ربانية التعاليم

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ربانية التعاليم


بقلم : الأستاذ عادل الشويخ

مقدمة

التدريج ... من صغار العلم إلى قضاياه الكبيرة يمثل حقيقة أساسية في ربانية التعليم.

والتكامل .. يمثل الحقيقة المتممة .

كتكامل ألوان الطيف لتنتج اللون الأبيض.

إذ كذلك يكون نقاء التربية الإسلامية البيضاء المتضمنة لألوان مباهج المعرفة، الخالية من شوائب الإلحاد والبدع والفسوق.

لكنها لن تكون تلقينية فقط بين الجدران، وإنما هي تأميله وعملية أيضا، تدلف من المحراب إلى دروس الواقع ومكامن الجمال عبر نوافذ الحياة الواسعة ، فيرق الشعور، وتمر العاطفة ، وتسكن القلوب ، فتتفجر معاني الخير.

تمهيد

إن ( إن ربانية التعليم ) أحد أهم المفاهيم التربوية في عملية التدريس عموما، وفي مجال التعليم والتربية الدعوية بشكل خاص. ويعني هذا المفهوم أن عملية التعليم يجب أن تكون بحكمة، وتتمضن التدرج في تدريس صلب العلم قبل فروعه، ولا يقوم بهذا العمل إلا الفقهاء الحكماء، والمربون الوعاة.

وربانية التعليم لا تتم بتبلغ الفقه المجرد فقط، وإنما باتخاذ الوسائل الحكيمة ،ووفق أفضلها أيضاً، ومنها: إعطاء صغار العلم قبل كباره ، وقد أخذ هذا المعنى التربوي أسمه من أحد معانية الخاصة الواردة في قول ابن عباس رضي لله عنه – كما في كتاب العلم في صحيح البخاري.

( كنوا ربانيين حكماء فقهاء .

ويقال الرباني الذي يربي بصغار العلم قبل كباره ).

وصفه الربانية قد تكون نسبة إلى ( الرب) عز وجل ، أو إلى التربية ) وإطلاقها على هذا المفهوم التربوي من باب إطلاق الخاص على العام.

وقد سبق السلام بهذا الإدراك الوعي. أحد أهم مسائل وأسس التربية المعاصرة.

إلا ترى أن المناهج في المراحل الدراسية المتعددة يسبق بعضها بعضا، والمسافات الجامعية ينبني بعضها على بعض، ولا يسبق تدريس بعض الأجزاء أجزاء أخرى ! فكل فمن ترتبط أجزاؤه وفق نسق منطقي ، والعلم، بشموليته : تنسق فنونه بعضها ببعض ، بحيث لا يتقدم المبهم الدقيق على الواضح السهل ، ولا النتيجة على المقدمة، ولا الأهم على المهم، ولا يتقدم صعب على سهل ، وغير ذلك ، وقد أوضح أبن حجر شمولية معنى صغار صعب على سهل ، وغير ذلك، وقد أوضح ابن حجر شمولية معنى صغار العلم وكباره فقال:

( والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله ، وبكباره ما دقَّ منها.

وقيل يعلهم جزئياته قبل كلياته ، أو فروعية قبل أصوله ، أو مقدماته قبل مقاصده)-1.

أن الذي يحدو إلى توضيح هذا المعنى التربوي في مجال العمل الإسلامي الدعوي. رغم معرفته في عالم التدريس والتربية المنهجية. هو ما يظهر أحيانا من محاولة بعض الدعاة والمربين أو الخطبأ. تزويد الناشئة أو من هم دون المتسويات الملائمة بكمية هائلة ن المعلومات الشرعية أو الدعوية . أو اختيار ما لا يناسبهم من ناحية المعاني، وقد كون الأمر في غالب الأحوال رغبة المربين بالحصول على السريع على طبقة متقدمة من الدعاة ، أو تبليغ أكبر كمية من المعلومات بأقصر الطرق ، وقد تكون. في أحيان قليلة كما نرجو. بسبب حب المربي لنوع من الوجاهة والرئاسة، فيحب الظهور بمظهر العالم المتمكن، أو لآجل مباهاة الأقران، فيسارع إلى تبليغ المعلومات الوافرة والمتقدمة.

كما أن الناشئة أو طبقات الدعاة المختلفة هي الأخرى تتطلع إ لى الاستزادة من كثرة المعلومات والتشوق إليها دون الاستفادة العميقة منها،. أو دون امتلاك الاستعداد الكافي لهضمها وإدراكها وتشوفهم. يتجاوز العلوم الأساسية ، لمعرفة غيرها من شوارد المعرفة ، أو خصوصيات المسائل وقد يكون الدافع لهؤلاء. في بعض الأحيان- إخلاصهم للدعوة ومحاولة الارتقاء السريع بمستواهم ، كما قد يكون أيضا – في أحيان أخرى – محاولة منهم للاستشراف الشخصي للتصدر ، أو حبا في الاستطلاع الفكري ، أو طمعاً في التدخل بما لا يعنيه من أجل إشباع غريزة التطلع.

وقد لا يقتصر الأمر على الشيوخ والمربين من جهة ، أو الجدد وطبقات الدعاة من جهة أخرى ، بل قد يتجاوز الأمر للحديث بكبار العلم ومهامته أحيانا إلى المجالات العامة، والمنتديات المفتوحة ، وأمام جماهير المسلمين بل وخارج إطار العاملين للإسلام.

أن الالتزام بهذا المفهوم يجب أن يكون واضحا ، ومقرراً وسط الجماعة المؤمنة ، فهو ليس كتماً للعلم، ولا محاولة للتمييز بين طبقات الدعاة ، وما هو بالاستعلاء ، على الناس ، بل هو منهج رباني يخم المصلحة الدعوية وبقي من لأواء الفتن ، ومصارح المحن ، ويحقق قواعد الاستقرار الإداري للجماعات الإسلامية.

ولا من التوضيح هنا إلى ما نقله ابن حجر في كلامه السابق حول ( الفروع قبل الأصول) ليست على إطلاقها ، ولهذا فسوف توضح فيما بعد أن شاء الله تعالى.

مبررات ربانية التعليم

مقدمة

قبل الشروع بالشرح التفصيلي لمسائل ربانية التعليم ، نوضح أهم مبررات هذا المفهوم:

من أجل عدم الوقوع في المفسدة لقصر الفهم

وقد أمتنع الرسول صلى الله عليه وسلم – عن هدم الكعبة ثم بنائها حتى لا تظن قريش أنه بناها لينفرد بالفخر عليهم ، فترك المصلحة خوفاً من الوقوع في المفسدة ، وأعتبر حديثة ، هذا من أعمدة أدلة الموازنة بين المصالح، وأستنبط منها البخاري مفهوم ربانية التعليم ، ولا بد من ضرورة منع بعض العلم خوفاً من الوقوع بما هو أشد لقصور الفهم عن ذلك.

فترجم البخاري لحديث ( عدم هدم الكعبة ثم بنائها ) بقوله:

( باب: من ترك بعض الاختيار مخافة أو يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشد منه ).(2)

عدم إضاعة العلم

إذ أن كل فن له أوائل تقود إلى أواخره، ولهذا فلا بد من أخذ الأوائل قبل الأواخر ، والفروع قبل الوصول، وذلك في العلم الواحد، والفن الواحد، إذا ما كانت كل الفروع والأصول على مستوى واحد من صعوبة الفهم، وعلى درجة واحدة من الأهمية، أما عكس العملية فيقود إلى إضاعة العلم.

( ... وأعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أؤاخرها ، ومداخل تقضي إلى حقائقها ، فليبتدئ طالب العلم بأوائلها ، لينتهي إلى أواخرها ، وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها ، ولا يطلب الآخر قبل الأول ، ولا الحقيقة قبل المدخل، فلا يدرك الآخر، ولا يعرف الحقيقة، لأن البناء على غير أسس لا يبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى) (3).

أما إذ كانت الأصول أهم من الفروع فالابتداء ، بها أولى ، كأمور العقيدة وصفات الخالق وأسمائه ، فهي أولى من أدراك مسائل الفقه وأمور الخلاف، وكذلك إذا كان أصول فنٍ ما أسهل من فروعه، فالابتداء ، بها أجدى وأنفع ثم ينتقل إلى التفصيلات الأصعب بعد ذلك.

وبذلك يتحول – في بعض الأحوال – إلى ضرورة الأخذ بالأصول قبل الفروع ، وفي كل من الحالتين يكون الاستبدال إضاعة العلم ، وتجاوزاً لمفهوم الربانية ، وسيأتي مزيد من إيضاح لذلك.

عدم التنفير من العلم والتخبط

ولهذا المعنى أشار الغزالي ، واعتبرها من وظائف المربي والمعلم ، فحدد ذلك بقوله:

( ... أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله ، فينفره ، أو يخبط عليه عقله .. وذلك قيل: كلْ لكل عبد بمعيار عقله، وزن له بميزان فهمه ، حتى تسلم منه وينتفع ب: ولا واقع الإنكار لتفاوت المعيار) (4).

إذ أن طالب العلم إذا ما أخذ علماً لا يستوعبه ، أو أن حدود تجاريه الحيوية وطبيعته النفسية لا تستطيع إدراكه فأنه يؤدي به إلى عدم توازنه، بل وإلى انحرافه ، ولذلك فإن الفلسفة والمناظرات الكلامية أو بعض أمور المنطق قادت بعض طلبة العلم إلى الشطط ، بل إلى الانحراف عندما لم يتم بناؤهم الفكري ولم يستكملوا علم الشرع، كما حصل لأمثال ابن سينا وابن رشد ، مما اضطر بعض العلماء – لوجود هذه الظاهرة ، إلى تحريم دراسة المنطق ، كابن الصلاح وغيره، بينما صار المنطق والكلام سلاحاً ضد الأعداء الإسلام بيد جهابذة العلماء، - كابن تيمية والغزالي – حرمهما الله تعالى ، ولذلك فقد يكون في معرفة القليل من الجاهلة انحراف أو ضلال ، وفي معرفة الكثير منها عند فهم القواعد والأصول – مزيد إيمان ويقين.

عدم الوقوع في الترف الفكري

إذ أن تعلم المبتدئ جملة من العلوم التي لا يعمل بها ، ولا يستفاد منها ، تجعل منه شخصاً نظريا، فتؤدي الظاهرة عند توسعها إلى عيب كبير في صفوف الدعاة، إذ يتحول الداعية عندئذ إلى أشبه بباحث نظري يبحث في الكتب وحسب ، فيفلسف الأحداث دون استيعاب ، وبالتالي يحصل الفتور في العمل والضعف في الإيمان ، وتصبح بضاعته مجموعة من الأحاديث النظرية والمجادلات، وتكون متعته في المباحث النظرية والمطالعة المجردة ، دون تحمل عبْ المشاكل، ومشقة المخالطة ، ولو ظل على هذا لهان الأمر ، بل قد يتحول الداعية – كما تشهد التجارب – إلى كاتب يبرر الانحراف ، ويفلسف الأخطاء، ويدافع عن الفتن، وينقد العمل الجاد، بل وقد يكبر الأمر الصغير ويهون الشأن الكبير ، وكل ذلك لأنه أسير تأملاته النظرية ، وثقافته غير المتوازنة.

الأمان من الخطأ

فإن كثرة الحديث تورد كثرة الخطأ والالتباس ، وفي القلة أمان من ذلك ( وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً)، وقد قالت العرب ( من كثر كلامه كثر سقطة ) ، كما أورد مسلم في مقدمه صحيحه قول الرسول – صلى الله عليه وسلم :

( كفى بالمرء أن يحدث بكل ما سمع)...

وقد علق الإمام النووي على ذلك بقوله عن هذا الحدث والآثار التي في الباب:

( ففيها الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان ، فإنه يسمع وفي العادة الصدق والكذب ، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب، لأخباره بما لم يكن.. ).

وكذلك:

( أنه إذا حدث بكل ما سمع كثر الخطأ في روايته، فترك الاعتماد عليه والأخذ عنه... ) (5).

الابتداع في الدين

ما دام عدم الآخذ بهذا المفهوم مما نهى عنه الشارع ، فإن عدم الأخذ به من الابتداع فقال:

( ... ومن ذلك التحدث مع العوام با لا تفهمه ولا تعقل معناه، فإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها ، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها ، وهو الغالب. وهو فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق ، والعمل بالباطل وإما لا يفهم منها شيئا ، وهو أسلم، ولكن المتحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون، بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله ... ) (6) .

انفضاض الناس

إن الإكثار من الحديث ، وما قد يجره من ملل على السامع يجعل الناس تاركين للعلم وراءهم، وبالتالي يفقد العالم هيبته.

