قافة العدوان.. مصادرها ومخاطرها

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
قافة العدوان.. مصادرها ومخاطرها

بقلم:الإستاذ محمد مهدي عاكف

مقدمة

رسائل.gif

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله ومن والاه إلى يوم الدين، وبعد..

مرةً أخرى- وندعو الله أن تكونَ الأخيرةَ- عادَ العنفُ ليضربَ من جديد في مدينة شرم الشيخ الساحلية ليحصدَ أرواحَ عشراتٍ من إخواننا المصريين الأبرياء وبعضِ الأجانب المستأمنين.

وإذْ نكرر استنكارَنا لتلك التفجيرات ونُعرب عن حزننا إزاءَ ما أصاب الضحايا وأُسَرَهم ومصر كلها؛ فإننا نؤكد على اعتبار هذه الأفعال مخالِفةً للشرع الحنيف الذي كرَّم الإنسانَ وأمرَ بحفظ الأنفس والدماء والأرواح، كما نعتبرها عدوانًا على القيم والأعراف

لقد استغلَّ البعضُ الحادثَ على وجه السرعة وقام ليصطادَ في الماء العَكِر، وعادت الألسُن لِتَلُوكَ الحديثَ عمَّا أسمَوه زُورًا وبُهتانًا (الإرهاب الإسلامي)، ونقول إن العدوان والعنف لم يكن يومًا من الأيام بضاعة إسلامية، بل كان المسلمون ولقرون عديدة غرضًا لعدوان الغرب والشرق، يشهد على ذلك التاريخ وما سجله من آثار جرائم التتار والصليبيين القدامى والجدد.

إنَّ الإسلامَ ينهى عن العدوان ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2)، ويصون النفس الإنسانية ويعتبر إزهاقها بغير حقٍ جريمةً كبرى بحق الإنسانية، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)، كما أنه يحضُّ على العدل حتى ولو لم يعدل خصومنا ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8).

وقد اعتاد البعضُ أن يسارع بتوزيع الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال، منطلقًا من اتهام بعض التنظيمات التي ترفع رايات إسلامية بتنفيذ تلك الأفعال، ثم يسحب الاتهام على القوى والحركات الإسلامية جميعًا، غامزًا في قناة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص؛ ليصل إلى غرضه الخبيث وهو اتهام الإسلام ذاته بأنه المحرِّض على العدوان والعنف ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إن يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ (الكهف: 6).

ومن المعروف في عالم المكائد والدسائس أنَّ مَن يدبر حادثًا يسعى إلى إلقاء العديد من الخيوط المضللة التي تقود التحقيقات إلى نتائج متضاربة أو إلى طريقٍ مسدود، وكما يقول أحد رجال المخابرات إنَّ 90% من جهود تدبير عمليةٍ ما تنصب على عمليات التضليل بينما لا يأخذ تنفيذ العملية أكثر من 10% من الجهد.

لذا فإن هؤلاء الذين يسارعون بإلقاء التهم جزافًا ينقصهم التبيّن والتثبت قبل الإساءة إلى الأفراد والجماعات ومحاولة تشويه صورتها أمام الشعوب، وليتدبروا قول الله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6).

فتش عن المستفيد

ومن القواعد التي تساعد على حل مثل هذه الألغاز الغامضة قاعدة "ابحث عن المستفيد".. فمَن المستفيد من وراء أعمال العنف والقتل في مصر؟

إنَّ النَّيْلَ من أمن مصر وزعزعة استقرارها هدفٌ دائمٌ للمخططاتِ الصهيونية والأمريكية مهما تحدث البعضُ عن معاهدات السلام واتفاقات الشراكة، وأيُّ عملٍ على غرار ما حدث في شرم الشيخ يصب في خانة المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة.

من الواضح أنَّ هناك قوًى وأجهزةً من مصلحتها التغطية على ما يحدث في فلسطين من جرائمَ يرتكبها الكيانُ الصهيوني ومن مخططاتٍ لضرب قوى المقاومة الفلسطينية، وهناك سياسة أمريكية معلنة تُسمَّى سياسة "الفوضى الخلاقة" والتي تهدف إلى خلخلة أسس المجتمعات والأنظمة العربية ليتاح لها إحداث التغيير الذي كثر الحديث عنه وفق منظورها ورؤيتها.

كما أنَّ هناك قوًى وأجهزةً من مصلحتها إحراج النظام المصري بتدبير مثل هذا الحادث المروع قبل فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، وفي ظل عمليات الاختراق المتواصلة للأمن المصري- بعد أن أصبحت الساحة مستباحة- لا يُستبعد أن نجد من بين المصريين مَن ينفذ أهداف الأعداء!!.

