماء السودان بأسلوب الضباط وليس بأسلوب السياسين كما أن تجمع بعض ضباط الصف الثاني الذ يني كونوا شلالا خاصة لكل عضو من أعضاء المجلس حال بينهم وبين الرؤية الكاملة وسياسة توزع الأموال على السياسين كانت في أغلبها مفسدة
وعندما زار عبد الحكيم عامر وصلاح سالم السودان في يناير 1954 بعد أيام من تولي الأزهري رئاسة الوزارة كان الاستقبال لها طيبا وصرح الأزهر قائلا: إن الاتفاق سوف توضع موضع التنفيذ نصا وروحا.
وقام الاثنان بزيارة كافة مناطق السودان زيارة احتج عليها سلوين لويد وزير الخارجية البريطاني ولكن الزيارة في مظهرها العلني لم تكن معبرة تعبيرا صادقا عن همسات بدأت تتردد عن خلافات في مجلس القيادة يبدو أن صلاح سالم قد خاض فيها بصراحته المعهودة فانعكس ذلك خشية وترددا بين بعض الزعماء السودانيين.
كانت مصر قادرة حتى هذه اللحظة تحت قيادة محمد نجيب وبمجلس قيادة موحد أن تستوعب كل الآراء الوطنية في السودان لإقامة اتحاد على أساس ديموقراطي لمصلحة الشعبين ولكن ظهور الخلافات فتح ثغرة مناسبة لأعداء الاتحاد مع مصر ينفذون منها كان ظهور الخلافات بين محمد نجيب وأعضاء المجلس بداية الانتكاسات واضحة في تنفيذ الاتفاقية وقد وصلت المشكلة إلى الذروة عندما فوجئت الجماهير السودانية باستقالة محمد نجيب في فبراير 1954.
وكان لهذه الاستقالة وقع في نفوس السودانيين الذين تطلعوا إلى الاتحاد مع مصر في وجود محمد نجيب نصف السوداني والذين أدنوا أسلوب التناقضات الحادة بين أعضاء المجلس واعتبروا موقفهم من نجيب متسما بعدم الوفاء مما عكس عليهم هذه الصفة وخلق في نفوس السودانيين حذرا من الاتحاد مع أعضاء المجلس فقامت المظاهرات تهتف لنجيب في شوارع المدن السودانية.
وهكذا وجد الأزهري لنفسه فرصة التحول عن رأيه مدعيا أنه كان يقصد بالاتحاد اتحاد أقاليم وقبائل السودان واتخذ عدة إجراءات أسفرت عن موقفه تماما.
- 2- رفض إرسال ضباط سودانيين للتدريب في مصر على نفقتها وأصر على تدريبهم في بريطانيا.
- 3- أوقف الصحف الاتحادية وسحب ترخيص بعضها.
وسافر إسماعيل الأزهري إلى لندن يوم 8 نوفمبر 1954 حيث استقبلته الملكة إليزابيص وأقام له تشرشل حفل غداء، وعقد اجتماعا مع لجنة الشئون الخارجية لحزب المحافظين كما نشرت صحيفة الأهرام يوم 8، 9 نوفمبر وعقب عودته من لندن، أعلنت إقامة محمد نجيب وتحديد إقامته يوم 14 نوفمبر وأشارت الصحف إلى احتمال محاكمته لارتباطه بالإخوان المسلمين.
ويقول عمت المظاهرات شوارع الخرطوم وبعض مدن السودان تهتف لا وحدة بلا نجب وكان محمد نجيب قد أصبح رمزا للوحدة عند السودانيين فمدة خدمته الطويلة هناك ودفن والده وخاله الضابطين بالجيش في السودان وعلاقته الوثيقة ومعرفته بكثير من الزعماء والبسطاء هناك جعلت منه شخصية شعبية محبوبة في السودان كما في مصر وخرجت المظاهرات أيضا في القاهرة تهتف بحياة محمد نجيب منذ الصباح الباكر.
وأسرع من جديد إلى القاهرة وفد سوداني في محاولة لإنقاذ نجيب من المحاكمة مشكل من نجل السيد علي الميرغني وإسماعيل الأزهري ومحمد نور الدين وعلي عبد الرحمن ويحي الفضلي وإبراهيم المفتي واستقبل الوفد جمال عبد الناصر وصلاح سالم وتم الاتفاق بينهما على إصدار هذا البيان الذي نشر في الأهرام يوم 22 نوفمبر 1954 وجاء فيه:
الطع وفد الحزب الوطني الاتحادي على دقائق الأمور وكان متتبعا لسير الحوادث التي قادت إلى الظروف الراهنة في مصر، وهو مقتنع تماما بأن إجراء تنحية اللواء محمد نجيب عن منصبه كان إجراء لا مفر منه روعيت فيه مصلحة البلاد العليا أولا وأخيرا في تلك المرحلة التي ما كانت لتتحقق للبلاد لو سارت الأمور على ما كانت عليه ولقد تلاقت وجهات النظر مع الحسيب النسيب السيد علي الميرغني ووفد الحزب الوطني الاتحادي والمسئولين في مصر على قفل هذا الموضوع نهائيا بعدم تقديم اللواء محمد نجيب للمحاكمة حتى لا تعطي مصر على قفل هذا البيان موضوع محاكمة محمد نجيب وقفل أيضا فرصة الاتحاد مع مصر نتيجة عدة عوامل أساسية نتجت عن تصرفات مجلس القيادة وهي إقالة محمد نجب وقسوة محاكمات الإخوان المسلمين الذين كانوا يفرخون في أحضان حزب الأمة واعتقال الشيوعيين الذين كان لهم نفوذ كبير في السودان خاصة بين المثقفين والعمال هذا على جانب نشاط الإنجليز والأمريكان في محاولة احتواء إسماعيل الأزهري ومبارك زروق.
وعندما سافر إسماعيل الأزهري إلى مؤتمر باندونج لم يقف مع الدول المتحررة ولكنه اتخذ موقفا التقى فيه مع اتجاهات بعض الدول الرجعية مثل العراق التي كانت تهيء نفسها لدخول حلف بغداد كما أنه كان قد ألف لجنة من أعضاء الحزب الوطني الاتحادي قررت التخلي عن مسألة الاتحاد مع مصر ووافقت الهيئة العامة للحزب على ذلك.
وأخذت بذو التناقض تنمو بين الأزهري ومجلس القيادة ممثلا في صلاح سالم والذي كان قد فقد بعض شعبيته هناك لموقفه الحاد من محمد نجيب ولكنه دخل في تناطحه مع الأزهري إلى أبعد مدى، فقد أثار ضده فريقا من الحزب الوطني الاتحادي بزعامة محمد نور الدين نائب رئيس الحزبب وأثار ضده الجنوبيين أيضا كقوة ضغط.
وطفت المعركة إلى السطح وخطب إسماعيل الأزهري في الجماهير يقول؟ إن لحم أكتافي من مصر وقد جخلتها منتعلا حذا كاوتش ولكن هل يرضيكم أن يحكمنا صلاح سالم والعسكريون في مصر وتصرخ الجماهير بصوت عال؟ لا... لا..
واستخدم صلاح سالم في معركته ضد الأزهري كل الأسلحة المتاحة له إلى جانب انشقاق الحزب وإثارة الجنوبيين فقد قرر التحالف مع الشيوعيين أيضا في معركته ضد انشقاق الحزب وإثارة الجنوبيين فقد قرر التحالف مع الشيوعيين أيضا في معكرة ضد الأزهري التي تبلورت إلأى موقفين واضحين إما الاتحاد مع مصر.. وإما الاستقلال الذي أصبح الأزهري ينادي به علنا.
اتصل صلاح سالم بالشيوعيين السودانيين لما لاحظة من تأثيرهم السياسي في محاربة الوضع القائم كله واتصل في هذه المرحلة بالشهيدين عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني والشفيع أحمد الشيخ سكرتير عام اتحاد العمال وعضو المكتب السياسي للحزب.
وعندما علم صلاح سالم أن الحزب الشيوعي السوداني هو نواة انفلقت من الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني حدتو وعملت لفترة تحت اسم الحركة السودانية للتحرر الوطني حستو قرر أن يتصل بالشيوعيين المصريين ليساعدوا في إقناع زملائهم في السودان وكان ذلك يوم أول سبتمبر 1955.
ولنترك المسكين صلاح سالم يتعلق بقشة الشيوعيين المصرين ويجيب السودان يفتحي خليل والفنان زهدي ولنترك صلاح سالم يعدهم بتفيذ البرنامج الماركسي والإفراج عنهم لمدة أسبوع يعودون بعدها إلى مكتبه ومعهم السودان ولكنهم لم يعودوا ففي اليوم التالي اختفى المكتب واختفى صلاح سالم وأعلن قبول استقالته واعتكافه.
المهم أن الوحدة ضاعت بسبب صراع مجلس الثورة وإصرارهم على تنحية محمد نجيب ولو كان الثمن نصف الوطن ودعنا من سب الأزهري فلو كان حمروش ورفاقه يملكون الانفصال وقتها عن مصر والهرب من حكم العسكر لما ترددوا وكل ما تمناه الجيل يضرب وينهار والديكتاتورية العسكرية البشعة تنشب مخالبها في أمانينا وأحلامنا دون أن تسجل حتى ذلك الوقت أي انتصار ولو إعلامي ولم نذهب في البداية إلى القول بأن الإطاحة بمحمد نجيب كانت كانت ضمن مخطط دفع السودانيين لرفض الاتحاد على الأقل من الجانب المصري وإن كانت الأطراف الأخرى الإنجليزية والأمريكية قد سعت واستفادت من تصفية نجيب في سحب البساط من تحت الاتحاديين الحقيقين وشل تردد المذبذبين..
كنا نرى أن الصراع على السلطة ومن أجل أن ينفرد جمال عبد الناصر بالسلطة فقد ضحى بالسودانس ولم يكن أعضاء مجلس الثورة بغافلين عن هذه النتيجة المحتومة ووقائع مناقشاتهم في أزمة محمد نجيب حافلة بالأدلة على قناعتهم بتأثير أبعاد نجيب على الاتجاه الوحدوي في السودان ومع ذلك رأى عبد الناصر أن استقرار السلطة في دي أهم من الاتحاد مع السودان ونفس الشيء سيتكرر ويقال لنا عندما فضل ترك عامر في الجيش لمنع الانشقاق في السلطة ولو كان الثمن انفصال سوريا وهزيمة 1967 واحتلال سيناء.
ويعتقد الناصريون أن الخسائر ترجحها المكاسب، لأن عبد الناصر هو قلب الثورة وضميرها والأمر متروك للقارئ ليقرر هل ربحت مصر أو خسرت ببقاء عبد الناصر في السلطة 18 عاما وفقد السودان وسوريا وسيناء وهي على أية حال وجهة نظر خلع محمد نجيب في المرة الأولى مع افتتاح أول برلمان للسودان وبدا الوضع غير طبيعي أن يستقبل السودانيون أول عهدهم بالبرلمان مثل البرلمان الذي كان عند الزول المصري وفي نفس الوقت يلغي البرلمان والدستور والأحزاب في مصر وتعلق الحياة السياسية ثلاث سنوات فترة الانتقال...
كانت الأحزاب والقوى السياسية في السودان فرحة بالاستقلال منطلقة إلى ممارسة حقوقها التي حرمت منها والتي قاتلت وسجنت في سبيلها ولكن النظام الناصري يصادر هذه الأماني جملة وتفصيلا فهو لا يؤمن بالحزبية ويلغي حرية الصحافة ولا يؤمن بالفصل بين السلطات ويضرب رئيس أعلى محكمة في مصر وزالذي كان يعتبر شيخ القانونيين في العالم العربي كله ويقدم مصطفى النحاس للمحاكمة والنحاس بالنسبة لزعماء السودان وخاصة الاتحاديين مثل عبد الناصر لزعماء جيل الخمسينات وتخيل تأثير محاكمة عبد الناصر لتهمة الفساد والإفساد أمام محكمة الثورة على السراج وبن بللا وعارف؟
وتخيل أن محكمة الثورة هذه تطالب هؤلاء بالوحدة معها؟
ثم ما جرى على محمد نجيب من إذلال وامتهان، حتى العجل الذي خصصه للذبح يوم افتتاح برلمان السودان كان يتضور جوعا ثم الحملة الرخيصة عليه في الصحف والسودان مازال بكرا فيه تقاليد الرجولة والقبلية والطهارة ولذلك عندما يصرح الأزهري هل تريدون أن يحكمنا العسكر تصرخ الجماهير: لا... لا.. والضباط في مصر اشتكوا أن الناس تبصق عليهم لخيانتهم لنجيب وتصارعهم على السلطة فما بالك في السودان.
فالحقيقة هي أن السودان انفصل عن النظام الناصري، ولم ينفصل عن مصر، وما كان يمكن أن يختار الديكتاتورية ويتخلى الديمقراطية صباح الاستقلال ويغني مع فايزة بكتني في ليلة عيدي وهل للاستقلال من ثمرة تتعطش إليها الجماهير وتستشهد في سبيلها وتكافأ بها أحلى وأجمل من الحرية والديمقراطية.
وهل يمكن أن يختار شعب بإرادته الحرة الخضوع لحكم ديكتاتوري يقوم على إلغاء الحريات وإقامة المحاكم الخاصة والمعتقلات ويعلق المشانق للعمال وزعماء الإخوان؟
مقابل ماذا؟
لا شيء فلم يكن النظام الناصري قد اتيحت له الفرصة بعد لتحقيق أي انتصار خارجي أو داخلي براق وعندما قبل السوريون أن يدفعوا الحرية السياسية ثمنا لوحدة مع عبد الناصر كان الوضع مختلفا فلم يكن عبد الناصر بطل الأمة العربية وأمل تحررها فحسب بل كان النظام السياسي السوري قد تهر أو احترق وسقط أكثر من مرة بل كان الشعب السوري يريد أن يتخلص من ديكتاتورية قبلية يمارسها السراج إلى ديكتاتورة متحضرة يمثلها عبد الناصر ومع ذلك لم تطق سوريا صبرا على هذه فضحت بالوحدة على أمل استرداد الحرية وخسرت الاثنين.
ورغم كارثة الانفصال السوداني، فإن الزعامة الناصرية لم تتعلم، أو لم تقبل أبدا أن تضخي بالديكتاتورية وإقامة نظام ديموقراطي جذاب لتحقيق الوحدة بعدما ثبت أنه يستحيل أن يقبل شعب أو بمعنى أصح القوى السياسية في أي بلد عربي التضحية بوجودها في سبيل الوحدة.
وإذا كانت الوحدة الرسمية قد سقطت باختيار الحزب الوطني الاتحادي الانفصال حتى ليبدو كأن الإنجليز قد تعمدوا نجاح حزب الوحدة في الانتخابات ليأخذ هو نفسه قرار الانفصال فيصبح إجماعيا فإن الأجهزة المصرية لم تتكيف مع هذه الخسارة أو النكسة الأولى وتحاول تطويقها لتعطي العلاقات الطبيعيةي فرصة اعمل في مناخ ودي بل دخلت في حرب استفزاز ضد النظام السوداني الوليد مما أدى إلى تحويل ما كان بالأمس جزءا لا يتجرأ من الوحدة الوطنية إلى عدو سياسي بل وعدةو وطني وأعطت الفرصة للتيار المعادي العميل للإنجليز للبروز وتزعم السودان وحشد كل الشوفينية الوطنية بل الكرامة السودانية خلفه بحجة الدفاع عن استقلال السودان ضد التدخل المصري.
وهكذا بعد خمس وخمسين سنة من الحكم الإنجليزي للسودان، والحكم الرجعي في مصر صوت الشعب السودني بالأغلبية الساحقة للحزب الذي تقدم بشعار وحدة مصر والسودان وبعد أقل من عامين من حكم الثورة في مصر وتوليها قضية السودانس صدر قرار الانفصال بالإجماع وقاد زعيم حزب الاتحاد حملة التصدي لمصر ورفض هدايا مصر ورفض إرسال السودانيين للتدريب في مصر بل وانتقل الحكم للحزب الذي أنشأه الإنجليز والذي قام على عداوة مصر والذي كان منبوذا من المثقفين والوطنيين السودانيين يتحاشونه كما يتحاشى الإشراف أماكن الشبهات فإذا به بفضل الأجهزة المصرية يصبح المسيطر على السياسة السودانية منذ الاستقلال حتى سقوط نظام الأحزاب..
السر الخطير.
هكذا كان المفهوم العام لواقعة النكسة السودانية، أو فقد أن نصف الوطن في مفهوم الوطنيين القدامى، وضياع فرصة وحدة وادي النيل عند الوطنيين الجدد مجدر هزيمة في مسلسل الهزائم التي حققتها الناصرية في قضايانا الوطنية والقومية المصيرية.
ولكن بغدادي في مذكراته كشف عن واقعة مذهلة، وإن كنا نرى اليوم أن المذهل هو أن لا تقع فهي متفقة تماما الاتفاق مع تحليلنا ومع النظرية العامة التي تفسر 23 يوليو وتفسر مسلكية عدد من أبرز نجومها الذين استمروا إلى نهايتها.
صلاح سالم كما قلنا شخصية دستوفسيكة، حاد الذكاء قد يصفه البعض بجنون كان أكثر بروزا في شقيقه جمال سالم، متحدث مساخر لاذع مع كثير من البذاءة والقسوة في النقد، وطني متطرف مع ضحالة سياسية أدت إلى سعية للثقافة فسقط في مستنقع الشيوعية وتولت السفارة السوفيتية تجنيده وتثقيفه، وصلاح سالم شديد الطموح، أى نفسه في مخدع الأميرة فايزة، ومرشح لرئاسة الجمهورية الاتحادية لمصر والسودان واعتبرك ما يقول حمروش أن محمد نجيب نصف السوداني هو منافسه على هذا المنصب أو هكذا أوحى إليه جمال عبد الناصر ومن ثم استخدمة في تصفية محمد نجيب فأفحش في ذلك صلاح سالم عهدوا إليه بقضية السودان وأصبحت هذه قضية عمره يقترن مستقبله كله بنجاحه في تحقيق وحدة وادي النيل وقد تفرغ صلاح سالم لمحاربة الإنجليز في السودان ومحاربة محمد نجيب في القاهرة وفي منتصف عام 1954 بدا وكأنه قد نجح أكثر مما يجب في الاثنين فقد سقط محمد نجيب وأصبح الاتحاد مضمونا كما قال هو وبدأ الانحدار..
لعبة السلطة كانت تستهدف ضرب نجيب بصلاح والتخلص من صلاح باستنزافه في هذه المعركة ولكن ذلك لم يكن بالجانب المثير بل أن صلاح اكتشف أن قوى مصرية تعمل ضده في السودان وتنفيذ مخطط الانفصال.
هذه هي الحقيقة الرهيبة التي اكتشفها صلاح سالم، واخفيت عن المصرين ما يقرب من ربع قرن إلى أن كشفها بغدادي بصورة سيئة سلبية غير منصفة لرفيق السلاح.
قال بغدادي إن صلاح سالم طلب عقد المجلس مجلس الثورة يوم الخميس 25 أغسطس 1955 ليعرض عليه موقف مصر من الاتحاد مع السودان وقد انعقد المجلس بغياب عضوين هما جمال سالم وأنور السادات واستدعا المجلس اللواء صالح حرب وزير الحربية الأسبق والرجل الذي وهب عمره للسودان والذي كان يعتبر عند السودانيين الأب الروحي وكذلك الأستاذ خليل إبراهيم وكان ملخص رأيهما الآتي:
ولقد قاما بشرح الموقف موضحين أن قيام مصر برشوة كثيرة من السياسيين السودانيين والمشتغلين هناك كان له أثر شيء على أغلبية أفراد الشعب السوداني حتى أصبح الشك يتناول كل شخص يتعاون مع مصر لاعتقادهم أن وراء هذا التعاون منه رشوة وقد حصل عليها من مصر وهذه الصورة السيئة جعلت الكثيرين ممن يؤمنون بالاتحاد مع مصر يبتعدون عن التعاون معها درءا لهذا الشك كما وأن نور الدين رئيس الحزب الاتحادي هناك والذي تعتمد عليه مصر ضعيف وليست له شخصية والملتفون من حوله قلة لا تذكر وقد خلصنا بعد سردها لهذا الموقف إلى أن الأمل في اتحاد مصر مع السودان قد أصبح ضعيفا للغاية وليس هناك من حل غير إعلان استقلال السودان.
وكانت هذه أول مرة تنفق فيها الأموال على هذا النحو في بلد متخلف مازال يعيش في اخلاقيات قبلية فحدث سعار في العناصر الضعيفة وتقزز في غالبية العناصر السياسية التي تحترم نفسها ونفور واتهام من القواعد المثقفة وتدخلت المخابرات البريطانية بجذورها الضاربة في كل مكان وخبرتها الأبليسية فاتهمت كل مؤيد للاتحاد بالقبض ونشرت الأساطير حول المال المصري وإذا كان محمد أبو نار قد أكد أن كل الذين انفق هو نصف مليون جنيه فقط ومع خصم العمولات وطباخ السم بيدوقه.. إلخ.. فمازال المبلغ مهولا بمقاييس مصر والسودان في مطلع الخمسينات وكل ما عرضته الدولة المصرية على الدولة السودانية 4/3/ مليون حنيه لتحسين الأوضاع فنصف مليون رشاوي القطاع الخاص ليس بسيطة.
المهم أن صالح حرب وضع صوابعه في الشق وقال في مواجهة مجلس الثورة أنه لا حل بعدما فعلوه إلا التخلي عن السودان.
ولاحظ أن جميع الروايات على اختلاف المصادر من وزارء سابقين إلى أعضاء مجلس الثورة إلى الضباط الأحرار يمنيين وماركسيين إلى صحفيين، كلها تجمع على أن المسئول الأول عن انفصال السودان هو مجلس الثورة.
ويكمل بغدادي القصة فيقول أنه بعد شهادة صالح حرب والأستاذ خليل إبراهيم راح صلاح سالم يفتش عن قلم يكتب به استقالته ويفهم من تطور الأحداث أنه عثرعلى قلم وكتب الاستقالة واختلى بالزعيم وعاد إليهم يبلغهم أنه اتفق معه على الاستقالة من جميع المناصب مع البقاء في مجلس الثورة واتفق معه أيضا على أن جمال عبد الناصر يقوم بالسفر باكر على ودنه إلى السودان ليعلن بنفسه هناك هذا الاستقلال عند اجتماع البرلمان السوداني وواضح أن الرجلين قد غرر كل منهما بالآخر فصلاح سالم يريد توريطه وتحميله مسئولية إعلان ذلك للشعب المصر وتعريضه لمخاطر لا حد لها في السودان المعبأ بكراهيته على جميع المستويات وحيث تقام صلوات الغائب والليالي السياسية تحية لضحايا عبد الناصر من الإخوان والرفاق وأكثر من واضح أن آخر ما يفكر فيه الزعيم هو السفر إلى السودان لإعلان النبأ السعيد فضلا عن أن يسافر باكرا أو كما يوضحها بغدادي للتفكه أي في اليوم التالي لاجتماعنا.
كسب وقت قبل كسر العنق
ولكن صلاح سالم المفلوت اللسان كما وصف نفسه، والضعيف بشكل مثير ف فن التآمر سرعان ما وقع بلسانه في المنافشة وقال أنه يخشى أن يقوم السودانيون الشماليون بالانتقام من المصريين الموجودين هناك.ط ولذلك يقترح إرسال عبد الناصر إلى هناك وباكر .. إلى هذا الحد كان يحب الرئيس.
وتكلم صلاح أيضا عن ضرورة سفر جمال عبد الناصر في اليوم التالي لاجتماعنا ليعلن بنفسه استقلال السودان في اجتماع البرلمان هناك وأن يحمل النواب السودانيين هذه الأمانة ليصبح هو أي جمال عبد الناصر بذلك بطل استقلال السودان على حد تعبيره واعترضت على هذا الاقتراح منه مبينا أنه لا يصح أن يذهب إلى هناك رئيس النظام هنا في مصر ليعلن بنفسه هذا الاستقلال لأن ذلك سيترتب عنه صدمة للرأي العام الداخلي في مصر حيث أنه من المفروض أن يذهب جمال إلى هناك ليعود ويعلن أنه قد تم الاتفاق بينهم وبيننا على الاتحاد لا على الاستقلال خاصة أن الرأي العام في مصر معتقد بأن الاتحاد سيتم فعلا كما تشير بذلك وسائل الإعلام عندنا.