والعلم كمعروض للتجارة ، تزداد الرغبة فيها عند القلة، وليس المقصود حجر الناس على العلم ، وإنما من أجل زيادة حرصهم عليه ، حتى لا يكون من كثرته وإشاعته تزيدها للناس فيه، وابتعادهم عنه ، وفي حكمة لقمان قوله:

( العالم الحكيم يدعو الناس إلى عمله بالصمت والوقار، وأن العالم الأخرق يطرد الناس عن عمله بالهذر والإكثار) (7) .

عدم التوازن بين العلم والعمل

وليعلم أن عدم التوازن بين العلم والعمل مفسدة أيضاً ، وهي كنمو أحد جناحي الطائر ومضمور الجناح الآخر ، فيكون الصعود والتحليق أيذانا بالسقوط من مرتفع أعلى ، فيؤدي إلى احتمالية أكبر من أن يلقى حتفه ويتهشم ، وتدل تجارب الحكماء قديما وحديثا على كراهية عدم التوازن بين المنطق والعقل ، وقد قال – من قبل – سليمان بن عبد الملك:

( زيادة منطق على عقل خدفه ، وزيادة عقلً على منطق هجنه)-

بل أن زيادة المنطق، وحلاوة اللسان ، وعبذوبه العلم نهايتهن مريعة إذا لم يزينها عقل ، وتحدها تجارب، ويدركها عقل وأعٍ يحدد مواقم الكلم، ومواطن اللفظ ، فيختار الحديث المناسب للمجالس المناسبة ، وينتقي أطايب الكلام على قدر الرجال .. وقد قال حكيم العرب الأحنف بن قيس – رحمه الله.

( حتف الرجل مخبوء تحت لسانه ) (8).

آفاق الربانبة

مقدمة

وحتى يصبح مفهوم الربانية واضحا، لا بد من التوسع في ذكر بعض آفاق هذا المفهوم ، وما قد يتضمنه من تقديم بعض العلوم على بعض ، أو أجزاء من ما دون أجزائه الأخرى أو تقديم خاصة قبل غيرها ، وما قد يرتبط بتدريس العلم وتعليم المعرفة من أمور ملازمة .

ومن هذه الأفاق:

الجزئيات قبل الكليات

والمقصود بهذا ما ورد في كتب الفقه من مسائل يطالب المكلف بفعلها أو تركها ، إيجابيا أو استحبابا ، وقد أوردت الشريعة أدلة تلك المسائل ، ثم جاء العلماء ، بعد ذلك ، واستنبطوا من هذه الجزئيات مجموعة قواعد كلية قد تتخلف آحاد الجزئيات عنه، وصارت عرفة هذه الكليات طريقا لضبط الجزئيات ، ولكنها تظل غير صالحة لقيام التكليف عليها ، فالمسلم مكلف بفروع الشريعة، وهي التي سيحاسب عليها في الآخرة، ومعرفتها – أذن – لا فهم الجزئيات التي قادت إلى التقعيد كي يمكن له التدرب على الاستنباط ، والقياس ، ثم الاجتهاد في الفروع المستحدثة.

وكذلك فأن الشريعة لها مقدمات لا بد للمكلف من معرفتها والعمل بها، ثم يحاسب بمقتضاها ، ولكن خلال الاستقراء لمقدمات الشريعة يتبين أن لها مقاصد وحكمها وعللا ، وأن الله تعالى يشرع لحكمه وعلة ، والشريعة تحفظ العقل والمال والنفس وغير ذلك من مصالح العباد في المعاش والمعاد، ولكن المكلف يبقى محاسبا على المقدمات دون المقاصد، ويبقى التكليف مبنيا عليه حتى دون معرفة المقاصد ، بينما تظل معرفة المقاصد ، ويبقى التكليف مبنيا عليه حتى دون معرفة المقاصد ، بينما تظل معرفة المقاصد جزءاً من علم المجتهد لبناء عليه ، والقياس وفقه ، ثم يكون الاجتهاد وفق مقصاد الشريعة ، وكذلك يمكن للمكلف معرفة المقاصد والعلل زيادة له في يقينه، وتعميقا في إدراكه.

وتضرب مثلا على هذا المنهج أيضا بأصول الفقه الذي دون كعلم تال للفقه، فالفقه الحنفي على وجه الخصوص بني جملة وتفصيلا على فروع الفقه، فأصبح رغم أصوليته تابعاً للفقه، وأصول المذاهب الثلاثة الأخرى رغم توسعها وفقا لمناهج علم الكلام لا أنها لم تنضج إلا بواسطة تطبيق الفروع الفقيهة المستندة على الأدلة ، وبقى الأصول علما لا بد منه للمجتهدين بينما الفقه علم سائر المكلفين ، وقواعد الفقه ما هي إلا مثل آخر إذ أنه لم يتبلور إلا في القرن السابع، واستفاد منه العلماء، ولكن معرفة الفروع تظل سابقة عليه في ضرورة تعلمها كما كانت سابقة عليه زماناً، رغم أنها تجمع العديد من الفروع ، وتسهل حفظها وإدراكها.

ولهذا فإن المقدمات قبل المقاصد، والجزئيات قبل الكليات في أمور الشريعة عموماً، وفي مسائل الفقه خصوصاً، وكلا الأمرين داخلان في قاعدة الفروع قبل الأصول، أما فيما سوى ذلك فيما لو كان الأصل صلب العلم والفرع من هوامشه، أو أن الأصل يبني عليه الثواب والعقاب، والفرع تبع له، فإن القاعدة الأصلية تظل ( الأصول قبل الفروع)، كما ستبينه القاعدة التالية...

الأصول قبل الفروع

وهذا مبدأ واضح ضروري ، فتعلم أصول الشريعة لا بد منه قبل فروعها، وأرفع الأصول: أصل العقيدة ، كمعرفة الباري تعالى وأسمائه وصفاته، والإيمان وبأنبيائه ورسله ، ودون معرفة ذلك فالعمل يصيبه الإحباط، ولذلك قال السلف: العلم قبل العلم ، وترجم الإمام البخاري لهذا المعنى فقال:

( باب : العلم قبل القول والعمل ، لقول الله تعالى: فأعلم أنه لأ إله إلا الله " فبدأ بالعلم ، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء"(9).

بينما الفقه وفروع الشريعة تبع لذلك، وكذلك في الفن الواحد، ففي الفقه مثلاً معرفة ما تصح به العبادة أولى بالمعرفة من سنن العبادات وزوائدها، وهكذا.

ولهذا نرى بعض الصحابة استشهد في المعارك ، وهم لا يعرفون بعد من جزئيات الشريعة إلا معنى ( لا إله إلا الله )، كما أن كلمة التوحيد – كما يحصل في الجهاد- تضهم دم المرء- وذلك لضرورة تقدم فهم الإيمان إجمالاً، وبعد دخول الإنسان في دين الله تعالى، يبدأ بالاستفصال عن الأحكام التي تتضمنها كلمة التوحيد.

وحتى في إطار الأداب نجد أن العملية التعليمية تتخد هذا المفهوم التربوي، فلا ينتقل المدرس إلى علم الهوامش وتعليقات العلماء، وزوائد الخلان ، ونوادر الظرف حتى يستكمل أصول العلم والمعارف، ثم لا بأس عليه من الانتقال.

ونكتفي من ذلك ببعض ما أشار إليه الجاحظ حيث يقول:

( ولا تلتمس الفروع إلا بعد إحكام الأصول، ولا تنظر في الطرف الغرائب، وتؤثر رواية الملح والنوادر ، وكل ما خف على قلوب الفراغ وراق أسماع الأغمار إلا بعد إقامة الحدود، ولبصر بما يلثم من ذلك العمود، فإن بعض من كلف برواية الأشعار بدأ برواية أشعار هذيل قبل رواية شعر عباس بن الأحنف .. وناس من أصحاب الفتيا نظروا في العين والدين قبل أن يرووا الاختلاف في طلاق السنة ) (10) .

والعمود من علم الشريعة ما كان المكلف محتاجاً إليه بذاته ، ثم ما يحتاج إليه الناس ، في عقيدتهم أولاً عباداتهم ثم ما يصحح أمور معاشهم ، ثم الانتقال إلى العادات ، ثم يزيد في معرفته ما يشاء من زيادة في دليل أو تحقيق لمسألة ، أو إكثار لموارد خبر.

وما ينطبق في المجال النظري ينطبق على السلوك أيضا ، فمن الدعاة من يطيع في صغار الأمور دون كبارها ، أو ما اعتاد عليه دون ذي الكلفة ، أو ما يتناسق مع الهوى دون ما يغلبه الهوى، وقد قال أن الجوزي – رحمه الله:

( رأيت كثيرا من الناس يتحرزون من رشاش النجاسة ولا يتحاشون عن غيبه ، ويكثرون من الصداقة ولا يبالون بمعاملات الربا، ويتهجدون بالليل ويؤخرون الفريضة عن الوقت ، في أشياء يطول عدها من حفظ فروع وتضييع أصول.. فالله الله في تضييع الأصول ، ومن إهمال سرح الهوى، فإنه من أهملت ما شيته نقشت في زروع التقى... ) (11).

وللتمييز بين قاعدتي ( الأصول قبل الفروع )، وما سلف ذكره من أحوال استثنائية : أنه في الفن الواحد ، وعند تساوي اصلوه وفروعه في الفهم: تكون الفروع قبل الأصول ، ويمكن الاستشهاد بقاعدة شرعية يسهل استقراؤها في الكثير من الشرائع والفرائض والتوجيهات القرآنية ، ذكرها الأستاذ سيد قطب رحمه الله – عند الحديث عن التدرج في تحريم الخمر- بقوله:

( عندما يتعلق الأمر أو النهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني ، أي بمسألة اعتقاديه ، فإن الإسلام يقضي فيها قضاء حاسما منذ اللحظة الأولى.. ولكن عندما يتعلق الأمر أو النهي بعادة وتقليد ، أو بوضوح اجتماعي معقد ، فإن الإسلام يتريث به ، ويأخذ المسالة باليسر والرفق والتدرج، ويهيء الظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة.

فعندما كانت المسألة مسألة التوحيد أو الشرك ، أمضى أمره منذ اللحظة الأولى، في ضربه حازمة جازمة، لا تردد فيها ولا تلفت ، ولا مجاملة فيها ولا مساومة، ولا لقاء في منتصف الطريق ، لأن المسألة هنا مسألة قاعدة أساسية للتصور، لا يصلح بدونها إيمان ولا يقام إسلام.. ) (12).

وتطبيقا لها المبدأ فإن تعلم العقيدة قبل الفقه لا بد منه ، وأصول الشريعة كالقرآن والحديث، قبل فروع خلاف والتوسع الفقهي، كما أن القاعدة تنطبق في الفن الواحد ، فقراءة القرآن وتلاوته قبل معرفة تفسيره، وتفسيره العام قبل الغوص بدقائقه، والغوص بدقائقه النافعة قبل الخوض بالمتشابهات، أما في الحديث فمعرفة الصحيح قبل الحسن ، والحسن قبل الخوض بمعرفة الضعيف ، ومعرفة متون الأحاديث الصحيحة والإطلاع على شروح البخاري ومسلم أولى من الانشغال بطرق الجرح والتعديل، وتخريج الاسانيد ، وتعلم الفروض في الفقه أولى من دراسة السنن، وأبواب الصلاة والزكاة مقدمة على معرفة الوكالة والشركة.

ويتبقى على الداعية معرفة أن ما تسلم به العقيدة ، وتصح به العبادة، وقواعد الدعوة إلى الله تعالى، مقدم على الثقافة العامة وحديث السياسة ، ولا بد كذلك من التذكير أن بعض هذه العلوم قد تتغير أفضليتها من شخص لآخر، أو في زمان دون غيره ، فالداعية التأجر يكون تعلم الزكاة وقواعدها أوجب عليه من غيره ، وتعلم قواعد الجهاد لداعية يمارسه مقدم على علوم أخرى، وتعلم الداعية الرد على الشيوعية في بلاد تناطح الشيوعية فيها الحركة الإسلامية مقدم على غيرها، بينما تكون دراسة الشيوعية في مكان آخر من الترف الفكري ، وهكذا.

