وحدهم المنتصرون
بقلم : فادي شامية
سبعمائة وثمانية وستون عاما مرت قبل أن تعود الكرّة .. بنفس اليوم وبذات الكأس المرة..المغول في بغداد يدمرون ويسرقون ويحرقون.. تضيع الدنيا .. وتسبى الأرض الحرة... يفر الرعاديد ويهزمنا ضعفنا، تزكيه فرقتنا وتيه عقيدتنا، وننسى الدرس وتعوزنا العبرة !!.
.. وتبكي بغداد أيامها كيف تبدلت لما تسلل اللصوص إلى عقولنا فسرقوا نورها قبل أن ينتشروا في شوارعها يسرقون ماضيها ومستقبلها .. جثموا على صدرها طويلا، سحبوا أنفاسها، وقتلوا بهاءها.. لم يبقوا لها أسوارا تدافع بها عن طهرها ولا حتى حجرة!!.
منذ أن ركبوا ظهورنا وأعيننا لا ترى إلا أقبح الصور .. هزائم يسمونها انتصارات! وهراء يعتبرونه تقدما ! وطروحات أثخنتنا وأثقلتنا فما عدنا نقوى على الخروج من الحفرة!! .
كل دروبكم عار يا دعاة الاشتراكية والقومية ويا دعاة العلمنة المظلمة .. فعلى أي أساس ما زلتم تحكمون بعدما فشلتم ؟ وأي فرح وقح ما زلتم ترسمونه فوق شفاهكم؟ وأي كلام سخيف ما زالت تلوكه ألسنتكم ؟ أي أعذار بقيت لكم يا من بعتم الأمة في أسواق النخاسة ثم ابتكرتم التصفيق لفعلتكم؟ بل ماذا بقي في بلادنا لم يلوثه جبن أنفاسكم الخبيثة؟ ماذا تريدون حتى ترحلوا عنا ؟ وكم من الحتوف تبغون منا؟ عليكم لعنة الله يوم جئتم وحكمتم بإسمنا دون أن ننطق، ولعنة الله على من نصبكم وعلى من استغنى عن خدمات بعضكم ليمسك بنفسه الدرة! .
أيها العربان الكبار .. في ذمتكم الميتة ضياع أوطاننا وخراب مدائننا .. في ذمتكم أصوات المعاول في الحقول ورنين الحديد في كل ما ُجبل من عرق الكادحين.. وإلى الله ستشكوكم أطفال ارتجفت أسرِّتهم لقسوة صواريخ الغزاة .. وإليه ستشكوكم نساء تدثرت بلون العتمة، ورجال تفلتت الدموع من مآقيهم رغما عنهم .. عمركم من عمر ذلنا الذي بلغ المشيب وما زال يعبث بما تبقى من كبريائنا .. لم تردعه الشيخوخة من الدناءة .. وأبناؤه الأنذال ما زالوا على جهلهم لا يقرأون التاريخ ولا يفقهونه، وأمهم الغبية لم تحكِ لهم قصة الثور الأبيض يوم أُكل على حين غرة!!.
هكذا.. دون ثوب أو غلالة سترحلون .. عراة ترجمكم الجموع .. بمفردات وغضب ودموع .. ففي قدومكم ندم وفي خلعكم ألم .. وانتم لا تتعلمون .. حكمكم قهر ورحيلكم ويل.. وبينهما يزداد النزف ويكبر الليل .. ويدخل هولاكو عاصمة حضارتنا لنسبِّح بحمده ونشكر برَّه!!.
لكن شعوبنا ستنتصر لأن أقنعتكم ما عادت تقنعنا، وأمجادكم التي رسمتموها على جلودنا المشوية ما عادت تنفع، وصار الناس يبحثون عن أولئك الذين تقدمونهم قربانا لأسيادكم كلما غضبوا منكم، لتقدمهم وتنتصر بهم على الحرمان من القوة وفقدان القدرة !! .
هؤلاء الذين لم يرضخوا لعسفكم سبيلنا .. هم أوفى لبلادهم منهم لأنفسهم، لم يسمعوا لجراحهم تنطق شماتة أو انتقام.. أقفلوا فمها وخرجوا مع جلاديهم، يقدمون حيث يتراجع الناس، يشعلون أجسادهم مشاعل شهادة ، لكن الظلام كان أطغى من أن يموت بسهولة، فثمن الحرية أغلى ومجد العرب لا تكفيه في القتال مجرد دورة !! .
المصاب جلل نعم، ولكن عزمنا أجل، وقومنا أقوى من العار الذي جلبوه إلينا، ولا ضير أن تنضم بغداد إلى القدس في الأسر، ما دامت كل عواصمنا رهينة حكامها، ومن أحضرهم باسم الثورة!! .
ليس لوعد الله تبديل أو تغيير، والأسيرتان الجميلتان تعرفان الآن لمن ستمنحان شرف تحريرهما، إنهم هم كما جاء في التاريخ ذكرهم، النور في جباههم، والنصر في رحابهم، إنهم وحدهم من يعرف كيف يخرج ومن أين، وهم وحدهم من يحمل باليد الجمرة!! .
المصدر
- مقال:وحدهم المنتصرونموقع:الشبكة الدعوية