في الطريق إلى كوسوفا

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
في الطريق إلى كوسوفا


بقلم : مصطفى الطحان

منذ فترة طويلة.. وأنا في شوق لزيارة دول البلقان.. أما أسباب هذا الشوق فمتعددة..

· فهي قطعة من بلادي التي زرت معظم أجزائها وبقيت أجزاء لم أزرها منها منطقة البلقان..

· ومن الأسباب أن البلقان كان عبر التاريخ منطقة توتر واختبار.. فعلى أرضها دارت معارك كبيرة بين الجيوش العثمانية والصليبية العالمية التي كان يقودها بابا روما.. ومنها انطلقت شرارة الحرب العالمية الأولى.. وكانت آخر هذه المعارك معركة ميلوسوفيتش حاكم صربيا عندما أراد القضاء على المسلمين في البلقان.

ولكن لماذا كل ذلك.. وعلى أرض البلقان على وجه الخصوص..؟!

السبب هو أن البلقان تقع في أوروبا.. وأوروبا يريدونها مسيحية.. فماذا يفعلون بملايين المسلمين..؟

قالوا أنهم أصبحوا مسلمين تحت سيوف العثمانيين!!

ولكن السيوف انتهت, والشيوعية حكمت, والغرب يدير الأمور حالياً, فلماذا لم يعد البوسنويون وأهل البلقان إلى أصولهم النصرانية..؟

الغرب يعلم جيداً.. أن نظرياتهم حديث خرافة.. وأن الصربي عندما يصبح مسلماً.. يبقى ويحيا ويموت مسلماً.. فالحياة عنده قيم وعقائد.. وليس مجرد دعايات وأكاذيب وأعراق.

· وسبب آخر.. كان يدفعني لزيارة البلقان..

هي نظرية هنتتنغتون عن صراع الحضارات.. فكان يرى أن الحضارة الغربية هي الكاثوليكية التي تتحدث اللغة الإنكليزية.. فروسيا ويوغسلافيا على سبيل المثال ليستا غرباً.. وهو ما يفسر القصف الأمريكي لصربيا وإسقاط ميلوسوفيتش و قتله في المحكمة الدولية..

لكل هذه الأسباب.. لبيت دعوة أخينا نادر النوري لحضور الدورة التعليمية الثانية للأئمة في منطقة البلقان.. في مدينة بريشتينا خلال الفترة (17-19) يونيو 2006م.

حضر الدورة حوالي مائتي مشارك من كوسوفا وألبانيا ومقدونيا والجبل الأسود والبوسنة, وكانت الدورة برعاية رئيس المشيخة الإسلامية في بريشتينا عاصمة كوسوفا الأستاذ نعيم ترناوا.

في هذه الدورة تحدث الأستاذ نادر النوري, والأستاذ عبد الحميد البلالي, والدكتور بدر الماص, والدكتور عثمان, وتحدثت عن دور القيم في انتصار الأمم..

فالأمة التي تنتصر هي التي تحافظ على قيمها قوية في نفوس أبنائها.. تظهر في سلوكهم.. وفي الدعوة على ألسنتهم.. وهم بعد ذلك مُثلٌ لهذه القيم يأخذها عنهم الآخرون.. وهي عدتهم في النصر.

· عندما هزم المسلمون الفرس أو الروم لم يكن للمسلمين قوة مادية من أي نوع لا في العدد ولا في العتاد.

كان عندهم قيم العقيدة الواضحة.. وقيم الحق فوق القوة.. وقيم العدل.. وقيم المساواة.. وانتصروا بذلك على عدوهم الذي لم يكن يملك من هذه القيم شيئاً.

· عندما قدم كعب بن حاتم الطائي على رسول الله في المدينة جاء إليه بطلب من أخته التي أحسن رسول الله r وفادتها وأكرمها وبعث بها إلى أخيها في الشام.. فأقنعت أخاها أن يذهب إلى رسول الله. وذهب كعب وهو ملك لمقابلة ملك.. واستقبله رسول الله r وأخذه إلى بيته, وفي الطريق أمسكت امرأة عجوز بيد النبي.. وبقي معها حتى قضى لها حاجتها.. كان كعب يقول في نفسه ليست هذه أخلاق ملوك.. فالملك لا يقف مع امرأة عجوز يحل لها مشكلتها في الطريق.. ودخلا البيت.. وذهل كعب فلم يكن في بيت النبي سوى إهاب من جلد ووسادة واحدة حشوها ليف.. وقال كعب: وليست هذه بيوت ملوك..