وأما بالنسبة إلى إعلان استقلال السودان فورا فقد اعترض كل من عبد الحكيم وأنا على اتخاذ هذه الخطوة من جانبنا دون القيام بعمل التمهيد اللازم لها قبل إعلانها حتى لا يكون ذلك مفاجأة للشعب المصري وصدمة له واقترح السعي إلى محاولة إيجاد جو من الثقة المتبادلة بين السودان وبيننا وأن نتركهم هم يقرون الاستقلال عند تقرير المصير بأمل أن يتم أي نوع من التعاون أن الترابط بين البلدين إن توافرت بينهما الثقة ولقد اتفق معنا جمال عبد الناصر في هذا الرأي ..
أبو نار يشرح الموقف
وطلب صلاح من المجلس أن يستمع إلى مساعده في شئون السودان اليوزباشي محمد أبو نار وطالبا أن نستمع إلى رأيه بعد أن نصدر قرارنا في الموضوع حتى لا نتأثر بما سيقوله لنا وذلك على حد قوله ولكننا رأينا أنه من الأفضل الاستماع إليه أولا وشرح أبو نار الموقف بالسودان وأعطى للمجلس هو الآخر صورة سوداء عن الوضع هناك وموضحا أن ليس هناك أي أمل في الاتحاد ثم استأذن صلاح المجلس بعد ذلك في أن ينسحب من الاجتماع حتى يقرر المجلس ما يراه دون أن يسبب له حرجا بوجوه فيه..
وهنا سنرى بغدادي متعاونا تمام التعاون في حماية عبد الناصر مستعدا ومبادرا في تضليل الرأي العام فهو يعترض على سفر جمال عبد الناصر إلى السودان لإعلان استقلاله كما اقترح صلاح سالم سواء عن سوء نية لتحميلها لجمال أو عن رغبة في أن لا يتحمل وحده المسئولية التاريخية في انفصالل السودان فلم يكن يخطر في باله أنه ستمحى هكذا من ذاكرة المسئولية التارخية في انفصال السودان فلم يكنن يخطر في باله أنها ستحمي هكذا من ذاكرة الجماهير.. بل ستكون المثل البارز على أكذوبة ما يسمى بالرأي العام والرفض الشعبي إلخ.. إذ استطاع حفنة من الضباط بلا رضيد سياسي معتمدين على القمع وحده تحطيم هدفا وطنيا متأصلا في عقيدة الجماهير إلى حد التقديس دون خسارة على الإطلاق أما فكرة إعلان الاستقلا فيحتمل أن صلاح اقتنع بها لكي لا يتم وكأنه موجه ضد مصر فنخسر الجلد والسقط كما يقولون لأن السودان يدين لمصر باستقلاله المبكر جدا ولكن سلوك الناصريين جعله يبدو وكأنه انتزع من مصر وأن بريطانيا هي التي دبرته لهم.
ولذا طلب بغدادي أن يتم تضليل أو تمهيد الرأي العام لقبول صدمة الانفصال..وللجيل الذي خدعوه وقالوا أن السودان كان عبئا وفخا أرادت إسرائيل أن تنشغل مصرية تكفي شهادة عبد الناصر نفسه الذي قال: إذا كان سيذهب للسودان ويعلن استقلاله فالأفضل أن يتوجه بعد ذلك إلى الكونغو ولا يعود إلى مصر بعد أن يعلن هذا الاستقلال مع أنه وافق صلاح في الخلوة على السفر باكر ولكنهما كما قلنا كان كل منهما يسحب رجل الآخر.
كان لابد من تدويخ الشعب المصري لينسى السودان وهو ما حققته سلسلة عمليات صفقة السلاح وباندونغ وعدم الانحياز وحلف بغداد ومعركة السد وتأميم القناة ثم العدوان الثلاثي والخوف على مصر ذاتها والموقف المخزي لحكومة السودان وقتها ثم الانتصار مع شيء من السجن والاعتقال والخوف والجوع والبطش والكثير من التعتيم على الحقائق والمعلومات ونسي السودان ولم يضطر عبد الناصر للذهاب إلى الكونغو فقد أرسل وعي الشعب ووحدة وادي النيل بدلا منه إلى هناك وإن كان لم يفته إرسال الجيش بعد ذلك للكونغو.
وقبلت استقالة صلاح سالم بالأغلبية كما يقول بغدادي ولكن بإحصاء الأصوات نجد أنها 4 أصوات من تسعة هم أعضاء المجلس وهي ليست أغلبية والذين قبلوا الاستقالة هم عبد الناصر وزكريا وعامر وحسين الشافعي ورفضها كمال الدين حسين وحسن إبراهيم وبغدادي مما يؤكد أن الخلاف كان مع عبد الناصر ومجموعته وأن مجموعة بغدادي أو جبهة الرفض كانت قلوبها مع صلاح وسيوفها عليه رغم أن بغدادي يقرر أن صلاح لم يكن إلا منفذا لسياسة المجلس في السودان ولم تكن تلك السياسة سياسته هو..
وهذا صحيح ومن ثم فقد ظلم ظلما بينا بتحميله مسئولية ما جرى والإطاحة به بحجة لك ولكن هذا هو أهون ما في الأمر الذي لم يعرفه بغدادي وقتها وما زال يرفض أن يعرفه إن ما كانت ينفذه صلاح سالم على أنه سياسة المجلس لم يكن سياسة الجهات العليا وأنه كان يوجد جهاز آخر من زكريا وعلي صبري وحسين ذو الفقار صبري وحمدي عبيد وعبد الفتاح حسن ينفذ سياسة أخرى تماما.
ولا نستبق الأحداث...
يشهد بغدادي: وكان صلاح نفسه مؤمنا إيمانا قويا وعميقا بالقضية
وهذه حقيقة لا شك فيها امتزجت فيها الوطنية، مع القناعة المصرية الراسخة لهذا الجيل بتقديس وحدة وادي النيل مع الطموح الفردي للنجاح في أخطر مهمة عهد له بها مع الآمال في رئاسة جمهورية وادي النيل أو اتحاد جمهوريات وادي النيل ومن ثم لا يمكن القول أن السودان كان عند صلاح تاكتيك أو وسيلة في لعبة السلطة.
ورأى صلاح سالم أنه قد اعتصر ولم يبق إلا أن يقذف به في سلة المهملات حاملا عار فصل السودان كان عند صلاح تاكتيك أو وسيلة في لعبة السلطة.
ورأى صلاح سالم أنه قد اعتصر ولم يبق إلا أن يقذف به سلة المهملات حاملا عار فصل السودان وأن عبد الناصر غرر به عندما اتفق معه على أن يستقيل هو مقابل أن يسافر عبد الناصر إلى السودان ويعلن استقاله فقبلت الاستقالة وسخر جمال من فكرة السفر وأ:د أن الذي يتحمل مسئولية استقلال السودان يحسن أن يذهب إلى الكونغو ولا يعود إلى مصر.
وانفجر صلاح سالم وقرر أن ينسف المعبد، وأن ينطق بالسر الذي أراد كتمه حتى يتحمل عبد الناصر مسئولية سياسته أي سياسة ناصر قرر أن يتكلم فكان هذا السر الرهيب.
اجتمع مجلس الثورة بغياب أنور وجمال سالم وفجر صلاح القنبلة قال الرواي بغدادي فقد مات صلاح قبل أن تتاح له الفرصة ليقول كل شيء قال بغدادي قال صلاح أنه شعر ولمس بالأدلة الملموسة بأن هناك جهات حكومية أخرى وأشخاصا مسئولين يعملون على استقلال السودان ويشجعون المسئولين السياسيين هناك على السير في هذا الاتجاه وقد بين أن جمال عبد الناصر كان يعلم بهذا التصرف منهم ولكنه لم يتصرف معهم بالمؤاخذة ولكن صلاح في أثناء حديثه هذا كان يحاول أن ينفي أن جمال عبد الناصر يدا فيما يجري ولو أنه في نفس الوقت كان يحاول أن يوقع اللوم عليه وكان يفهم من سياق حديثه أن جمال عبد الناصر نفسه يشجع هذه السياسة.
وما ذكره صلاح يتلخص في أن هناك سياسة أخرى تدعو إلى استقلال السودان، وأن جمال عبد الناصر يؤيد هذه السياسة وأراد صلاح أن يثبت وجهة نظره هذه فأورد بعض الأمثلة متهما بها حسن ذو الفقار صبري عضو لجنة الحاكم العام بالسودان والقائمقام عبد الفتاح حسن نائب وزير الدولة لشئون السودان والقائمقام حمدي عبيد رئيس أركان القوات العسكرية بالسودان وطالب صلاح المجلس بأن يوجه الاتهام إليهم وأن يستمع إلى أقوالهم في هذا الشأن وهو نفسه لن يحضر هذا الاجتماع أثناء مواجهتهم وأن علاقته بمجلس الثورة ستحدد في المستقبل على ضوء ما سيتخذه من إجراءت ضدهم وقد بين أن استقالته مشروطة بتغيير السياسة وذلك بإعلان استقلال السودان فورا.
وانصرف المجلس بعد أن استمع إلى هذا الحديث من صلاح على أن يجتمع ثانية في مساء نفس اليوم أي الجمعة 26 أغسطس 1955 وفي هذا الاجتماع الثاني حضر أنور السادات بعد أن عاد من بورسعيد وطلب سماع الأستاذ أحمد قاسم جودة الصحفي بجريدة الجمهورية والذي كان قد زار السودان من فترة بسيطة
جبهة عبد الناصر وجبهة صلاح سالم
ولقد حضر وأعطى صورة للمجلس عما لمسه وسمعه في الخرطوم وبادئا حديثه بأن عندما نزل من الطائرة في مطار الخرطوم وجد في انتظاره القائمقام حمدي عبيد، وقد ابتدره بقوله أظن أن الرئيس صورة كاملة عن حقيقة الموقف هنا بعد عودتك؟ ولكنه أجابه على هذا التساؤل منه بأنه لم يوفد من قبل الرئيس وأنه حتى لم يقابله قبل سفره ولكنه قابل صلاحح ويستطرد قائلا أنه شعر أن الناس هناك تعتقد أنه هناك بجهتين خاصة بمسألة الاتحاد مع السودان جبهة جمال عبد الناصر وجبهة صلاح سالم وأن سمعة مصر هناك أصبحت سيئة للغاية بسب الرشوة التي تعطى وتبل لكل إنسان حتى في الشارع على حد قوله مما دعا الناس إلى الشك في كل من يتكلم أو يدعو إلى الاتحاد مع مصر على أن وراء دعوته رشوة قد دفعت إليه وذكر أن المسئولين هناك يهاجمون مصر بأقسى الكلمات في الحفلات الرسمية وحتى في البرلمان السوداني نفسه وأن كل المسئولين في السودان قد أسادهم مهاجمة مصر لإسماعيل الأزهري في الصحافة والإذاعة المصرية وقد أضر ذلك بالعلاقة بين البلدين وأن الكل في السودان أصبح يدعو إلى الاستقلال كما أوضح أن الصورة التي تعطيها الصحافة المصرية عن الموقف في السودان تختلف تمام الاختلاف عن الحقيقة هناك وأن هذا ليس من الحكمة في شيء ولا بد أن تعطي صحافتنا الصورة الحقيقة للموقف وذلك لا شراك الشعب في تلك المشاكل والتعرف عليها وحتى لا يفاجأ مستقبلا بالحقيقة وتكون صدمة له.
وذكر أن نور الدين والذي لا يزال واقفا مع مصر ويدعو إلى الاتحاد ضعيف ولا شخصية له وأن جبهته في البرلمان السوداني لا تتعداه هو وشخص واحد آخر معه وأن انتسابه إلى فكرة الاتحاد مع مصر تسيء إليها وقد أشار من طرف خفي إلى أن السودانيين فقد فقدوا الثقة في صلاح وفي النهاية خرج نتيجة أنه لا أمل هناك يرجى في نجاح وتنفيذ فكرة الاتحاد بين مصر والسودان نظرا لتلك الظروف ومقترحا بأنه لابد من اتخاذ خطوة جريئة لإنقاذ الموقف وهنا سأله زكريا ماذا تقصد بخطوة جريئة؟ وقصد بسؤاله أن يفصح قاسم جودة عن فكرته ويوضحها فرد قاسم جودة عليه بقوله أنه يرى مثلا أن يصدر بيانا من الرئيس يصرح فيه بأن مصر لن تتدخل في شئون السودان الداخلية وأنه يهم مصر أن تكون على علاقة طيبة بإخوانهم السودانيين. وذكر لنا قاسم جودة أيضا كل الأحاديث التي جرت بينه وبين بعض المسئولين هناك وعما دار كذلك في المؤتمر الصحفي الذي كان قد عقده الأزهري وبعض الوزراء .
أسباب تحول الحزب الاتحادي
واستدعى المجلس بعده عبد الفتاح حسن نائب وزير الدولة لشئون السودان وكذا حسين ذو الفقار صبري عضو لجنة الحاكم العام بالسودان وطلب منهما أن يشرحا للمجلس الأسباب والظروف التي جعلت الحزب الاتحاد السوداني يتحول من دعوته إلى الاتحاد مع مصر إلى الدعوة إلى الاستقلال وهل لا يزال هناك أمل يرجى في الاتحاد ولمن ستكون له الغلبة في المستقبل بعد تقرير المصير؟ وهل ستكون لحزب الأمة أم للحزب الاتحاد وكذا موقف السيد أحمد الميرغني والسيد المهدي وإسماعيل الأزهري ومستقبل كل منهم السياسي وقوته في المستقبل في السودان وذلك حتى يتمكن المجلس من أن يرسم السياسة المستقبلة مع السودان على ضوء هذه المعلومات.
وتكلم كل من عبد الفتاح حسن وحسين ذو الفقار صبري وكان كلامهما مسلسلا ومرتبا ويتفق مع المنطق ويخلصان من ذلك في النهاية إلى النتائج ورأيهما كان واحدا تقريبا وقد أثار كلامهما كل النقاط التي سبق وذكرها كل من اللواء صالح حرب وقاسم جودة عن ضعف نور الدين والنتائج التي ترتبت عن فصل إسماعيل الأزهري من الهيئة التأسيسية للحزب الاتحادي ومهاجمة وسائل إعلامنا له والرشوة والضرر الذي نتج عنها كما تكلما عن ماضي السودان وقوة المهدي واعتماده على قوة شعبية كبيرة منظمة ومدربة وذلك بخلاف الميرغني الذي يعتمد على الختمية وربما تكون أكثر عددا من الأنصار التابعين للمهدي ولكنهم غير منظمين ولا مدربين وأنهما لذلك يعتمدان أن النصر في النهاية بعد تقرير المصير سيكون للمهدي وأشاروا إلى الأزهري ليس من الختمية ولا من الأنصار ولذا فهو النقطة التي يلتقي عندها كل من المهدي والميرغني وأن الميرغني لا يهمه السودان ولا أي شيء غير أن يكون الرجل الأول في السودان وأن كرهه للمهدي شديد للغاية وكانت النتيجة النهائية لاستنتاجهما ومعلوماتهما أنه أصبح لا أمل هناك يرجى في الاتحاد بل سيطالب السودانيون كلا من مصر وانجلترا بإعلان استقلال السودان بعد يوم 22 نوفمبر القادم مباشرة وهو اليوم المحدد لجلاء كل من الجيش المصري والجيش السوداني عن السودان.
واقترح عبد الفتاح حسن إعلان مصر استقلال السودان فور حتى يصبح وكأن مصر هي التي اخذت بنفسها هذه الخطوة قبل تقرير المصير لإثبات حسن نيتها ولإعادة الثقة بين البلدين وذلك بدلا من أن يحصل السودانس على استقلاله رغم إرادتنا وعلى أن تقوم مصر بعمل ميثاق وطني مع كل زعماء السودان يتم فيه الاتفاق على مياه النيل وعلى عدم ارتباط السوداني بأية معاهدات أو أحلاف عسكرية مع أية دولة أجنبية.
وقد تناقشنا معهما طويلا حول فكرة إعلان استقلال السودان فورا ومدى تأثير ذلك على الرأي العام الداخلي في مصر خاصة وأن الشعب المصري لا يعلم شيئا عن حقيقة موقف الاتحاد مع السودان والأمر يستلزم ضرورة القيام بعمل تمهيدي يسبق هذا الإعلان المقترح حتى لا يصدم الرأي العام عندما يفاجأ بتلك الحقيقة.
وفي النهاية وجه إليهما جمال عبد الناصر الاتهامات التي كان صلاح قد ذكرها في اجتماع صباح نفس اليوم وطلب منهما الإجابة على تلك الاتهامات ولكنهما نفيا عن أنفسهما تلك التهم مؤكدين أنهما لم يعملا إلا لتحقيق الاتحاد مع السودان ذلك لأن هذه هي سياسة الدولة وهما مرتبطان بها.
وبعد انصرافهما بدأ المجلس في استعراض الموقف ومناقشته. ط ولقد وافق المجلس على عدم إعلان استقلال السودان ورأي العمل فورا وترك مسألة إعلان استقلاله ليقررها السودانيون أنفسهم عند تقرير المصير.
ولما كان الأمل في الاتحاد قد أصبح ضئيلا لذا رؤي أن نسعى إلى تحقيق ولو جزء بسيط منه في شكل رابطة أو تعاون بين البلدين مع ترك هذا الأمر المنشود في إقامة الاتحاد للأجيال القادمة لتعمل هي على تحقيقة.
وكان جمال عبد الناصر قد أبدى تراجعه عن رأيه السابق في أن يتولى هو مسألة السودان لأه على حد تعبيره موضوع فاشل وهو لا يحب لنفسه أن يصبح فاشلا كما ذكر أن الأمر أيضال سيحتاج منه إلى الدفاع عن سبب فشل الاتحاد مع السودان وهو لا يمكنه الدفاع عنه لو تولى تلك المسئولية وذلك بخلاف الروح التي يمكنه أن يدافع بها لو كان بعيدا عنها ومحاولته إقناع الرأي العام في مصر أن انسحاب انجلترا من السودن يعتبر في حد ذاته نجاحا كبيرا وطلب جمال من المجلس أن يترك له حرية اختيار الشخص الذي سيكلف بهذه المهمة بدلا من صلاح.
أجازة لصلاح سالم
وقد بدأ المجلس بعد ذلك في مناقشة استقالة صلاح سالم ثانية وكان رأي أنور السادات بعد عودته من بورسعيد هي قبول استقالته كما كان هذا الرأي هو رأي زكريا كذلك ولقد تحول رأي كمال إلى هذا الاتجاه أيضا وأما حسين الشافعي فلم يتكلم ويبدي رأهي وكان رأي جمال عبد الناصر إما استمرار صلاح بدون أي تغيير في الوضع القائم أو قبول استقالته وأنه ليس هناك حل وسط وكان واضحا من موقف عبد الحكيم أنه مع هذا الرأي أيضا وكنت أرى أن نأخذ حلال وسط وكان واضحا من موقف عبد الحكيم أنه مع هذا الرأي أيضا وكنت أرى أن نأخذ حلا وسطا بحجة أنني لست متصورا الهزة التي ستحدث للنظام داخليا عندما ستعلن استقالة صلاح دون أية مقدمات وأن ذلك سيكون إعلانا عن فشل مسألة الاتحاد مع السودان وأن هذه الخطوة من جانبنا لو اتخذت فإنها تعادل إعلان استقلال السودان تماما.
ولكن جمال عبد الناصر عارض هذا الرأي بحجة أنه ليس هناك حل وسط وتمسك بوجةة نظر السابقة وقد تكلم عبد الحكيم مؤيدا الرأي الذي أبديته وموضحا أن استقالة صلاح ستكون تقوية للسودانيين وربما تزيد من تشددهم على حد تعبيره وأضفت على قول عبد الحكيم أنهم سيعتبرون استقالة صلاح اعترافا منا ضمنيا بالموافقة على استقلال السودان وهذا سيقضي على بقية الأمل الضعيف في إمكانية تحقيق الاتحاد وذكرت أن استقالة صلاح مشروطة كذلك بضرورة تغيير السياسة المتبعة وذلك بإعلان استقلال السودان فورا وقد أعاد المجلس قراءة استقالته وتم تقليبها على أوجهها المختلفة ولكنها كانت تقبل هذا الشرط وقد أيدني في هذا الموقف كل من عبد الحكيم وحسن إبراهيم.
ثم تكلم جمال عبد الناصر ثانية قائلا أنه يعتقد أن ما قيل صحيح ولذا فهو يرى أن يأخذ صلاح أجازة وذاكرا أن السودانيين لابد سيعلمون بها وربما يسعون هم إلى الاتصال بنا فإن رأينا منهم استعداد للتفاهم معنا فعلينا في هذه الحالة أن نسير معهم في اتجاه جديد محاولين استرداد الثقة بيننا وبينهم وإن لم يكن فيعود صلاح ثانية ويستمر في مهمته ولقد وافق المجلس على هذا الرأي ثم أخذ في مناقشة الإجراءات التي يمكن اتخاذها مع كل من عبد الفتاح حسن وحسين ذو الفقار صبري لأن صلاح كان قد بني أهمية على ما سيتخذ حيالهما واتفق على أن يعطي لعبد الفتاح حسن أجازة هو أيضا مع صلاح وأما حسين ذو الفقار فلقد كان له وضعا خصا بحكم أنه عضو في لجنة الحاكم العام بالسودان ولذا فقد رأى تأجيل اتخاذ إجراء معه.
ولما ذهبت إليه مع حسين وجدنا عنده السفير الروسي وكان يتكلم معه في مسألة السودان وقد أهداه السفير في نهاية الزيارة بعض الكتب عن روسيا والدستور الروسي وكان صلاح مهتما بها أشد الاهتمام وبعد أن انصرف السفير الروسي ذكر لنا صلاح أنه كان قد اتصل بجمال عبد الناصر بعد أن اتصل بي وأبلغه بمضمون القرار الذي ذكرته له وأن جمال عبد الناصر أكد له أن ما قلته هو فعلا القرار ولكنه أي صلاح اعترض عليه أثناء حديثه معه.
وقام صلاح واتصل بجمال عبد الناصر تليفونيا وكان في حالة عصبية شديدة وقال له إن البغدادي وحسن موجودان عندي الآن ولكن لابد أن تعلم أن هناك مؤامرة كبرى تدبر لعدم اتمام اتحاد مصر مع السودان ويشترك في هذه المؤامرة بعض المسئولين من داخل مجلس الثورة نفسه ومن خارجه وأن الذي سيؤدي بالبلاد إلي التهلكة هو زكريا محيي الدين وعلي صبري مدير مكتب جمال عبد الناصر للشئون السياسية وبكره تعرف أنني قلت لك هذا أن على صبري ينفذ سياسة الأمريكان والإنجليز بعدما طلبت اشتراك روسيا في لجنة تقرير المصير ورأوا أن يتخلصوا من صلاح سالم وكيف تثقون في كلام صحفي لا يعرف شيئا عن السودان وكل ما أمضاه هناك 24 ساعة في الخروطوم وكيف يبت المجلس في هذه المسألة وهو لا يعرف دقائقها ومستطردا قائلا: أنه يلمس اتحاد السودان مع مصر كما يلمس جمال عبد الناصر نفسه تماما.
وقد اتهم أنور السادات أيضا في الاشتراك في هذه المؤامرة المزعومة وذلك لإرسالة قاسم جودة إلى السودان وذاكر أن قاسم جودة قد أدلى بتصريح هناك على أنه موفد من قبل أنور السادات لمعرفة حقيقة الوضع بالسوادن لا بلاغها إلى الرئيس جمال عبد الناصر.
وبعد انتهى صلاح من حديثه مع جمال أبلغنا أن جمال يطلب منا أن نذهب إليه ولكن الصمت كان قد خيم علينا بعد حديث ثلاح عن تلك المؤامرة المزعومة والتي تحاك ضد اتحاد مصر مع السودان.
وبعد فترة قصيرة انصرافنا من عنده وأخذنا طريقنا إلى مبنى مجلس الثورة ووجدنا هناك جمال عبد الناصر كمال الدين حسين الذي دعاه جمال للحضور ثم حضر عبد الحكيم وطلب منا أن نقص عليهم ما حدث فذكرت لهم حديث صلاح معي في التليفون في الصباح ثم حديثنا معه بعد أن التقينا به وقرار المجلس الذي اتخذ وتعليق صلاح عليه بأن الإجازة معناها الاستقالة ورفضه تنفيذ هذا القرار وأن استقالته كما ذكر مرتبطة بإعلان استقلال السودان فورا ثم تكلم عبد الناصر كذلك عن حديث صلاح إليه وتلك المؤامرة المزعومة.
