الثوابت فى جماعة الأخوان المسلمين-1
بقلم : محمد عبد الحليم قنديل
ان الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرورو انفسنا وسيئات اعمالنا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت السميع العليم ونصلى ونسلم على خير البشر وامام المرسلين سيدنا محمد الذى اجتباه ربه لتبليغ هذا الدين فبلغ الرساله احسن ما يكون التبليغ وادى الأمانة اوفى ما يكون اداء الأمانات وبعد
فموضوع الثوابت داخل جماعة الإخوان لهو من المواضيع الهامه التى تطلب من الأخ ان يتحرك بها داخل المجتمع وان تدور حياته فى رحاها واطارها وان يكون الباعث لحركاته وسكناته تحقيقا لهذه الثوابت وترسيخا لها
ولقد علمنا القرآن الكون نفسه قائم على نظام وسنن لا تتغير ولا تتبدل، يحفظ الله بها الكون من الهلاك والدمار فإذا ما اضطربت هذه السنن الثابتة هلك الزرع والضرع بل انتهت الحياة بكل ما فيها
والفكر الأصيل لجماعة الإخوان يقوم بنيانه على هذه الثوابت ولولا المحافظة عليها بل والتضحية من أجلها ما بقيت الجماعة التي تحمل التصور السليم والفهم السديد، من أجل ذلك كان أمر هذه الثوابت في جماعتنا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.
والإمام البنا رضوان الله عليه اوضح هذه الثوابت فى دعوته ولأنها كانت واضحة تمسك بها الأتباع وحافظوا عليها بل بذلوا النفس والنفيس للإبقاء عليها ولولا ذلك ما استمرت الى يومنا هذا منهجا وحركة والذين ابتلوا وصبروا وعذبوا بل واستشهدوا فى السجون والمعتقلات وما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا هم الذين حافظوا على ثوابت الجماعة من الضياع ولولا هذه التضحيات ما بقى الإسم ولا المسمى فضلاً عن الكيان والرجال
وللإسلام ثوابت عديدة فى كل مجال من مجالاته وهى ملزمة لكل مسلم ومسلمة ولأن جماعة الإخوان المسلمين من جماعات المسلمين فهى تتقيد بثوابت الإسلام كلها وتلتزم التزام اهل السنة والجماعة بها ومن لا يدخل الإخوان لا يخرج من الإسلام ما دام يلتزم بثوابت الأسلام لا يغير فيها ولا يبدل ولا يخرج عليها
والثوابت حتى يكون الموضوع ممنهجا نجملها على وجهين :
- 1- ثوابت على المستوى الفردى
- 2- ثوابت على مستوى الحركة والجماعة
أولا الثوابت على المستوى الحركى الفردى :
ان الفرد فى جماعة الإخوان المسلمين ليس معزولاً عن باقى المجتمع ولكن قد يختلف معه فى التصور والفكر فضلاً عن الحركة والإنتماء لذلك ليس هناك ما يجمل الثوابت داخل الصف ويجليها إلا شعار هذا الصف الذى ينطق به صباح مساء بكل ما تحمله جوانحه من اخلاص وثقة وتضحية ( الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت فى سبيل الله اسمى امانينا ) هى خمس ثوابت جمعت فى مضامنها كل شىء فى هذا الدين فإلى الثوابت الخمس بشىء من التفصيل :
الله غايتنا :
يقول الدكتور على جريشة تحت عنوان ( غايتهم وغايتنا )
أما غايتهم فهي المنصب العلمي ، أو المنصب السياسي أو الإيراد الكبير ، أو الفيلا الأنيقة ، أو السيارة الوجيهة ، أو الحياة الرافهة ، أو الملبس الأنيق ، أو الشهرة الواسعة ، أو مظاهر البطولة التي تستقطب الإعجاب ، أو المرأة) حليلة أو خليلة (زوجة أو عشيقة أو الأبناء ...
أو بعبارة أخرى .... حب الشهوات ...
أو بعبارة ثالثة .... حب الدنيا ...
ولقد أشار إليها القرآن الكريم في أكثر من موضع) : زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة والأنعام و الحرث ذلك متاع الحياة الدنيا)
(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا....)
والإسلام لا ينكر على الناس أن يكون لهم حظ من الدنيا ... بل لا ينكر على المؤمنين أن يمتلكوا الدنيا بل ويوجب عليهم ذلك أحياناً ) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة ( ، لكن فرق كبير بين أن يمتلكوا الدنيا وبين أن تمتلكهم الدنيا
فالأول ندعو إليه ونحببه ، و الثاني ننهي عنه ونستبعده ... وفرق كبير بين أن تكون الدنيا في أيديهم وأن تنتقل إلى قلوبهم ... فرق بين أن تكون الدنيا وسيلة وأن تكون غاية ... أن تكون سبيلاً ... وأن تصير منتهى ... وهذا كله راجع إلى فهمنا لحقيقة الدنيا ... ومآلها ...
إن الدنيا أولاً ... قصيرة مهما طالت ... وإلا فمن خلِّد فيها حتى من أعتى الجبابرة ... في القديم وفي الحديث ...؟ وإنها متقلبة ... وإن بدت ذلولا مسالمة ... وإلا لو دامت لغيرك ما انتقلت إليك ...
إن هذا الموت وحده نذير ودليل نذير بقصر الدنيا وتقلبها وحقارتها ودليل على أنها سوف تنتهي آما انتهت حياة الفرد وآما انتهت حياة أسر وكما انتهت حياة أمم وكما انتهت حياة دول وإمبراطوريات
أما غايتنا فهي غاية الوجود كله ... هي أغلى من الوجود كله ... هي أحلى من الحياة كلها ...
غايتهم فانية .... وغايتنا باقية ....
