مؤتمر القمة العربية والتحدي الخطير أمام العرب والمسلمين

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مؤتمر القمة العربية والتحدي الخطير أمام العرب والمسلمين
رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

بقلم:الإستاذ محمد مهدي عاكف

مقدمة

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:

فمنذ زمن- ليس بالقليل- كشفت أمريكا النقابَ عن مشروعها، الذى يهدف إلى الهيمنة على الأمة العربية والإسلامية، وسلخِها عن هويتها وتوهين عقيدتها، وإفساد أخلاقها، وإبعادها عن خصوصيتها الثقافية، وسلب خيراتها وثرواتها، وتهديد أمنها واستقرارها، وتفتيتها ورسم خريطتها من جديد.

وتحت زعم مكافحة الإرهاب، والتبشير بالديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان.. قامت الإدارة الأمريكية باحتلال أفغانستان والعراق، فضلاً عن دعمها الكامل للعدو الصهيوني، الذي يقوم بأعمال التصفية والإبادة والمجازر الوحشية في حق الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي وقفت فيه الحكومات والأنظمة العربية عاجزةً مشلولة عن فعل أو تقديم أي شيء.

ولقد اقتضت سُنَّة التدافع بين الحق والباطل، والصراع بين الخير والشر أن يكون للمؤمنين أعداءٌ يتربصون بهم ويكيدون لهم على مدار التاريخ، لكنَّ العاقبة دائمًا وأبدًا كانت- وسوف تكون- لجند الله وأوليائه وحزبه، شريطةَ أن يقوموا بواجبهم تجاه إسلامهم وأوطانهم: ﴿إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128).

وهاهي الإدارة الأمريكية تعلن في صراحة ووضوح- خاصةً بعد حادث 11 سبتمبر 2001م- أنها لن تسمح لأي جهة بتحدي أو منازعة تفوقها العسكري على المستوى العالمي، وأنها سوف تستخدم قواتها المسلحة في هدم كل النظم التي لا تُذعن لإرادتها ومطالِبها وإمكاناتها الاقتصادية وقواها "الناعمة" في (أمركة) المجتمعات، وأنها لن تتردد في التصرف بشكل منفرد في ردع الذين يكرهون أمريكا، فمن لم يكن مع أمريكا فهو ضدها.

ونحن بدورنا- كإخوان مسلمين- نعلن رفضنا الكامل وإدانتنا لهذا الطغيان وهذه الغطرسة، ونرفض أن تعود الإدارة الأمريكية بالعالم إلى شريعة الغاب، ونطالب الشعوب العربية والإسلامية كذلك أن تعلن تمسكها بدينها وإسلامها وهويتها واحتجاجها ضد من يريد استباحة حرماتها ومقدساتها.

ما يحدث في العراق

إن المتتبع لما يجري في العراق الآن يدرك- بما لا يدع مجالاً لِشَكٍ- أن هناك أصابعَ أمريكيةً خبيثةً تحاول أن تُغرق العراق في بحار من الدماء، من خلال الدسِّ والوقيعة، وإيقاد الفتن، والعزف على أوتار المذهبية والعرقية بين السنة والشيعة؛ وذلك بهدف التخفيف من حدة المقاومة التي تلقاها، والتي يشتد ساعدها يومًا بعد يوم، والتي أصبحت تشكل هاجسًا وقَلَقًا لدى الإدارة الأمريكية، خاصةً أن انتخابات الرئاسة أصبحت على الأبواب، وأيضًا لإيجاد مبرر لوجود الاحتلال واستمراره في أرض العراق.

لقد عمل الإمام البنا" على التقريب بين السنة والشيعة، وكان هذا السعي يقوم على حصر الجوانب المتفق عليها- وهي كثيرة- فالجميع يعبد ربًّا واحدًا، ويصلي إلى قبلة واحدة، ويؤمن بالقرآن، ويتبع سيد الخلق- صلى الله عليه وسلم- وكانت القاعدة التي تطبَّق دائمًا: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".. هذه القاعدة الذهبية يمليها الواقع، وتحتمها ظروفه وضروراته، فحاجة الأمة الإسلامية إلى التقارب والتلاحم في مواجهة أعدائها أقرب وأشد ما تكون الآن عنها في أي وقت مضى.

إن أعداءنا وخصومَنا قد اتفقوا واتحدوا على مواجهة المسلمين، وحين نرى تعاون الصهيونية والصليبية الغربية والوثنية الشرقية لابد لنا أن ندعوَ أهل القبلة الذين التقوا على الإسلام؛ ليقفوا صفًّا واحدًا في وجه هذا الطوفان الذي يسعى- من خلال المراوغة والكذب، والسلاح والذهب، وصناعة الفتن- إلى تهديد أمننا، وزعزعة استقرارنا.