وفي أثناء اجتماعنا هذا حضر صلاح فجأة ودون سابق علم عن حضوره وبدأ يتحدث عن وجود تلك المؤامرة الكبرى على حد قوله ومن أن لديه المستندات التي تثبت ذلك وأطلعنا على برقية من الصحفي اللبناني جبران حايك والذي كان بالسودان بدعوة من الحكومة السودانية وقد تواجد هناك أثناء وجود قاسم جوده بها وهذه البرقية التي أطلعنا عليها كانت مرسلة من جبران حايك إلى أحد وزراء إسماعيل الأزهري واسمه يحيا الفضلي ويبلغه فيها أنه أي جيران قد أطلع جمال عبد الناصر على وجهة نظرهم كما ذكر أيضا أنه قد أطلعه على حقيقة الموقف بالسودان وأن مجلس الثورة قد اجتمع على أثر هذه المقابلة لمدة عشر ساعات وطمأنهم في النهاية خيرا وأنه سيرسل إليهم التفاصيل فيما بعد كما قرأ صلاح علينا أيضا ما جاء بنشرة المخابرات المصرية والمرسلة من السودان وقد جاء بها أنه قد سرت إشاعة في السودان عن أن صلاح سالم سيتنحي عن مسألة السودان وسيتولاها بدلا منه أنور السادات وكانت هذه المعلومات مؤرخة بتاريخ 24 أغسطس 1955 وقد ربط صلاح بين هذه المعلومات وبين إرسال أنور لقاسم جوده إلى السودان وحاول أن يبرز أن هذه المؤامرة المزعومة تهدف إلى أبعاده عن قضية السودان ليتولاها أنور بدلا منه.
وبعد أن انتهى صلاح من حديثه سأله جمال عبد الناصر عن أسماء الذين يتهمهم من أعضاء مجلس الثورة في هذه المؤامرة.
فأجاب بأنه يتهم أنور السادات وكذا علي صبري بحجة أنه يقوم بتنفيذ سياسة الأمريكيين والإنجليز في هدم صلاح وأبعاده عن مسألة السودان، بعد أن اقترح اشراك روسيا في لجنة تقرير المصير.
وسأله جمال عبد الناصر: ألست أنت الذي اقترحت إعلان استقلال السودان، وذكرت أنك أصبحت كرتا محروقا ومن أنك ستختفي نهائية من عالم السياسة كما صرحت لي بأنك كنت تخفي عني بعض المعلومات التي تشير إلى سوء الموقف في السودان.
وطلب منه جمال أن يعيدس ما سبق ذكره صلاح عندما انفرد به في مكتبه يوم تقديم استقالته فأعاد صلاح ما كان قد سبق وذكره لنا جمال ولكنه حاول أن يبين أن هذه كانت مناورة منه لكشف المؤامرة التي تهدف إلى أبعاده على حد قوله.
مناورة على مناورة؟
وبعد ذلك تناولنا الغداء وأخذنا قسطا من الراحة ثم اجتمع المجلس ثانية ولكن بدو صلاح وبعد أن هدأت ثورة بعض الإخوان على صلاح تكلم جمال عبد الناصر قائلا مسألة السودان قد انتهت لأن مجلس النواب السوداني سيجتمع باكر في الساعة العاشرة صباحا ليقرر عمل استفتاء على تقرير المصير ومعنى هذا استقلال السودان وقد طلب السفير البريطاني مقابلة صلاح ليتكلم معه في هذا الشأن لأن هذا يعتبر تغييرا في الاتفاقية ولابد من أخذ موافقة كل من مصر وبريطانيا وقد أذاعت لندن أن مصدر مسئولا في الحكومة البريطانية قد صرح إن انجلترا لي لديها مانع من الموافقة على مبدأ الاستفتاء ومستطردا وإذا كان هذا هو موقف انجلترا فلن يمكننا المعارضة والمشكلة الأن أصبحت مشكلة صلاح وهي تحتاج إلى حل.
واقترح جمال عبد الناصر أن تؤخذ الأصوات على إعطاء صلاح إجازة من عدمه ولقد وافق المجلس بالإجماع على الإجازة ثم أخذ قرارا من المجلس أيضا بالإجماع على عدم إعلان هذا القرار ثم نوقش الإجراء الذي سيتبع مع عبد الفتاح حسن وحسين ذو الفقار صبري فتم الاتفاق على أن يستقيل عبد الفتاح حسن وتعلن استقالته وأما حسين ذو الفقار صبري فقد وافق المجلس على مبدأ استقالته أيضا ولكن نظرا لأنه عضو في لجنة الحاكم العام فلقد ترك الأمر لجمال عبد الناصر ليختار من سيحل محله، كما اتفق الأعضاء على أن يتولى جمال عبد الناصر مسألة السودان وطلب هو أن يعاونه أحد أعضاء على أن يتولى جمال عبد الناصر مسألة السودان وطلب هو أن يعاونه أحد أعضاء المجلس في هذا الأمر فرشح له المجلس عبد الحكيم ولكنه اختار زكريا بحجة أن لديه في المخابرات العامة جهازا خاصا بالسودان ولقد حاول زكريا الاعتذار عن هذه المهمة ولكن المجلس وافق على أن يقوم بهذه المعاونة.
وذكرت لهم أيضا ما قاله صلاح عن خدماته التي أداها للسودان، ومن أن الولايات المتحدةى وبريطانيا قد نجحتا في سياستيها وتمكنتا من أبعاده وأنه قال معلقا على ذلك أن هذه مسألة سهلة بالنسبة إليهما فإذا كانت مصر المفعوصة على حد تعبيره بتأثيرها بتعيين رئيس جمهورية سوريا ويقصد به شكري القوتلي وبتأثيرها أيضا بتسقط رئيس وزراء لبنان ويقصد ذلك عبد الله اليافي وأنه ليس من الصعب عليهما إسقاط صلاح سالم وأنهما لا يمكن أن يسكتا عليه بعدما طالب هو بإدخال روسيا وأوكرانيا في لجنة تقرير مصير السودان وبعدما عمل أيضا على الإفراج عن الشيوعيين المسجونين بمصر وترحيلهم إلى السودان وبعدما اتفق مع السفير الروسي على بيع أسلحة لنا مقابل تصدير قطن وأرز لروسيا والدفع عى آجال وذكرت أنه قال في النهاية على العموم لقد ذقت الأمرين في مسألة السودان، وما قاسيته في الشهر الأخير لا يمكن لأحد أن يتصوره وأنني لم أكن أترك مكتبي يوميا قبل الثالثة أو الرابعة صباحا ولم أكن أرى أولادي حتى في العيد رغم بكائهم رغبة منهم في رؤيتي كما تكلم عن أبنه المريض الذي يعالج بسويسرا وصرح بأنه سيعود إلى مصر يوم 10 سبتمبر 1955 وسترافقه ممرضة للقيام بتمريضه وأنه سيقوم بدفع أجر لها شهريا قدرة 36 جم.
ثم في نهاية حديثي أبلغت المجلس بطلباته والتي سبق ذكرها وتكلم من بعدي جمال عبد الناصر مبلغا المجلس أن مصطفى أمين كان قد اتصل به تليفونيا في مساء اليوم السابق أي 29 أغسطس 1955 حوالي منتصف الليل وأخبره أنه يود أن يبلغه بمسألة خطيرة علم بها وذهب إليها مصطفى أمين وأبلغه أن صلاح هلال الصحفي بدر أخبار اليوم كان قد زار صلاح سالم صباح نفس اليوم في القناطر الخيرية علم هذا الصحفي من صلاح أن هناك بعثة عسكرية من الجيش المصري قد سافرت إلى روسيا لشراء أسلحة منها ذلك بعد أن تم الاتفاق معها وأن أول سحنة من طائرات الميج والدبابات قد شحنت فعلا إلى مصر وأن مصطفى أمين قد علق بعد أن أبلغ جمال بهدا الحديث بقوله أنهم يتهمونه أي مصطفى أمين قد علق بعد أن أبلغ جمال بهذا الحديث بقوله أنهم يتهمونه أي مصطفى أمين بأنه أمريكي ولكنه مصري أولا وقبل كل شيء وأن لادلاء بمثل هذه المعلومات لها خطورتها.
ويقول جمال أنه قد طلب مصطفى أمين تليفونيا بعد أن غادرة وطلب منه أن يعيد عليه ثانية الحديث الذي سمعه الصحفي صلاح هلال من صلاح وكان ذلك بغرض أن يقوم جمال بتسجيله أثنا إعادة ذكره.
من الظلم البين أن نقيم موقف أو اتهام صلاح سالم من واقع ما كتبه بغدادي صلاح سالم كان منفعلا وكان قد وضع يده على السر الخطير ولكنه كان أيضا مذهولا من هول ما اكتشف ولم تتح له الفرصة لتجميع كل الأدلة ولا لعرض ما لديه من مستندات مهما تكن قليلة وهي لابد أن تكون قليلة كما يفترض في لعبة بهذا الحجم والخطورة معا وقد رفض طلبه المحاكمة وأن كان يفهم من سياق الكلام أنه حتى الأدلة البسيطة التي وجهها اقنعت المجلس بإعطاء عبد الفتاح حسن أجازة ثم أجباره على الاستقالة ونفس القرار كان سيصدر ضد حسين ذو الفقار صبري لولا أن تعلل بعضهم بأنه عضو في لجنة الحاكم العام أي أن المجلس اقتنع بأنهم ارتكبوا ما يستحق العقاب والأبعاد !! ولكن لا تحقيق يسألهم لحساب من وبتعليمات من ؟
والمراكز التي نالها هؤلاء بعد ذلك تؤكد أنهم كانوا يتمتعون بثقة الزعيم ووفائه فقد أكرمهم وكافأهم الفرصة لم تتح لصلاح سالم لشرح اتهامه والبرهنة عليه وما طرحه تعرض لتشويه من طرف غير محايد، سبق التحقيق وأعلن أنها مؤامرة مزعومة ومن ثم أباح لنفسه أن يحذف ما أورده صلاح مكتفيا بإشارة تقول وأورد بعض الأمثلة متهما بها حسين ذو القار صبري شقيق على صبري ج عضو لجنة العام إلخ..
تكشيرة عبد الناصر على مائدة العشاء رأى بغدادي أن يثبتها للتاريخ ولكن بعض الأمثلة التي يقدمها عضو مجلس قيادة الثورة في وزن صلاح سالم الرجل الذي اعترف بغددي أنه وهب كل طاقته ثلاث سنوا لقضية السودان يقدم أمثلة في اتهام بتآمر مسئولين مصرين على فصل السودانس ولا تستحق أن يسجلها بغدادي خطأ فادح يفوق الخطيئة.
قلة وفاء لزميل لم يسيء إليه بأكثر من تعليق لاذع بين الحين والحين وغدر به بغدادي حيا وساهم بل تولى ذبحة ثم يغدر به ميتا فيصوره للأجيال بصورة المجنون ما حقك في إخفاء هذه الأمثلة ؟ ألا يكفي أنها اخفيت عن المواطنين ثلاثين عاما صدقت يا صلاح ومن أين سيعرف التاريخ الحقائق؟
لقد كانت خطورة كبيرة وجريئة وشريفة من بغدادي أن أثبت الواقعة أصلا وهذا دليل على براءته من اللعبة كلها ولكنه ما زال يعيش تحت تأثير قناعته وقتها بأنها جنون من صلاح وليكن ولكن المؤرخ لا يؤرخ بهواه بل يثبت كل الحقائق ويترك للأجيال أن تفسر وتنتقي.
وبغدادي مطالب أمام روح وذكري صلاح وأمام هذه الأمة التي دفعت كل ما طلب منها باسم وحدو وادي النيل بغدادي مطالب بذكر بعض الأمثلة.
اتهام صلاح سالم عزرته شهادة أحمد قاس جودة رجل أنور السادات الذي جاء يشهد ضد صلاح سالم والذي وحده يعطي ثقلا لما جاء في شهادته معززا لاتهام صلاح بأن جمال كان يعمل ضده في السودان فقد شهد أحمد قاسم جودة أنه شعر أن الناس هناك تعتقد أن هناك جبهتين خاصة بمسأة الاتحاد مع السودان جبهة جمال عبد الناصر وجبهة صلاح سالم.
هذا الشاهد جاءوا به خصيصا للشهادة ضد صلاح سالم فأكد أن الناس تعرف بوجود جبهتين جبهة عبد الناصرو جبهة صلاح سالم وهذا دليل قاطع على أن الناس قد لمست - وجود نشاط مصري رسمي مضاد لنشاط وأهداف صلاح سالم فيما يتعلق بمسألة الاتحاد.
- أن هذا النشاط كان نفوذه أقوى و ماليته أقوى وفعاليته أقوى وصوته أرجح وذلك فقد نسبوه لقوة أكبر من صلاح سالم إلى جمال عبد الناصر هذا إذا لم نقل أن هذه الجبهة كانت تذكر ذلك صراحة .
- إن هذه الجبهة كانت تعتمد على عناصر (.......) وغير مصرية وأعمال شبه جاسوسية مثل البرقية الخطيرة التي كانت تسلتزم تحقيق المجلس أو حتى سؤال: أيه حكاية البرقية دي يا جمال ولكنها كلفتت مع أن صلاح سالم تمكن من الحصول على عليها وهي دليل مادي يثبت إجراء اتصالات بين جمال عبد الناصر واحد وزراء عبد الناصر وأحد وزراء حكومة الأزهري يحيي الفضلي بواسطة شخص لبناني معروف جدا..
- ولا كلمة ولا تعليق ولا رد من جمال عبد الناصر على هذا الاتصال من وراء ظهر وزير السودان والمسئول عن السودان..!!
قدم صلاح سالم هذه البرقية مواجهة لعبد الناصر فلم يعلق عليها، بل ببراعة عرفت عنه، غير مجرى الحديث يقوله من هم من أعضاء مجلس الثورة الذين تتهمهم بهذه المؤامرة وهكذا نسيت البرقية ولم يفتح فيها حديث آخر .. كما اتسع الخرق على صلاح سالم إذا اندفع يتهم آخرين ولو كان مسيطرا على أعصابه لأثر على أن يسمع أولا تفسيرا لموضوع البرقية.
لا يمكن للمؤرخ أو المحقق أن يشك بعد ذلك بوجود نشاط لجمال عبد الناصر أو باسم جمال عبد الناصر مضاد لنشاط صلاح سالم في موضوع مسألة الاتحاد مع السودان ولما كانت جمع المصادر المعادية لصلاح سالم تؤكد أنه كان مؤمنا بالوحدة إيمانا جيلنا كله بها على حد الطموح في أن يكوني رئيس الجمهورية الاتحادية وأنه أثبت فعلا جديته وإخلاصه واحترامه لنفسه بأن ربط مستقبله بنجاحه في تحقيق الاتحاد فلما فشل استقال وم ثم فلا يمكن أن تكون الجبهة الثانية إلا عاملة ضد الاتحاد وهذا يعزز بك يؤكد اتهام صلاح سالم الذي يرفض بغدادي أن يحقق فيه حتى اليوم وقد أوضحنا أسباب ذلك في بداية هذا الحديث ويمكن أن نضيف عنصر اللخوف من منافسة نجيب الذي يتفوق وقتها شعبيا في السودان على جمال والقناعة بأنه لا يمكن تصفية الأحزاب والقوى السياسية في السودان بسهولة ولم يكن من المعقول أن يحرم النصف المصري مما يتمتع به النصف السوداني كذلك الرغبة في حرق صلاح سالم.
ويفهم من الحوار ومن الصيغة التي أورده بها بغدادي أن الشهود كانوا مطلوبين لإقناع المجلس بترك السودان ولذلك يسأل زكريا محيي الدين الشاهد: ماذا تقصد بخطوة جريئة ويعلق بغدادي في خبث وكان قصده بسؤاله أن يفصح قاسم جوده عن فكرته بوضحها ولم يتردد الشاهد فطلب بإعلان الاستقلال.
وواضح أن صلاح سالم شعر بأن اللعبة التي تجري ليست مجرد مناورة داخلية في لعبة الصراع على السلطة بل جزء من لعبة أطرافها أمريكا وبريطانيا وحاو أن يفسر لماذا تعمل أمريكا وبريطانيا ضده ووجد الجواب وأيضا الملجأ في روسيا فهو أراد إدخال الروس في مجلس الوصاية السودانية وهو يجتمع بالسفير الروسي وهما يتحدثان في السودان والسفير يثقفه فيهديه بعض الكتب عن روسيا والدستور الروسي وكان صلاح مهتما بهما أشد الاهتمام وقد نقل ذلك لعبد الناصر من أكثرم ن مصدر فإذا أضفنا إلى ذلك محاولة صلاح سالم الاتصال بالشيوعيين المصريين واتفاقه معهم على مركسة مصر مقابل فتحهم السودان رأينا أن نهاية صلاح سالم كانت محتومة في مناخ مصر 1955 وقد استطاع بغدادي أن يستفز صلاح سالم فقام منفعلا يكشف عن بضع الأسرار التي وصل إليها وكان أكثر صراحة في اتهامه هذه المرة فقد قال لعبد الناصر بصريح العبارة في حدود ما نقله بغدادي.
هناك مؤامرة كبرى تدبر لعدم اتمام اتحاد مصر مع السوان ويشترك في المؤامرة بعض المسئولين من داخل مجلس الثورة نفسه ومن خارجه وإن الذي سيؤدي بالبلاد إلى التهلكة هو زكريا محيي الدين وعلي صبري مدير مكتب جمال عبد الناصر للشئون السياسية وبكره تعرف أنني لت لك هذا على صبري ينفذ سياسة الأمريكان والإنجليز بعد ما طلبت اشتراك روسيا في لجنة تقرير المصير ورأوا أن يتخلصوا من صلاح سالم.
وهذا هو ما نشره بغدادي وقد رأينا تغير موقف من صلح سالم ورأينا حذفه بعض الأمثلة أو بمعنى أصح بعض الأدلة ومن ثم فإنه يورد هنا بعض الاتهام ولا يمكن أن يتحدث صلاح سالم هكذا مع عبد الناصر وأمام اثنين من أعضاء المجلس إلا ويعزز كلامه ببعض الأمثلة الأخرى التي أوكأ عليها بغدادي فلم يعلنها ونحن لا نستبعد أبدا دور علي صبري ولا حقيقة اتهامه بالأمريكية وقد شهد بغدادي بأنه كان يعلم مدى صداقته بالملحق الجوي الأمريكي وأنه هو بالذات الذي اختير للتعامل مع الأمريكان ومن البداية وهو مكلف بعمليات ذات طابع خاص أما زكريا فهو ارجل للغاز من البداية للنهاية وهو على أية حال المرشح المفضل للإشاعات كرجل التعاون مع الأمريكيين ودون اهتمام بمدى جدية هذه الإشاعات فهو بالتأكيد الرجل الذي لم يثق لحظة واحدة في عبد الناصر ومن ثم سهل عليه التعامل معه وكان رأيه وسلوكه هو الصبر على الرئيس إلى أن يشنق نفسه مع الحرص على البقاء إلى جانبه حتى تحين هذه اللحظة يساعده على عقد الحبل ومن ثم فلا معارضة على الإطلاق وقد نحح زكريا محيي الدين في البقاء حتى عام 1967 عندما شنقه عبد الناصر بتعينه خليفة لشئون العار والهزيمة فتغدى به قبل أن يتعشى هو به ثم منعه من التوجه للإذاعة لشرح موقفه حتى ضربت الجماهير في الشارع كل رجل يشبه زكريا محيي الدين وتبين أن البكباشي صح هو الأطول نفسا وأنه كان ينفذ سياسة زكريا ولكن ببراعة أكثر فلم يحط نفسه مثلما فعل زكريا بسمعة نزاهة وقوة شخصية وطهارة في السلوك وهي كلها صفات تخيف الحاكم المتوجس من المنافسين.
وقد ثبت من الوقائع أن زكريا محيي الدين كان لديه جهاز مخابرات للسودان لا يعلم به أعضاء المجلس ولا صلاح وهو الذي رشحه عبد الناصر ليتولى مسئولية السودان بعد خلع صلاح مما يعزز بل يؤكد تهمة صلاح بوجود نشاط لزكريا لا علم هو به ولكنه بعلم وتوجيه عبد الناصر بالطبع واتهام لهؤلاء الأشخاص بالذات يضيف ثقلا للاتهام ففضلا عن زكريا وهو كما رأينا غارق لا ذنيه في مسألة السودان نجد أنور السادات الذي ينفذ أي شيء يأمره به عبد الناصر والذي أرسل قاسم جوده الذي كان يعمل عنده الجمهورية وعلي صبري شقيق حسين ذو الفقار صبري ومدير مكتب عبد الناصر وكلها أسماء من المعقول جدا أن تنفذ تعليمات عبد الناصر مهما كانت غرابتها ومها بدت مخالفة للمصحلة الوطنية والاتجاه المعلن للنظام صلاح سالم لم يتهم حسين الشافعي ولا عبد اللطيف بغدادي وإلا كان جنونا مطبقا.. وبهذه الاتهامات أصبح صلاح سالم في عداء مباشر مع زكريا أنور السادات فضلا عن عبد الناصر الذي أدار الجلسة ببراعته الفائقة في هذه الناحية فألقى بمسألة السودان في سلة المهملات ودعا المجلس لبحث ما هو أهم وهو صلاح سالم قال الزعيم مسألة السودان الآن أصبحت فرعية بعد فقدان كل أمل في الاتحاد المسالة الآن أصبحت أجسم مما نتصور وهي اتهام لبعض من أعضاء المجلس بالخيانة وكلك مدير مكتبي ومعروف أنه مدير المكتب للشئون السياسية ومعنى هذا أنني أيضا أنفذ سياسة الأمريكان والإنجليز والمسألة أصبحت اليوم مسألة صلاح والمجلس ولست مسألة السودان لأن مسألة السودان أصبحت فرعية الآن بعد فقدان كل أمل في الاتحاد وهكذا ضاع السودان يازول.
ومن الواضح أن الرعب سيطر على الأعضاء وإلا لكان الموقف السليم حتى ولو كان السودان قد ضاع والمسألة جسيمة وهي جسيمة ولكن ليست أهم من السودان بل هي جسيمة لأنها تتهم أعضاء في مجلس الثورة وقائد الثورة بتنفيذ مخطط أمريكي بريطاني لفصل السودان بعكس السياسة المعلنة والمكلف بها عضو مجلس الثورة المسئول عن السودان الموقف السليم كان التحقيق في هذا الموضوع تشكيل لجنة من المجلس أو تحويل المجلس كله إلى محكمة باستثناء المتهم صلاح والمتهمين زكريا وأنور
ولكن بد الناصر طرح القضية بصيغة عجيبة وغريبة وذكرية أيضا إذ قرر أنها تحل بفصل صلاح سالم أو قبول استقالته من المجلس.
الاستقالة توجه اتهاما وتطلب تحقيقا ولا يجوز قبولها قبل حسم هذا الاتهام وإجراء هذا التحقيق ولكن قضي الأمر.
انتقل المجلس بقدرة ساحرة من بحث خطورة انفصال السودان إلى خطورة اتهام صلاح إلى خطورة صلاح وتحول المجلس إلى قيادة سياسية ثورية إلى مافيا اجتماعية عائلة المافيا لبحث خطورة عضو منشق أصبح ليس لديه مانع من هدم كل شيء فوق رءوسنا.
هذا كلام لا يصدر عن قيادة سياسية فضلا عن ثورة.
وأخذ جمال يشرح خطورة صلاح خاصة بعدما رأى فشل قضية السودان ومن أنه أصبح ليس لديه مانع من هدم كل شيء فوق رؤوسنا وذلك حد قوله هدم كل شيء فوق روؤسنا.
كيف يمكن أن يهدم فرد ثورة أو حكومة إلا إذا كان يملك أدلة دامغة على أنها سلكت سلوكا لا تسلكه ثورة ولا حكومة؟
ولا يشفعي لبغدادي قوله بعد ثلاثين سنة: على حد قوله مغطيا عورة موقفه بناقل الكفر ليس بكافر لأن الواضح أنه شاركهم الخوف من خطورة صلاح لو تكلم ... واقتنع بقدرة صلاح على هدم كل شيء فوق رؤوسهم واشترك مع الآخرين في مؤامرة الصمت فلم يسأل ولن لماذا لا نتحقق من الأمر هل صحيح كنت تعمل على تنفيذ سياسة خاصة بالسودان غير ما كان صلاح يحاوله؟ ولماذا؟
وكيف تفسر لنا هذه البرقية واجتماعاك بالصحفي أو السمسار اللبناني؟
ولماذا يتصل حسين ذو الفقار بحزب الأمة من وراء ظهر صلاح سالم المتفرغ لمحاربة حزب الأمة؟
لم يقل بغدادي ذلك ولا قال: هل استمرارنا هو المسألة الأساسية والسودان مسألة فرعية.
