كيف تخرج أمتنا من أزما تها ؟
بقلم : جمال ماضي
1- العقلية الواعية
العقلية الواعية باتت اليوم هي المطلب الشعبي لمجتمعات أمتنا المسلمة , خاصة أن عوامل الوعي أصبحت متوفرة عن ذي قبل , والإسلام جاء ليطالبنا بهذه العقلية التي كرمنا الله بها , فمنذ أول وهلة لأبينا آدم عليه السلام , اختار الله تعالي الإنسان ليكون خليفته على الأرض , وسط دهشة الملائكة , الذين قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) , وهذا ما نراه اليوم في نشرات الأخبار , فساد ودماء , ولكن الله بحكمته أراد أن يكون التغيير مفتاحه عن طريق الإنسان , حينما يمتلك الوعي : ( إني أعلم مالا تعلمون ) .
وذلك لأن هذه العقلية ترفض الأهواء , وتنبذ الخرافات , وتتمرد على التقليد الأعمي , وتأبي السير في ركاب الحكام والحكومات , فلها شخصيتها واستقلاليتها ورأيها , كما أنها لا تقبل أن تحمل أي دعوة بدون برهان أو دليل قاطع : ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ) .
2- العمل البصير
هذه العقلية الواعية هي التي تمهد الطريق إلى التعامل الرباني , فلا أهواء توجهها , ولا مصالح تقيدها , وإنما تبحث دائماً عن العمل الأحسن: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) الزمر 55 .
هذه العقلية الواعية بهذا العمل الأحسن , لا تعرف الكسل أو التواني أو التراخي أو الفتور , وإنما هي نشيطة متحركة عاملة , لا تأبه بزمان ولا مكان , فقدوتها صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة ( شتلة ) فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها ) .
في مجتمع لا يعيش كلاً على غيره , بل يكفي نفسه من قوته اليومي , في مجتمع لا يعيش عالة على غيره بل حتي سلاحه من صناعته لحماية أرضه , في مجتمع تتنزل فيه البركات , لا يعيش في أجواء صناعية ممن يهيمنون عليه , لأنه بهذه المقومات لا تستطيع أي قوة مهما كانت أن تهيمن عليه .
لقد ذهب عمربن الخطاب إلى قرية في جولاته الميدانية التفقدية فسألهم : من أين تأكلون ؟ قالوا : من القرية التي بجوارنا , ثم سألهم : مم تلبسون ؟ قالوا : من صناعات القرية التي بجوارنا , فقال عمر : أنتم عبيد لهم .
3- الحريات للجميع
فمن هنا تأتي الحريات , وتنطلق الحرية المنشودة من محبسها , حرية في الاعتقاد , وحرية في ممارسة الشعائر الدينية : ( أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين ) , وحرية فكرية : متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً , وحرية سياسية : لا تعرف القهر والنهر : ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ) فما بالك بما هو أعلى وأعظم من اليتيم أو السائل , حرية في مقاومة المحتل بالسلاح : ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) .
هذه الحريات لا تعرف سيطرة أو تحكماً , أو بقاءً في الحكم , أو ضرباَ للمعارضة , أو قصفاَ لأي فكر , أو إقصاء لكل مشارك , أو نفياَ لكل آخرمهما كانت ملته أو ملة قومه . وإنما هي تمهد الطريق إلى عدم الانفراد بالرأي أو الحكم , والاستفادة من مشاركة العقول , والعمل التعاوني وفق الدراسات المستوعبة والتصور الشامل . فقد نزل النبي صلي الله عليه وسلم عن رأيه في أحد , وشاور في بدر , واستجاب لرأي زوجته أم سلمة في الحديبية , وعزز رأي الأغلبية في الخندق , وها هو في هذا المشهد يتنازل عن رأيه الشخصي لرأي عمر , ولم يقل لعمر : إنها تعليمات , أو من الجهات العليا , أو أنت عبد المأمور , فقد بعث النبي أبا هريرة يبشر الناس بأن : ( من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ) فخشي عمر أن يفصل الناس بين القول والعمل , فأوقف أبا هريرة وذهب بين يدي رسول الله قائلاً : خلهم يعملون ( اتركهم ) فقال صلي الله عليه وسلم : ( خلهم يعملون ) . رواه مسلم
4- انظروا عاقبة الاستبداد
أول ما يبدأ الاستبداد من داخل النفس , حينما يمتلأ داخل المستبد بالكبر والغطرسة , ( أنا ربكم الأعلى ) ( ما أريكم إلا ما أرى ) ( ما علمت لكم من إله غيري ) .
