الثورة المصرية بين مرحلتين

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الثورة المصرية بين مرحلتين


بقلم : ماهر عابد

مشهد الثورة المصرية في ذكراها الثانية يعبر عن طبيعة الصراع القائم حاليا في العالم العربي بين قوتين متعارضتين، الأولى هي قوة البناء والعلم والحضارة، والتي اختارت أن تحتفل بذكرى الثورة عبر ترميم المدارس وزراعة الأشجار، وتنظيف الساحات والشوارع، وعلاج المرضى وتوفير الأدوية ومساعدة المحتاجين. والقوة الثانية هي قوى الهدم والتخريب والفساد والبلطجة وحرق المقرات وتعطيل الحياة. ورأت أن تحتفل بالذكرى بالطريقة التي تمثلها أي بالحرق والكذب والإشاعة والبلطجة. لحسن الحظ أن القوة الأولى تحوز عبر عملها الدءوب على ثقة الشارع والجمهور فيما تنحسر قوى التخريب تدريجيا وتتضاءل. القوة الأولى تعبر عن ثقافة الأمة وقيمها الحقيقية . فيما القوة الثانية تعبر عن نوازع الشر و النفاق الموجودة في كل مجتمع . ولا ريب أن الانتصار الذي لاشك فيه سيحصل عما قريب لقوى النهضة، فالشمس لا تغطى بغربال.

طوال العقود السابقة حاول الليبراليون والعلمانيون الذين سيطروا على مقاليد الحكم في العالم العربي دمغ التيار الإسلامي بصفات الإرهاب والتحجر والتشدد، وباتت مصطلحات الإرهاب الإسلامي والتطرف الإسلامي وما شابهها منتشرة باعتبارها بديهية من البديهيات المسلم بها، وفي المقابل كان صفة التنور والتسامح والتعددية والديمقراطية تلحق بكل الحركات العلمانية على اعتبار أن هذا هو جوهرها ورسالتها. وقد عملت وسائل الإعلام السلطوية الرسمية وقنوات الإعلام الفاسد بدأب شديد لترسيخ هذه المفاهيم لتكون جزءا من الوعي الباطن للجمهور العربي، وساعدتها في النجاح بذلك أخطاء العديد من فصائل التيار الإسلامي التي مارستها كرد فعل للاستبداد والقمع.

لقد كان الفرق الكبير بين الثورة المصرية في 25/1/2011 و"الثورة الثانية" في 52/1/2013 مؤشرا هاما وواضحا حول طبيعة من قاموا بالثورة في كل حالة، في المرحلة الأولى رأينا الشباب الطاهر في ميدان التحرير يغني لمصر، يقيم الصلاة، ينظف الساحات، يهتف للحرية وللعدالة الاجتماعية، يتعاون في كل شيء برغم الاختلاف الأيدلوجي والديني، يتعرض لقمع الأمن العنيف فيرد سلمية سلمية، يسقط منه الشهداء والجرحى فلا تتغير الهتافات، لم يُحرق مقرا أو يعتدي على منشأة ، بل عمل على حماية المتحف المصري وغيرها من الوزارات باعتبارها أملاكا عامة للشعب.

في المقابل، كان المشهد الثاني لما سمي"بالثورة الثانية"مثيرا للغثيان والقرف، فمعتصمو التحرير يتحرشون بالفتيات، بل ويغتصبوهن، حرق وتدمير المنشات والمقار بات أمرا عاديا، الاعتداء الآثم على أفراد الشرطة بالسلاح الأبيض والأسود صار بطولة، ميليشيات سوداء مقنعة تقتل وترهب الأهالي وتسرق المحلات وتقتحم الفنادق والبنوك، كما أن المشهد البالغ الانتهازية لسياسيي جبهة الإنقاذ المدافعين عن أعمال البلطجة والعنف والقتل يعطي مدلولات واضحة حول طبيعة التفكير المستقبلي لدى هذه الأحزاب التي تتخذ من الليبرالية والعلمانية والديمقراطية شعارا تمارس تحته أسوأ أنواع الاستبداد والفساد والعنف والإرهاب، مع الاستعداد الكامل للارتماء في حضن الأجنبي لتحقيق أحلامها بالوصول إلى سدة الحكم بدون إرادة شعبية، بل عبر دوامة العنف والإرهاب والقتل. وهو الأمر الذي عبر عنه المفكر القبطي الدكتور رفيق حبيب بقوله" في ظل نظام الاستبداد والقهر، ظهرت حركات إسلامية مسلحة، وفي ظل مناخ الحرية والديمقراطية، ظهرت مجموعات علمانية عنيفة، وكأن ظاهرة العنف ترتبط أساسا بوجود قوى لا تستطيع تحقيق مشروعها، فتلجأ للعنف. ولكن الفارق يظل مهما، بين من لا يستطيع تحقيق مشروعه بسبب الاستبداد، الذي يمنع الجميع من حرية العمل السياسي، وبين من لا يستطيع تحقيق مشروعه بسبب خيارات الناس الحرة".

إذن فقد تبدل المشهد، ولعل نعمة الربيع العربي هو أن ثورات العرب كشفت الأقنعة عن الوجوه، وعرت الأفكار والنظريات، وباتت الشعوب اليوم تدرك أن قوى التيار الإسلامي التي ظُلمت على مدار العقود السابقة هي الأكثر تأهلا لتقود الأمة نحو الحرية والرقي والتعددية والحضارة والنهضة، فيما تنكفئ القوى العلمانية بعدما مارست الاستبداد والقمع وهي في مواقع الحكم لعشرات السنين، ثم فشلت في التأقلم مع واقع الحرية الجديد، فلجأت إلى الإرهاب الدموي لفرض خياراتها على الشعوب، وبالنهاية لن يكون مصيرها بأفضل من الديناصورات المنقرضة.

المصدر