لم يقل بغدادي إذا كنا قد تأكدنا أنه لا أمل في الوحدة واجمع الشهود على أن تصرفاتنا هي السبب ألا يستحق الأمر وقفة مع النفس ومراجعة مع الذات وغير ذلك من الشعارات لنحلل كيف انقلب الوضع مع اكتساح الاتحاديين للانتخابات إلى الإجماع على الانفصال في أقل من سنتين كيف استطعنا أن ننجز في أقل من سنتين ما عجز عنه الإنجليز في ستين سنة؟
لو حدث ذلك ربما كنا استطعنا تلافي تكرار التجربة فيسوريا وبنفس المعدل الزمني تقريبا إذ حولنا شعب من موقف التنازل الاختياري ولأول مرة في التاريخ عن سيادته ونظامه البرلماني وحرياته ليحمل عربة الحاكم الفرد على أكتافه في سبيل الوحدة فإذا بالنظام المصري والممارسات الثورية تحول هذا الشعب إلى عداء الوحدة حتى أصبح أقوى سلاح تعتمد عليه حكومات الانفصال هو التهديد بأن البديل عنها هو عودة عبد الناصر وحتى أصبح العداء بين البلدين شبه وطني.
لو أن المجلس رفض الصيغة التي طرح بها عبد الناصر القضية وأصر على التحقيق في اتهامات صلاح سالم لأمكن تلافي الكثير من النكسات ولكنهم لم يفعلوا فحق عليهم العذاب وسبحان من سخرهم لكشف خطاياهم بأنفسهم.
بغدادي ينبه الريس إلى ضرورة الانتهاء من صلاح قبل أن يعود شقيقه جمال سالم الذي أخلص لبغدادي إلى النهاية وتآمر معه ضد عبد الناصر في قضية التحقيق مع الحاج عبد الناصر حسين والد الرئيس زكريا وأنور ثائران ضد صلاح بحكم اتهامه لهما أو كجزء من خطة موضوعة مسبقا.
أما ميوعة عبد الحكيم عامر فإما أنها تقسيم أدوار متفق عليه خارج المجلس كما كان يحدث دائما بينهما أو لأنه كان بعيدا عن السياسة الخارجية ومحاولته حفظ التوازن بين اربتاطه بالرئيس وحرصه في نفس الوقت على ألا يستفرد الرئيس بالمجلس وأيضا لأنه لم يكن بحكم شخصيته الحبوبة يحب إيذاء الأصدقاء وعلاقته وثيقة بصلاح ثم أخيرا فإن تفسير مسلكه يحتاج إلى معرفة مزاجه في تلك الجلسة وهو عنصر غير متاح حاليا.
كمال الدين حسين كان في عنفوان المبايعة لعبد الناصر وكان في قمة الرضا ومناصبه تتزايد والحصة تنمو بإخراج واحد من الشركة كما أن سذاجته ودروشته جعلته يصرخ بأن اتهامات صلاح لزملائه بهذه الصورة جريمة منه لا تغتفر.
ضاع موضوع الاتهام وانحصر الحديث في صيغته أو مجرد صدوره وقد فهم صلاح موقف الزملاء على حقيقته وقال لبغدادي أنه لا يريد أن يراه ولا أي أحد من المجلس بعدما طعنوه من الخلف.
وهذا صحيح لقد ظلم صلاح سالم ظلما فادحا وكل من بقي من أعضاء مجلس الثورة يجب أن يتكلم فهناك إشارة هنا وهناك تؤكد أن صلاح سالم كان مقتنعا بالأدلة على صحة اتهامه للآخرين وكان جادا ومصرا على طلب المحاكمة واتهم المجلس بالتواطؤ لرفضهم هذه المحاكمة وقد ربط مصيره واستقالته بهذه المحاكمة ولم يمانع أن يقدم فيها كمتهم بل ووصل إلى قناعة بأن الوطن في خطر بهذه المسلكية التي اكتشفها وأن احل هو أن يتنازلوا عن السلطة ويجيبوا هيئة تأسيسية تحكم البلد.
وقال لبغدادي في التليفون أنه لا يرضى أن يكون برافانا لجمال عبد الناصر وعليه أن يواجهيس الحقيقة أمام البلد والعالم اللي عامل لي أحزاب داخل المجلس ومجمع كل شيء ومركزها تحت إيده.
ثم كرر أنه يتهمهم بالخيانة ويجب محاكمتهم.
ويزعم بغدادي أنه سأله إن كان متأكدا مما يقول، فلماذا لا يعرض هذه الاتهامات على المجلس حتى يحقق فيها وأن صلاح سالم رد عليه: المجلس مين؟ وأخذ يتهكم في أعضائه ثم نصحه تنازلوا عن السلطة وجيبوا هيئة تأسيسية تحكم البلد.
ولما اعدت عليه قولي السابق من ضرورة أن يكون واقعيا وألا يلقي التهم جزافا رد عليه ألم تسمع قاسم جودة، وما قاله عبيد حمدي عبيد له ألم تتطلع على البرقية المرسلة من جيران حايك؟ أليست هذه مستندات ولا عايزين شهود أنتم عايزين تدبحوني ولا أيه؟
الحوار غير منطقي أو العرض غير دقيقة فصلاح عرض فعلا اتهامات على المجلس وطلب التحقيق وهي كافية للبدء في التحقيق ولكن المجلس تخلى عن مسئوليته التاريخية ورغم ذلك يستمر بغدادي في اقتراح عرض الأمر على المجلس حتى لو فرضنا صحة الحديث فهو من ضيق صلاح وعدم رغبته في إهانة بغدادي وإلا لقال له على طريقته يا بن ما أنا بأقولك أتهام وأدلة ومستندات ما تطلب التحقيق ما أنا طالب تحقيق أكثر من مرة؟
ومن ثم فحوار بغدادي الذي أردنا أن نصبح واقعيين وهي في القاموس الناصري تعني أيضا انتهازيين ج ونتصور أن صلاح رفض التحقيق حوار لا أهمية له ويمكن إسقاطه تماما فهو من طراز قول أحدهم محكمة مين؟ هي دي بلد يها عدل مارحنا المحكمة ولا سألوا فينا؟
باختصار لقد وجه صلاح سالم اتهاما في غاية الخطورة.
المتهمون عملوا على منع التحقيق ونجحوا في ذلك.
بل قرروا القضاء على صلاح قبل أن يهدم البلد فوق رؤوسهم.
وإذا كان بعض الأعضاء غير المتتبعين للموقف في السودان ظلوا مترددين في إقالة صلاح سالم خوفا على خيط الأمل في السودان فقد تولى الرئيس إراحة ضمائرهم في جلسة 28 أغسطس 1955 ترك عبد الحكيم يروي لهم ما جرى بينه وبين صلاح سالم الذي تهكم على حد قول عامر على بعض أعضاء المجلس واستهزأ بهم مما جعل هذ البعص يثور ويقرر أنهم لا يمكنهم التعاون معه بعد ذلك.
أما من ناحية راحة الضمير فقد بلغهم الرئيس أن موضوع السودان قد انتهى وأغلق الملف.
وبعد أن هدأت ثورة الإخوان على صلاح تكلم جمال عبد الناصر قائلا: مسألة السودان قد انتهت لأن مجلس النواب سيجتمع باكرا في الساعة العاشرة صباحا ليقرر على استفتاء عملي تقرير المصير ومعنى هذا استقلال السودان.
حتى في هذه كان الرئيس يبلغ المجلس معلومات خاطئة فقد تقرر استقلال السودان بدون استفتاء إذ رغم كل حدث كانت لا تزال هناك مخاطرة في إجراء استفتاء ولذلك قرر المجلس إعطاء نفسه سلطة التقرير وقرر الاستقلال بالإجماع في 19 نوفمبر 1955 المهم باي باي سودان.
وهنا انكشف صحة اتهام صلاح لزكريا بأنه يلعب دورا في السودان فقد طلب جمال أن يرشح له المجلس معاونا في مسألة السودان يعمل أية؟ فرشح له المجلس عبد الحكيم ولكنه اقترح زكريا بحجة أن لديه في المخابرات العامة جهازا خاص بالسودان؟
ولقد حاول زكريا لاعتذار عن المهمة ولكن المجلس وافق إلخ وكان المفروض أن يتساءل أحدهم لماذا لديك جهاز خاص بالسودان لا يعلم به صلح لماذا لم تقدم له المعلومات إلخ ولكن الأعضاء كانت أفواههم مملؤة بدم صلاح وشاء المايسترو أن يختار بغدادي ليبلغ صلاح قرار موته بالحياة بل وتيآمر بغدادي فيخفى على صلاح بناء على تعليمات عبد الناصر أنه اتصل بجمال ويبكي صلاح حسرة على أن أن أخاه ليس موجودا وبدأت مساومة صلاح الذي كان واعيا ومبدئيا فرفض أي منصب ورفض مرتب وزير ولكنه طلب معاش والبقاء في الاستراحة بالإقامة الكاملة أي بما فيا الأكل وغسل الثياب لأنه مديون بمبلغ ألفين وخمسمائة جنيه مصري.
ووصف نفسه بأنه لسانه فالت: فنصحهم بالا يسمحوا لأحد بالاتصال به وطلب ألا يزوره أحد من مجلس الثورة.
وكان واضحا أنه سيطر على أعصابه وفلسف الموقف ونظره على ضوء ما استرجعه من حقائق فاستنتج الآتي:
- 1- الولايات المتحدة وبريطانيا نجحنا في إبعاده بسبب مطالبته بإدخال روسيا أو أوكرانيا في لجنة تقرير المصير ولأنه عمل على إخراج بعض الشيوعيين المسجونين فيمصر وترحيلهم إلى السودان ولأنه اتفق على صفقة سلاح مع روسيا.
- وأيضا يمكن القول لأنه كان يعارض الاتفاق الأمريكي البريطاني الناصري الخاص بحل عقدة السودان بالقطع ولو دون أن يدري بوجوده.
- 2- واضح أن صلاح لمس وجود التدخل الأمريكي ولكنه لا يعرف سره ولا أسلوبه ولا كيفية ممارسته مع قائد الثورة ولكنه اقتنع بوجود وسيلة ما وأن تكن فوق إدراكه فما دامت مصر المفعوصة وكان المصريون يسمونها المحروسة وأم الدينا قبل أن يتولى أمرها صلاح ورفاقه ج تستطيع تعيين رئيس جمهورية سوريا وإسقاط رئيس وزراء لبنان فلابد أن أمريكا وبريطانيا لديهما وسيلة لإسقاط صلاح سالم.
- وقد حاول عبد الناصر بعد أن بلغته هذه المحادثة والإشارة إلى وجود نفوذ أمريكي في السياسة المصرية حاول نسف صلاح سالم وتوجيه تهمة الخيانة له أيضا فاستعان بعلبة دبرها مع مصطفي أمين الذي بدأ محادثته بتأكيد أنه مصري أولا وأن يكون أمريكيا ثانيا وهي قصة إبلاغ صلاح سالم للصحفي صلاح هلال يوم 29/ 8/ 1955 بصفقة السلاح وهذا أخبرها لمصطفى أمين الذي أبلغها على الفور لجمال عبد الناصر واستدعى عبد الناصر بغدادي وخلافه وطلب مصطفي أمين وركه يكرر كلامه وعلق عبد الناصر هذه خيانة من صلاح ويجب أن يحاسب عليها وربط هذه القصة وبين المؤتمر الصحفي الذي عقده دلاس وأعلن فيه عن معلومات بوجود عرض روسي لبيع أسلحة لبعض الدول بالشرق الأوسط.
وحاول جمال بذلك أن يربط بين هذا التصريح وبين إفضاء صلاح لهذا السر والذي لا يعلمه أحد غر أعضاء مجلس الثورة وعلي صبري وأفراد البعثة العسكرية.
وإذا كان بغدادي وقتها في فمه ماء السلطة فلم يستطع الرد على عبد الناصر فلماذا يغص اليوم بالحقيقة؟
دلاس لم يقل أن هناك أسلحة في الطريق كما قال صلاح سالم لمندوب أخبار اليوم أو بالأحرى مندوب عبد الناصر في أخبار اليوم بل قال أن روسيا عرضت سلاحا على بعض دول الشرق الأوسط.
لن نقول أن الخبر تسرب من عضو مجلس القيادة الذي يتعاون مع الأمريكان في تدريب أجهزته.
ولن نقول أنه تسرب من علي صبري الذي نعرفه عن طريق بغدادي مدى صداقته مع الملحق الجوي ولا عن طريق الروس وهذه لعبة معروفة في الحرب الباردة التي يجري تبريدها أكثر.
لن نقول ذلك ولكن سنرد على هذا الاتهام بالخيانة من كتاب بغدادي نفسه صفحة 202 إذ يقول بالحرف.
وقام جمال عبد الناصر بإبلاغ سفيرها أمريكا في القاهرة هنري بايرود في يونيو 1955 بوجود عرض من روسيا لبيع سلاح لنا وعلى أنا سنضطر لقبوله...
وهذا ما أعلنه دلاس بالحرب بعد شهرين إذ لا خيانة مع صلاح الذي أخبر صحفيا مصريا أما الرئيس فقد أبلغ سفير أمريكا بلحمه وشحمه وقبل صلاح بشهرين وصحيح أن هنري بايرود كان صديقا للضباط وشابا مثلهم ولكنه أمريكي أولا مثل مصطفى أمين ولذلك لا نستغرب أن يبلغ حكومته.
فلا معنى للربط بين تصريح دلاس وخيانة صلاح إلا أن الميكافيلة لا تتورع عن أي أسلوب للوصول إلى الغرض.
ونستأذن القارئ في المشي قليلا في طريق لعبة السلطة وعبقرية الزعيم في اللعب بهؤلاء المساكين البسطاء الذين وضعهم القدر حوله فقد طلب من بغدادي أن يبدأ بلعن صلاح وطلب مني جمال فجأة أن أقول رأيي وضحك ضحكته التي تخفي وراءها ما يدور في ذهنه من أفكار وشعرت أنه يريد إحراجي فسألته عن السبب الذي دعاه لأن يطلب مني أن أكون البادئ بشرح وجهة نظري رغم أن العادة جرت أن يبدأ بأخذ الراي من الذي يجلس بجانبه سواء عن يمينه أو يساره أو بأحدثية الأقدمية في المجلس ولكنه لم يجيبني على تساؤلي وإنما ضحك وكت وسكت أنا كذلك لوهلة عسى أن يكون قد فهم الآنولعلنا نستشف الروح التي كانت سائدة من الحوار الذي دار بين حسن إبراهيم وعبد الناصر فقد شبه حسن إبراهيم مجلس الثورة بعمارة آيلة للسقوط وبدلا من تركها تسقط على من فيها فإنه يفضل أن تهدم ويبنى حلها فيلا على حد قوله ولكن عبد الناصر رفض قائلا: وإذا لم يكمن عنده رأس مال لبناء هذه الفيلا ماذا يفعل؟ هل يسكن في خيمة ويطلب من الناس أن تسكن معه فيها وتشرب من الزير؟
وأجابه حسن أليس هذا أفضل من الاستمرار ...إلخ.
ولكن عبد الناصر فضل البقاء في خرابة مجلس الثورة على الخيمة لأنه لم يجد في مصر الاستثمارات الكافية لبناء فيللا الحكم الديمقراطي.
واستمر عبد الناصر يلعب لعبة القط والفأر مع عبد اللطيف بغدادي فأصر على أن يبلغه قرارات المجلس وهي الموافقة على طلباته ما عدا السكن في قشلاق العباسية لكي لا تحدثه نفسه مرة أخرى بأن يعيد الماضي من الأول.
وفي اليوم التالي 31 أغسطس 1955 كان موعد إبلاغ صلاح سالم بالقرارت وأيضا كانت شخصية كبيرة في السفارة الأمريكية تبلغ جمال عبد الناصر أن إسرائيل تنوي القيام بعمليات حربية في تلك الليلة وعلى مدى واسع في منطقة عزة بقوة ثلاث كتائب ثم علمنا بعد أن انتهى اجتماع مجلس الوزراء أن إسرائيل قامت بهجوم مخادع على خان يونس في الساعة التاسعة مساء ولكن في الساعة الثانية عشرة عند منتصف الليل بدأت بهجوم على غزة.
ومن ذا الذي يهتم بغزة أو خان يونس ولكن قاتلها الله إسرائيل أفسدت البهجة بالقضاء على صلاح سالم أو رقم ستة في قائمة الرؤوس الطائرة وفي فبراير 1962 وبعد أن شاهد انفصال سوريا واللجنة التحضيرية وقبل إعلان الميثاق مات صلاح سالم بعد مرض عضال ويحاول حمروش أن ينتزع روحه فيقول أنه اعترف بين يدي صديق عمره جمال عبد الناصر بأنه اعتنق الماركسية ويقول حمروش أنه نقل ذلك عن خالد محيي الدين الذي كان قد كون شبه حلقه هو ومجدي حسين هو ما في غيره بتاع مديرية التحرير ج ولويس عوض بعينه بتاع المعلم يعقوب ج وفسر حمروش أنه اعتنق الماركسية بعد زيارة للاتحاد السوفيتي مع حمروش وهذه إضافة لا بد منها لتأكيد دور حمروش في عزة الماركسية بأحد السالمين.
على أية حال إذا كان صلاح سالم تعلم الماركسية مع لويس عوض ومجدي حسنين فأننا نخشى ألا يكون قد عرف منها إلا الكفر.
ويسجل حمروش أن جنازة صلاح سالم لم تشهد لها القاهرة مثيلا..
ولا يفسر لنا لماذا ومن كان يذكر صلاح سالم في 1962 وقد حذف من التاريخ على يد الأخ الأكبر بقي أن نثبت على قبر صلاح سالم شهادة المايستر والحقيقي مايلز كوبلند الذي قال أن عبد الناصر عرض مصالح مصر للدمار في السودان لكي يتخلص من منافس
مجموعة من المراقبين الموضوعيين كانوا يتعشون في منزل ضابط الشئون العامة بالسفارة الأمريكية مستر روبرت باين OBERT PAYNE وتضم الدكتور عباس عمار من وزارة الشئون الاجتماعية سامي سميكه بك مدير القسم الصحفي بوزارة الخارجية محمد هيكل من دار أخبار اليوم المعارضة (؟) سامي سوقي من وكالة اليونايتدبس دكتور صلاح العبد من جامعة فؤاد والمهندس نيازي مصطفى بك والصحفي الدكتور فؤاد صروف وكانت غالبيتهم قد وصلت مباشرة لمنزل مستر باين من اجتماع البرلمان الذي قرر إعلان وحدة وادي النيل وبعد أن يستعرض أراء الحاضرين يقول:
ومن المدهش تماما أنه عندما اتجه الحديث إلى السودان كان واضحا تغييرا في الموقع سام سوقي كان من الرأي القائل بأن السودانيين سيسرون جدا من الخطاب خطاب النحاس باشا بإعلان وحدة مصر والسودان تحت التاج المشترك والمناداة بالملك ملكا لمصر والسودانس وأنهم سيلتفون حول مصر ولكن محمد هيكل محمد حسنين هيكل أصر على أنهم لن يفعلوا لك وأكد رأيه بحجة أن السودان فيه حكومة أفضل وأقل فسادا مما لدى مصر وأن السودان لن يكسب شيئا وسيخسر كل شيء من الارتباط بمصر وأن مصر تأخذ فقط من السودان ولا تعطيه شيئا 1هـ بحروفه نقلا عن صفحة 393 كتاب FOREIGN RELATATIONS OF THE UNITED STATES 1951 في الجزء الخامس منشور في وشنطن عام 1982 مطبوعات وزارة الخارجية الأمريكية والتقرير من الوثائق السرية للسفارة الأمريكية التي أفرج عنها بعد ثلاثين سنة.
هذا رأي هيكل قبل الثورة وهذا هو الصحفي الوحيد الذي اختارته الثورة ليعبر عن أفكارها وهو أيضا ونجزم بذلك حامل الجنسية المصرية الوحيد الذي فكر على هذا النحو في 8 أكتوبر 1951 ونقدم جائزة قيمة لمن يرشدنا إلى مصري آخر وهو أيضا من الصحفيين القلائل جدا الذين كانوا يسعون إلى موظفي السفارة الأمريكية بمثل هذه الآراء قبل 1952
حظوظ
الوثيقة الثانية من كتاب حركة الإخوان المسلمين في السودان أصدر معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية جامعة الخرطوم أعدها حسن مكي محمد أحمد كدراسة أكاديمية صراغ الضباط والإخوان بمصر.
عودة نجيب واهتزاز موقف عبد الناصر
شهد عام 1954 ذلك الصراع العنيف بين حركة الإخوان والضباط الأحرار حول مستقبل مصر السياسي والحضاري وصيغة تعامل الإخوان مع الضباط ووضعية محمد نجيب كمدخل لطبيعة مستقبل الحكم ومصير الديمقراطية وقد حاولت سلطة الضباط الأحرار جمال عبد الناصر الإطاحة بمحمد نجيب لحضور افتتاح أول برلمان سوداني أظهرت قوة تيار الاستقلاليين وأدت إلى ضعضعة موقف نجيب إذ أن بعض أسباب قوته مستمد من كونه رمزا الاتحاد السودان مع مصر مما منح جمال عبد الناصر فرصة نادرة لتسوية حساباته مع نجيب تلك التسوية التي أفسدها وقوف الإخوان مع نجيب خصوصا إبان أيام المحنة 24- 27 فبراير 1954 حيث عاد إلى مركزة معززا مكرما بقوة الجماهير التي قادها أساسا الإخوان المسلمون بعد أن كان قد قدم استقالته في 24 فبراير 1954 م معللة باستحالة تعاونه مع سلطة الضباط الأحرار وكان رجوع نجيب يعني انتصار برامجه وشروطه كما ظهرت في قرارات 25 مارس 1954 بعودة الديمقراطية.
مثلث أحداث فبراير الخلفية التاريخية لأحداث أكتوبر 1954 التي أدت إلى لمحة الإخوان المسلمين الثانية التي أدت إلى محاولة حصدهم نهائيا وتصفيتهم وقد انفجرت المرحلة الثانية من الصراع بعد كسب نجيب والإخوان للفصل الأول كما رأينا مع إعادة فتح ملف القضية المصرية ومراجعة اتفاقية 1936 م إذ ما أن ظهرت إرهاصات الاتفاقية حتى عارضها الإخوان مما أدى إلى اعتقالهم ومحاكمة ضباطهم عبد المنعم عبد الرؤوف وجماعته وأدى ذلك إلى تحرج موقف نجيب وإختفائه من مسرح الأحداث وقد انعكس ذلك في قصيدة أحمد محمد صالح إلى نجيب في عليائه التي صدرت في يوم 27 يوليو ذات يوم توقيع رؤوس الاتفاقية مع بريطانيا حيث ندب فيها الإخوان.
يا ويح مصر ما دهي أبناءها.
- فمضوا على أحقادهم عميانا
ركبوا رؤوسهم فكانت فتنة
- هوجاء ما تركت لهم إخوانا.
اتفاقية جمال هيد وأثارها
وصل التفاهم مرحة اللاعودة بعد اتفاقية جمال هيد 19 أكتوبر 1954 والتي سمحت بقاعدة للإنجليز في القناة مع حقهم في استخدام المواني والمطارات المصرية في حالة تعرض تركيا أو أي دولة عربية للخطر مما أدى إلى تفجير كل الخلافات القديمة ورفع الإخوان لشعار الجلاء بالدمار كل ذلك أدى إلى سلسلة من الصراعات انتهت بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر في الإسكندرية في 26 أكتوبر 1954 م تلك المحاولة الت خلفت مناخا درامياس استغله الضباط في تصفية حركة الإخوان المسلمين واعتقال أعضائها ومصادرة ممتلكاتها وإعدام ستة من قيادة الجماعة في 9 ديسمبر 1954 وهم محمد عبد اللطيف فرغلي عبد القادر عودة، وتأبيد آخرين ومحاكمة مئات لمدد طويلة متفاوته.
تنسيق المظاهرات مع أزهري مجلس النواب يؤدي صلاة الغائب مذكرة الاتحاد.
هذه الهجمة على الإخوان أوجدت تعاطفا من الرأي العام السوداني مع الإخوان شمل حتى الشيوعيين واندلعت المظاهرات في أم درمان والخرطوم ومدني وعطبرة والأبيض والحصا حيصا وسنار الفاشر معارضة لنظام الضباط ومعلنة تجاوبها مع الإخوان وروي على طالب الله أنه اتفق مع إسماعيل الأزهري أن لا يتعرض البوليس للمظاهرات مما مد في عمر المظاهرات.