إن الذى حدث في (كربلاء) كان فتنةً مدبَّرةً لتفريق الأمة وشقِّ صفها؛ لذا نهيب بالعلماء ورجال الفكر والثقافة أن يذكِّروا الشعوب كيف حضَّ الإسلام العظيم على الوحدة والترابط بين المسلمين، وجعلها فرضًا من فرائضه، وليتذكروا موقف النبي- صلى الله عليه وسلم- إزاء الفتنة التي أراد بعض يهود أن يبثوها بين الأوس والخزرج؛ للقضاء على الدولة الوليدة في المدينة، التي نزل فيها قرآنٌ يُتلى إلى قيام الساعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ* وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: 100- 101).

إن حقيقة الحرب التي يعلنها الصهاينة وأمريكا والغرب- أمس واليوم- في كل أرض ضد الإسلام والمسلمين، هي من أجل عقيدة التوحيد، وهذه المعركة يرفعون لها أعلامًا شتى، للتغطية والتمويه على هدفها الحقيقي؛ فقد جربوا خلال التاريخ مدى حماس وتماسك المسلمين واعتزازهم بدينهم وعقيدتهم ومقدساتهم، فكل جولة واجهوا فيها المسلمين تحت راية العقيدة هُزموا شر هزيمة؛ ولذلك فهم اليوم يُخفون حقيقة المعركة ويُعلنون الحرب باسم مكافحة الإرهاب حينًا، وأسلحة الدمار الشامل أحيانًا أخرى، وألقَوا في ذهن وخيال البسطاء أن موضوع العقيدة قد أصبح موضوعًا قديمًا، فلا معنى لها ولا يصح رفع رايتها، وخوض معارك باسمها؛ لأن هذا شأن المتخلفين والمنغلقين والمتعصبين، وكل ذلك ليأمنوا انطلاق العقيدة من جديد، ووقوف أصحابها أمام أطماعهم ورغباتهم وإجرامهم وإفسادهم في الأرض.

إنهم- في قرارة أنفسهم- يخوضون المعركة لتدمير وتحطيم هذه الصخرة الصلبة التي استعصت عليهم طويلاً، فكسرت رءوسهم في الحروب الصليبية، وفي حروب التتار، وفي معركتَي حطين واليرموك، وغيرها على مدار التاريخ.

مؤتمر القمة العربي

وفي ظل المنعطف التاريخي الصعب، الذى تمر به الأمة، نأمل أن يعمل الزعماء والملوك والرؤساء العرب في مؤتمرهم القادم- بعد أيام- على تبديد سحب الخلاف بينهم، وأن يجتمعوا على كلمة واحدة فيها صلاح أمتهم وفلاحها، فالتحديات التي تواجهها الأمة شرسة وضارية، ومحاولة التدخل وفرض الوصاية على الأمة العربية والإسلامية أصبحت على الأبواب؛ وهو ما يفرض عليهم وحدة الصف، ومحاولة اتخاذ إجراءات حاسمة نحو الإصلاح الداخلي، ومد يد العون والمساعدة لقضايا الأمة، وعلى رأسها فلسطين والعراق.

ويهمنا في هذه الرسالة أن نتوجه إليهم بما يلي

1- إن الإسلام كعقيدة وشريعة وأخلاق وآداب وسلوك هو مصدر قوتنا وعزتنا، وبقدر العودة إليه والالتزام بأحكامه بقدر ما سوف نكون قادرين على الوقوف في مواجهة التحديات من جانب والنهوض بالأمة من جانب آخر.

2- إن الحريات العامة والمحافظة على حقوق الإنسان ونشر قيم العدل هي السبيل إلى إقامة أمة قوية ناهضة.

3- ضرورة تعديل ميثاق الجامعة العربية بما يجعلها تقوم بدورها تجاه قضايا الأمة العربية بشكل أكثر تأثيرًا وفاعلية.

4- إن التكامل الاقتصادي والعلمي والتقني على مستوى الأمة العربية والإسلامية مطالب ضرورية وحيوية للأمة، وهي واجب يفرضه الإسلام في مواجهة الكيانات الكبيرة، فضلاً عن مواجهة الأخطار التي تحيط بها.

5- إن الكيان الصهيوني يحاول الآن- وبدعم من الإدارة الأمريكية- ابتلاع ما تبقَّى من فلسطين؛ وهو ما يجب أن نقف جميعًا دونه بكل الوسائل والإمكانات المتاحة.

6- لابد من إعداد الأمة كلها للجهاد الشامل في سبيل الله، وفي سبيل المحافظة على الأوطان.

إن وقوفنا تحت راية الإسلام قوة وعزة للمؤمنين، والأمة- اليوم وغدًا- تتطلع إلى من يقودها باسم الله، ويضع أقدامها على الصراط المستقيم.. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

القاهرة

في (19 من المحرم 1425هـ

10 من مارس 2004م).