العلوم الشريعة بالنسبة لغيرها من كبار العلم

وما عدا علوم الشرع فهي من صغرها، فما كان من الكتاب والسنة والإجماع فهو علم مقطوع به أنه من الحق ، وهو الذي عليه الثواب والعقاب، وهو ما أراد الله تبليغه لعباده، وأرسل لأجل هذا التبليغ رسوله به، وأنزل كتابه ، وفي مقابل ذلك علوم مختلفة مما في أيدي أهل الكتاب ، وما قاله أكابر هذه الأمة ، علماؤها وأمراؤها ، وكذلك تتضمن الأقيسة العقلية الشرعية، وما ينقدح في عقول البشر. كل فيه الحق والباطل ، فلا يرد كله ولا يقبل كله، بل يقبل منه ما وافق الحق ، ويرد منه ما فيه من الباطل.

وبها الميزان تصبح كل هذه العلوم من صغار العلم مقارنة بعلوم الشرعية القطعية التي يجب تقديمها، وذلك:

( إن الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله ، وذلك في حقنا ، ويعرف بالكتاب والسنة والإجماع ، وأما ما لتجي به الرسل عن الله ، أو جاءت به ولكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به ففيه ، الحق والباطل ، فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع: للكتاب والسنة والإجماع ، فإن هذا حق لا باطل فيه ، وأجب الاتباع لا يجوز تركه بحال.. ) (13).

بل وحتى العلوم الشرعية لها منازل ومراتب ، ولا ينتقل من علم إلى آخر إلا باستكماله ، فقد قال أحدهما لمؤدب ولده:

( لا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن اصطكاك العلم في السمع وازدحامه في الوهم: مضلة للفهم) (14).

صلب العلم قبل ملحة

فكل علم أو فن له صلب ، وله ملح، ويتميز أحدهما. عن الآخر بأن صلب العلم يمتاز بثلاثة خصائص:

الأولى : هي العموم والاطراد .

الثانية: هي الثبوت في غير زوال.

والثالثة: كون العلم حاكماً لا محكوماً عليه ، بمعنى كونه مفيداً لعمل يترتب عليه ما يليق به.

( والقسم الأول هو الأصل والمعتمد والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين ، وذلك ما كان قطعيا أو راجعاً إلى اصل قطعي، والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها.. وأيضا فإن الكليات العقلية مقتبسة من الوجود. وهي أمر وضعي لا عقي ، فاستوت مع الكليات الشريعة بهذا الاعتبار ، وارتفع الفرق بينهما.. ) (15) .

وهذا مظهر آخر من تقدم الأصول على الفروع ، بل أن الشريعة نفسها بتكاليفهما ليس على نمط واحد ، فقد وجد بالاستقراء ، أنها على ثلاثة أنواع: استكمالها ، وكل تكليف قد يكون مداره على التقسيمات الثلاثة.

الواضح قبل الغاض

ومن معاني الربانية أن الواضح من المسائل مقدمة على الغامض منها، وهذا معنى قول ابن حجر أن المراد ( بصغار العلم ما وضح من مسائلة، وبكباره ما دق منها )، إذ أن من المعلوم أ، في كل علم جوانب واضحة بسهل فهمها وفيه ما قد يصعب فهمه، أو يحيطه شيء من الغموض، فيكون الواضح أولى بالتعلم من غيره.

والأصل في المفتي والكاتب والداعية والخطيب ابلاغ العلم لأهله على هذا المنوال، فلا يجوز للمفتي، عند ابن القيم. ( تخيير السائل ، والقاؤه في الأشكال والحيرة، بل عليه أن يبين بياناً مزيلاً للأشكال، متضمناً لفصل الخطاب ، كافيا في حصول المقصود ، لا يحتاج معه إلى غيره) (16).

ويقال على المفتي غيره من أهل التربية والتعليم.

وقد ورد في النصوص نهي الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن الأغلوطات، وهي الألغاز الملتوية، وهذا الدليل ، وأن لم يكن مباشراً إلا أن الأمام الأوزاعي، رحمه الله – أخذ هذا المعنى المراد من الحديث.. فقال مفسراً:

( يعني صعاب المسائل) (17) .

وكما أن الأمر ينطبق على المعاني، فهو أيضا ينطبق على الألفاظ، فاختبار الواضح منها أولى من اختيار الغامض، والبلاغة الحقة في اختيار المفهوم، وترك المعقد، فالبيان في بعض ما قبل عنه:

أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويحكي عن مغزاك ، وتخرجه من الشركة ، ولا تستعين عليه بالفكرة ، ولذي لا بد منه أن يكون سليما من التكلف بعيدا من الصنعة ، بريئا من التعقد ، غنيا عن التأويل) (18).

ومما يتفرع عن ذلك كراهية التقعر في الكلام، والبعد عن بسيط القول والسهل المفهوم من الكلام ، والأجدي اختيار أقصر الطرق ، وأسهل الأساليب التي يفهمها المخاطب، ويدرك كنهها ، دون أن يؤدي به ذلك إلى عدم الفهم ، أو تحميل المعاني غير ما تحتمل.

المرونة في الأخذ والعطاء

فمهما بلغ العالم من العلم فأنه لا يستطيع إدراك كل أمر، فما أكثر ما سقط جهابذه العلماء في نسيان أمر بسيط ، وقد قال عمر رضي الله عنه: لا أعلم ما الأب ؟ لما قرأ ( وفاكهة وأبا) ، وأنكرت عائشة رضي الله عنها روايات بعض الصحابة، كما أنها نفسها استدركت على كثير من الصحابة أخطاءهم ، وكأنه سر من أسرار الله تعالى ليثبت العصمة فقط لانبيائه، ولكي يظل العلم أخذاً وعطاء ، ولا بد فيه من التدريس لأجل التعلم ، كما أنه لا بد من طلب السؤال والاستيضاح كي يتبين الخلل ، ويسد النقص، ويدفع غرور المتحدث ، ويشارك الآخرين بالرأي.

( بلسان سؤال ، وقل عقول ، وكنت إذا لقيتُ عالماً أخذت منه وأعطيته) (19).

التدرج

وهذا يقتضي الترتيب بين أجزاء الفن الواحد من العلم، أو بين الفنون المختلفة من العلم ، والقفز دون مراعاة الترتيب يضيع العلم، ويبعثر الجهد، وليكن القصد تحري الترقي باستمرار.

( فإن العلوم مرتبة ترتيبا ضرورياً ، وبعضها طريق إلى بعض، والموفق من راعي ذلك الترتيب والتدريج) (20).

وهنا موازنة لا بدمن ذكرها ، وهي أن لا يعكف المتعلم على إتقان فن من فنون العلم بحيث يحيط بكل جوانبه ومسائله وفروعه ، فإن العمر لا يتسع لكل ذلك ، بل أن العمر لا يكفي أحيانا لاستجماع علم واحد فقط، ولكن المقصود أخذ قواعد كل فن، وأحسن ما فيه. ومناهجه العامة، حتى لا يضيع غيره ، ولذلك قيل في وصايا المتعلم.

( أن لا يخوض في فن من فنون العلم دفعة، بل يراعي الترتيب ، ويبدأ بالأهم ، فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبا أن يأخذ من كل شيء أحسنه) (21) .

والتدريج في العلم مظهر من مظاهر التيسير ، والتبشير ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما في كتاب العلم من صحيح البخاري:

( يسروا ولا تعسروا ، بشروا ولا تنفروا).

وقال ابن حجر معقبا:

( ... وكذا تعليم العلم يجب أن يكون بالتدريج ، لأن الشيء إذا كان ابتداؤه سهلا حبب إلى من يدخل فيه ، وتلقاه بانبساط ، وكانت عاقبته غالباً الازدياد ، بخلاف ضده) (22).

ومن فروع التدرج التدرج مع تلميذك:

( أن تناوله المعلومات وتكسبه الصفات بتدرج ، وحسب أهميتها المطلقة، شرعاً ومصلحة أو أهميتها المرحلية، أو أهميتها النسبية المنبثقة من طبيعة تربيته السابقة قبل أن يبدأ رحلته معك ، فتبدأ بالأهم ، فالأقل أهمية..) (23).

وكذلك يجب أن تغرس الموازين الأساسية قبل تطبيقاتها الجزئية، أو المعلومات التكميلية ، وعلي تربيتنا الدعوية:

( أن تهدر الجزئيات والتفاصيل وتعتني بغرس الموازين الإسلامية وفق نظرات شريعة صافية بعيدة عن أطوار التفكير الجاهلي، والغربي خصوصاً.. ولا يضير بعد ذلك أن يكون التلميذ مفتقدا لصفات أخلاقية إسلامية تكميلية ، أو معلومات سياسية ثانوية ، أو أعرف إدارية ثانوية...) (24).

ومظاهر التدرج هذه مطلوبة في طلب العلوم الشرعية والدنيوية ، كما إنها مطلوبة في الفقه الدعوي، وبالتالي فإن معرفة صفات الخالق وأسمائه ومعرفة توحيد الربوية والألوهية أولى وأهم من الخوض في الخلافات الكلامية ، ومناهج علماء الكلام، والردود على أهل البدع، وكذلك معرفة علم التوحيد يجب أن تسبق معرفة علم الفقه، والجد في فهم القرآن وقراءة الحديث مقدمة على أصول الفقه والخلاف.

واستغرب أبن الجوزي كيف أضاع بعض العلماء أعمارهم في تفويت علوم مهمة نتيجة لانشغالهم بعلم واحد، طمعاً في استكماله ، وتحصيل كل فروعه، فأدى ذلك إلى تضييع بقية العلوم، دون الحصول على فائدة العلم الواحد ، إذ أن بين العلوم تداخلاً ، ولا تؤتي الثمرة إلا بفهم القليل منكل علم، ثم لا بأس من الاستكثار من أحدها و بعضها.

ومعرفة توحيد الربوية والألوهية أولى وأهم من الخوض في الخلافات الكلامية، ومناهج علماء، الكلام ، والردود على أهل البدع ، وكذلك معرفة علم التوحيد يجب أن تسبق معرفة علم الفقه، والجد في فهم القرآن وقراءة الحديث مقدمة على أصول الفقه والخلاف.

واستغرب ابن الجوزي كيف أضاع بعض العلماء أعمارهم في تفويت علوم مهمة نتيجة لانشغالهم بعلم واحد ، طمعا في استكمالها ، وتحصيل كل فروعه ، فأدى ذلك إلى تضييع بقية العلوم، دون الحصول على فائدة العلم الواحد، إذ أن بين العلوم تدخلا ،ولا تؤتي الثمرة إلا بفهم القليل من كل علم ، ثم لا بأس من الاستكثار من أحدها أو بعضها:

( أعلم أنه لو اتسع العمر لم أمنع من الإيغال في كل علم إلى منتهاه، غير أن العمر قصير، والعلم كثير.. فالتشاغل بغير ما صح يمنع التشغيل بما هو أهم .. ولما تشاغل يحيى بن معين فأته من الفقه الكثير.. ومن أقبح الأشياء أن تجري حادثة يسأل عنها شيخ قد كتب الحديث ستين سنة فلا يعرف حكم الله عز وجل فيها ) (25).

فأنظر نقد ابن الجوزي ليحيى بن معين عل غزارة علمه في الحديث ، وفضله ، ولكنه مع علمه الحديثي في الرجال غابت عنه بعض مسائل الفقه البسيطة ، بل – ورغم علمه_ لم يدرك ما وصل إليه أقرانه كالإمام أحمد وغيره رحمهم الله تعالى.

المتفق قبل المفترق

أن يكون التعليم للمسائل المتفق عليها ولا يخوض في مسائل الاختلاف ، فالاختلاف للمتعلم مفسدة ، وإضاعة لأصل مقاصد التعليم ، كما وأنه يربك عملية التفكير، إضافة إلى ما قد يؤدي إلى إضاعة الدين وحفظ أصول الشريعة ، لما في الأمر من ضياع في متاهة الجدل ولذلك قيل:

( أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الاصغاء إلى اختلاف الناس، سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة، فإن ذلك يدهش عقله ويحير ذهنه ،ويفتر رأيه، ويؤيسه عن الإدراك والإطلاع.. ) (26).

ولا يعني ذلك تقليل أهمية علم الفقه المقارن ومعرفة أسباب اختلاف الفقهاء ، فإن هذا العلم من الأهمية بمكان، وهو العدة الرئيسية لمن يطلب الاجتهاد ، أو لمن يطلب جمع صحاح المسائل وجيد الافتاء، إذا عزم على التحرر من ضيق التقليد المذهبي ، ولكن الكراهة تنصرف إلى تقديم الاشتغال بذلك وولتها ، من لا زال في مدارج البداية بمثل هذا الاختلاف، فإنه يشتت فكره ويوهمه أو هاماً يليق به أن يكون عنها بمعزل.