وقد جمعت محنة الإخوان بين تيارات الحركة الإسلامية الثلاث التي توحدت مرحليا لتعبئة الشعب السوداني ضد سلطة الضباط الأحرار وقام علي طالب الله بتكوين الجبهة الشوطنية ضد الدكتاتورية العسكرية برئاسته ومثل فيها حزب الأمة والشيوعيين كما قام أعضاء مجلس النواب بأداء صلاة الغائب على أرواح شهداء الإخوان مما كان عاملا فعالا في أن يطرح الاتحاديون فكرة الوحدة ويلتفوا أخيرا كما دعى محمد أحمد محجوب حول مذكرة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم دورة دفع الله الحاج يوسف ويعلنوا بالاتفاق مع حزب الأمة الاستقلال التام من داخل البرلمان وقد جاءتي المذكرة مطالبة بالاستقلال التام وكفالة الحريات وعدم ربط بلادنا بالأحلاف العسكرية والمعسكرات السياسية التي تؤثر على سيادتنا.
أن من بين الأسباب التي أدت إلى اتجاه الاتحاديين إلى الاستقلال التام عن مصر بالإضافة إلى أحداث مارس 1954 وأغسطس 1955 م موقف جمال عبد الناصر من حركة الإخوان بمصر ومخافة السودانيين من الدكتاتورية وخشيتهم من انسحابها على السودان زيادة على اشتعال الروح القومية بفعل شعارات الاستقلال وفي جو هذه الأحداث طلبت السلطات المصرية تسليم الأخوين المصريين الهاربين جمال عمار ومصطفى جبر ولكن ذلك لم يتم نتيجة لتعاطف السلطات هنا مع الإخوان وكانت هذه تمثل أول بادرة استقلاليه من جانب حكومة الحكم الذاتي.
هذا وقد أيد الإخوان اتفاقية الحكم الذاتي بينما عارضها الشيوعيون بتطرف وأثدروا كتيب السودان في الميزان قاسم أمين وقالوا عنها مرفوضة ولو جاءت مبرأ من كل عيب.
الفصل السابع:بطل الوحدة والانفصال
وحد ما يغلبها غلاب..من الطبيعي أن ننتقل من فصل السودان إلى انفصال سوريا فالحدثان هما ضمن مسلسل الهزائم القومية والوطنية التي نزلت بالأمة العربية والدولة المصرية في العهد الناصري والحدثان وأن اختلفا في الجذور التاريخية وفي تفاصيل التنفيذ إلا أنهما يرجعان في النتيجة لنفس الأسباب:
أخطاء القيادة المصرية
وإذا كان المؤرخون والرواة والشهود قد أعلنوا صراحة أن انفصال السودان تتحمل القيادة المصرية مسئوليته بالكامل فإن التقدم الإعلامي الذي حققته هذه القيادة في الفترة من 1955 إلى 1961 قد جعل من الممكن تحميل كل القوى الداخلية والعربية والعالمية والتاريخية مسئولية انفصال سوريا إلا القيادة المصرية كنا قد تعلمنا أن نبرئ أنفسنا ونتهم الشيطان مع أنه مهمة الشيطان هي الإفساد ومهمة الإنسان المؤمن هي إبطال كيد الشيطاين ومن ثم فلا يفيدنا في شيء أن ندين الاستعمار والرجعية وإسرائيل وأن نبرئ قيادتنا فاللص مدان لا جدال في ذلك ولكن القانون يعاقب الحارس الغافل أو المهمل الذي يفتح الباب للص وصاحب المال الذي يأبى أن يناقش موقف هذا الحارس الفاشل بل ويبقيه في منصبه ويصنع له تمثالا عند مدخل خزانته متآمر على ماله مهدد بالإفلاس السريع إن لم يكن قد أفلس فعلا خرج عبد الناصر بطريقة أو أخرى من معركة قناة السويس زعيما للأمة العربية بلا منازع وبطلا للتحرير والوحدة العربية تلك الوحدة المطروحة في الساحة العربية منذ نهايية الحرب العالمية الثانية ولكن بصيغ مختلفة لم تصل أبدا قبل 1958 إلى فكرة الوحدة الاختيارية في الدولة الواحدة والعمل والجيش الواحد إلخ فمنذ العصر العباسي الثاني أو حتى منذ سقوط الدولة الأموية لم تقم الدولة المركزية الواحدة التي تضم كل العالم العربي فضلا عن العالم الإسلامي ولم يخطر ببال أي داعية للوحدة العرية في العشرينات والثلاثينات والأربعينات ومطلع الخمسينات فكرة الاندماج في دولة واحدة حتى جمال عبد الناصر لم يخطر هذا بباله إلي اللحظة الأخيرة عندما قبل هذه الفكرة كنوع من التحدي أو البلف؟
لكن حزب البعث بدأ يجتر هذا الشعار في الخمسينات خارجا من إطار العمل العربي الذي أتخذ شكل الجامعة العربية ومعاهدات الضمان الجماعي والدفاع المشترك إلخ وتحمس الجيل الجديد للشعار وتبناه الضباط الوحدويون والبعثيون في سوريا ومع ذلك فإذا كان لأحد أن يحمل شرف الوحدة الاندماجية فهي من حق الشيوعيين وزعيم جناحهم العسكري عفيف البزري بالذات.
وإليك القصة كما يرويها بغدادي الذي كان في قمة السلطة وقتها ولكن بقدر وفي 1957 كان أنور السادات وكيلا لمجلس الأمة وسافر إلى سوريا وحضر جلس مجلس النواب السوري برئاسة أكرم الحوراني واصدر البرلمان السوري بيانا بطلب الوحدة الفيدرالية مع مصر.
وهكذا كان رأي السياسيين بما فيهم قادة حزب البعث، ولكن الأمر انتقل فجأة إلى العسكري الذين تولوا استثمار الشعار بعيدا عن خبرة السياسيين وحساباتهم واجتمع مجلس القيادة في الجش السوري في يناير 1958 وكانت أبرز شخصيتين هما عفيف البزري رئيس الأركان وعبد الحميد السراج مدير المخابرات في الجيش.
وقرر المجلس طلب الوحدة وإبلاغ القرار لكل من عبد الناصر وشكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية وكأنهم طرف ثالث.
واختاروا عفيف البزري لمحاورة عبد الناصر في القاهرة والسراج لتبليغ القوتلي الذي لم يكن يملك أن يعص لهم أمرا خاصة إذا كان ذلك الأمر يتعلق بالزعيم جمال عبد الناصر مع أنه بذلك كل جهد ممكن لإثناء وتخويف عبد الناصر من الوحدة.
وبدأت الوحدة، كما في مذاكرات بغدادي بداية عجيبة قائمة على فقدان الثقة المشترك والمقامرة والكذب المتبادل فهو يقول:
كان الشيوعيون السوريون يخشون قيام هذا الارتباط مع مصر لأنه إن حدث فإنه سيهدد نشاطهم القائم في سوريا وكان جمال قد علم بحقيقة البزري وما يرمي إليه من تمسكه بقيام الوحدة الفورية وأراد جمال على حد قوله أن يفوت على الشيوعيين السوريين غرضهم لذا قام بتغيير اتجاهه عند الالتقاء الثاني بوفد مجلس القيادة السروي وأعلن لهم موافقته على دعوتهم بقيام الوحدة الاندماجية بين البدلين وعندما رأى البزري ذلك عاد وتراجع عن تمسكه بقيام الوحدة الاندماجية واقترح أن يكتفي بقيام اتحاد فيدرالي ولو إلى حين ولكن جمال ظل مصرا على رأيه ومتمسكا بقيام الوحدة وحدث انقسام في الرأي بين أعضاء الوفد السوري بعد تراجع البزري عن قيام الوحدة الاندماجية والصور ليست بالضبط هكذا وأن يكون الجوهر كذلك فالحقيقة أنه لما أصر عبد الناصر على رفض الوحدة الاندماجية التي كان يعرها عفيف البزري للتحدي والتعجيز فعلا ضغط الضباط الوحدويون بقيادة السراج الذي بدوره كان يريد أن يضرب البزري بعبد الناصر ضغطوا على البزري وأجبروه على قبوزل الاتحاد الفيدرالي وصدر قرار من مجلس القيادة بذلك ترضية لعبد الناصر فلما جاءوا إلى القاهةر وقد سبقتهم التقارير إلى عبد الناصر بمناورة البزري غلبت شهوة التكتيك وهواية التحطيب على الحسابات الاستراتيجية التي كانت قد أوصلته إلى قناعة بخطأ دمج البدلين في دولة واحدة وأن الاتحاد الفيدرالي أفضل فهو يترك للسورين حرية إدارة بلدهم ويعفي السلطة المصرية والوحدة من مسئولية هذه الإدارة وسلبيتها ولكنه يوحد الموقف إزاء العالم ويوحد الوطن للمواطن ويفتح الباب للموجة الوحدوية التي كانت تجتاح الشعب العربي وإن لم تكن بالوقة الكافية لإزاحة الطبقات الحاكمة أو إقناعها بالتضحية بمراكزها ومكاسبها في سبيل وحدة الوطن على الطراز الألماني أو الإيطالي.
ولو أصر عبد الناصر على الوحدة الفيدرالية ربما عاشت الوحدة وامتدت لتشمل أكثر من بلد عربي.
نعم ربما تغير مجرى الأحداث بالنسبة لثورة العراق.
ولكن عبد الناصر لمجر لذة قهر الشيوعيين على حد قول بغدادي تخلى عن كل الدراسات وطوح بالاستراتيجة وألقى أوراقه على الطاولة متحديا صولد فوقع بذلك وثيقة موت الوحدة، فلم يكن يملك لا الأجهزة الوحدوية القادرة حقا على بناء دولة العرب ولا الأجهزة المنضبطة القادرة على فلض استمرار حكمه في الأقاليم الشمالي.
كانت دوله كما قيل في الأمثال لا كراما بررة ولا أقوياء فجرة بل كانوا فجرة عجزة ووضع عبد الناصر شروط الوحدة.
- 1- حل الأحزاب السياسية القائمة في سوريا أسوة بالوضع القائم في مصر ذلك لأنه لا يعقل على حد قوله أن سمح قيام أحزاب في أحد أقليمي دولة الوحدة ولا يسمح بقيامها في الأقليم الأخر.
- مسألة مفهومية لا يعقل لماذا؟ الأحزاب حلت في مصر لأنها كانت رجعية والثورة جاءت من خارجها واصطدمت بها وعارضتها الأحزاب على حد قولهم فاستحقت الإعدام السياسي آمنا وصدقنا ولكن ما ذنب الأحزا في سوريا؟ وهي وطنية لم تقم ضدها الثورة المعنية بحديثنا بل بالعكس هي التي شدت الرحال تستدعي الثورة لحكم سوريا وهي التي جاءت تسعى بالوحدة إلى الزعيم تجرجر إذيالها وانجزت بذلك الهدف الأقصى للعمل الوطني فمن جاءك بالوحدة فأنت عنه تتلهى أو تتصدى بالحل؟ هل هذا جزاء الأحسان أم جزاء سنمار؟ لم يجد الزعيم حجة إلا قوله من غير المعقول يكون عندكم أحزاب والمصريين ما عندهمش.
شكرا على اهتمامك يا زعيم وهذا الله العشم ولكن من الذي سجل في اللوح المحفوظ أو في سفر الثورة أن مصر حرمت عليها الأحزاب كما حرمت المراضع على موسى بل حتى اشد فموسى أرضعته أمه.
ألم تكن هذه هي الفرصة لإنشاء الأحزاب الجديدة الوطنية الثورية الوحدوية لو تكونت الأحزاب مع ميلاد الوحدة وعلى مستوى الأقليميين في وقت واحد أي أصبحت أحزابا قومية وبالطبع كان سيهم كل حزب في سوريا أن يكسب ملايين الناخبين المصريين كما كان سيهم الأحزاب المصرية أن تكون لها قواعدها في الإقليم السوري.
عدما كانت ستقوم الأحزاب القومية التي ترسخ الوحدة وتمتص أخطاؤها وتدافع عنها في الأزمات عندها كانت الوحدة سترتبط بالديمقراطية ويصبح نداءها أكثر عذوبة وأكثر جاذبية بدلا ن الصورة العجيبة التي ظهر بها الوضع وهي: أن على كل الأحزاب الوحدوية في الأقاليم العربية الأخرى أن تكافح حكوماتها سواء التي تسمح بوجودها أو التي تعارض هذا الوجود حتى تنتصر على هذا الأنظمة وتستولي على السلطة وتهرع إلى عبد الناصر ليحكم بإعدامها وتصفيتها أو حلها في دولة الوحدة تماما كذكر النحل الذي يموت فور إنجاز مهمته البيولوجية بتلقيح الملكة.
مطلب مستحيل وغير معقول وزغير منطقي وغير ثوري وتبين في النهاية أنه غير وحدوي نسف الوحدة وأصابها بالعقم من أول لحظة كان حزب البعث يريد أن يصبح حزب عبد الناصر ليوظف شعبية عبد الناصر وإمكانيات مصر وشعب مصر لتحقيق الوحدة العربية البعثية وكان عبد الناصر يريد البعث في كل مكان إلا في دولة الوحدة ودولة عبد الناصر وكم كان وضعا شاذا ومضحكا أن يكافح البعثيون في العراق والكويت والمغرب من أجل حرية العمل المحرم عليهم في دولة الوحدة الأم التي يدعون للانضمام إليها.
وهكذا بدلا من أن تباح الأحزاب في مصر في دولة الوحدة حرمت في سوريا وأصبح هذا النموذج للوحدة المقترحة اندماج كامل في الدول المركز وحل الأحزاب والتشكيلات السياسية.
رغبة عبد الناصر في منع أي كيان سياسي متميز عن الأجهزة التي يحكم بها قضت على الديمقراطية في سوريا وحفرت قبر الوحدة يوم ميلادها وخلقت نفور أو لو مكتوما عند كل التشكيلات السياسية في الوطن العربي.
الشرط الثاني الذي اشترطه عبد الناصر هو ابتعاد ضباط الجيش عن الاشتغال بالسياسة أو ممارستها ومن منهم يرغب في مزاولة هذا النشاط فعليه أن يستقبل أولا من الجش أو يبتعد عنه.
وهو نفس الشرط الذي طرحه على أعضاء مجلس الثورة في مصر وكان العسكر في سوريا يعرفون كما اكتشف العسكر في مصر أن القصد من هذا الإجراء القضاء على قوتهم العسكرية في الجيش بحيث يصبح الجيش غير مشتغل بالسياسة ولكنه مسخر ومجند لخدمة سياسة الرئيس وحده وإلا فإن الصيغة الوحيدة التي تؤمن إبعاد الجيش عن السياسة هي قيام الوصول إلى السلطة أما الحكم في مصر على سبيل المثال في عام 1958 فلا يمكن القول أن الجيش فيه كان لا يعمل بالسياسة لمجرد أنه لا يحدث تحريك للوحدات العسكرية عند كل تشكيل وزاري أو أن الوزارء العسكر يريدون الثياب المدنية ويخرجون من الجيش.
فالجيش هو مدرسة الكادر هو المؤسسة التي يخرج منها أكبر نسبة من المسئولين والمديرين وأي محاولة لتأريخ الأحداث السياسية في مصر من 1952 إلى 1970 لن تجد اسما مدنيا واحدا يلعب دورا رئيسيا في الأحداث ونفس الشيء لو فتشنا في قصة الوحدة والانفصال في سوريا فلن نجد من بين أبطال الملهاة المأساوية اسما واحدا ليس من العسكريين.
وكل عكسر أمريكا اللاتينية يخرجون من الجيش إذا وصلوا للحكم ومع ذلك فهم يحكمون بالجيش والحكم عسكري مائة بالمائة وفي إسرائيل فإن نسبة هائلة من الذين تولوا السلطة من العسكريين ولكن الحكم غير عسكري والجيش لا يشتغل بالسياسة لأن السلطة مرتبطة بالأحزاب.
الجيش في مصر وفي دولة الوحدة، هو السياسة هو السند الأول للحكم هو المؤسسة الوحيدة التي ييستعين بها الحاكم في إدارة الدولة والجيش أقام الوحدة وهو الذي اسقطها من ثم فالحديث عن ابتعاد الجيش عن السياسة هو من باب الشعارات المسبوكة وكلام يقال للمدنيين ولكن العسكر يعرفون هدفه وأن تظاهروا بتصديقه من باب التخادع المشترك وتكون النتيجة أن المخلص هو الذي يستجيب ويستقبل من الجيش أما المتآمر فيبقى متربصا مساوما بالقطاعات.
وهكذا نكلت دولة الوحدة بصناعها حلت الأحزاب التي صوتت في البرلمان على الوحدة الأولى وأخر مرة في تاريخ الأحزاب العربية وأصبحت عبرة لمن يعتبر
وحل البرلمان الذي وافق على الوحدة.
وأخرج الضباط الوحدويون من الجيش مما مهدو سهل للضباط الانفصاليين تنفيذ الانقلاب على الوحدة.
لقد نفذ في الجيش السوري نفس ما جرى في مصر استوصل من الجيش كل ضباط اشتغل بقضيية الوحدة فخلا الجو لأعداء الوحدة وسيطروا على الجش وفي نفس الوقت الغيت المؤسسات السياسية التي قادت الشعب للوحدة واكتفى الزعيم بالشعبية الهائلة التي استقبل بها في سوريا والتي جعلته يستهين بجميع القوى ويسقطها من حسابه ويحلق فوق الواقع وتدور رأسه بخمر الزعامة التي لم يصل إليها حاكم عربي من صلاح الدين.
فما من عربي فضلا عن مصر حملت جماهير دمشق عربته وهو داخلها على الأعناق لم يعد له مزاحم لا في مصر ولا في سوريا ولا في العالم العربي كله وما من حاكم كان يمكن أن يحقق الوحدة والديمقراطية ولا يخشى على مركزه مثل عبد النصار ولكنه لسوء حظ الأمة العربية فضل الاستمرار في صيغة الحكم الفردي المطلق فاضع الوحدة وهكذا احتفل في يوم واحد وبقرار واحد بإعلان الوحدة وحل البرلمانات والأحزاب السياسية ثم أعقب ذلك مصادرة الصحف التي قامت سعبيتها على الدعوة للوحدة مع عبد الناصر وهروب أصحابها إلى لبنان ثم الخليج وتحولهم إلى الدا أعداء الوحدة.
ولأمر ما راح عبد الناصر يفتش لسوريا عن رئيس وزراء من غير السوريين لأن المشكلة في نظره أنه ليس هناك شخصا سوريا يمكن أن يتولى هذا المنصب ويرضى عنه أهل سوريا على حد تعبيره.
واستعان عبد الناصر بالصحفي مصطفى أمين لدراسة الوضع في سوريا وتقديم صورة عن الموقف وكان جمال قد أرسل مصطفى أمين إلى هناك بغرض الاتصال بالهيئات المختلفة بها وكذا بالقيادات السياسية التقدمية منها والرجعية كذلك وقد أعطاه مصطفي أمين على حد قول جمال صورة سوداء عن الموقف هناك ومقترحا عليه تعييني أو تعيين كمال الدين حسين رئيس للمجلس التنفيذي السوري.
ومن الغريب أن يرى مصطفي أمين صورة سوداء في فبراير 1958 والشعب السوري بل الأمة العربية كانت تعيش فرحة العمر ولكن الأغرب أن يكون مصطفي أمين بالذات هو المصري المدني الوحيد الذي اختاره عبد الناصر ليعرفه بما في سوريا.
لو كان في مصر تنظيمات أو تنظيم سياسي حقيقي لتم اتصال قياداته مع القيادات السياسية في سوريا وفهموا لغة بعض وتفهموا حقيقة الوضع بل وكان في مصر عدد لا بأس به منن المشتغلين بالعروبة والذين كان يتفجرون إيمانا بناصر ولهم اتصالات قوية بالسوريين لو شاء عبد الناصر أن يتعرف فعلا على الوضع السياسي في سوريا وكلن النظام في مصر كان بحاجة إلى تقرير فأرسلوا مخبر.
وبدأ أن الدنيا قد صفت للرئيس وأن كل شيء يسير في طريق الناصرية ويصب فيها ووصل المد الناصري إلى ذروته في 14 يوليو 1958 الثورة في لبنان رفعت خط الحدود وضمته للجمهورية العربية المتحدة وعرش بغداد سقط ونوري السعيد أكبر عميل بريطاني في المنطقة سقط وقد كان المناوي الألد لعبد الناصر أو هكذا كان الظن.
ومع ذلك بل وربما بسبب ذلك كان 14 يوليو 1958 هو نقطة الانحدار الذي سيستمر بدون توقف مهما بدا من انتصارات إعلامية حتى نصل إلى القاع في يونيو 1967.
ما من نصر حقيقي واحد بعد 14 يوليو 1958
14 يوليو 1958 دب الذعر في جيمع الأوساط العالمية إلا الذين أوتوا العلم خوفا من أن يتطور الانقلاب العراقي إلى حركة وحدوية حقيقية تلتحم مع الجمهورية العربية المتحدة فكان الاحتلال الأمريكي للبنان والاحتلال البريطاني في الأردن.
وللأسفنجحت هذه الظاهرة في بث القلق والاضطراب في قلب عبد الناصر وتفكيره ولذا نراه يقرر مغادرة يوغوسلافيا إلى دمشق ثم يعو فجأة من عرض البحر إلى يوغوسلافيا ومنها إلى موسكو يطلب حماية فيؤكد له الروس أنهم لايستطيعون حمايته إذا اقترب من منابع النفط وأنهم لايرحبون بوحدة العراق مع الجمهورية العربية المتحدة ولن يدعمونها إذا قامت.
يقول بغدادي: ولكن القادة السوفيت صرحوا بأنه لا يمكنهم اتخاذ موقف المواجهة منهما أو التصدي لهما أمريكا وبريطانيا ج وإلا بمعنى ذلك الحرب التي يعملون على تفاديها.
قد أدى هذا الموقف والإرهاب الغربي إلى التصرفات الآتيةي من عبد الناصر والتي شكلت تراجعا منه ألجم الثورة العربية ذات لحظة انطلاقها مما سبب تعثرها وانكفاءها إلى الداخل لتفترس ذاتها.
وربما يقول التاريخ.. إن جمال تخيل ما جرى بعد تأميم القناة ولم يؤمن جديا بقدرة الشعب العربي والأمة العربية على مواجهة القوى العالمية وتحقيق الثورة العربية الشاملة ومن ثم الوحدة العربية.
عبد الناصر الذي لا يمكن وصفه بالثوري بالمفهوم الجماهيري لهذه الكلمة رفض أن يخاطر بالسلطة في مراهنة على الثورة العربية الجماهيرية.
على أية حال ومهما اختلف التفاسير فلا خلاف على مسلكية عبد النصار في تلك الفترة والتي تميزت بالآتي:
- 1- قررت القيادة المصرية تهدئة الغرب، والأمريكان بالذات، فاتفق على وقف الثورة في لبنان ووافقت مصر على المرشح الأمريكي لرئاسة الجمهورية بدلا من شمعون وكانت الولايات المتحدة قد اختارت اللواء شهاب قائد الجيش اللبناني وقام سفير الولايات المتحدة في القاهرة ريموندهير بإبلاغ جمال بهذا الاقتراح الذي كان قد اتصل بدوره بإيزنهاور عبر له فيه عني هذا الرأي أيضا.
- وهكذا أيضا في نفس اللحظة التي وصل فيها المد الثوري الجماهيري والعسكري العربي إلى ذروة العداء للغرب ثم التصالح المصري الأمريكي.
- ويقول بغدادي أن موافقة عبد الناصر على اللواء شهاب كانت لأنه رفض أن يزج بالجيش في الأزمة الطائفية.
- وهذا يرجع إلى نقص معلومات بغدادي ومعظم رجال الثورة عن الأوضاع العربية فأزمة لبنان عام 1958 لم تكن أزمة طائفية بالمعنى الذي يتبادر للذهن في الحديث عن أزمة 1860 أو 1975 بل لعلها كانت أقل أزمات لبنان طائفية وقد بدأت بقتل صحفي مسيحي ناصري كان قطاعا هاما من المسيحيين في الجبهة المضادة لشمعون وهي كانت انعكاسا للمد الوحدوي الذي اجتاح المنطقة والذي أثار بدون إرادة من القيادة الناصرية بل وقد يقول البعض وعلى الرغم منها أحلام المسلمين في التحرر والتعبير عن الذات وقد أدى شهاب أكبر خدمة للكيان اللبناني بصيغته المسيحية وللغرب سواء وهو في منصب قائد الجيش أو فيما بعد كرئييس لجمهورية لبنان فهو برفضه الزج بالجيش في الأزمة الطائفية هل يعني هذا الوصف من بغددي أن عبد النصار زج بالجمهورية العربية المتحدة في الأزمة الطائفية ج أبقى على الجيش فقد كانت أغلبيته وقتها من المسلمين بل الناصريين ولو زج في القتال لذاب في أيام ولأنضمت غالبيته لجبهة عبد الناصر بطل العروبة ومحرر المسلمين.