ثم تأمل الخطوة التنفيذية لهذا الداخل الأسود , في الوسائل التي واجه بها فرعون الدعوة والدعاة :
1- (قال للملأ حوله ) أي خاصة أهل الحظوة وهم إما ضعيف لا شخصية له ولا رأي , وإما أصحاب الملفات الفاسدة .
2- (إن هذا لساحر عليم ) فها هو قد أصدر الحكم لأنه هو مصدر السلطات حيث لا دستور ولا قانون ولا قضاء ولا تشريع .
3- (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ) هذه مذكرة التحريات الجاهزة بالتهم المسبقة والمحفوظة .
4- (فماذا تأمرون ) أبعد الملفات الفاسدة , وبعد إصدار الحكم , وبعد التهم الجاهزة , يكون لهم رأي , بل إنه يستهزئ بهم ويسخر منهم , ما أوامركم يا سادة ؟ .
ولهذا وصمه الله بالطغيان وفضح نظامه :
1- إن فرعون علا في الأرض ( تجاوز الحد )
2- وجعل أهلها شيعاً ( الحاكم الأوحد )
3- يستضعف طائفة منهم ( ضرب المعارضة )
4- يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم ( الفساد )
5- إنه كان من المفسدين ( أي بعلمه وأوامره )
ولم يكن ذلك مع الدعوة والدعاة لا مع كل المصريين لقوله تعالي في سورة الدخان الآية 31 :
1- (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم )
فالدعوة في تصوره ممارستها تحتاج إلى تصريح منه , لمباشرة الايمان وإلا كانت محظورة .
2- (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر )
إذن أنتم متهمون بالانتماء في جماعته المحظورة فقضية الانتماء قديمة من عهد نبي الله موسي عليه السلام .
3- (فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ) بالحكم القضائي الأوحد في نظام فرعون : التعذيب , وعلى المتضرر اللجوء للقضاء وأنا القضاء , ومن لم يعجبه الأمر فليخبط رأسه في أقرب حائط , إن وجد رأسه .
4- (ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقي )
فالأمر للتشفي والانتقام , وليس قانون أو نظام أو يحزنون , والأمر بقاء في الحكم وليس حريات أوديمقراطية .
وتجمعت حول فرعون ثلاث قوي , القوة السياسية الممثلة في هامان , والقوة الاقتصادية ممثلة في كبير رجال الأعمال قارون , والقوة العسكرية والأمنية ممثلة في الجنود الأوفياء جداً , وصدق الله وهو يقول :
( إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) القصص 8
( فأخذناه وجنوده – الأعوان من العسكريين والمدنيين –
فنبذناهم في اليم فانظر كيف كانت عاقبة الظالمين )
5- واجب الشعوب
ذم الله شعب نوح عليه السلام لأنه اتبع من لم يزده ماله وولده إلا خساراً , وذم الله شعب هود عليه السلام لأنه اتبع أمر كل جبار عنيد : ( وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ) هود 60 .
وذم الله الشعب المصري في قوله تعالى : ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين ) الزخرف 54 .
فإما أن تقوم الشعوب بواجبها في إزاحة الظلم والاستبداد , وإما فهي الخاسرة , في حياتها , وفي يوم القيامة :
( وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) البقرة 166 – 167
المصدر
- مقال:كيف تخرج أمتنا من أزما تها ؟موقع:الشبكة الدعوية