وما ينطبق على الفقه، ينطبق على العمل التربوي أيضا، وقد أورد ابن القيم هذا المعنى تمييزا بين المتكلم والسالك إلى الله:

( فترى المتكلم يبحث في الزمان والمكان والجواهر والأعراض والأكوان .. والسالك إلى الله قد تجاوزها إلى جمع القلب على ربه المكون وعبوديته بمقتضى أسمائه وصفاته .. فالمتكلم متفرق مشتغل في معرفة حقيقة الزمان والمكان، والعارف قد شح بالزمان والمكان أن يذهب ضائعا في غير السير إلى رب الزمان والمكان ) (27).

فعلى المربي والمعلم مراعاة ذلك وأن لا يسمح لإخوانه بالقفز في سلم المعرفة:

( وذلك بأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها، والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي.. ) (28) .

فهذا الواجب منصب على المربي والمعلم قبل التلميذ الطارئ على طلب العلم ، والذي قد لا يدرك المفسدة في ذلك، لذلك فالتقصير في تدريس العلم وفق مراتبه مما ينقد عليه العلماء ، ولذلك انتقد السلف بعض العلماء وقالوا عنهم :

( أبحثُ الناس عن صغير ، وأتركهم لكبير) .

( أعلم الناس بما لم يكن ، وأجهلهم بما كان) .

وقد تكون هذه الصفات من خصائص علماء الدنيا، الذي يطلبون بتدريس العلم الشهرة والرئاسة .

ويتضمن هذا المعنى أيضا عدم تتبع شوارد المسائل ، أو ما لا طائل وراءه . وقد قال ابن القيم:

( من تتبع غرائب المسائل ، لم يصب من الخير شيئاً).

التخصيص

ومن معاني الربانية في التعليم تخصيص قوم دون قوم بنوع من العلم، وذلك لاختلاف المفاهيم والمدارك ، والتجارب والمماراسات ، مما قد يؤدي إلى الفهم الخاطئ أحيانا من قبل البعض عند استماعهم أو قراءتهم لعلم دون مداركهم، أو أن يقود إلى تأويل واه، أو تفسير باطل ، بل قد يؤدي إلى تحميل الكلام أكثر مما يحتمله ، والبناء على الألفاظ أكثر مما تطيق ، وفي حالات أخرى قد يكون ظاهر الحديث أو المقال يقوى على بدعة، أو يقود إلى معصية بينما ظاهرة في الأصل غير مراد . ولذلك ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم – جملة أحاديث يستنبط منها هذا المعنى .. ومنها قوله لمعاذ:

( من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة

قال : ألا أبشر الناس ؟

قال: لا ، إني أخاف أن يتكلوا )- .

وقد استنبط البخاري المعنى المطلوب فترجم لهذه الأحاديث في كتاب العلم من صحيحه بقوله:

( من خص بالعم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا .

وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟).

وقال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه ، واعتبرها كقاعدة في منهجه:

( فأما عوام الناس الذي هم بخلاف معاني الخاص من أهل التيقظ والمعرفة، فلا معنى لهم في طلب الكثير، وقد عجزوا عن معرفة القليل).

وفي إطار العمل الإسلامي يضطر المربي أحيانا أو المعلم، انطلاقا من هذا المفهوم التربوي، أن يخص أفرادا دون غيرهم ببعض الأحاديث أو الكلام، وليس ذلك تضعيفا لهم أو عدم الثقة بهم، أو حجزهم عن خير كثير ، أو حرمانهم من فضل العلم، ولكن منعا لسوء فهم، أو إدخالهم في فتنة أو أن يكون العلم بحاجة إلى مقدمات أخرى ، ل قد يكون الغرض أحيانا من منع بعض الأحاديث عن بعض الدعاة هو حفظ قلوبهم من الوسواس، ولآذانهم من سماع الغيبة، ولصدورهم من الضغينة، وسد أبواب فضول الكلام عنهم، وإعانتهم على عدم التدخل فيما لا يعني ، أو الانشغال بما لا يجدي.

واستدل ابن حجر لهذا المعنى بذكر بعض أنواع الأحاديث التي يحدث بها قوم دون قوم ، فورد بعض ما اجتهد به علماء السلف... فقال:

( وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج قصة العرينين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأوليه الواهي، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهرة مطلوب) (29).

ومما روى أيضا ما ذكره مسلم عن ابن مسعود:

( ما أنت بمحدث قوماً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) (30).

قال ابن وهب:

( وذلك أن يتأولوه غير تأويله ويحملوه على غير وجهه).

وخرج شعبة عن كثير بن مروة قوله:

( إن عليك في عملك حقا كما عليك في مالك حقا، ولا تحدث بالعلم غير أهله فتجهل ، ولا تمنع العمل أهله فتأثم ، ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء ، فيكذبوك ، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء، فيمقتوك ) (31).

ومن دواعي التخصيص أيضا اختلاف قوة الدوافع إلى تدفع الدعاة لتعلم علم من العلوم، وقد يوافق العلم هوى الداعية وقد لا يكون ، وهذا يؤثر بدوره على المربي أو المعلم بإقباله على التدريس، وتوفره على التعليم، فلا يطوي ما عنده من المكنون، ولا يخفي عن جنوده المخزون. ولذلك فاختيار المربين لصنوف الدعاة في استماعهم لأنواع من الكلام يخضع إلى قواعد التربية وأصول البناء، ويحكم ذلك التجارب والممارسات الدعوية، وقد قيل:

( لكل تربة غرس ، ولكل بناء أس ) .

( ولكل ثوب لا بس ولكل علمٍ قابس ).

وما أحوج جمهور المربين والدعة لهذا المعنى ، وأن يقتصر حديثهم على ما ينفع، وترك الخوض في ما يقود إلى الخلاف أو قسوة القلب، من حديث الوجاهات، وأقاويل الفتن، وحوار القادة ، وخلافات الأقران، وأخبار السوء.

وهذا لا يتم أيضا ، وفوق ذلك كله – إلا بفراسة يمنحها الله تعالى لمن يشاء من عبادة العلماء ، حتى يستطيع تمييز الكلام المقال، واختيار السامع له.

( وينبغي أن يكون للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم ، ليعرف مبلغ طاقته، وقدر استحقاقه ، فإنه أروح للعالم وأنجح للمتعلم، وإذا كان العالم في توسع المتعلمين بهذه الصفة، وكان بقدر استحقاقهم خبيرا، لم يضع له عناء، ولم يخب على يديه صاحب وأن لم يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم، ومبلغ استحقاقهم ، كانوا واياه في عناء ، مكد ، وتعب غير مجد.. ) (32) .

وهذا الفراسة وأن كان للذكاء ، والفطرة منها نصيب، فإن للتقوى والتجارب نصيبها الأوفر.

وقد اعتبر بعض العلماء أن من الضرورة كتمان العالم لبعض العلم، بل وأنها من مظاهر الإمامة ، فقد قال الإمام مالك مؤكدا لهذا المعنى:

( لا يكون إماما أبدا ، وهو يحدث بكل ما سمع ) (33) .

فأنظر لهذا الفقه الوافر من الفقيه الجليل ، فالفقه ليس بكثرة الكلام، وإنما باختياره لمن يصلح هله .. ولذلك قيل:

( قلوب الأبرار قبور الأسرار ، فلا ينبغي أن يفشي العالم كل ما يعلم إلى كل أحد) (34).

ويجب التنبيه هنا – مع هذا التخصيص – إلى عدم إشعار الدعاة الآخرين من قبل المربين بوجود دروس خاصة ، أو بحوث مميزة ، أو دراسات معينة، وإشاعة ذلك- وإن كان من الضروري تربيتهم على ذلك، والرضا به – والسبب ما قد يحصل للبعض من فتور في طلب العلم الأولى والاستزادة ، وتشوقه إلى النهاية فينشغل قبله بحب الإطلاع ، وقد أشار الغزالي لهذا المعنى فقال عن المتعلم القاصر:

( ينبغي أن يقلى إليه الجلي اللائق به ، ولا يذكر له وراء هذا تدقيقا ، فإن ذلك يفتر رغبته في الجلي ويشوش عليه قلبه، ويوهم إليه البخل به عنه، إذا يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق ..) (35) .

سهولة العبارة مقدمة على صعوبتها

لأن الأصل تبليغ السامع بالمعنى ، وتوصيل العلم إليه بأقرب طريق دون التواء ، إذا لو صحت النية من المتحدث أو الكاتب لاختار أحسن السبل لإيصال العلم ، ولا يختار الطريق الوعر، لأنه ليس بحاجة لإثبات فصاحته، ولا لإظهار عمله، بل يطلب بالعلم رضا الرحمن:

( وعلى هذا النحو مر السلف الصالح في بث الشريعة للمؤلف والمخالف ، ومن نظر في استدلالهم على إثبات الأحكام التكليفية علم أنهم قصدوا أيسر الطرق، وأقربها إلى عقول الطالبين ، لكن من غير ترتيب متكلف، ولا نظم مؤلف، بل كانوا يرمون بالكلام على عواهنه، ولا يبالون كيف وقع في ترتيبه ، إذا كان قريب المأخذ ، سهل الملتمس..) (36).

ومن المسالك الوعرة في تصعيب الألفاظ، وإضاعة المعاني، ما قد يلجأ إليه البعض من استعمال المجاز المبالغ فيه، والرموز الشاذة المعقدة، وجميع أنواع المواضعة الاصطلاحية، والمواضعة ضربان: أحدهما: عامة وهي ما تواضع عليه العلماء في كل علم فيما جعلوه ألقابا لمعان لا يستغني المتعلم عنها ، ولا يقف على معنى الكلام إلا بها والثانية : خاصة وهذا هو الذي لا ينبغي استعماله من قبل الداعية، لعد فائدته من جهة ، ومظهر من التخليط في النية من جهة أخرى لأنه :

( إنما يختص غالباً بأحد شيئين: إما بمذهب شنيع يخفيه معتقده، ويجعل المرمز سبباً لتطلع النفوس إليه، واحتمال التأويل فيه سبباً لدفع التهمة عنه، وأما لما يدعي أربابه أنه علم معوز، وأن إدراكه بديع معجز .. ) (37).

وكلا الأمرين مما يترفع عنه الداعية ، وحتى لو احتاج إليها لسبب ثانوي فيربأ بنفسه عنها ، سدا للذرائع ، وابتعاداً عن قاله السوء ، ولكن مع هذا:

(.... ربما استعمل الرمز من الكلام فيما يراد تفخيمه من المعاني وتعظيمه من الألفاظ ، ليكون أحلى في القلوب موقعا ، وأجل في النفوس موضعا ، فيصير بالرمز سائرا ، وفي الصحف مخلداً.. ) (38).

وعندئذ لا بأس باستعماله ما دام مفهوما، ويقع في قلب السامع موقعا جميلاً، ما دام لا يقود إلى مفسدة ، على شرط عدم المبالغة والإكثار منه، أو التكلف للايتان فيه، وأن يكون السامعون ممن تدرك عقولهم مثل هذه الرموز، ومع هذا فالنقد هنا ينصب على الخطيب أو الكاتب إذا تكلف الأمر والصعوبة، وكان يمكن له التبسيط والتسهيل، إذ أنه يتعمد التكلف ويسعى إليه مما يشعر السمع بأنه يبتغي وراء ذلك شهوة القول، ولا يحرص على تبليغ المعنى ، وربما لا يكون مسؤولا عن ذلك ، فقد يكون الأمر بحد ذاته يحتاج إلى زيادة تأمل وفضل معاناة، حتى ينجلي ذو الخفاء، وينكشف الغامض ، وباستعمال الفكر فيه يكون الارتياض به فيسهل منه الصعب، ويقرب به البعيد، وعندئذ يبرأ القائل به من الاتهام ، والأمر مردودة إلى نفس الكلام، أو إلى العسر في الإفهام ، بل وأحياناً كل القصور في الفهم من ا لمستمع أو القارئ، فقد يمنعه مانع من تصور المعنى وفهمه ، فهذا من قلة الفطنة أحيانا، ولا ذنب لأسلوب الكاتب، وعلى من يبتلي بذلك كثرة المطالعة وإعادة النظر، والسؤال عما أشكل عليه ، وقد قيل:

( لا يدرك العلم من لا يطيل درسه، ويكد نفسه ، وكثرة الدرس كد لا يصبر عليه إلا من يرى العلم مغنما ، والجهالة مغرماً، فحتمل تعب الدرس ، ليدرك راحة العلم ، وينفي عنه معرة الجهل.. ) (39).