- ولكن عبد الناصر فور نزول الأمريكان الإنجليزي ومصارحة الروس له بجبنهم لم يعد يرغب في الاستمرار الثوري أو تحدي الغرب في لبنان واكتفى باتفاق الجنتلمان مع شهاب أن يمارس عبد الناصر كافة أوجه النشاط ضد الدول العربية المعادية له بشرط ألا يمس التركيبة اللبنانية التي ستزدهر بالانفاق المصري والعربية المضاد وشهاب يحتفظ بل يدعم قبضة المسيحيين على لبنان محتفظا بالود مع السلطة المصرية.
- 2- رفض عبد الناصر الوحدة مع العراق تخوفا من ردود الفعل الغربية والروسية وألقي ماء باردا على الحماسة الأولى للانقلابيين العراقيين فقد كان المفهوم أو الشعار الذي تحرك تحته الجيش العراقي هو إعلان الوحدة الاندماجية فور انتصار الانقلاب مع الجمهورية العربية المتحدة أو الدولة النواة كما كانت تسمى في أوساط القوميين والوحدويين ولكن عبد الناصر رفض تحت تأثير الحسابات التي أشرنا إليها وطلب منهم تمتين مراكزهم أولا وهي محاولة لكسب الوقت وإخفاء قرار اتخذ وهو استحالة الوحدة مع العراق في هذا الوقت وقناعة بأن الجائزة أكبر من قدرته.
- الوحدة الاندماجية الفورية كانت ممكنة في الأسبوع الأول للثورة ولو تمت لتجنب العراق الكثير من المآسي والافتراس الداخلي ولو تمت لغطت الإقليم الشمالي سوريا وعززت أساس الوحدة المصرية السورية لأن سوريا لن ترى نفسها ضحية الحجم المصري الأكبر بل كان السوريون والعراقيون سيخلقون توازنا صحيا مع الثقل المصري وفي نفس الوقت يوازن كل منهم الآخر ولا نستطيع الاستمرار في لو.
- وإنما المؤكد أن عدم قيام الوحدة الفورية قضي تماما على أي أمل للوحدويين في تمتين أنفسهم بل أعطى الفرصة للتناقضات الداخلية في العراق والتقسيمات والقوى السياسية التي خنقت خلال نصف قرن من القمع الإنجليزي الرجعي وكانت تحلم باتنفس في مناخ ديموقراطي وأن تمارس خصائصها السياسية.
- وسرعان ما ظهرت الأحزاب والصحف وأصبح لها كيانها الذي تخشى عليه مصير من سبقها على درب الوحدة العازل للحريات.
- وتكرر التناقض بين القرار والشعار لأن حيثيات القرار لا يمكن إعلانها ولا قبولها من الجماهير قد كان لابد من التظاهر بعكس ما يقتضيه القرار ولجأ النظام المصري إلى الأجهزة للعمل في العراق لضمان إبقاءه في الخط بدون الوحدة ووصلت الكادرات من طراز عبد المجيدي فريد الذين راحوا يطبقون النموذج المصري على العراق ومن ثم قرروا أنه ما دام عبد الكريم قاسم هو القائد المعلن للثورة فلابد أن يكون هو محمد نجيب وبالتالي فأين جمال عبد الناصر العراقي الذي سيخلع الطرطور عبد الكريم قاسم ووقع الاختيار بالطبع على عبد السلام عارف بل وصل الأمر إلى توجيه هذا السؤال إلى عبد الكريم قاسم نفسه؟ هل أنت محمد نجيب.
- وكان عبد الكريم قاسم جاهزا ومستعدا ومدعوما وراغبا في القتال وأثبت أنه ليس محمد نجيب فقبض على عبد الناصر عارف وحكم عليه بالإعدام واستكتبه رسائل استرحام.
- وتمزقت الثورة العراقية شر ممزق وسرعان ما تحولت إلى أكبر قوة معادية لجمال عبد الناصر وأول هم رغم يدخل قلبه منذ أن اشتغل بالسياسة فما من حكومة ولا نظام عربي أو أجنبي وقال في عبد الناصر من الإهانات وكال له من السباب ما فعله النظام العراقي بعد الانقلاب
- 3- امتلأت نفس عبد الناصر بالمرار من الاتحاد السوفيتي والشيوعيين العرب وخاصة المصريين الذين تخلوا عنه بسرعة مدهشة وبايعوا عبد الكريم قاسم الذي لم يكن يتحلى بصفة واحدة ترجح كفته على عبد الناصر والشهادة لله.
- حز هذا في نفس عبد الناصر وجعله يخوض حربا إعلامية وبوليسية ضد الشيوعيين بالغ فيها وأسرف مما أدى إلى شرخ عميق في القوى السياسية الجماهيرية بالمنطقة وإلى ارتفاع اسهمه مرة أخرى في الغرب خاصة وقد جاء كنيدي بسياسة دعم إسرائيل وترضية عبد الناصر يقول بغدادي.
- عملت الولايات المتحدة بناء على نصيحة سفيرها في القاهرة على عودة العلاقات الاقتصادة بينها وبين الجمهورية العربية المتحدة وعلى مدنا ببعض احتاجاتنا من القمح والزيوت والشحومات في ظل القانون 480 الأمريكي الخاص بفائض الحاصلات الزراعية والذي يسمح بدفع ثمنها بالعملة المحلية مع تقسيط هذا الثمن على أربعين عاما بفائدة مقدارها 4/3% سنويا.
وفي 23 ديسمبر 1958 في احتفالات النصر ببور سعيد هاجم جمال في خطابه الذي ألقاه هناك الشيوعيين السوريين ووصفهم بأنهم انتهازيون وانفصاليون وأعداء القومية العربية وأمر باعتقال ما يقرب من الثلثمائة شيوعي في مصر.
واستخدمت في السجون السورية وسائل التعذيب البشعة التي كانت متداولة في مصر مما أدى إلى وفاة شيوزعي بارز هو فرج الله الحلو كما هرب عفيف البزري الذي دعا للوحدة وبايع عبد الناصر هرب إلى العراق والتف الشيوعيون العرب والعالميون على اختلافهم من روس إلى صين إلى بلغار خلف عبد الكريم قاسم ضد جمال عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة.
وأصبح واضحا أن نظام الجمهورية المتحدة ليس فيه ما يغري قوة سياسية أو قطاع من الطبقات الوسطى المثقفة فمثلا لم يكن هناك صحفي لبناني ناصري يتمنى العيش أو العمل في صحافة الجمهورية العربية وهو في لبنان يتمتع بحرية الحرك ويقبض من أموال مصر مالا يحلم به صحفي مصري أو سوري ويتمكن من مقابلة عبد الناصر وإجراء حديث معه يبيعه في العالم العربي ويشكل تذكرة مرور عند الحكام العرب بينما عاش عبد الناصر ومات لم يعط لصحفي مصري واحد حديثا ولا حتى هيكل ونجاح الصحفي المصري في مقابلة حامد محمود تعدفتحا أو سدرة المنتهى التي لا يمكن تجاوزها انحصرت جاذبية النظام الناصري في عبد النصار ولما كان عبد الناصر متاحا على النطاق العربي بل هو أقرب وأسهل في التعامل والادعاء من جانب الذين هم خارج الجمهورية العربية المتحدة فقد أصبح الهتاف لعبد الناصر وحب عبد انصار من بعيد هو القسط الي يؤدي نحو العلا دون حاجة لأي تفكير جدي في الدخول في نظام عبد الناصر خاصة بعدما نزل بالقوى الوحدوية في سوريا من سلسلة تصفيات بدأت بالبزري الشيوعي وانتهت بالسراج الناصري مرورا بالبعث وخلافه.
أصبحت تجربة سوريا عبرة لمن اعتبر وأكبر عقبة في طريق الوحدة العربية.
لم يبق سياسي ولا صحفي ولا نائب عمل للوحدة إلا وأجبر على أن يعض سبابة الندم ويلعن اليوم الذي تمت فيه الوحدة وأصبحت لعنة السراج وشكري القوتلي على لسان تجار الشنطة في مطار القاهرة إذا ما تعرضوا لنفس المعاملة التي يلقاها المصريون وعلى لسان الوزراء إذا ما عوملوا بنفس الإهمال الذي تعود عليه أصحاب المعالي وزراء مصر .
انتقلت خصائص الشللية والمحسوبية والإفساد والتهليب وسوء المعاملة المواطنيني واعتبار المدني مواطنا من الدرجة الثانية والاستهتار بالأعراف وادعاء المعرفة وتجاهل الخبرات انتقل ذلك كله للإقليم الشمالي.
والزعيم المحلق في آفاق المجد لا يهتم بشيء ولا يخشى أحدا بل يتحدى العالم بقبول استقالة ستة وزراء بيد واحدة حتى السراج يستقيل فينشر خبر استقالته في أربع سطور ..كل ما خلق الله وما لم يخلق أصبح محتقرا في همته.
ويقول بغدادي أن اللجنة الوزارية التي شكلت منه وزكريا وأكرم حوراني لميحدد لها اية اختصاصات واضحة أو أية مسئوليات ولم تتضحخ سلطاتها كذلك وكان لابد من الرجوع إلى القاهرة في أغلب القرارات التي ترى ضرورة صدورها.
ذلك أن الإقليم كان قد أصبح من حخصة عبد الحكيم عامر أقرب الأصدقاء إلى قلب الزعيم وإذا كان الإخوان في مصر قد تعودوا على هذه المعاملة فقد كانت غريبة على السوريين.
ويصعب أن يصدق المؤرخ أن رئيس الجمهورية يقول لمجلس الوزراء أنه هو حده المسئول الأول أمام الشعب وليس هناك من أحد مسئول غيره ومن لا يعجبه هذا الوضع يمشي هكذا جاءت على لسانه وكان يهدفف من هذا القول الرد على الوزراء السوريين الذين يرددون أنهم غير مشتركين في ممارسة الحكم.
واللي يعجبه الكحل يتكحل والذي لا يعجبه عن البلد يرحل وقد رحل الوزراء السوريون وأخذوا البد معهم.
ولما جلس مع رفاق مجلس الثورة المصري وعاتبه البغدادي على عبارة اللي مش عاجبه يمشي مع السلامة بررها له الرئيس بما يمكن وصفه بالعذر الأقبح من الذنب وأيضا بما يصلح لوصف أو تركيز جوهر سياسة الرئيس عبد الناصر الذي قال: أنه رغب بذلك أن يفهم الوزراء السوريين أن موضوع المشاركة في الحكم الذي يتحدثون عنه غير وارد وبعيد المنال.
لماذا؟
لأن النظام الفردي مثل الفريك لا يحب شريك.
ولكن ما الذي يجبر وزراء وطنين يحكمون بلدا عربيا على التخلي عن كل شيء والتحول إلى طراطير وزراء ديكور لا يشاركون في الحكم؟
غير وارد وبعيد المنال بغدادي قبل ذلك لأنه لا يستطيع الانفصال.
وقد استقال كلوزير لديه كرامة أو طموح سياسي يفوق روح الاستشهاد في سبيل الوحدة وبقي مع عبد الناصر نوعان المرتزقة الذين ليس لديهم ما يخسرونه والوحدويون الصوفيون الذين كانوا على استعداد لأية تضيحة من أجل أن تبقى دولة الوحدة وهؤلاء إما أنهم مثاليون بلا خبرة ولا جماهير وإما فقدوا جماهيرهم بعد ذلك لأن هذه الجماهير لم تتح لها الفرصة لتفهم موقفهم وأنه قمة في الوطنية والوعي بل والاستشهاد في سبيل أمل العرب الأكبر بل بدا موقفهم كأنه منافقة وتكالب على الحكم والمكاسب الشخصية.
فخسروا ثقة الشعب واستشهدوا دون بطولة وبعضهم من أشرف الرجال مثل أكرم ديري الشهيد الحي.
وقد مر عام 1958 و 1959 بدون أزمات لانشغال الجميع بالعراق وكما قلنا جاء عبد السلام عارف إلى دمشق يعرض الوحدة أو على حد قول بغدادي أبلغ عبد الناصر عندما اجتمع به في دمشق عقب الثورة مباشرة عن رغبة الجمهورية العراقية في الانضمام إلى الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة ويعلق بغدادي وكان هذا الاتجاه على ما يظهر رغبة شخصية منه ولم يكن قد تم اتفاق عليها بينه وبين قاسم.
ولا نتصور أن عارف طرح هذا الأمر دون اتفقا مع قاسم بصرف النظر عن نوايا قاسم وارتباطاته وحتى إذا كان استنتاج بغدادي صحيحا فهو لم يكن رغبة شخصية بأي حال بل التعبير عن الاتجاه العام للجماهير والأغلبية الساحقة من القوات المسلحة فالمناخ العام كان مناخ الوحدة وتحت زعامة عبد الناصر ولو التقط عبد الناصر الفرصة ووافق معه وصدر إعلان أو اتخ ذت إجراءات أو توجه عبد الناصر إلى بغدادي لتغير مجرى الأحداث وأصبح من الصعب جدا على التيار الإقليمي والانفصالي والقوى العملية أن تحول الثوة إلى أكبر قوة معادية للوحة ولناصر وللجمهورية العربية المتحدة ولكن بدلا من تصعيد الوحدة كما قلنا عاد عبد السلام عارف الذي وهب حياته لحكم واحد هو تقديم العراق لعبد الناصر زعيم الأمة العربية صلاح الدين الجديد عاد من دمشق إلى توجه لها وفي جيبه مسودة إعلان الوحدة الاندماجية عاد باتفاقية تعاون مشترك لا تزيد كثيرا عما كان بين نوري السعيد وصدقي باشا في الجامعة العربية.
وبغدادي هو الذي يقول ولم يكن عارف هو المتحمس الوحيد في العراق لقيام وحدة مع الجمهورية العربية المتحدة وإنما كان من ضمن المتحمسين لها أيضا وفي أي شكل من أشكال الاتحاد أعضاء حزب البعث العراقي والوطنيون القوميون هناك.
وهؤلاء كانوا يسيطرون فعلا على الشارع وكانوا الأقوى نفوذا في الجيش ولو وجدوا شجاعة من عبد النصار لسيطروا على الموقف تماما ولكن تردد عبد الناصر خذلهم وأعطى عبد الكريم الفرصة ليجمع الشيوعيين ويسلحهم ويطلقهم على القوى القومية والبعثية وانضم للشيوعيين كل عملاء العهد الملكي وعملاء المخابرات البريطانية والأمريكية والإسرائيلية والروسية طبعا كما انضم لهم كل الأقليات التي تخشى تدعيم التيار العروبي أو الإسلامي المتثل في الأغلبية السكانية للجمهورية العربية المتحدة ومصر بالذات.
كلهم أصبحوا شيوعيين وحرس شعبي لحماية الثورة من الطامعين وجرت تصفية دمويةي للعناصر البعثية والقومية التي أصبحت بلا قضية لأن الوحدة المنتظرة لم تتحقق وقامت هذه القوى بمحاولات يائسة للمقاومة كان أبرزها ثورة الموصل التي لعبت الأجهزة الناصرية دورا ليس بالقليل في نسج مأساة نهايتها ومأساة زعيمها المرحوم عبد الوهاب الشواف وإن لم يكن لهذه الأجهزة دور كبير في تفجيرها.
ويؤكد بغدادي أن ملحقنا العسكري التعس كان على اتصال بهم وأن جمال عبد الناصر وافق على مدهم بما يحتاجون من السلاح وعلى محطة الإرسال كذلك.
هل كانت الأجهزة تريد أن يحقق لها الشواف الوحدة وقد عجز أو رفضتها هي من عبد السلام عارف.
أبدا كان الاتفاق واضحا داخل الأجهزة على الأقل على أن الوحدة مستبعده الأمر الذي دهش له بغدادي والإخوان من ال ذين كانوا على القمة أو على السطح لا يدرون ماذا يجري في البدروم.
وكان عبد المجيد فريد قد ذكر في حديثه أنهم لا ينوون الدخول في وحدة مع الجمهورية العربة المتحدة واعتقدنا أنه يقصد أن ليس من نيتهم التقدم بطلب قيامها فور نجاح الانقلاب المزعوم ولكنه أكد لنا أن الوحدة ليست من أهدفهم.
وهكذا تآمرت الأجهزة الناصرية مع عكسر لا يريدون الوحدة وليست من أهدافهم وهذا يعزز رأينا بأن عبد الناصر تخلى عن الوحدة العربية كهدف في يوليو 1958 وفي موسكو ولن يحاولها حتى ولو له أكثر من خمسين ألف عسكري في اليمن.
ولا نزعم أننا نحيط علما بالتفاثيل الكاملة للعوامل التي أوصلته لهذا القرار.
كان عبد الناثر يلعب لعبة غاية في الخطورة والحسابات الخاطئة ففي لحظة تفجر الثورة العربية وأيضا أو بالتالي تصاعد النشاط المعادي له على جميع الجهات من الاستعمار لشركات النفط للمصالح الإقليمية والتقليدية والطائفية والعنصرية باختصار كل القوى التي تعادي شبح قيام دولة عربية واحدة مستقلة الإرادة والموارد.
في نفس هذه اللحظة مد عبد الناصر يده لأعداءه وتخلى عن الجماهير أو بالتحديدي عن قوة الثورة.
وفي نفس الوقت ولكي يستمر في الساحة ويرضي الجماهير ويساوم القوى الكبرى زاد اعتماده على الأجهزة في ضبط العراق وكانت الاستراتيجية المطروحة هي دعم عبد السلام عارف وخلق مراكز قوى هناك تتصارع على السلطة ومن ثم تلجأ إليه لطلب الدعم فيرجح كفتها بأمواله وأجهزته وشعبيته فيبقى النظام العراقي في الجبهة دون إثارة القوى المعادية لحد التدخل باختصار استمرار معركة الوحدة دون تحقيقها أو منع تحقيقها أو بالتعبير الذي استخدمه التلاميذ بعد ذلك تفجير قضية الوحدة في كل بلد عربي بحيث لا تبقى قوى وحدوية بعد التفجير بل تتحول كل القوى إلى عداء واستبعاد الوحدة.
وتصرفت أجهزته على جهل بواقع العراق وتعدد عناصره وإن الوحدة العربية في بلد مثل العراق لا تسنح للتطبيق إلا لحظة عابرة في التاريخ وبتأثير موجه طاغية تخفي كل الصخور والنتؤات فإذا أفلتت من طلابها لا تعود.
ونتوقف هنا لحظة عند الرأي الذي طرحه الأسطى مايلز كوبلند عندما قال: كثيرا ما كان المسئولون في واشنطن يقولون لي : إذا كان عبد النصار يريدي حكم العالم العبي فلا شك أنه يسير في الاتجاه المضاد أو أنه فاشل في سياسته الرامية لحكم العالم العربي ونحن الذين عرفنا عبد الناصر نؤكد أنه لم يفكر قط في حكم العالم العربي ولم تكن له رغبة في حكم العالم العربي فضلا عن الإسلام أو أفريقيا بالطريقة التي حكم بها هتلر أوروبا وإنما كان له هدفه أن يقرر هو السياسية الخارجية للعالم العربي إزاء القوى الكبرى أن يعرف الغربيون أن صفقة معه لا تعني مجرد صفقة مع مصر وحدها بل مع قطاع أكبر من العالم وأن تعرف أنه من العبث التعامل مع دولة أخرى في المنطقة قبل استشارته وقال إن قوة القومية العربية في أسطورتها وليس في حقيقتها فعبد الناصر لا يطمح ولا يسعى لإزعاج نفسه بحكم العالم العربي.
وبصرف النظر عن الصورة السوقية أو الشديدة التبسيط التي يعرض بها الأسطى الأمر فإن المتأمل في إجراءات الناصرية يجدها قد مزقت كل الروابط التي كانت قائمة في الوطن العربي وسدت كل إمكانيات التلاحم أو الوحدة واكتفت بزعامة عبد الناصر وقدرته على التحم ي الشارع العربي.
المهم قرر عبد الناصر أن يبرر عبد السلام عارف على أنه هو المفجر الحقيقي لثورة العراق والرجل القوي هناك واتخذ وسائل إعلامنا هذا الخط في الكتابة عنه بسوقيتها وابتذالها وإشاراتها علنا إلى حكاية محمد نجيب وجمال عبد الناصر.. إلخ.
ويقول بغدادي وأحسست أن هذا ربما يتسبب عنه صدام بين قاسم وعارف متذكرا ما كان قد حدث بين محخمد نجيب وجمال عبد الناصر وأن نفس الصورة يعاد تكرارها وربما ينتج عنها نفس ما حدث في مصر من صدام وانشقاق ولما تحدثت إلى جمال في هذا الأمر وجدته مقتنعا بما يفعله وبحجة أن عبد السلام عارف متمشيا معنا في سياستنا كما جاءت على لسانه وتجاهل جمال الشك الذي ربما ينتاب قاسم في نوايانا وهو كان بطبعه شكاكا وحذرا.
وكان عبد السلام عارف قد بدأ يتصرف في نفس الوقت تحت تأثير ما ينشر عنه في وسائل إعلامنا على أنها حقيقة وأمر واقع ولم يكن حريصا في الحفاظ على علاقته الشخصية بزملائه ضباط الجيش إلخ واستدعاه قاسم إلى مكتبه وأعلن خبر عزله وهو لا يزال مجتمعا به ودون أن يعلمه ثم رحله إلى ألمانية ليعود مرة أخرى إلى العراق فيلقى قاسم القبض عليه ويبهدله ويحكم عليه بالإعدام.
وكان قاسم أيضا قد زداد شكه في أهداف جمال عندما اكتشف أن هناك كثيرين من عملاء السراج قد تسللوا إلى الأراضي العراقية ذلك بالإضافة إلى نشاط ملحقنا العسكري هناك الذي طلب قاسم سحبه.
ولما نفذت المحاولة بالانقلابية رفض عبد الناصر أن يتورط في الدعم المكشوف تحسبا للعوامل التي ذكرناها ورفض اقتراحا لم يذكر بغدادي مصدره واقترح إرسال طائرات قتال من سوريا إلى منطقة القامشلي أو دير الزور السورية حتى تكون قريبة من المنطقة الدائرية عليها القتال ولتبقى هاك كاحتياطي للظروف ولكن جمال استبعد الاقتراح تخوفا من أنها لو استخدمت لكشفت عن الدور الذي تقوم به الجمهورية العربية المتحدة والذي تحاول إخفائه وهو تفسير غريب فلم يكن هناك أبله واحد في العالم يشك في تدخل الجمهوريةي العربية المتحدة ومحطة الإرسال عند الثوار في الموصل من مصر ولما تبين كالعادة أنها غير المطلوبة تولت إذاعة داخل مصر الأراضي السورية الإقليم الشمال إذاعة بيانات الثوار وكان يمكن تسليم الطائرات لضباط عراقيين من المئات اللاجئين في سوريا ولكن أمرا ما كان قد حكم تصرفات عبد الناصر وإذا كنت من المولعين بالتفسيرات الماركسية تستطيع القول بأن فقدان الثقة بالشعب الاعتماد على الأجهزة جعل الزعيم يفضل التآمرية على الثورية.
أما نحن فنعقد أن هذا التفسير صحيح وجزئي ويكتمل بتفسرنا وهو أن الزعيم أصبحت يخاف من الثورة العربية يخاف من الوحدة العربية بعد التحذيرات التي قامت له وبحكم الحسابات التي ولدت مع 23 يوليو أصبحت كالأمراض الوراثية لا شفاء منها ومن ثم رأى الاقتصار على الشغب دون التصعيد لمجابهة حقيقة وشاملة.