غايتهم حقيرة ... وغايتنا عظيمة ....
ثمرة غايتهم عاجلة زائلة ، وثمرة غايتنا آجلة خالدة ...
غايتنا .... الله ... سبحانه جل جلاله .
ومن أبقى من الله ...؟
ومن أعظم من الله ...؟ ومن أجلّ من الله ....؟
ويوماً ما صام أخ في السجن الحربي ... ولم يكن فيه إلا العذاب وطلب قبل المغرب إلى ساحة التعذيب ، فتقلب وجهه في السماء ضناً برحمة الله أن تتخلى عنه وهو صائم ... ثم جلس في مكان التعذيب ووجهه إلى الحائط شأن غيره من الجالسين المنتظرين ساعة التعذيب ثم سمع صوت الأذان من مكان سحيق ، فتقلب وجهه في السماء مرة أخرى لكنه حاول أن يعلل نفسه وهو صائم منذ أربع وعشرين ساعة أيمكن أن يأتي في مكان التعذيب طعام للإفطار؟ أيمكن أن يسمح له حتى بشربة ماء ...؟ أيمكن ...؟ أيمكن ....؟ لكن ظنه بالله كان كبيراً ، وأمله في رحمته كان واسعاً ففوجئ بمن يضع يده على كتفه ويقول له : هل أنت صائم؟ وتحير إنه لم يسأل هذا السؤال في أي مرة سابقة منذ شهرين يشهد فيهما العذاب ولم يسأل أحد ممن حوله هذا السؤال ...؟ لم هذا السؤال له بالذات ولم يصرح لأحد ، وليس معه أحد ليصرح له؟ لكنه قال في نفسه إنه صائم لله والله قادر على أن يحميه ... فرد بنبرة المتحدى : نعم صائم ... ففوجئ ... بطبق من الطعام لا يوزع مثله في السجن ولم يأآل مثله منذ شهرين ... ثم فوجئ فوقه بتمرة كبيرة حتى يكون الإفطار كما تقضى السنة .... سبحانك ربى سبحانك ... ما أعظم كرمك وحنانك.
و القصة طويلة نخرج منها بأن رحمة الله لا حدود لها ... ولا قيود عليها ... { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم } { وإن يمسسك الله بضر فلا آاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم { .
ومن كمال العبودية لله ان نخشاه وخشية الله كحب الله ينبغي أن تكون أكبر من كل خشية مما سواه ... فكما أن الله سبحانه وتعالى اعتبر حب غيره مثل حبه شركا( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ) وطلب إلينا أن يكون حبه في قلوبنا أكبر من كل حب ( و الذين آمنوا أشد حباً لله)
فكذلك الخوف ...
إذا تساوى خوف الله مع خوف غيره ... وقعنا في الشرك و العياذ بالله لأننا نظن بالعباد ما لا يكون إلا لرب العباد ...
ولا يتحقق لنا الإيمان الحق حتى يكبر خوف الله على خوف كل مخلوق
(أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن آنتم مؤمنين) ) الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله(
(الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن آنتم مؤمنين)
انظر مثلاً إلى ذلك النفر من سحرة فرعون ، وهم يقفون أمام أكبر طاغية في التاريخ ... الذي قال ) أنا ربكم الأعلى ( ، و الذي تهددهم بقوله( فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمنّ أينا أشد عذاباً وأبقى ) ، فلم تهتز قلوبهم خوفاً ولا وجلاً ، وإنما واجهوه ...بما يعجز غير المؤمن عن قوله ( لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات و الذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا ... ) ... وذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ... بعد أن اشتد به أذى كفار قريش وراح من يحميه ويدافع عنه يجادله ... فقال عليه الصلاة و السلام و الدمع في عينيه (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره أو أهلك دونه ما ترآته ).
وأبو حازم فقيه المدينة ، يأتي عبد الملك بن مروان فيهرع إليه علية القوم ويأبى هو أن يذهب ، فيرسل إليه عبد الملك فيسأله لماذا لم تأتني؟ فيقول ما بي حاجة إليك؟ فيسأله لماذا نكره الموت؟ فيجيبه بغير خوف - إلا من الله - لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنيا كم فكرهتم أم تنتقلوا من العمار إلى الخراب فيقول : مالي عند الله؟ .. فيقول : ابحث عن نفسك في قول الله تعالى ( إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم)
وفي الحديث مواقف كثيرة
ماذا قال مروان حديد لجلادي سوريا؟
ماذا قال كارم الأناضولي لمن حكموا عليه بالإعدام؟
ماذا قال قبلهم سيد قطب ، وحسن البنا؟
ان المشاعر الأساسية التي تتوافر في قلب المؤمن إزاء غايته ... الله .... هى الحب والخوف والرجاء وإلا فلابد قبلها من علم القلب ... قبل عمل القلب ... علم القلب بأسماء الله وصفاته ....
ولا بد معها - أي مع هذه المشاعر الثلاثة - أو بعدها مشاعر أخرى ... كالتوكل على الله ، والاعتصام بالله ووجل القلب إذا ذكر الله ، وزيادة الإيمان إذا تليت عليهم آياته ... ( إنما المؤمنون الذين إذا ذآر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون)
ومع الثابت الثانى ( الرسول قدوتنا) فى الحلقة القادمة ان شاء الله
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
المراجع :
1- المبادىء الخمسة – دكتور على جريشة
2- منهج حسن البنا بين الثوابت والمتغيرات – جمعة أمين
3- ابجديات التصور الحركى للعمل الإسلامى – فتحى يكن
اعداد محمد عبد الحليم قنديل
المصدر
- مقال:الثوابت فى جماعة الأخوان المسلمين-1موقع:الشبكة الدعوية