وقد يكون السبب شبهة تعترض المعني فتمنع من تصوره ، وتدفع عن إدراك حقيقته ، أو أفكار تعارض الخاطر ، فتذهل عن تصور المعني لا لانشغال الذهن ، وتعب العقل ، وغياب الوعي ، فهذه الأمور إذا طرأت على الإنسان لم يقدر على مغالبة قلبه، وإجبار عقله. وهنا يأتي المعني التربوي الذي أقصد من ربانية التعليم ، والتوسط في التقديم .. وقد قيل:

( أن لهذه القلوب تنافراً كتنافر الوحش ، فتألفوها بالاقتصاد في التعليم، والتوسط في التقديم ، لتحسن طاعتها ، ويدون نشاطها).

وبناء على ما ذكر يظل وأجب المربي منتصبا في ضرورة تخير الألفاظ لكل طبقة، ومعرفة طبيعة المستمعين جزء مهم من الوعي ، وقد يكون التدقيق الكثير مضيعة للبساطة المطلوبة ، ولذلك يوصي بأن:

( يكون الخطيب رابط الجأش ، ساكن الجوارح ، قليل اللحظ متخيراً للفظ.. ويكون في قواه فضل للتصرف في كل طبقة، ولا يدقق المعاني لكل التدقيق ، ولا ينح الألفاظ كل التنقيح) (40).

بل أن الاسترسال بالمعاني أبلغ حتى في السمع، وما خرج من القلب يدخل إلى القلب، وكثرة الشرح والتفصيل تقتل جمال المعاني ،ومن أبيات الشاعر العالمي فيكتور هيجو:

( ألا تشرح، فإن الشرح يفسد طرافة الموضوع).

الأساليب الجميلة

من الربانية واستعمال الأساليب الجميلة الحلوة المؤدية للمعنى ، وعدم استعمال العبارات الخشنة الجارحة والتي لها نفس الأداء، لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ، والعبارات الجميلة دليل على شفافية المسلم، وحسن انتقائه، وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:

( لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ، ولكن ليقل لقست نفسي ).

( يؤخذ من الحديث استحباب مجانية الألفاظ القبيحة والأسماء ، والعدول إلى ما لا قبح فيه.. وإن كان المعنى يتأدى بكل منهما.. ) (41).

وللتعبير أثر في إبراز الحق وكم من حق يخرجه إلى الباطل سوء التعبير وما أحسن القائل:

تقـول: هذا جناء النحل تمدحه وإن تشأ ، قلت : ذا قئ الزنابير

مدحا وذماً،وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبيــر

المزج بالرقائق

ومن الربانية في التعليم مزج كل علم بالرقائق كي تتحقق السكينة الإيمانية، ولا يسيطر العقل وحده على القلب ، والفكر على الروح ، فتتحول المعاني الإيمانية إلى فلسفة عقيمة، وتضيع المقاصد الأصلية لعملية التعليم التربوي ، إذ أن أصل المقاصد في التعليم ربط المخلوق بربه ، وتذكيره بالآخرة ، وجعله يشمر بساعد الجد للعبادة والعمل، وإلا فدراسة العلم دون هذه النية مضيعة للوقت ، والتها بالشهوات، وقد قبل:

( رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب إلا من أن يمزج بالرقائق ولنظر في سير السلف الصالحين، فأما مجرد العلم بالحلال فليس له كبير عمل في رقة القلب، وإنما يرق القلب بذكر رقائق الأحاديث، وأخبار السلف الصالحين ، لأنهم تناولوا مقصود النقل وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها.

وما أخبرك بهذه إلا بعد معالجة وذوق. فأفهم هذا ، وأمزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف الزهاد في الدنيا ليكون سبباً لرقة قلبك .. ) (42).

ولما كان هدف عملية العلم والتعليم القرب من الله تعالى ، وليس طلب الدنيا بها ، ففي هذا المعنى صلاح للمعلم والمتعلم ، إذا فيه يتذكر المتعلم أن مال العلم القرب إلى الله ، وقصده في القراءة أو السماع تحليه الباطن، وأن لا يقصد به مباهاة الأقران، والتفاخر على الغير، ويذكر المربي أو العالم نفسه دائما بنفس المعاني ، ويتذكر أن تعليمه: لله تعالى ، دون الرئاسة والمباهاة والمنافسة ، ويقد تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما يفسده إذا تجافى عن الصواب، أو فسدت النية.

وهذا المسلك في التعليم لا بد من التذكير به دائما ، وعدم الأخذ بالأساليب الغربية الباردة حيث الاكتفاء بجوهر الموضوع فقط ، فإنما تصلح هذه الطريقة للمباحث الطبيعية لاختلاف أهدافها ومقاصدها، أما التعليم الدعوى فلا بد له من حديث القلب، وأسلوب القرآن الكريم أكبر دليل على هذا الأمر ، فليس فيه اقتصار على معان محددة، وإنما يخلط الفقه والأحكام يذكر الموت والآخرة، وربطها بالثواب والعقاب ، والله تعالى أعلم بقلوب عباده وما تحتاج إليه.

تحذير المحدث من اللجاج

يكره التزود بما لا طائل بعده.. وكذلك التكلف، وقد قال الجاحظ ي رسائله يحذر المتحدث والكاتب من ذلك وناصحا له:

( وأنا أحذرك من اللجاج والتتابع(43) ، وارغب إلى الله لك في السلامة من التلون والتزيد ، وفي الاستطراف والتكلف، فإن اللجاج لا يكون إلا من خلل القوة، وإلا من نقصان قد دخل على التمكين ، واللجوج في معنى المغلوب.. ).

ومعنى هذا الأمر عدم اختيار المعاني التي تقود إلى الجدل، أو التي تستثير الفتن والمشاكل، أو أن المحدث يختار الرد على ما انتقد عليه ليريح نفسه، ويشبع غروره، ويبلغ الانتصار من خصمه ، وكذلك عدم المبالغه بمظاهر التقوى، وإدعاء الزهد، والتكلف في الوقار ، وعليه أن يسمع نصيحة ابن قتيبه في مقدمة عيون الأخبار حيث قال:

( وأحببت أن تجري على عادة السلف الصالح في إرساله النفس على السجية والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنع ، ولا تستشعر أن القوم قارفوا وتنزهت، وثلموا أديانهم وتورعت.. ).

ربانية الجواب

وأخيرا، نختم المبحث برانية الجواب ، فإن المتحدث أو الكاتب لا بد من تعرضه للأسئلة، فان لزاما: الجواب عنها، وتكثر الحاجة لذلك وسط الدعاة ، بل غالبا ما يكون وقت الأسئلة للمربين والقادة والخطباء ، في كثير من الأحوال، مساويا الدرس أو المحاضرة.

ويحسبنا هنا أن نذكر أهم خصائص الجواب، قياسا على ما ينبغي للمفتي أو الإمام عندما يسأل عن مسألة :

يجوز للمتحدث أو المربي أن يجيب السائل بأكثر مما سأله:

( وهو من كمال نصحه وعلمه وإرشاده ، ومن عاب ذلك فلقلة علمه) (44) .

وقد ترجم الإمام البخاري في نهاية كتاب العلم من الصحيح ( باب: من أجاب السائل بأكثر مما سأله) عند إيراده الحديث المحرم الذي سأله عن ما يلبس المحرم، فأجابه صلى الله عليه وسلم:

( إلا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا ثوباً مسه الورس).

ويؤخذ من الحديث:

( إن المفتي إذا سئل عن واقعة واحتمل عنده أن يكون السائل يتذرع بجوابة يعديه إلى غير محل السؤال: تعين عليه أن يفصل الجواب) (45).

ينبغي للمربي إذا سأله إنسان عن شيء يحتاج ومنعه منه، أن يدله عل ما يعوض عنه ، وهذا من تمام شفقة المربي والداعية على أخيه ، حتى لا يدعه في حيرة من أمره، أو يصعب عليه الأمر ، أو يجعله يشعر بعدم كفاية المربي.

( فمثاله في العلماء مثل الطبيب الناصح في الأطباء ، يحمي العليل عما يضره ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان ) (46).

ودليل ذلك منع الرسول – صلى الله عليه وسلم – لبلال أن يشتري صاعاً من التمر الجيد بصاعين من الرديء، فقال له في الحديث المتفق عليه :

( بع الجمع بالدراهم ، ثم أشتر بالدراهم جنيبا).

والجنبيب : هو المنتقي الذي لا رديء فيه، أو الكبيس.

والجمع : هو الدقل ، أي ردي التمر.

والمنع- في إطار الجماعة المسلمة – من أمر ما ، دون تبيان السبب أو اعطاء البديل لا يقود فقط إلى الخيرة، وعدم الشعور بعدم كفاية المربي، بل قد يقود الداعية ، والناشيء خاصة – إلى التخبط والبحث عن الجواب عند شخص آخر ، يوقعه في فتنة.

التنبيه على وجه الاحتراز ، إذا شعر المتحدث إن كلامه سوف يؤدي

بالبعض إلى فهم خاطئ ، أو إضافة غير صحيحة عليه، أو أن هنالك استنثاء في أسل المسألة.

وكلما كان كلام المتحدث أو الكاتب مرغوبا فيه، ومما يتلقفه الدعاة: كلما دعت الضرورة أكثر من الحذر في العبارات، والتنيبه عما قد يحصل من الفهم الخاطئ، أو التفسير السيء حفظاً للمصلحة ، فليس هنالك ما هو أسوأ من زلة العالم في اختلاف العقول وتباين الأفهام.

التمهيد للحكم أو القول المستغرب بما يوضح ذلك ، ويدفع السوء ، حتى لا يسبب مفسدة قبل استكمال الجواب، وحتى تتنبه النفوس للسماع الكامل ، وحتى يرجع صاحب الغفلة إلى الانتباه فلا يقع في الوهم.

( إذا كان الحكم مستغرباً جداً مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه ، فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذناً به، كالدليل عليه، والمقدمة بين يديه ، فتأمل ذكره سبحانه قصة ذكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة .. والمقصود أن المفتي جدير أن يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يؤلف مقدمات تؤنس به ، وتدل عليه ، وتكون توطئة بين يديه) (47).

ومثل هذا تكثر الحاجة إليه وسط الدعاة ، كالإفتاء في بعص السائل التي تختلف باختلاف الزمان والمكان، أو الخروج عن المألوف من الأحكام لمصلحة شرعية، أو لضرورة ، أو التشديد في أحكام أخرى سداً للذريعة، أو بعض الفتاوي التي تصح في دار الكفر دون دار الإسلام ، أو الأخذ بالأحوط حيناً وبالأيسر حينا آخر.

إعطاء الجواب على قدر فهم السائل، ولذلك قيل: أن معرفة الناس ضرورية ، وتعرف هذه من قرائن الأحوال ، فجواب سؤال العالم ليس كسؤال العامي، والجواب اللازم للداعية الملتزم ليس كجواب من كان جديرا على العمل الإسلامي، وجواب الباحث عن المعرفة ليس كمن يريد إفحاما وتعريضا ، والإجابة في الجمع ليس كالإجابة لفرد يمكن النظر إلى حاجته ومقصده ، ولهذا اعتبر هذا المنهج من ملامح البلاغة ، فأشترط للبليغ:

( إن لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة ، ولا الملوك بكلام السوقة) (48).

ولما ذكرنا بعض خصائص الإجابة التي تجب على الداعية الخيطب أو الكاتب ، أو عموم أحاديث الدعاة من الشيوخ والمربين، فليس من نافلة القول أن نذكر ملخصا للمواضع التي يكره فيها السؤال ، تعليماً للدعاة وتربية لهم وتنبيها ، وأولى المسلمين بالالتزام بها: جمهرة الدعاة على اختلاف مستوياتهم.

ونكتفي بعشرة مواطن مهمة يكره السؤال فيها: ننقلها – بتصرف واختصار ، عن الموفقات للإمام الشاطبي رحمه الله :

السؤال عما لا ينفع في الأمور الدينية والدعوية.

السؤال عن زيادة لا فائدة ، بعدما بلغ المرء من العلم في المسألة حاجته.

السؤال من غير احتياج إليه وقت السؤال.

السؤال عن صعاب المسائل وشرارها، وغرائب الأمور، والأغلوطات.

السؤال عن علل الأحكام التعبدية التي لا يعقل لها معنى .

أن يبلغ السائل بسؤاله إلى حد التكلف والتعمق الزائد.

أن يظهر من السؤال معارضة واضحة لظاهر الكتاب الكريم والسنة بمجرد الرأي.

السؤال عن المتشابهات في القرآن الكريم.

السؤال عما شجر بين الصحابة الكرام، وكذلك السلف الصالح، وعملاء الأمة .

سؤال الإفحام والتعنت وطلب الغلبة في الخصام.

ثم قال الشاطبي:

( هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، يقال عليها ما سواها، وليس النهي فيها واحدا بل فيها ما تشتد ، كراهيته، ومنها ما يخفف، ومنها ما يحرم ، ومنها ما يكون محل اجتهاد .. ) (49) .