مَن يتحمَّل الوزر؟

إنَّ ما حدث في شرم الشيخ وما شاكله من أحداثٍ يمثل عدوانًا آثمًا يتحمل وزره فاعلوه المباشرون الذي قاموا بهذه التفجيرات وخططوا لها وحرَّضوا عليها، مثلما يتحمل وزره مَن أرسوا ثقافة العدوان والعنف والاعتداء على حقوق العباد، ومَن أسسوا شريعة الغاب؛ حيث يُتاح لكل مَن يملك شكلاً من أشكال القوة أن يستخدمه دون رادعٍ من دينٍ أو وازعٍ من ضميرٍ ليسفك الدماء ويهلك الحرث والنسل ويروع الآمنين.

إنَّ هذا الفكر العدواني عادةً ما يظهر في غياب الحرية والعدل، فغياب الحرية وضياع العدل، والعدوان على الحقوق وهضمها، وانتشار الاستبداد والفساد، واستمرار حالة "الاحتقان السياسي" السائدة بسبب رفض النظام لمطالب الإصلاح، وغياب الشورى والديمقراطية والتمسك بالديكور الديمقراطي المزيف، وانسداد أفق الحوار، وتدني سقف الحريات العامة، ومواصلة العمل بقانون الطوارئ لسنوات طويلة منذ عام 1981م؛ مما مكَّن ضعاف النفوس في جهاز الشرطة من التمادي في الظلم والعدوان على البشر تحت حماية الطوارئ؛ ذلك كله يشكل بيئة صالحة لنمو ثقافة العدوان في مصر، وفي كل بيئة مشابهة.

لقد رصدت منظمات حقوق الإنسان ما يصعب حصره من تجاوزات بعض رجال الشرطة، كما رصدت ما وقع في سيناء من عقابٍ جماعي طال قرابة خمسة آلاف مواطن بعد حوادث التفجير في طابا في أكتوبر 2004م، أفلا يفكر كل عاقل في عواقب مثل هذه الممارسات؟

وكما هو الحال في الداخل فإنَّ الممارسات الاستبدادية الدولية، والعدوان على الشعوب، وغطرسة القوة، والحروب التي تشنها القوى العالمية في أكثر من مكان في العالم هي التي أوجدت ثقافة العنف والعدوان؛ حتى أصبح العالم أقل أمنًا واستقرارًا ، وإنَّ استمرارَ هذا الحال على ما هو عليه من ظلمٍ وطغيانٍ وقوة غاشمة لن يؤدي إلا إلى مزيدٍ من سفك الدماء.

وها نحن نرى ما يحدث في فلسطين والعراق وأفغانستان؛ حيث تتجلى غطرسة القوة في أبشع صورها، وتسيل دماء المسلمين هناك أنهارًا، أفلا يفكر أي عاقل في عواقب تلك الجرائم؟!

لقد بدأ البعضُ يتحدث بعد تفجيرات لندن وشرم الشيخ عن الحاجة إلى معالجة أسباب العنف، وهو أمر محمود لو صدقت النوايا والتوجه وتوفرت الإرادة والعزم، ووضع العلاج الصحيح لذلك الداء الذي أصاب العالم؛ وفي سبيل تشخيص تلك الأسباب فإننا نطرح أمام الباحثين عددًا من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات شافية:

على المستوى الداخلي

- ما العلاقة بين التجديد المتكرر للعمل بقانون الطوارئ، وعدم إلغاء القوانين الاستثنائية المقيدة للحريات العامة، ونمو ثقافة العنف والعدوان؟

- ما العلاقة بين الاستبداد السياسي واحتكار السلطة وتزوير الانتخابات، وسيادة الصوت الواحد، والتضييق على الأحزاب والقوى السياسية وعلى حركتها في الشارع وعلى حقها في إقامة المؤتمرات والمسيرات، وبين زيادة الميل إلى العنف، خاصةً عند الشباب؟

- لماذا زادت حوادث العنف في مصر بعد توقيع معاهدة الصلح مع الكيان الصهيوني؟

- هل استطاع الصهاينةُ اختراق النسيج المصري وإلى أي مدى نجحوا في تجنيد البعض لتنفيذ مخططاتهم مع كسوتها بثياب المسلمين بدلاً من تغطيتها بنجمة داود؟

وعلى المستوى الدولي:

- ما العلاقة بين ممارسة واشنطن لسياسة غطرسة القوة وتنامي العداء والكراهية لها في مختلف أنحاء العالم؟

- كيف كان وقع دخول كابل وسقوط بغداد على نفوس المسلمين خاصةً، وما تأثير ذلك على موقف المسلمين من السياسة الأمريكية في المنطقة؟

- ما العلاقة بين تفجيرات لندن وسياسة بريطانيا المنحازة لواشنطن في العراق وأفغانستان؟

إنَّ العالم بحاجةٍ للانتقال من ثقافة العنف والعدوان إلى الثقافة المضادة التي تقف في وجه الأولى وتحدّ من استشرائها، ثقافة الأمن والقيم الإنسانية الراقية، ولن يجد العالم مَن يُقدِّم له ثقافةَ الأمن والقيم الراقية سوى الإسلام.. فهل يقر المتغطرسون مدبرو المكائد ومشعلو الفتن بتلك الحقيقة ويكفون عن تغذية ثقافة العدوان؟

وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.