وكان يمكن أن يطلب من الشواف إعلان حكومة الاعتراف بها ومن ثم تسليمها الطائرات في ساعات وأي تحرك ناصري على المستوي العلني المنتظر من الدولة النواة كان سيفجر ويقوي المدا الثوري الوحدوي بعكس التحرك التآمري عن طريق المخابرات والملحقين العسكريين والأموال فهذا الأسلوب لم يحقق إلا المزيد من عزلة الجماهير والمزيد من الإحباط للتيار الوحدوي فقد رأوا فيما يجري مجرد صراغ شخصي فحتى بغدادي رأى الموقف كذلك إذ يقول وكان جمال في حالة ضيق شديد لتدهور الموقف السريع في الموصل واعتبر أن ما يجري هناك معركة شخصية بينه وبين قاسم وقد وصلتنا برقية من عبد المجيد فريد في بغدادي ذكر فيها أن الشيوعيين العراقيين يتظاهرون في شوارع المدينة يهتفون ضد الجمهورية العربية المتحدة وبسقوط جمال.
وإذا كان الشيوعيون هم أول من هتف بسقوط عبد الناصر في شوارع عاصمة عربية فقد كانت هذه أيضا أول مرة يهتف فيها بسقوط جمال عبد الناصر في الوطن العربي منذ أحداث 1954.
ولم يكن حوله من يستطيع أن يردد مع شوقي.
تلق الهزيمة ثبت الجنان كما كنت تلقى الفتوح العلا..
وفي تلك عقدت محكمة الشعب وكال المهداوي من السباب لعبد الناصر ما لم يسمعه حاكم عربي في حياته ولا من صوت العرب.
وذاق جمال من نفس الكأس بل وأمر وعلى يد ثورة فرح بها يوم إعلانها فرحة تفوق الوصف وحسده عليها أقرب الناس إليه.
ويسجل بغدادي ألم الرئيس
ولن نشأ إبلاغه بالحقيقة ولكنه أصر على معرفتها وقدم إليه محمود الجيار أحد سكرتيريه مذكره فيها فحوى ما دار في المحكمة وظهر الألم الشديد على وجهه بعد قرائتها ولم يشأ أن نراه على تلك الصورة فاستأذن ودخل إلى غرفته ويشير البغدادي إلى أن من أسباب ضيق عبد الناصر أن المشير صدقي ما تذيعه صوت العرب نقلا عن المحطة السرية بالغوطة التي تذيع المادة الإذاعية التي أعدها جمال عبد الناصر بنفسه لتذاع على لسان الشواف القتيل.
صدق المشير الخطير فأرسل سفينة وثلاث طائرات محملة بالأسلحة والذخيرة ليعزز بها النجاح الذي حققته الثورة. وأثبت المهداوي أنه أستاذ أحمد سعيد الذي تعرض لمنافسة حادة لدى الجمهور العربي الذي تعود أن يقضي ليالي العرب إلى جوار الترانزستور وأصبحت الليالي أكثر امتاعا ما بين وصلات أحمد سعيدس والمهداوي واشترك عبد الناصر نفسه في الحملة كما يقول بغدادي وكتب عدة أخبار لتنشر في الصحف ولكنها كانت تهدف إلى إثارة الشعب العراقي ضد قاسم.
وفي نفس الوقت صعد عبد الناصر حملته ضد الشيوعيين ووصفهم بأنهم عملاء لأنهم لا يؤمنون بحرية وطنهم وأشار إلى الإهانات والإساءات التي مستة شخصيا ومست الجمهورية العربية المتحدة في محكمة الشعب ليلة 9 مارس (1959ج) وأوضح في هذا الخطاب أكثر من أية مرة سابقة موقفه من الشيوعية كما هاجم الشيوعيين مهاجمة عنيفة خاصة العراقيين منهم.
وكان الشيوعيون المصريون والسوريون قد انحازوا كما ذكرنا إلى عبد الكريم قاسم ضد عبد الناصر وأعلنوا أن ثورة العراق تخطت ثورية عبد الناصر البورجوازية الصغيرة وأن عبد الكريم قاسم هو الزعيم الطبيعي للثورة العربية البرولتيارية وأن عبد الناصر تحت تأثير طبيعته البورجوازية الصغيرة وتأثير أطماع الرأسمالية المصرية الاستعمارية المتطلعة لاستعمار أسواق الوطن العربي قد باع الثورة للأمريكان والذي عقد الصفقة هو راونتري الذي أصبح أشهر من حلف بغداد ومشروع إيزنهاور وصدق من قال: من عاير أخيه برضع لبن كلبه لم يمت حتى يرضعها أصبح عبد الناصر يتهم في الإذاعات والصحف العربية بأنه عميل الاستعمار وكان للشيوعيين في مصر جريدة يترأسها خالد محيي الدين بلغ من قناعة الشيوعيين فيها بأفول نجم البورجوازي الصغير جمال عبد الناصر وعلو نجم البروليتاري البترولي عبد الكريم قاسم أنها راهنت علنا ضد ثورة الموصل التي راهن عليها ضد عبد الناصر بكل ما يملك فأصدر جمال قرارا يوم 12 مارس بإبعاد خالد محيي الدين عن جريدة المساء لاعتقاده أنه كان متعاطفا مع الشيوعيين العراقيين وستبقى مرارة هذا الموقف الغادر أو اللئيم من الشيوعيين المصريين عالقة بفم عبد الناصر حتى ينتقل إلى رحمة الله مهما اضطرته الحسابات الدولية للإفراج عنهم أو حسن معاملتهم.
أحس عبد الناصر بغريزة الصعيدي أنه يتحول إلى موقف المدافع يقول بغدادي أن عبد الناصر اجتمع بهم يوم 13 مارس 1959 وأكرم الحوراني والسراج ومصطفى حمدون وطعمة العودة الله: وتحدث جمال عن أهمية المعركة الدائرة بين العراق والجمهورة العربية المتحدة وذكر أنه لابد لأحداهما من أن تقضي على الأخرى وهو لذلك يرى أن تنقل المعركة إلى أرض العراق نفسها بغرض إرهاق قاسم وأن يتم ذلك عن طربيق تشجيع بعض القبائل على شن غارات لإقامة الفوضى في أرض العراق.
وكان هذا تطورا محتوما لحلول الأسلوب التآمري محل العمل الثوري فبدلا من الاعتماد على الجماهير المنظمة كان الاعتماد على الجيش بل على مؤامرة داخل قطاع من الجيش وأخيرا وصلنا إلى أسالبيب الإنجليز وشركات النفط في الاعتماد على أشد العناصر تخلفا وأبعدها عن المفهم الوحدوي: تحريك القبائل بل وجد عبد الناصر نفسه يتعامل مع أعمدة نظام نوري السعيد ووزرائه وشيوخ قبائله راجع حادثة زعيم عشائر دليم في بغدادي ص 99 الجزء الثاني وسخرت إمكانيات الجمهورية العربية المتحدة لزرع الفوضى وتفتيت الوحدة لوطنية في أكبر من قطر عربي بالمشرق.
ولكن ذلك كله لم يكن ليفيد موقف عبد الناصر فقد تحول إلى موقف المدافع وبدا فعلا أن قاسم أقوى من العراق من عبد الناصر في سوريا وكانت كل الظروف ضد عبد الناصر فالذي استطاع في 1956 أن يجمع بين تأييد روسيا وأمريكا أصبح يواجه حلفا شيوعياي نفطيا إنجليزيا محلي بشماته ودس الأمريكان كان في 1959 يخوض معركة خفية يريد أن يتجاهلها لكنها كانت جارية بالدم والدولار والاسترليني شنتها ضده شركات النفط التي رفضت مخططات المخابرات وحذلقة المغامرين وطلبت إبعاد عبد الناصر ولعبة الأمم عن النفط لأنها في رأيها أقدر على تدبير أمورها هناك ولا تحتاج لبهلوانيات وفي العلن كان يخوض حربا شرسة ضد الشيوعيين هم بدأوها وهو أراد استثمارها.
ويقول بغدادي أنه علم في فبراير 1959 من عبد المحسن أبو النور بوجود محاولة روسة لعمل انقلاب في سوريا ولذا فمن الخطأ أو تزوير التاريخي أن نتحدث عن دور الرجعية في انفصال سورياي وفتنة العراق فالحقيقة أن الروس كانوا الأكثر حماسة والأعلى صوتا والأوضح نفوذا في معارضة الوحدة المصرية السورية ومعارضة الوحدة مع العراق وخرشوف هو الذي قال للوفد المصري أن عبد الناصر جالس على خازوق الوحدة في سوريا ووصف عبد الناصر في خطاب رسمي علني بأنه فتى انفعالي لا يستطيع أن يفرض إرادته على العالم العربي.
وحاول خرشوف أيضا إثارة الشعب السوري ولكن بطريقة ملتوية وذلك بقوله أن الوحدة التي تتم دون أن تكون الظروف السياسية والاقتصادية مهيأة لنجاحها فمصيرها الفشل مع مرور الزمن لأن شعب أحد البلدان المتحدة يأخذه الشعور بفقدان استقلاله كما أن زعماء السابقين يبعدون إلى المؤخرة ...إلخ.
وكان عبد الناصر قد صفي كل التشكيلات الوطنية والقومية والدينية فأصبح الشيوعيون أهم أن لم نقل التشكيل الجماهيري الوحيد البارز في الساحة العربية ضد عبد الناصر والوحدة وإذاعة صوفيا أخذت مكانة إذاعة لندن وباريس والشرق الأدنى ومالطة خلال حرب 1956 والسفارات الشيوعية أصبحت هي التي تدير الحرب ضد عبد الناصر نيابة عن العالم المتقدم كله.
وكانت لحظة نادرة من لحظات التقاء المصالح بين قوى الهيمنة كان عبد الناصر يواجه في العراق حلفا غريبا عليه وجديدا في السياسة العربية بهذا الحجم وإن كنت بزوره أو فكرته قد وجدت في السودان وستصبح أكثر علانية ووضوحا في عدن إلا وهو تحالف إنجليزي روسي فبريطانيا كانت تنظر إلى جمال عبد الناص كأخطر رأس حربة أمريكية وجهت إليها لطردها من نفط الشرق الأوسط وكانت قد جربت التعاون مع الشيوعيين السودانيين في معركة فصل السودان ونجحت المحاولة وإن كان الحجم الشيوعي لم يكن بارزا أما في العراق فقد كانت الواجهة كلها شيوعية في الشارع وأن استمرت السلطة في يد بريطانيا من خلال قاسم وجهاز الدولة وتم الفتك بالشيوعيين بعد زوال الخطر الناصري وفي عدن أصبحت السلطة شيوعيةيس ونجت المصفاة البريطانيين من ناصر والأمريكان.
وصحيح أن شركات النفط الأمريكية كان لها مصالح في العراق وتضامنت مع السياسية البريطانية الروسية في إبعاد عبد الناصر إلا أن الإنجليز كانوا يتوقعون أن تتطلع هذه الشركات إلى مساومتهم على حصة أكبر كما حدث في إيران، إذا ما ساء وضع بريطانيا بفعل الزحف الناصري ويفهم من كلام بغدادي أن عبد الناصر كان مدركا لهذا التحالف ضده ومن ثم حاول ان يقيمي محورا مرة أخرى من الدول الصديقة للولايات المتحدة فيقول: وكانت بريطانيا استمرت تمد العراق بالسلاح رغم انسحابه من حلف بغداد كما لم تمس المصالح البترولية وكان تصور الأمة العربية أن تأميمها سيأتي على رأس جدول أعمال أي ثورة.
ويقول بغدادي ولإحباط ما تسعى إليه انجلترا عمد جمال إلى تدعيم علاقتنا مع كل من لبنان والسعودية والأردن فاجتمع مع شهاب عند الحدود اللبنانية السورية وأعيدت العلاقات الدبلوماسية مع الأردن في أغسطس 1959 وصفيت الخلافات مع السعودية.
واجتمع جمال مع الملك سعود في سبتمبر من نفس العام.
ولكن الثقة كانت قد انهارت والنظام الناصري استسهل المعارك مع الدول العربية فخسائرها معدومة في الظاهر وعائدها الإعلامي أكبر والمخابرات الأمريكية المتغلغلة والإسرائلية المتربصة سرعان ما تلقى بمؤمرة بين قدمي السلطة المصرية فتلتقطها بشغف وينطلق صوت العرب الذي أقامته الcia وتتمزق العلاقات مرة أخرى.
وباستثناء اعتقال الشيوعيين والتنكيل بهم في السجون وخطب السباب ضد روسيا لم يكن عبد الناصر يستطيع أن يرد على حملات موسكو ونشاطها بقرارات تلهب حماسة الأمة يكن عبد الناصر يستطيع أن يرد على حملات موسكو ونشاطها بقرارات تلهب حماسة الأمة العربية كما كان الحال في صراعه مع الغرب عامي 1955و 1956 فلا صين غريبة يعترف بها ولا قناة للروس يمكن تأميمها ولا صفقة سلاح مع الغرب فقد سقطت مصر في احتكار السلاح الفعلي.
وعلى طريقة المصاطب جرى نبش القديمي والجديد، وأعلن عبد الناصر أن الإنذار الروسي 1956 لم تكن له أهمية وأنهم لم يتدخلوا في المعركة التي كانت دائرة معنا وأن تحركهم جاء يوم 6 نوفمبر 1956 بإرسال ذلك الإنذار المعروف بعد أن اتضح لهم أن القتال سيتوقف وعلق بغدادي وقد أراد جمال بهذا التصريح منه أن يضيع الأثر الذي كان لدى الشعب العربي عن موقف موسكو من قبل وأن دورها كان سلبيا ولم تساندنا بصورة فعالة كما يشاع وفي هذا الخطاب كشف عبد الناصر السر الدفيني فقال أن موقف الروس كان سلبيا عندما نزلت القوات الأمريكية في لبنان والبريطانية في شرق الأردن عام 1958 عند قيام ثورة العراق وذلك برغم ذهابه إليهم في موسكو وطلبه منهم اتخاذ موقف إيجابي إزاء هذه التحركات.
ولكن عبد الناصر الذي كان قد فقد حرية الحركة منذ أن حطم احتكار السلاح سيضطر إلى أن يبلغ غضبه عندما يذكره خرشوف بالمثل الروسي لا تبصق في البئر فقد تضطر للشرب منه وجاء الاستسقاء من عبد الحكيمي عامر الذي فزع واقترح التغاضي وعدم الرد على خرشوف خوفا من أن يتمتع الاتحاد السوفيتي عن تنفيذ ما تعاقدنا عليه معه خاصة فيما يتعلق بالسلاح.
ح زمان الغندرة والتنقل بين المعسكريين وستحتاج مصر إلى 13 سنة حتى تستطيع أن تخرج من قبضة احتكار السلاح الذي ربطتها به صفقة تحطيم احتكار السلاح وقبل أن نختتم حديث الروس نقف قليلا عند واقعة الرسالة التي نقلها صلاح سالم في رواية عبد الناصر.
القصة تقول أن صلاح سالم على حد قول البغدادي نقلا عن عبد الناصر اقترح على جمال عبد الناصر دعوة خرشوف لزيارة مصر بمناسبة وضع حجر الأساس لمشروع السد العالي في 9 يناير 1960 وإن الفكرة جاءت لصلاح من موظف بالسفارة الروسية وكان جمال قد وافق على اتصال صلاح بالسفارة الروسية بطريةق غير رسمية أسوة باتصال هيكل بالسفارة الأمريكية والبريطانية.
وهذا ظلم من بغدادي لصلاح سالم فهذا عضو مجلس ثورة ولو سابق وحاكم وكان يستقبل السفير الروسي في مكتبه ومنزله رسميا وذاك مجرد صحفي ..إلخ..
المهم فوجئ جمال بصلاح سالم يبلغه أن موظف السفارة الروسية قد حمله رسالة شفوية من خرشوف إلى جمال وقدم إلى جمال رسالة مكتوبة بخط يد صلاح الذي أشار في بدايتها إلى أنها أي صلاح يعتقد بصحة ترجمتها وجاء فيها أن خرشوف لا يمكنه زيارة مصر وهي تحكم حكما استبداديا وليس فيها حريات والسجون فيها مملوءة بالأحرار والتقدميني وجمل أخرى في حدود هذه المعاني وكانت تلك الرسالة مثلا صارخا للتدخل في شئوننا الداخلية.
وقد أنكر السفير الروسي علمه بالرسالة بل وسلم وزير الكهرباء الروسي رسالة من خرشوف الذي لم يحضر ج مكتوبة بالروسي هذه المرة ومرفق بها ترجمة عربية تختلف تماما عن الرسالة الشفوية فقد تضمنت حتى الإشادة بجهود جمال في سبيل تحقيق حياة أفضل للشعب العربي ومحافظته على استقلال الجمهورية العربيةي المتحدة فهل زورها صلاح؟
لا يستبعد فقد كان في هذه المرحلة لا يتورع عن أي إجراء ينكد على عبد الناصر ويؤذيه.
ولكن لم يحسب صلاح حساب ما ستسببه هذه الرسالة لعلاقته عند الروس الذين لا يحبون أن تزور رسائل على لسانهم؟
أم كانت لعبة روسية لعرك إذن عبد الناصر ثم التراجع على طريقة ما شتمك إلا من أبلغك أم أن القصة كلها لعبة من ناصر لا يغار صدر بغدادي على صلاح الذي كان عبد النار يكرهه كراهية فاقت الحد المتعارف عليه بين أعضاء مجلس الثورة.
تراجعت خطوط الوحدة إلى دمشق وتدهور الموقف وارتفعت حدة الإقليمية وكان هيكل يعمل بهمة في خلق الحزارزات والحساسيات وتأليب الضباط السوريين ضد بعضهم وضد مصر بتلميع هذا والتعميم على ذاك انظر قصة مقال يا سيادة الزعيم الأوحد وغضب طعمة العودة الله مذكرة بغدادي الجزء الثاني ص 62 ويكفي للتدليل على هبوط الحماسة للوحدة قبل انقضاء سنة أنه خلال اجتماع بتاريخ 29 – 31 يناير 1959 طلب مصطفى حمدون نقل قوات مصرية كبيرة إلى سورية وبرر هذا الاقتراح بقوله حتى لا يفكر أحد في القيام بعمل مضاد للوحدة مع وجود هذه القوة في سورياي لأنه حينئذ سيفكر في النتائج.
ولكن طعمة العودة لله الذي كان هيكل قد استفزه بتزويره المعتاد للتاريخ والأحداث عن واقعة اشترك فيها طعمة نفسه اعترض بأن الوقت قد فات وأن ذلك كان ممكننا في أول الوحمدة ووافق الحاضريني على أنه فعلا يصعب نقل قوات إلى سوريا مع أنها جزء من الجمهورية العربية المتحدة واقترحوا انتظار عدوان إسرائيلي ليجدوا مبررا.
كما عبر المجتمعون عن استياء الجيش السوري من تعيين قيادات مصرية له والحقيقة أنه لا يفسر لأحجام عبد الناصر عن إرسال قوات مصرية ضخمة لسوريا في أفراح الوحدة ونقل القوة الأساسية للجيش السوري إلى مصر مع بقاء الضباط من نفس جنسية الجنود إلى أن يتم تخرج جيل وحدوي ولكن القيادةي فعلت اللامعقول ابقت الجيش السوري في مواقعه واستفزت ضباطه بتعيين قومسير مصري وليس هناك من تفسير إلا الحسابات إياها، والخوف من الاشتباك مع إسرائيل بالقوات المصرية.
وفي أكتوبر 1959 عين عبد الحكيم عامر حاكما لسوريا بعدما صفيت كل المؤسسات السياسية وعزل الشعب وتمت الجفوة مع كل الأحزاب والشخصيات ولم يبق إلا السراج فأرسل له عامرا ينازعه الإقليم وكان من الطبيعي وقد خلت الساحة لهما أن يصطدما وهو ما حدث ولكن الرئيس أبي أن يشتشعر بالخطر يقول بغدادي ولكن جمال كان دائم الاطمئنان ومعتقدا أن شعبيته بين الجمايهر السورية لها من القوة والوزن إلى حد أن تقف حائلا دون ما يعتقده الأخرون وأن هذه الشعبية هي الكفيلة بضمان الاستقرار هناك وكان دائم التعبير بهذا المعنى عندما يذكر أمامه هذا التدهور الجاري في الإقليم الشمالي ولم يكن على ما يظهر مقدرا مدى خطورة الحال وما وصل إليه هناك وإذا أخذنا هذا التفسير بقيمتة الظاهرية فهذا من أخطر عيوب النظم الديكتاتورية فإن الحاكمي المطلق ينام مطمئنا إلى أن مخابراته تعلم كل شيء ولكن هذه الأجهزة قد تخفي عنه الحقائق أحينا أو تخفي عليها الحقائق وما من مصري غير مرتبط بالمخابرات أو مكتب المشير سافر إلى سوريا في عامي 1960و 1961 ألا وأحس بخطورة الوضع وتفاقم الاتجاه المضاد للوحدة ولكن شيئا من ذلك لم يصل إلى علم الرئس أو على الأقل إلى قناعته للوحدة ولكن شيئا من ذلك لم يصل على علم الرئيس أو على الأقل إلى قناعته انظر قول مايلز كوبلند: أن عبد الناصر أصبح بينه وبين العالم حاجز لا ينفذ منه إلا تمجيد وكان صمام الأمان في سوريا هو سيطرة السراج على المخابرات والرهبة اليت استطاع أن يزرعها في النفوس ولكن عامر سرعان ما انتصر على السراج ولم يتسع لهما الأقليم فرحلوه إلى القاهرة ليوضع على الرف في منصب نائب رئيس الجمهورية لشئون الأمن الداخلي بشرط أن يكون مقره في القاهرة وكانت دمشق هي التي بحاجة إلى أمن داخلي وكان ذلك في أغسطس 1961 لماذا؟
أين تتوفر الخرة القصوى للسراج في شئون الأمن في القاهرة أم في دمشق؟ على أية حال لم يمنح السراج أي سلطات ولا اختصاصات ولا نشاط.
ولكن نلخص حكاية الانفصال الطويلة نقول أن القيادة ارتكبت جميع خطاء التي تؤدي إلى الانفصال ولم تترك منفذا للوحدة الأسدتة ولا صخرة تستند عليها إلا وأزتها ولا حجة تبرر الانفصال إلا وقدمتها ولا ثغرة ينفذ منها الانفصاليون إلا وفتحتها أو عمقتها.
أعطت السراج كل السلطات الممكنة مفضلة حكم المخابرات على الكم البرلماني والأحزاب الذي جاء بالوحدة وأطلقت يده ينكل بجميع القوى السياسية وينشر الرعب بين المشتغلين بالحياة العامة والمثقفيني وقد روي صحفي مصري أنه سأل السراج لماذا يسمح بالتداول في سوريا لكتب تتحدث عن الإرهاب والتعذيب في سجن المزة الذي تمتع وقتها بشهرة الباستيل فكان رد السراج: حتى يقرأها المتآمر فكيف عن تآمره.
وإذا صح هذا عن التآمر وهو غير صحيح لأن الإرهاب لم يمنع أبدا المؤمن واليائس والمغامر بل وحتى المأجور من المحاولة فمن المؤكد أن غير المتآمرين كانوا يقرأون ذلك ويصدقونه بدليل أن الحكومة تسمح به ومن ثم يزداد نفورهم من السلطة وتمسكهم بالسلبية ورعبهم من النظام وكراهيتهم له.
وبعد أن استثار السراج عداوة كل الناس للنظام الوحدوي عالج عبد الناصر الأمر بفلسفة الحكم الفردي وهي التضحية بالسراج.
تخطى عامر السراج في تغيير تشكيل المجالس التنفيذية للاتحاد القومي في سوريا دون الرجع إلى السرراج المشرف على الاتحاد القومي هناك ودون عزله وأصدر قرار أخر يؤمن فيه الأهالي في سوريا على حرياتهم ويطمئنهم كذلك على أنه لن يتخذ أيه إجراءات تمس حرياتهم وقد أكد صدور هذا القرار وبالصيغة التي صدر بها أن الحريات في سوريا لم تكن متوفرة من قبل الأمر الذي يدين السراج لأنه معلوم أنه هو الذي كان مسئولا عن هذ الوضع هناك.
ورفض السراج أن يلقيه عامر عظمة بعدما أكله ناصر لحمه وبعكس كل الرجعييني والبعثيين الذين انسحبوا أو طردوا من السلطة دون أن يحملوا خلافهم إلى الشارع أو على الأقل دون معركة علنية مع السلطة الناصرية فإن السراج وحده نزل إلى الشارع وأعلن خلافه السراج الذي يمن هيكل على الأمة العربية بأنه من جيل عبد الناصر والذي ما زال حتى الآن نجم الناصرية المختار والمثل الذي يضرب لتلاميذ عبد الناصر.