ويكتفي بهذا الحد من خصائص ( ربانية التعليم ) وما هي إلا مجرد لمسات ، وقد يرد ما هو أكثر من ذلك في مباحث أخرى ، ولعل ما ذكر في هذه الحلقة من هذه السلسلة ما يغطي هدفا عاجلا في إتقان عملية التربية الإسلامية.

المعايير النسبية لربانية التعليم

مقدمة

يثير مبحث ( ربانية التعليم ) قضية في التعليم الدعوي المنهجي هي على مقدار عظيم من الأهمية ، وبخاصة أن المذهب السائد فيها ، القائل بالتدرج ، يمكن أن يعاكس بمذهب آخر يقوم على اجتهاد مغاير لا يمنع تجاوز التدرج عند توافر مواصفات وشروط معينة.

وفي مثل هذا المواطن تختلط بعض الاصطلاحات ، كما هي مختلطة tفي القول المنقول عن ابن حجر من وجوب بدء المعلم بصغار العلم ومقدماته وجزيئاته قبل كباره ونتائجه وكلياته. فصغار العلم تعبير واضح، وبيان المقدمات قبل المقاصد أو النتائج أمر يوجه المنطق، ولكن تناول الجزئيات قبل الكليات ، والفروع قبل الأصول ، هما من الأمور المنهجية التي يتعدد فيها الصواب، وتختلف فيهما النظرات، وفي كل منها مقدار لا يمكن تجاوزه من وجوب التدرج الذي يتلاءم مع نظرية الربانية هذه، إنما فيهما أيضا مقدار من تأخير فتح ذهن الطالب المتعلم على صنعة التحليل والاستقراء، والقياس والاشتقاق ، وفي وقت ربما تكون فيه حده ذكائه في أقصى مستوى لها، وشغفه وإقباله في اكمل حضورهما، وبخاصة عند بداية التعلم، حيث تستبد الأشواق وتستعمر الهمم ، ولذلك يمكن ويجوز لبعض المربين أن ينتهج نهج تدريس العلوم من أعلاها، بذكر المهم قبل الثانوي ، وذلك الكليات والقواعد والموازين قبل الفروع والجزئيات والمقدمات، استثمارا لعاملي الذكاء والإقبال من باب، وقذفا لهذه المعاني في اللاشعور من باب آخر وأن لم يدرك الطالب تمام ما فيها، وتدريبا له أيضا من باب ثالث على التحليل والتركيب في وقت مبكر يجعله يلتزم المنهجية في استقبال المعلومات وتصنيفها ومعرفة قيمتها ، وقد يعطي المربي طلابة مثل هذه القواعد والتمارين التحليلية على جرعات ووجبات بينها فواصل زمنية يرجع خلالها إلى تعليمهم الجزئيات.

والفروع ، وهذه الطريقة تفرضها حاجة ماسة مرئية مجردة في الواقع هي مفاد نظرية الربانية ، إذا كيف يستطيع الاستقراء من لم تكن له ثروة من المعلومات الجزئية يستطيع إجالة النظر عبرها ليستقرئ منها شيئا من الملاحظات والأمور المتكررة على نسق واحد ليجمع منها قاعدة، مثلا؟ وكيف يستطيع القياس والاشتقاق من لم يحط أولا بخبر الحكم الواضح الثابت الذي يقاس عليه أو يشتق منه؟ ولهذا فإن مسألة تقديم الأصول على الفروع أو العكس يمازجها اجتهاد منهجي، ونظر ذوقي فراسي ، كما يتحكم فيها نوع العلم ، ومستوى الطالب في الذكاء ، والاستعداد ، ولا نرى الإطلاق في صحة أحد المنهجين المتعاكسين ، وإما هو اختيار للمربي تحكمه التجربة، بل وتحكمه المغامرة أيضا في بعض الأحيان، كما هي اختيار كذلك لواضعي المنهج التربوي ، ولكن هذه النسبية ليست نفيا للتدرج ، وليس هي أقل أثر وأهمية في إثبات وجوب نظرية الربانية ، فأنها تتضمن هذا التدرج المبتغي وأن جاز الوجه الآخر، وفي ذلك دفع وإبطال لغلط الدعاة المربين الذين يغفلون ولا ينتبهون إلى ضرورة التسلسل أو التدرج الذي تدعو إليه نظرية ابن عباس وابن حجر في ربانية التعليم.

لماذا تربية التقليد إذ الاجتهاد قريب؟

وجماع القول في هذا الأمر ينقسم إلى ثلاث شعب:

( الشعبة الأولى ):

إن الإسراف في تعليم الفروع، وتجريدها ، والغلو في عرض المقدمات بدعوى التدرج: يؤديان إلى نشوء عقلية تقليدية محضة تستولي على التلميذ وتجعله سلبيا، لا يطمح إلى إعمال التفكير، ويصير إتكالياً في العلم، بينما الواجب على المربي أن يثير في التلميذ كوامن القابليتين المتعاكستين ، التحليلية والتركيبية ، من أجل إنماء العقلية الاجتهادية فيه ، وإنما يكون ذلك بطريقة عرض الأصول والقواعد ، وقد يكون الداعية المربي نفسه بحاجة إلى هذه الطريقة من معلم أعلى يعلمه، أو من خلال المطالعة المكشفة ، إذا أنه بدوره ضحية منهج الاستغناء بالفروع الذي كان سائدا ، بل إن أكثر الأمة الإسلامية اليوم هم ضحية هذا النمط الذي استولى على طرائق التعليم في قرون التخلف الأخيرة.

( الشعبة الثانية ):

أن المعنى المغاير للتدرج يتأكد في المحيط الدعوي بخاصة، وذلك بسبب كون الدعاة الذي هم في طور التلمذة رجالاً راشدين وأصحاب ذكاء، ولم يقبلوا في الجماعة الدعوية أصلاً إلا من بعد قيام قرينة على توفره فيهم. وأيضا لأن الكثير منهم أصحاب دراسة جامعية وربما أصحاب شهادة أعلى، مما يعني إطلاعهم على أبواب من العمل التقعيدي والتحليلي ، وهو وأن لم يكن في المجال الشرعي إلا أنه مفيد، إذا يوجد سبيل استراقي مشترك بين العلوم ، وبعضها يؤثر في البعض الآخر ويمهد له ، والمقدرة الاجتهادية تنمو جزماً لدى دارس للقواعد الإدارية والاقتصادية، أو لدى متتبع للظواهر الفيزياوية والمعادلات الرياضية ، ومثل هؤلاء إذا كانوا من الدعاة وأردنا تعليمهم العلم الشرعي فإن الطريق يختصر لهم اختصارا، وتقوم علومهم التطبيقية أو دراساتهم الإنسانية مقام الترويض الذي يرجوه المعلم من الفروع والجزئيات ، ويمكنه أن يبدأ معهم دراسة الكليات والأصول.

تأثر التربية بعوامل عديدة غير التدرج

( الشعبة الثالثة ):

أن أمر صياغة العقلية الناضجة الكاملة التي من صفاتها الاجتهاد أبعد من أن تسأل عنه هذه الطريقة في التدرج أو عدمها، وإنما هي عامل واحد من جملة عوامل وفنون عديدة تجتمع لتنتج الأفق الواسع، وقد يكون سرد هذه العوامل مضمرا لدى الباحثين حيث يكتبون، ولكن القارئ ينحرف بمقاصدهم إلى أحادية التفسير، ويجعل القضية المبحوثة كأنها الوحيدة المسؤولة عن الظاهرة المرصودة وسببها المفرد، وليس ذلك بصحيح، ولا يليق أن نستدرك على مثل هذا الخلل في التلقي مقدماً وابتداء بذكر جميع ما هنالك من أخبار وفنون التربية، لأنا لخاف أن يؤدي الإيجاز غير المشروح إلى خلط آخر وتنزيل للكلام على غير منازلة المقصودة.

الحوار سنة السلف المربين

وإنما يسعنا هنا أن نشير إلى أن الحوار بين المربي وتلميذه هو أحد أهم الوسائل الأخرى لتكوين العقلية الاجتهادية الإبداعية ، ويأتي مسانداً للطريقة المضادة للتدرج التي أشرنا إلى نسبية صوابها، بل ومساندا لطريقة التدرج أيضا، وقد مالت ( منهجية التربية القيادية ) في سلسلة العين إلى شرحه وتحبيذه وجعله معلما بارزا من معالم هذه التربية ، وهي تذكرنا بما كان من حوار ثري دفاق دائم يومي في مجال أبي حنيفة مع أصحابه رحمهم الله ، من أمثال أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وزفر بن الهذيل ومحمد بن زياد اللؤلؤي والقاضي الكندي، أو مجالس الشافعي بمصر مع أصحابه رحمهم الله، من أمثال البويطي والمزني والحميدي، ومن قبلهم الحسن بن محمد الزعفراني وأصحابه ببغداد، حتى أن كتاب ( الأم) الواسع كان ثمرة لتلك المحاورات التي رأسها الشافعي، وليس هو من تأليف الشافعي كباحث متأمل على انفراد ، وقد تلقف الغربيون هذه الطريقة عن المسلمين وطوروها وجنوا نتائجها الجيدة، حتى أطفالهم في المدارس الابتدائية اليوم ليتقنون الحوار ، وبشجاعة ، وربما وقف أحدهم أمام التلفزيون وتكلم بكلام مرتب واضح لا يداخله تلعثم، في الحين الذي لا يزال بعض الدعاة في الشرق يربون أصحابهم على السماع المجرد، ويكون التلميذ الدعوي أمامهم كأنه وعاء يجهدون أنفسهم على صب كم هائل من المعلومات فيه وهو صامت مراقب فحسب ، فكأنه قرص كومبيوتر يتم ملؤه ، وأني للقرص أن يتناوش الاجتهاد من مكان بعيد؟

أهل ... يسابقهم الغرباء

لكن منافع المحاورات ، ومسوغات تجاوز التدرج في المحيط الدعوي لا تنفي حصول فوضى مشهودة تعددت كلمات المعلمين خلالها حتى المقادير الدنيا الواجبة من التدرج، وتحررت من ضوابط تجاوز التدرج، فأضرت ، ولو كانت قائمة على اجتهاد لجازت، ولكنها لم تنتسب لأحد المذهبين ، ولم تصدر عن نظر وقصد وعمد وذوق وفراسة ، وإنما هي مجرد ارتجال وإهمال فيهما غفلة عن المعايير المنهجية التي تستند إليها الآراء المتعاكسة في التدرج أو عدمه.

وساعد على هذه الظاهرة بوجه خاص ما شاع في المؤتمرات الطلابية الإسلامية المقامة في أوروبا وأميركا من دعوة كبار الكتاب والمفكرين والقادة للكلام أمام جمهور عريضة من السامعين، أكثرهم من المبتدئين وصغار الشباب الذي يليق لهم الكلام العاطفي وحديث الحماسة أكثر مما يليق لهم كلام المفكرين والقادة الذين ربما لا يجيدون الخطابة والألفاظ الرنانة كإجادتهم للمحاضرة والتدريس وطرح القضايا ذات العمق، وقد يضطرهم شعار المؤتمر إلى تناول أبعاد تخطيطية أو إيراد نقد شمولي بمستوى أربع من إدراك أكثر المشاركين.

وصحافتنا الإسلامية مسؤولة هي الأخرى أيضا عن تسبب هذه الظاهر، إذ أننا بسبب ضمور الحرية في إصدار الصحف: انعدمت في أوساطنا الصحافة المتخصصة ، فليست هناك صحف خاصة للسياسة، ولا للفكر، ولا للشباب ولا للأطفال ، ولا للنساء ، وإنما هي صحف قلائل نادرة تحاول أن ترضي كل الاهتمامات والمستويات والأوذاق معا، فيطلع الشاب والمستجد على كثير من الكلام الذي يتجاوز مرحلته الابتدائية، فينشأ عنده الفضول والخوض المبكر فيما يستحسن أن يمسك عن الكلام فيه، ومباحث مجلتي المجتمع والأمة شاهدة على ذلك.

وموجه كتب ( أين الخلل ) و ( النقد الذاتي) و ( المذكرات) زادت رقعة الفضول اتساعا واصبح ابن البارحة الذي يحبو يعتلي المنابر ليعظ القادة ، ويصول في ( التأصيل)، ويجول في ( الشورى )، ووقع أناس في الخلل إذ هم يبحثون عن الخلل ليبرأوا منه ، وأصبحت الشورى مشجبا تعلق عليه تطلعات النفس ذات الأخلاط.

الحيثيات المتضادة في ربانية التعليم

والموقف إزاء هذه الظاهرة بشيء من البرود واللامبالاة، وندعها تمر، ونترك المتكلمين في المؤتمرات والصحف والمذكرات ليتكلموا على رسلهم ، وبكلمات كبار يها نقد وتقعيد وتخطيط ، والسبب في ذلك رؤية حيوية قدرية أقنعت المربين بأن الموفق هو من وفقه الله تعالى، بذكاء يخلقه فيه ابتداء ، وبنفس ذكية سوية، وشخصية قوية، أو بتيسير في يومياته من بعد خلقه، من صحة وعافية ، ومال يرفعه عن حد الفقر المسوس، وزوجة صالحة تسره عشرتها ، وأمثال ذلك ، وهذه العناصر بمثل هذه التوفيقات ينفعها هذا الكلام العالي، ويصعب حصر ذوات هؤلاء وإحصاؤهم لنحتكر لهم حيث ، ولذلك نتلكم للجميع ، فمن كان موفقا انتفع ونفع الدعوة وصار ضمن الجيل الجديد الوارث لنظرت العلمين المتكلمين ، المطبق لها ، وازداد تنمية لفكره بما يبدع. وأما الذي يسمعون ولا ينتفعون فلسنا نبتئس لسماعهم، فإنهم أما أن ينسوا ما سمعوا ، وهذا خير أحوالهم وأحسنها ، أو يكون منهم الفضول والتدخل فيما لا يعنيهم في سلسلة من الأذواق السيئة التي تنتهي بهم إلى خارج الدعوة، وكأن قدر الخير هو الذي جعلهم يتخلفون، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم سماع المنتفع الذي يتلمس طريق العمل ، فيثبت ويزداد رسوخا.

وقد يصح – في رأي أخر – أن نستقبل هذه الظاهرة بنوع من التخوف والحذر، فلا نتكلم بأصول وموازين، وغير ذلك من كبار العلماء في المجالات العامة ، خوفاً أن نفسد فطرة المبتدئين ، ونساعد على تأسيس الفضول ، فنكون السبب في إتلاف كثير من شباب الدعوة من حيث لا نشعر، وتكون هذه العناصر ضحية خطأ تربوي يرتكبه القادة والمفكرون بتحديثهم هؤلاء أحاديث لا تبلغها عقولهم، فتكون فتنة لهم.

ولكل من الرأيين وجاهته وحيثياته المقنعة ويبدو – والله أعلم – أن القول النسبي في ذلك أصح، بحيث نلجأ إلى احد الرأيين حسب الظروف المحيطة بالدعوة ، إن كانت شديدة ذات محن، أو أوقات يسر، وبحسب سعة الجيل السامع الجيد، إن كان ضخما يحتمل النحت منه من أجل انتقاء الأشداء الأذكياء، مثل جيل الصحوة الحاضر ، أم هو جيل محدودة تحتاج حتى أصحاب النقص من أبنائه، وأيضا بحسب المجموعة القيادية، إن كانت كبيرة ومتحدة ومنسجمة الفكر، أم هي صغيرة وتعيش حالة تباين في الاجتهاد، وعندئذ نحذر أن يستقوي أصحاب أحد الاجتهادات بشباب جدد يلفونهم لفاً من حيث لا يدركون ، فيكون سواد واسع يؤيد اجتهادهم في الظاهر ، بينما هو في الحقيقة سراب فكري وتخطيطي لا يستند إلى أركان متينة ولا صورة واقعية ، لبدائية مؤيدي هذا الاجتهاد وكونهم مجرد مقلدين.

والتأمل الطويل في أوصاف المرحلة الدعوية الراهنة تجعلنا نميل إلى تفضيل الرأي الأول الذي نتكلم فيه بكبار العلم حتى ولو كان ذلك في المؤتمرات والصحف والكتب المنشورة، مع ما يخالط ذلك من سلبيات أكيدة، إذ أن نظرة الترجيح بين المصالح والمفاسد تجوز لنا ذلك من حيث المبدأ، ولا تشترط لتصرفاتنا أن تكون مجموعة مصالح محضة، وإنما نعمل بالمصالحة الراجحة وإن مزاجها شيء من المضرة أقل منها، ففتنة الفضوليين حاصلة بشكل أكيد، ولكن تربية جيل جديد بأفق واسع وعلى سنن الإبداع والفهم الحضاري تشكل مصلحة أكبر.

كلمات التقوى وصفات المرونة: مصاعد الاجتهاد

ولكن نضبط هذا الانفتاح في الكلام بشروط ، منها:

( الشروط الأول):

أن يكون كلام الرقائق مشاعا في أوساط الدعاة ، بحيث تميل المواعظ وأحاديث الأخلاق الإيمانية بالداعية إلى التواضع والأدب في التعامل واحترم المقابل وعفة اللسان إذا أغرته أحاديث الأصول والقواعد بإبداء نقد أو التقدم بين يدي أساتذته.

( الشرط الثاني) :

أن يرافق ذلك سعي لشرح النظرية السياسية الإسلامية وأبعادها، لأن المعاني الكلية والتعميمات إذا لم يفهمها الداعية وأخذها على ظاهرها فلربما يذهب في التأول بعيداً ، ويميل إلى الطلاق والأحكام الحادة فينفي بقواعد الجهاد احتمالات الهدنة، ويلغي بموازين الاستقلال مناورات التحالف ويستعلي بأحاديث العزة والصبر على إفتاء الضرورات، بينما تمده النظرية السياسية الإسلامية الشاملة بعقلانية وتوازن مع المحيط ، وتجعله أحفظ للدماء والأموال والأعراض، وأحرص على تقليل الثمن الواجب عليه دفعة ، وتهبة من المرونة ما يتملص به من المحاصرات ، أو تنفذ به إلى حضور قسمة لها فيها نصيب إذ يريدها المنافسون أن تكون ضيزي.

القضاة الفاضلون في دار الأمان

( الشوط الثالث ):

أن تتوافر قدوات كافية في المحيط الدعوي ، من قادة ومربين وعلماء، يجعلون بالرد والتقويم وإرجاع الأمور إلى نصابها الصحيح إذا اشتط مغرب فركب شذوذا ً، لأن الاعتماد على الكتابة يسبب تسويفا وتأخيراً ، ولرمبا وصلت الصفحات بعد الخراب، بينما يؤدي الاستدراك السريع من القدوات النازلة إلى ميدان المخالطة دوره بشكل أكد ، فإن لم ينفع لفظ: نفع آخر، وإن أنغلق معنى : فتحة تمثيل، وإذا أشكل قياس : أظهره تعليل، نقداً، يداً بيد، هاء بها ، غير نسيئة ولا محال إلى مؤتمر لاحق.

( الشرط الرابع):

أن لا يكون الزمن زمن فتنة وخلاف، فإن حرص النفوس على حظوظها يجعل بينها وبين الصواب القريب حجابا ، حيث يغلب على الأفئدة أن تطيع أهويتها ، ومن الخير آنزاك أن نجمد الأفكار ونقطع لسان الأصول والكليات وكبار العلم، ليتاح مجال للتقوى أن تهمس في الآذان داعية لنفسها، ولتكون لحروف الإصلاح بين الناس قناة جارية.

في الرواق والركن لا في ساحة

( الشرط الخامس):

أن لا يكون قصد المفكرين والقادة الكلام بكبار العلم في المؤتمرات والصحف عن عمد واستمرار يجعلها هي الموطن الطبيعي لهذا النوع من الكلام، أو الموطن المختار ، وإنما يجعلون ذلك من باب الاستثناء بقصد اكتشاف وأثاره وتشجيع عناصر قوية ذات إبداع ربما لا يصلون لها بطريق الاتصال الخاص، وأما كثافة ما ينقلونه من كبار العلم مما علمهم الله فيجب أن يكون عبر المدارس القيادية والمجالس المنهجية المتكررة ، ليتم الشرح بأوفر ما يكون البيان، وليكون الحوار المباشر المستخرج من قلب الأستاذ لما لم يكن قد زروه سلفا من المعاني والإرشادات.

ننتظر رشد الرهط

( الشوط السادس):

أن يشدد في تعليم الفروع وصغار العلم أيام مراهقة العمل الدعوي في بلد ما، فكل عمل ير بمرحلة المراهقة هذه، بعد اكتمال تأسيسه وقبل توسعه وانفتاحه، وهي ذات ظواهر نفسيه تعتري المجموعة تشابه إلى حد كبير طباع الفتى المراهق، من تقلب الرأي، والعناد، والأغراب، والجنوح إلى الخيال، وحب المغامرة ، وكراهية الرقابة، فإذا جاءت المباحث العالية وحقائق العلم الكبيرة في أيام المراهقة الحركية هذه فإن المجموعة يمكن أن تنحرف بها إلى جدل طويل يصاحبه اختلاط الأصوات، أو تجنح به إلى اجتهادات شاذة المراهقة هذه ، إذ تهدأ النفوس ، وتمثل إلى العقلانية، وتشعر بضرورة الواقعية، وعندئذ يؤتي تعليمها نتيجة المرجوة، ويساعد على تفجر الإبداع الشخصي لدى أذكياء الدعاة ، ومثل هذا التعليم في المرحلة المتقدمة يفترض أن يقوم به جيل من المتعلمين تربي على كبار العلم من قبل في مرحلة التأسيس من خلال دورات خاصة ورعاية مكثفة.

والمنهجية .. دوماً

( الشرط السابع)

والالتزام بالمنهجية في العمل والموضوعية في الفكر تعصم من الانحراف ، فإذا شاعت مجموعة من المبادئ المنهجية، والأعراف الصحيحة، والموازين الدقيقة في مجموعة الدعاة: ولدت كبحا للفهم الخاطئ، وبها تمنع تسرب التفاسير المشوشة، والتأويلات المفرطة البعيدة ، وبذلك تظل الأجواء نظيفة دائما، وتعمل القواعد المنهجية والأعراف التنظيمية كمرشحات تحول دون سلبيات الانفتاح ، وخصوصاً إذا أضيف إلى ذلك إشاعة مفاهيم أداب الحوار، وأخلاق المناظرة ، وأعتاد عليها الدعاة من خلال الممارسة والتطبيق، مما يجعل ا لشطط دائما يحصر في أضيق الدوائر.

كوابح .. تمنع التصدر

( الشرط الثامن ):

وكلما كانت شروط التوثيق وقواعد الانتقاء أكثر وضوحا في محيط الجماعة ، والضوابط الحازمة أشد سيطرة: كلما قلت سلبيات تعليم كبار العلم وكلياته، لأن حديث القواعد والأصول فيه بلاغة وجمال صياغة ، وفيه دغدغة لعقول الشباب الأذكياء، وقد يستغل معلم متطلع إلى مراكز الصدارة هذه الخصائص في طبيعة هذه القواعد فيستثير بها إعجاب الشباب، ويصنع له ( شلة) موالية ، ويجعل اللذة التي تصاحب كلماته ثمناً يدفعه لادامة ولاء هؤلاء، غير ناظر إلى ما يسببه لهم من فتنة بحديث فوق مستواهم، حتى كأنه فيلسوف يديم انشداد الناس إليه بغموضه وتمتماته المبهمة ، بينما يؤسس فقه التوثيق جملة قناعات في نفوس الشباب تمنعهم من السير وراء من لا يملك غير اللسان وتزويق الكلام.

فهذه وأمثالها شروط يرجى أن تتقلص معها سلبيات المباحث الكلية، ويجعلها أن نحتاط لأنفسنا ما استطعنا بتعلم صنعة العقلانية ، فإن فيها الرشاد والائتاد، وأما العواطف فصنعه لطالما موهت بدعة مبتدع فنشرتها، أو غلفت الإغراب فأذاعته، وكم من فكر كاسد غناه شاعر مترنم يعزف على أوتار القلوب فأصبح رائجا.