ذهب السراج إلى سوريا وقام بدعوة اللجنة التنفيذية للاتحاد القومي هناك إلى اجتماع وتحدث إليهم عن ذهابه إلى القاهرة كنائب رئيس لشئون الأمن فوجد أنه بلا سلطان ولا صلاحيات وطلب من عباس رضوان وزير الداخلية للإقليم المصري أن يعرض عليه أعمال وزارته ولكن لم يرده بعد ذلك وكلما كان يحاول الاتصال به يقال له أنه ليس بمكتبه وتخيل نائب رئيس الجمهوربية لشئون الأمن يتصل بمرؤسه وزير داخلية تنفيذي للإقليم فيرد عليه مدير مكتبه بالطريقة البيروقراطية المتجبرة المعتادة مش موجود عنده لجنة كلمنا بكرة بدري ومن الذي يعامل هكذا؟
عبد الحميد السراج الذي كان مساعدوه يحكمون لبنان ويرعبون الأردن والعراق ويفزع منه رؤساء جمهورية سوريا وقادة جيشها؟ سقوة كأس الذل والإهمال في القاهرة استطاع السراج بالإقناع أو بالعصبية الإقليميةس أو بالرعب الذي زرعه في النفوس أن يتدفع للجنة التنفيذية إلى إصدار قرار بإلغاء قرارات عبد الحكيم عامر.
وكان هذا هو أول إعلان بالانفصال ومن بطل الوحدة السوري.
أما ضباط المكتب الثاني أو رجال السراج فقد رفضوا تنفيذ أوامر عبد الحكيم عامر بنقلهم وشهروا مسدساتهم على الشخص الذي أوفده إليهم لإبلاغهم القرار وجاهر السراج بقدرته على إخراج المشير من سوريا بالبندورة أي بالطماطم.
وهكذا كان أول عصيان علني وتهديد بإخراج المشير من بطل الوحدة وتلميذ الناصرية تماما كما كان أول تهجم على عبد الناصر من النظام الثوري في العراق ولا عجب فالسراج كان منضبطا على موجة عبد الناصر وقد عرفنا من خصائص هذه الموجة أنها لا تتحمل المشاركة وإنما هي على استعداد لتدمير الوطن في سبيل السلطة.
أحضر السراج إلى القاهرة تحت تهديد استخدام العنف معه من قبل أحمد الحنيديي وهو وزير عسكري سوري. وحضر السراج وعامر إلى القاهرةي يوم 20 سبتمبر 1961 وقدم السراج استقالته يوم 25 سبتمبر 1961.
هكذا كان الوضع بين أكبر ناصريين في سوريا عبد الحكيم عامر وعبد الحميد السراج قبل ستين ساعة من الانفصال .
فمن الذي أضاع الوحدة؟
الرجعية؟
أم الناصرية؟
من الذي نسف السراج والمكتب الثاني؟
من الذي مرمط سمعة الوحدة وقال للسوريين أنه حتى السراج إذا ذهب إلى مصر لا يطيعه الموظف المصري؟ وأن ما سمعه البعثيون عن أن المشاركة في السلطة بعيدة المنال ومن باب المحال هو حقيقة عامة ومبدأية وليست موجهة ضد البعثيين وحدهم ليمولهم الحزبية بل حتى ضد الذي نسف أنابيب البترول وحمل سوريا إلى عبد الناصر على طبق من لحم الشيوعيين معطرا بالولاء والحب للزعيم.
من الذي قال للسورييني أنه لا مكان لأي سوري في ظل وحدة عبد الناصر؟ من الذي شرخ هيبة المشير وبهدله مما شجع على التطاول عليه.
من الذي أوجد حالة الشلل الأمني، وجعل المشير في رحلة ذهاب وإياب ما بين القاهرة ودمشق في أسبوع ما قبل الانفصال؟
من الذي خلع السراج وسلمه للانفصاليين مقصوص الجناح ليعود فيفرح به لاجئا في مصر. هل تلام الرجعية لأنها لم تكن تقل انتهازية عن قادة الوحدة الذين نسوا كل المبادئ والشعارات في الصراع على السلطة.
ما أبرعنا في لوم الشيطان
ولابد من حادثة كوميدية من طراز مضحكات المتنبي التي هي كالبكا في قصة ساعات الانفصال فقد اتصل المشير بالرئيس قبل منتصف ليلة الانفصال وأبلغه أن الحالة أخر سلطنة ليعود فيوقظة بالنبأ العظيم.
قال سامي شرف للبغداي أن المشير اتصل بالرئيس قبل منتصف ليلة الأربعاء 27 سبتمبر بحوالي ساعة وأبلغه أن كل شيء هادئ تماما هناك ولكن في الساعة الرابعة من صباح الخميس 28 سبتبمر عاد واتصل بجمال وأبلغه عن وقوع انقلاب.
وكما في كل أزمة كبرى مرت بمصر ظهر تخبط وعجز وارتباك الأجهزة واضطر وتناقض قرارات القيادةي ثم الإحجام عن اتخاذ القرار المطلوب تحت تأثير الحسابات إياها.
تبين من أول لحظة أنه لا وجود للاتصال المفروض توفره في دولة يفصل البحر ودولة معادية بين أقاليمها كان يفترض وجود جهاز اتصال لا يتعرض للمفاجآت أو التعطل ولكن بعد أن أخذ الانفصاليون جهاز الإرسالة الذي يتكلم منه عبد الحكيم عامر أصبح راديو دمشق هو المصدر الوحيد للمعلومات لدى القيادة المصرية التي تدير معركة استرداد الإقليم المتمرد .
وتبين أنه لا تشكيلات ولا وحدات ولا حتى مبادرات في القوات المسلحة أو على المستوى الشعبي يمكنها أن تتحرك وعاد المشير إلى القاهرة كالأرملة.
وقرر جمال عبد الناصر أن يتصرف التصرف المنطقي والذي انتظره الشعب المصري والشعب السوري والشعب العربي بل وكل دول العالم فلا أحد ينكر حق الدولة في قمع تمرد يريد أن يمزق وحدة أراضيها والعالم كله معترف بالجمهورية العربية المتحدة وعبد اناصر رئيسها الشرعي ولا أحد يتصور أن يقف عبد الناصر مكتوف الأيدي ونصف دولته ينسلخ ودولة الوحدة تنهار تسليما بعدم التدخل وهو الذي يحرض على دك العروش ويعتبر نفسه طرفا أصيلا في السياسة الداخلية لكل بلد عربي بل وسيرسل الجيش المصري بعد عام واحد ليقاتل في اليمن خمس سنوات لحماية انتصار الشعب اليمني ومنع البدر من العودة لصنعاء هل يعقل أن يترك دولة الوحدة تتحم والأقاليم ينفصل والشعب السوري يحرم من المكاسب الاشتراكية والرجعية تعود إلى دمشق؟ لم يخطر بال أحد من أهل الظاهر أن الزعيم يمكن أن يقبل ذلك ويقف ساكنا ولا حتى الزعيم نفسه تصور ذلك وهكذا أصدر أوامره بتحرك الأسطول والإنزال الجوي وأعلن أنه سيذهب بنفسه إلى هناك ليلهب حماسة الشعب السوري ويسحق الانفصال وكان جمال قد تحمس لفكرة إرسال قوات عسكرية بحرا إلى ميناء اللاذقية بعد تأمينه ثم سفرة شخصيا إلى هناك وإن ذلك إن تم فقد يتغير الموقف تماما لصالحنا.
ولا أحد يستطيع أن يقول الآن على وجه اليقيني ماذا كان سيحدث لو أن عبد الناصر نفذ ذلك فعلا وذهب إلى اللاذقية على رأس الأسطول أو حتى بمفرده ونزل إلى الشارع ودعا الشعب السوري والجيش السوري إلى الالتفاف حوله والدفاع عن دولة الوحدة العتيدة
هل كان النحلاوي يستطيع مواجهة عبد الناصر؟
الحقيقة المؤكدة أنه ما من وضع أسوأ مما حدث كان يمكن أن يقع لو توجه عبد الناصر إلى سوريا.
ولكن عبد الناصر لم يذهب ولا ارسل الأسطول ولا أكمل إنزال المظلات بل أصدر أوامره للدفعة الأولى التي كانت قد هبطت فعلا 8 ضباط بينهم قائد الصاعقة و 120 جنديا طلب منهم تسليم أنفسهم لقائد القوة البحرية في اللاذقية المسمى زيتونة.
ولا حاجة للحديث عن سمعة الجيش المصري بعد هذه العملية الفاضحة الفشل وبعدما حدث من استعراض لقائد الصاعقة في التيفزيون السوري الذي أقامته مصر على نفقتها لكي يشاهد فيه السوريون منجزات الناصرية إذ انطلق قائد الصاعقة بسبب قيادته.
لماذا تراجع عبد الناصر؟
وقد ثبت أن الإنزال ممكن بدليل نزول الدفعة الأولى؟
لماذا؟
هل الجواب هو عجز الجيش والأجهزة.
فكما قلنا ثبت أنه لا وجود لأية مراكز قادرة على التحرك في الداخل أو حتى راغبة فيه رغم أن الشعب السوري قد صدم بنبأ الانفصال وظلت ميوله وحدوية أو على الأقل متعاطفة مع ناصر ولا تحمله مسئولية ما جرى.
كما ثبت أن الضباط المصريين لا يسيطرون على وحدة واحدة في الجيش السوري على الحد الذي يمكنهم من شل تحركها فضلا عن تحريكها ومن ثم فإن وجودهم في الجيش السوري لم يخدم أي هدف إلا استفزاز السوريين وإعطاء مادة إثارة للقوى المعادية .
وثبت أيضا عجز الجيش المصري في مصر عن التحرك بالكفاءة المطلوبة فقد تأخر الإنزال الجوي عن موعده المحدد بأكثر من أربع ساعات وكان ذلك كافيا لإخماد مقاومة حلب وللاذقية وكانت العناصر الوحدوية قد استمرت مسيطرة على المدينتين حتى العاشرة مساء 28/ 9/ 1961 في حلب وإلى منتصف الليل في اللاذقية.
أي لو أن الفريق صدقي محمود استطاع تنفيذ الإنزال في الموعد المحدد له لوصل في ظل السيطرة الكاملة للوحدويين على المدينتيني وكان بالإمكان دعم موقفهم حتى وصل الأسطول وعبد الناصر .
ويروي بغدادي أن الوزراء السوريين ظلوا يلحون على عبد الناصر حتى الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل في إخماد الانفصال بالقوة وكان يستطيع بالطبعي أن يضع هؤلاء العسكريين والوزراء السوريين على رأس القوات المصرية لتتم عملية القمع وحدويا ويصبح السوري الوحدوي يقاتل السوري الانفصالي وإن كان الجيمع قد توقعوزا قتال الدولة ضد الافنصال ولكن عبد الناصر رفض وقدم تبريرا يؤكد أنه كان يخشى الهزيمة العسكرية لا أي اعتبار آخر فقال: لو حدث وأغرقت لنا باخرتين مثلا وخسرنا المعركة فسننزل إلى الحضيض ونصبح دولة كدولة اليمن.
وما دام رئيس مصر يعتقد أن مصر تنزل إلى الحضيض وتتحول إلى اليمن بإغراق باخرتين فإن الوزراء السوريين لم يجدوا ما يقولونه فكل منطق يمكن مناقشته إلا منطق الخائف وانصرف الوزراء السوريون إلى فندق شبرد ولعلهم رددوا كلمة عبد الناصر وهو يطوف حول قناة السويس في عام 1956 عندما قال: هزمني جيشي مع تعديل بسيط وهو هزمتنا قيادتنا أو هزمنا زعيمنا.
هل كان إذا قرار إرسال المظليين مجرد تبرئة ذمة وقبول الانفصال كان مقررا وعبد النصار قد نفض يده من الوحدة أو اقتنع بأنها سابقة لا وأنها قد تضر مواقعه في مصر ذاتها؟ أم هل اقتنع فعلا أنه لا يملك القوة ولا القدرة على مواجهة الجيش السوري.
أم أن هناك حسابات أخرى لم نحط بها خبرا؟
المهم أن الشعار المسبوك الذي أطلق لتفسير قبول الانفصال لم يكن صادقاي فقد أعلن الرئس أن السلاح العربي لا يقتل العربي.
وبعد أقل من عام سيفرغ السلاح العربي لقتل العرب 24 ساعة في اليوم وعلى مد ى خمس سنوات حتى يتدخل السلاح الإسرائيلي ويدمر السلاح العربي والاستقلال العربي.
أما عن المتسبب في الانفصال فنحن نثبت هنا شهادة بغدادي الذي كان وقتها في قلب الصورة وقلب السلطة في ذلك الوقت وفي واحدة من أكثر فترات انسجامه وتعاونه مع الزعيم وأخذ كل من الوزارء السوريين بعد ذلك يشرح الأسباب التي أدت إلى تدهور الحالة داخل سوريا والتي تسبب عنها استياء الشعب هناك وكانت أغلب تلك الأسباب تدور حول أعمال المخابرات متباحث البوليس بها وكذا القرارات الاشتراكية التي كانت قد صدرت في يوليو 1961 كما أن وجود الحكومة بالقاهرة جعل سوريا تفقد شخصيتها ولما قربت الساعة الثانية والنصف صباحا غادرنا منزل جمال وكأننا في حلم وما حدث ليس بحقيقة والأمر قد انتهى في ساعات قليلة وتذكرت حماس الشعب السوري وإيمانه بالوحدة وكيف استقبل جمال عندما زرنا دمشق في أول مرة عام 1958 بعد الاستفتاء على الوحدة ورئاسة جمال للجمهورية وكيف كان يستقبله بالهتاف والتصفيق والرقص طوال تلك السنوات الثلاث.
وقد مر كل ذلك في ذهني وكأنه شريط سينمائي ولكنه لم يستغرق إلا لحظات وأحسست أن ما حدث كأنه كابوس ثقيل وأن أملنا في وحدة عربية شاملة قد انهار فجأة وفي ساعات محدودةوما حدث سيكون له تأثيره وعاملا مؤخرا دائما لإتمام هذه الوحدة التي هي أمل كل عربي مؤن بوطنه وبعروبته.
ولا شك أن هناك أخطاء تسبب عنها تدهور في قوة الوحدة وكان يمكن تداركها وعلاجها خاصة تصرفات السراج في سوريا والطرق البوليسية التي كان يتبعها وتذمر الشعب السوري منها حتى أطلق عليه اسم السلطان عبد الحميد.
وكان جمال يعلم ما يفعله السراج وضيق الشعب السوري وشكواه من هذه الأفعال ولكن جمال كانت له طريقته الخاصة في معالجة مثل هذه الأمور وكان يعتقد أنه بالصبر ومع الوقت يمكن حلها هكذا كان يردد دائما عندما تواجهه بعض المشاكل ولكن هناك بعض الأ/ور إن لم تعالج فورا فغالبا ما يترتب عنها أضرار بالغة.
وكان هناك أيضا أخطأ آخر جسيم ساهم فيما حدث في سوريا وهو طريقة إدارة دفة الجيش وأموره وعبد الحكيم كان عادة يترك الأمور لمساعدية وهم كانوا يتخذون ما يرون من قرارات وأغلب مساعديه قل أن يحسنوا التصرف وقد أدى تصرف البعض منهم في سوريا إلى جرح كرامة وكبرياء أكثر من الضباط السوريين وكثيرا ما كنا نسمع قصصا تؤكد هذا المعنى وكانت تبلغ إلى جمال.
وقصة عبد الكريم النحلاوي مدير مكتب عبد الحكيمي وكاتم أسرار الجيش في سوريا وهو أحد قادة الانقلاب إن لم يكن أهمهم تؤكد هذا المعنى الذي سبق فقد عمد إلى إجراء حركة تنقلات بين ضباط الجيش السوري ووحداته تم له فيها نقل أغلب الضباط المتفقون على القيام بالانقلاب على قيادة الوحدات الهامة في المناطق المختلفة وذلك حتى يضمن نجاح الانقلاب كما أوفد أيضا الضباط السوريون المؤمنون بالوحدة إلى بعثات بالخارج زيادة منه في الحيطة.
قد تم له كل هذا دون أن يشك في نياته عبد الحكيم أو أحد من معاونيه بل أن مؤامرة الانقلاب نفسها كان قد سبق وعلم بأمرها وذلك قبل حدوثها بثلاثةي شهور وذكر أثناءها أسماء ثلاثة من قادتها وكان النحلاوي نفسه أحدهم ولكن عبد الحكيم استبعد الأمر لثقته في النحلاوي ولم يحاول التأكد من صحة هذه المعلومات أو يجري تحقيقا فيهيا وقد أثير مه ه ذا الموقف منه بعد عودته مباشرة من سوريا بعد الانقلاب في منزل جمال فذكر أن النحلاوي غبي وقد استغل في هذه العملية.
وليس بخاف أيضا ما كان يذكر عن مديري مكتبه في مصر البكباشي شمس بدران والطريقة التي كان يتعامل بها مع الضباط من ذوي الرتب الكبيرة إلى أن أصبح هذا موضع تعليق دائم ليس بين الضباط فقط بل وبين المدنيين كذلك ولم يحاول عبد الحكيم إبعاده عن منصبه أو حتى إيقافه عند حده رغم ضيق الضباط من هذه الأفعال إلى درجة أثارت حفيظتهم مه وأنه لمن الغريب أن يعلم جمال كل هذا كما كان يعرف أخطاء السراج ولم يحاول معالجة تلك الموضوعات ووضع حد لها رغم استمرارها وتكرارها.
ولا يفوتني كذلك أن أذكر أنه من ضمن الأسباب التي أوصلت الحال إلى ما وصل إليه هو أسلوب جمال في الحكم فالشعب لم يكن له دور إيجابي في السياسة التي ترسم له وكان هذا الوضع له خطورته في سوريا ومصر على السواء ولم يكن هناك تنظيم سياسي اللهم إلى تنظيم الاتحاد القومي وهو نفسه كان تنظيما فاشلا ولا يشارك في وضع السياسة العامة للبلاد وحتى قراراته نفسها إن اتخذ قرارا لم يكن ملزما لأحد ومجلس الأمة سلطة الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة كان قد أصبح أضحوكة الجميع ولكم يباشر صلاحياته بل وصوته لم يكن مسموعا على الإطلاق والصحافة لم تكن تقوم بدورها الطبيعي في إبداء الرأي الحر ومناقشة ما كان يجري من أخطاء وإنما اقتصر دورها في الغالب على التمجيد والتهليل للحاكم وأصبح السباق بين الكتاب فيها على التقرب إليه عن طريق الزلفي والنفاق وكانت هناك محاباة زائدة لضباط الجيش الذين تركوا خدمته فقد أصبح لهم الأولوية الأولى في شغل المناصب الرئسية في الشركات أو التعيين في سفارتنا بالخارج والشعب كان ينظر إلى ما يجري من حوله ولا يملك من أمره شيئا إلا أن يعلق على ما يجري كعادته بنكاته وقفشاته لينفس بها عن نفسه وعما يعتمل في صدره من الآم وحسرو ومتخذا لنفسه موقفا سلبيا من تلك المجريات حتى أصبح في جانب والحاكم في جانب آخر وبعيدا عنه.
تلك كانت هي حقيقة الوضع وليس ماكنا نقرأه في الصحافة أو نسمعه في الإذاعة من أعان كلها مدح وثناء وتمجيد في حكمه الحاكم وقدرته وعدالته ولم تكن أيضا ما كنا نلسمه في الاجتماعات الشعبية وما يردده الآلاف من جماهير الشعب التي جمعت لأداء الدور المطلوب منها وكان كل ما يجري من صور حولنا لا تمثل الواقع الأليم أنما تمثل نفاقا للحاكم وخداعا للشعب ذاته.
هذا ما كان قد جال بخاطري بعد أن عدت إلى منزلي صباح 29 سبتمبر بعد أن عشت صدمة الانفصل المفاجئة والسريعة فسطرته في يومياتي لم يكن إلا تعبيرا عما في نفسي وربما ضيقي من الحال الذي كنا قد وصلنا إليه.
ثم جاء يوم الجمعة 29 سبتمبر وقام جمال بإلقاء خطاب في ميدان الجمهورية وذكر فيه كيف تمت الوحدة والصعوبات التي واجهتنا في سوريا بعد قيامها وحمل على الانقلاب والقائمين عليه ذاكرا أنه قد تم بالغدر والخيانة وأن الرجعية وأعوان الاستعمار وراء هذا الانقلاب وقص على السامعين ما كان قد تم من إرسال قوات بحرية وجوية من مصر إلى اللاذقية ولكنه عاد وأصدر أوامره بعودتها ثانية بعد ن كانت قد ترحلت فعلا وبرر هذا التصرف منه بأنه لم يرغب في أن يقاتل العربي أخيه العربي وأشار في كلمته أيضا على المكاسب التي حققها الشعب السوري من قيام الوحدة مع مصر وطالبه بالمحافظة عليها ومن التفسيرات المطروحة اتهام الرجعية السورية أو الرأسمالية بأنها قامت بالانفصال ضد القرارات الاشتراكيةي وهذا يعني أيضا أن الاشتراكيين المصريين ضحوا بالوحدة في سبيل الاشتراكية إذ ثبت من التجربة أن هذه الراسمالية أو الرجعية قبلت الوحدة وفرضتها ولكن الاشتراكية استثارت هذه القوى القادرة وفي نفس الوقت لم يثبت أن لها عمق طبقي أو جماهيري بالمقابل بيستطيع الدفاع عن الوحدة فلم تهب جماهير الفلاحين والعمال للدفاع عن مكاسب الاشتراكية التي تحققت في ظل الوحدة والتي كان يمكن أن تتحقق إذا جاز لنا أن نتهم الرأسمالية بأنها فضلت مصلحتها الطبقية على الوحدة فنفس الاتهام يموجه للاشتراكيين كلاهما أي أن المصالح الطبقية أهم من الوحدة وكلاهما دفع الثمن غاليا فلا الأسمالية استمرت في سورياي ونال المجتمع الصناعي المتقدم الذي أرادته ولا الاشتراكيون استطاعوا بناء المجتمع الاشتراكي الموعود لا في ج ع م ولا في مصر وحدها.
إذا تباهى الرأسمالي بحقيقة أن الوحدة ممكنة في ظل الرأسمالية والانفصال محتوم بالقرارات اشتراكية فيجب ألا ينسى أنه بدون الوحدة العربية لا أمل لا في استقرار النظام الرأسمالي ولا إزدهاره في أي قطر عربي بمفرده. وبالانفصال طوي علم الوحدة.
ثبت أن عبد الناصر ليس لديهس الطاقة العسكرية لفتح الأقاليم العربية بالقوة ولا لديه الجهاز السياسي القادرعلى قياد الثورة الوحدوية ولا النظام السياسي الذي يجذب القوى الوحدوية والمتمرددة.
كان الاحتمال الوحيد الذي لديه الطاقة العسكرية لفتح الأقاليم العربية بالقوة ولا لديه الجهاز السياسي القادر على قيادة الثورة والوحدوية ولا النظام السياسي الذي يجذب القوى الوحدوية والمترددة.
كان الاحتمال الوحيد الذي راهن عليه الوحدويون هو استمرار انتصارات عبد الناصر ضد الاستعمار وإسرائيل لاستمرا الدفاع الثوري في شراع الوحدة القوميةي ولكن بعد معركة القناة وتصفية الاستعمارييني البريطانيين والفرنسي من المنطقة تقريبا لم تعد هناك معارك سهلة يستطيع كسبها ضدهما لم تبقى إلا الساحة الإسرائيلية وهذه قام بينه وبينها حاجز هو القوات الدولية وهذا الحاجز كان يقوم على قاعدة صلبة من الرفض الناصري لأية مواجهة شاملة مع إسرائيل.
ولأن الزعامة الناصرية كانت تقوم على فرد وليس على أمة ولا نظام ولا مؤسسة ومن ثم كان لابد أن تبقى له القداسة وسحر الانتصارات الدائمة فلما لم يتحقق ذلك زال مبرر الوحدة.
والدليل أن هذا الزعيم الذي سعى إليه بالوحدة ضباط عظام مثل البزري والسراج وطعمه العودة وإكرام ديري وحنيد وعبد السلام والطبقجلي ورفعت الحاج سري رفض الوحدة معه تلميذان من تلاميذه أحدهما لا ينسى أن الزعيم صافحه مرة ونظر إلى عينية نظرة غريبة والآخر ما زال يعش في خطب وبيانات صوت العرب التي حفرت في عقله من أيام المدرسة الإعدادية ومع ذلك لم يخطر ببال أحد منهما أن يفعل ما فعله ضباط الجيش السوري أو العراقي.
هكذا فإن الزعيمي الذي حقق أكبر انفصالين في تاريخ الأمة العربية انفصال السودان عن مصر وانفصال الإقليم السوري توجه بطلا للوحدة العربية وطوبى للمغفلين.