كانت المتاهة رغم وضوح المعالم الهادية

ويؤكد الظن في لياقة بعض المبتدئين لسماع الأصول والقواعد: مشاهدات حيوية وتاريخية تشير إلى أن فتنة بعض المبتدعة كانت بسبب فهم قاصر لبعض الفروع، وتنزيلهم لها على غير منازلها، أو قياسهم عليها قياساً مع الفارق، ويغنينا عن تبع الشواهد لهه الملاحظة في التاريخ الإسلامي القديم ما شاهدناه وما زل خبره حيا فينا من وهم التفكير لدى بعض الشباب المتحمس الصادق التوجه بلا شك ، فإن ظاهر النصوص المفردة الفرعية الجزئية في أبوب الردة والكفر هي التي تسببت في شطحاته ومذاهبه القاصية عن مقاصد أهل السنة والجماعة ، ولذلك كان رد من رد بدعتهم معتمدا على الأصول والقواعد بشكل مكثف، وجاء مثل رد الشيخ القرضاوي في نقض التطرف مفهوما مع أن قلمه جال في ذروة الفقه وحام حول أعلاه، وكلك كانت الأصول العشرين من قبل، مما يمنحنا قناعة بأن الأمر يتعدى مجرد الأسلوب التقليدي في دراسة صغار العلم وجزيئاته قبل كبارة وكلياته ، وأن طرق التدريس ومناورات الكتابة إذا كانت ماهرة واستوعبت أطراف المعاني فإن عظام المسائل وضخامها تلين قناتها وتصبح سلسلة مفهومة، ولا تستلزم هذه القناعة إدعاء هدر العلم الجزئي تماماً والبدء بتداول الكليات دون سابق أية معرفة بجزئيات الأحكام ، كما لا يستقيم الاعتراض على هذه القناعة إدعاء هدر العلم الجزئي تماما والبدء بتداول الكليات دون سابق أية معرفة بجزئيات الأحكام، كما لا يستقيم الاعتراض على هذه القناعة بمثل هذا الإلزام لما لا يلزم، بل قل أن يوجد داعية برتاد المساجد ويسمع خطب الجمعة والمواعظ على مثل هذه الدرجة من التعري والتبري من علم الجزئيات، ولكن قناعتنا تفهم بالحسنى، وبالحدود الوسطى ، وهي تأكيد لعدم الإسراف في تدريس الجزئيات والمقدمات أكثر مما هي محاولة تجاوز وهجر لها.

عطاء التفاعل الحضاري يعين على الاجتهاد

وتتيسر محاولات تفهيم الكليات وأمهات المسائل هذه الأيام بوجود ظاهرة ( التفاعل الحضاري) في المجتمعات الحديثة، فإن معظم دعاة الإسلام من جيل الصحوة والذين من قبلهم هم من المثقفين الذي يحيون حياة عصرية فيها قراءة للصحف اليومية ومشاهدة للبرامج التلفزيونية ، فوق ما حازه أكثرهم من دراسة جامعية وعليا. وهذه الدراسات والسماعات والمشاهدات لها تأثير مباشر ودور مكثف في صياغة عقلية الداعية ومفاهيمه العامة وأذواقه كفرد في المجتمع ، بغض النظر عن صفته الدعوية، ويصبح بوجود هذه التأثيرات صاحب استعداد جيد لاستقبال علم القواعد والنتائج والأصول وفهمه بسرعة ، وبشكل قد يعجز عنه الطالب الذي يحيا حياة بدائية، أو الذي اختار له أستاذه أو اختار لنفسه العزلة اليابسة التي تنحرف بمزاجة وأذواقه ، وكان أكثر الكلام المنقول عن الفقهاء في ضرورة التدرج في التدريس وتقديم الجزئيات على الكليات كان يراعي من هم على هذه النمط من اليبوسة والعزلة المنتجة للسذاجة والبساطة.

إن إيماء المعادلات الرياضية لدارس الرياضيات ، كمثل من أمثلة التفاعل الحضاري- هو إيماء قوي جداً ، يغرس في اصل عقل الدارس وفي لا شعوره معاني التعادل والتوازن والتساوي المطلق أو التساوي النسبي ، في معاني أخرى هي نفسها مرتكزات لكثير من القواعد الفقهية ، بحيث يتلقف الداعية الرياضي هذه القواعد حيث روايتها له بسهولة ويسر، نتيجة الخلفية الذهنية المساعدة التي يملكها.

والداعية الكثير النظر للأشكال الهندسية ، وما فيها من تناظر ، أو تدرج في الأطوال أو تميز بحدود حادة، أو تجاور للمساحات الصماء وذوات الثغرات ، وأمثال ذلك: هو داعية طريقة ممهد لمرور معاني الفقه في التدرج والاستثناء والفروق والشروط ، بالتوطئة التي صنعتها الهندسة.

وداعية أخر أطال استمتاعه بجدول الألوان وما ينسجم منها وما يتنافر، ومرت عينه على موازين الجمال الفني : هو داعية أسرع إحاطة بما في النتائج الفقهية من منطق متجانس صحيح.

وهل إيحاء معنى التكامل والتصاعد أقل منه لدى دارس الكيمياء الذي يحيط علماً بالجدول الدوري للعناصر ، ويعرف خبر ما يفعله كل بروتون يضاف لنواة الذرة من خصائص جديدة ؟

وهذه أمثلة فحسب لما عسى أن يسببه التفاعل الحضاري وتناول العلوم التطبيقية والفنون من توسيع للآفاق وتفتيح للأذهان يسهل معهما التفهيم الفقهيء، والداعية اليوم أن لم يكن جامعيا فهو مشاهد للتلفزيون ، قارئ للصحف ، وحائز من مطالعاته ومشاهداته لنصف العلم، ثم هو سائح في مدن وطنه أو مدن العالم يرى نتاج المهندسين والفنانين مع كل نظرة وإن لم تكن عامدة فتنطبع في لا شعوره الموازين والظواهر الحيوية الممهدة لاستقرار الموازين الشرعية.

الجمال .. وغرام العقل

وأما من لا يحيا حياة العلوم وانعزل في قرية بين الخضرة والجبال والطير فليس هو بأقل من صاحب التفاعل الحضاري ، فإن هذا ترق أحاسيسه ويحدث له ما يحدث للشعراء من إرهاف والتذاذ بالجمال ، فتزكو نفسه، وتتزن وتطمئن ، حتى تكون سكينتها هي الممهدة لقواعد الفقه الكبيرة ، وله مع لون وشكل كل وردة خلقها الله تعالى وتلمسها أناملها وتقبلها شفته وينطبع خيالها في شغاف قلبه : عقليه أخرى لميزان من موازين الفقه، وإطلالة عن الاجتهاد.

لكن المحروم هو من حرم هذا وهذا ، فعاش في عزلة عن الحضارة المدنية ، وعن آيات الله في الآفاق، وهو من سجن نفسه بين الجدران حتى يخشوشن طبعه ويتبلد علقه، أو حبسه أستاذه في مدرسته وجعل له من وظيفة حفظ الحواشي ما يطيل معه حتى ظهره ، ولمثل هذا كانت وصايا تدريس علم الجزئيات قبل الكليات.

قلوب أمم

ولا يظنن ظان أن هذا النمط من تأثير التفاعل الحضاري أو الروح الشاعرية إنما هو وليد عصرنا الراهن، بل هو قديم ضارب في القدم، ولذلك كان علماء بغداد ودمشق القاهرة وقرطبة وأمثالهم أوعى من علماء النواحي القصية، لتفاعلهم مع معطيات الحضارة الإسلامية التي كانت عامرة في هذه العواصم، ولذلك أيضاً كان شعراء الإيمان في تاريخ الإسلام أصحاب مهارة في فقه النفوس ووصف خصائصها وأحوالها، لانعكاسات الحياة الجمالية التي عاشوها مع الشجر وترقرق الماء حتى أن الواحد منهم ليعد مؤسسة ثقافية شاملة لوحده، بما يحوز من أحاسيس وخواطر يصطادها وتأملات في حوادث الدهور ينتبه لها ، وروي تاريخية ، ولغة ثرية ، وربما يكون أحدهما مقلا لم يترك غير قصائد قلائل أو قطعا متناثرة، لكنها تشكل اكتشافات لسنن الفطرة هي في أصول الذوق وأصول حركات القلب أخوات أصول فقه المعاملات.

ربانية التعليم قضية منهجية خططية

ونظراً لهذه الحقائق من تأثير التفاعل الحضاري او الجمالي في الصياغة العقلية والنفسية للمتفقة فإن على التربية الدعوية إذا إرادات لمتدربيها إتقان صنعة الاجتهاد الإبداعي أن تنحى منحى دفع الدعاة ، وفق منهج متكامل – للعيش في البيئة الحضارية العلمية ، والتعامل معها ، والاستلال منها ، مع ما يكملها من سياحة وتعرف على خلاصة عقول وعلوم وفنون البشر عبر آلاف السنين ، المعروضة في دور الوثائق والمتاحف والأماكن المصانة، ثم في مطالعة صفحات جمال ما خلق الله في البراري والبحار، أو تكثيف مطالعة الخطوط السود في الصفحات البيض مما سطرته أنامل كل إنسان ، من أدب شعري ونثري فيه رمز وخيال وعاطفيات وانتقاء ألفاظ، أو تاريخ يكشف الحقائق ويحلل دروس الحياة ويقابل بين قبح الظلم وإشراق العدل ، أو وصف يعين على تصور البعيد ومعرفة ما غاب ، أو فقه لغات يطور الاشتقاق الذي فيه إلى مهارة في قياس الأحكام.

إن قضية ( تداخل) صغار العلم وكبارة، أو تسلسلهما، ليست هي مجرد وصية تقدم إلى المعلمين ترجوهم أن يتقنوا في التربية وفق معيارها ، فمنهم متقن وقليل إتقان، وإنما هي – في وجهها الأهم – قضية منهجية عميقة ينبغي أن يحكمها التخطيط التربوي بعيد المدى، وعلى المنهج الجماعي أن يراعيها وضع جداول عملية تطبيقية لتبليغ وتفهيم الثوابت والموازين والأصول والقواعد لعموم الدعاة بعد إحصائها وتصنيفها نوعيا، وكذلك الفروع ومفردات الأحكام، لكن طبقة ما يوازي حاجتها ومقدار استيعابها ، ويستعين بلمسات منهجية متناسقة مع اختياراته يلزم بها المجلات الدعوية، ويطلب من اللجان والأجهزة المركزية أن تنسجم نشرياتها وأساليب كتابتها مع تلك الاختيارات أيضا، ثم بأن يتضمن المنهج ما نتمناه للداعية من ذاك الحضور في البيئة الحضارية، والسياحة، ونيل الثقافة العامة ، والعيش التأملي مع جمال الخليقة ومع آيات الله في الآفاق العريضة، يتعنى لأقصاها ، ويتغنى – مثل داود عليه السلام – مع تسبيحات الجبال والطير.. ثم يكون آخر دعائه أن : الحمد لله رب العالمين.

عيون الأعيان

إن دعاة الإسلام هم أعيان الجيل الحاضر ، لا جدال ، بما وهبوا من همة تحرص على الإصلاح ، وتجرد يعيد ضرب المثال.

ولهم تصدر مع كل إشراقه جديدة ... تحيه ...

إن هدف " رسائل العين " يتركز في كشف الآفاق الرحبة للفقه الدعوة، وتجارب العمل الإسلامي ، وأنماط معاناة المربين ، ووضع كل ذلك بين يدي شباب الصحوة الإسلامية، تعليما لهم ، وتمكينا .

لكن الأبعاد الحضارية مكملة لكل ذلك ، لأنا نعيش حياة الانفتاح من جهة ،ونواجه حضارة مغيارة تتدسس بهدوء ولباقة أو تجاهر بالغزو، من جهة أخرى ، فكان لا بد للداعية المسلم أن يسعى نحو الثقافة الشمولية، وأنواع العلوم والفنون ، ليعلو فوق التيار، مسيطرا مهيمنا، وكان على هذه السلسلة أو ترافقه في دربه الحضاري هذا ، تعين وتستكشف له ، وتنبه الخبر، ووكليها في ذلك: محمد أحمد الراشد، ينتقي ويختار ، إن لم يكتب ويعقب ، ومعه على قدم سواء: الدكتور عبد الله يوسف الحسن، يكتب وينقح ويطور ويوسع الدوائر.

على إن الاستقصاء في إيراد كلام الفقهاء ومراجع ليس من وسيلة هذه الرسائل ، وإنما هو الاستئناس والتبرك بأقوال السلف، ولا نرى أن يلزمنا داعية ما ألزمته الجامعات أصحاب البحوث، وإنما نهتم نحت بالتعليل والقياس والتأويل ، مما يوجب على الممارس التأمل في عباراتنا على ضوء واقع العمل الإسلامي، وأن يدرك المعاني التي نذهب إليها من خلال الإشارات والمجاز.

فرر أن تكون حسن المطالعة والاستيعاب ، بمقابل ما ترجوه من حسن الكتابة والاختيار ، وكرر المطالعة: يؤذن لك بمزيد فهم ، وقدم نسخاً أخرى من هذه الرسائل هدية إلى إخوان لك: تنتشر الفوائد ، ويروج مذهبك في الإصلاح ، ويقتنع بمثل قناعتك عدد أوفر ، فتكون النتيجة أقرب.

ثم سبح معنا ربا هاديا ً .......... ونصيراً.