وأسلم كعب.. فالموقف كان أكبر منه ومن ملكه..

· عندما فتح محمد بن قاسم الثقفي بلاد السند.. سأل الهنود عن أميرهم الجديد.. فوجدوه في بيت بسيط بابه مفتوح لمقابلة الناس.. وعهدهم بالملوك من نسل الآلهة فآمنوا.. هي القيم والسلوك الراقي الرفيع.

· عند حرّر سعد بن أبي وقاص العراق وأرض فارس من ظلم المجوسية وطغيان حكامها.. عينه الخليفة حاكماً على أرض العراق..

وفي الكوفة ابتنى سعد له بيتاً وجعل له باباً.. وعلم الخليفة العادل فأرسل محمد بن مسلمة.. وجاء محمد بن مسلمة وأحضر حطباً وأحرق الباب.. هذه هي القيم.. التي ساد بها المسلمون العالم.. وهي ذاتها السبب في انهيار الممالك الكبرى عندما تخلى حكامهم عنها..

· وبالإمكان في كل يوم أن يعاود المسلمون انتصاراتهم ما تمسكوا بعقيدتهم.. والتزموا بقيمهم.. وأصبحوا مثالاً يقتدى به لا في ميادين القتال فحسب.. بل وبالعدل.. ورفع راية الحق.. وفي المساواة بين الناس.

دروس في المساجد

وفي زيارة المساجد في كوسوفا أكثر من عبرة..

· معظم المساجد قصفها الصرب.. وكانوا يضربون المآذن في الاتجاه الذي تسقط فيه المئذنة على قبة المسجد فتأتي عليه. وعندما رأيت بعض الكنائس سليمة معافاة.. حماها المسلمون فهي أولاً وأخيراً بيوتاً للعبادة.. وهذا هو الفرق بين المسلم الذي يعمر ولا يخرب.. وبين الطغاة الذين لا يعرفون إلا التدمير..

· وزعنا أنفسنا على المساجد في مختلف المدن يوم الجمعة.. فرح الشعب الذي تحرر من رجس الاحتلال بإخوانهم الذين جاءوهم من بعيد.. رحبوا بنا.. وتحدثنا إليهم حديث أرواح وقلوب.. والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف.

لقد بنت اللجنة المشتركة الكويتية والجمعيات الخيرية في دولة الإمارات وغيرها عدداً كبيراً من المساجد وخاصة تلك التي هدمت.. جزاهم الله خيراً.

· التاريخ يعيد نفسه.. فقد قام جندي صربي وطعن السلطان مراد الأول وهون يتفقد ميدان المعركة.. فأرداه قتيلاً. مررنا على قبره وألقينا التحية.. وكان الأتراك قد أعادوا ترميم قبره وقبته وسيحضر رئيس وزراء تركيا افتتاح هذا الصرح.. غدر يماثل غدر الصرب في ذبح المسلمين في كوسوفا والبوسنة وبقية أجزاء بلقان..

· حيث ذهبت تجد قوات الناتو.. تجوب بسياراتها الطرق.. تشرف على الهيئات الخيرية الغربية التي تعمل على تنصير المسلمين.. وتدعم الهيئات التي تبني مزيداً من الكنائس.. كنائس بلا سكان..

· جميع محطات التلفزيون الغربية.. تبث من كوسوفا.. وعندما سألت المفتي عن عدم وجود محطة وطنية واحدة.. قال: قوات الناتو لا تسمح.. يريدون تغيير الشعب المسلم قبل انضمامه إلى أوروبا.

· زرنا في كوسوفا كلية الدراسات الإسلامية والتقينا بالأستاذ رجب بويا عميد الكلية.. وقدّم لنا كتابه القيم عن المسلمين في يوغسلافيا.

· كوسوفا التي يبلغ عدد سكانها 2.5 مليون نسمة جميعهم من المسلمين الألبان.. هي البؤرة المضيئة التي يجتمع حولها الألبان في كل المنطقة في مكدونيا وألبانيا والجبل الأسود وصربيا.. التقينا بمختلف الشرائح الشبابية والطلابية لقاءات ثنائية وجماعية.. وكانت مفيدة للغاية.. مفيدة لنا فقد شحنت عزيمتنا بعزيمة الشباب وحيويته.. ومفيدة للشباب الذين أطلعناهم على تجاربنا وما نقوم به من نشاط..

· في ختام زيارتنا لبلدنا العزيز كوسوفا.. قمنا بزيارة مدينة برزرين.. وهي قريبة من مكدونيا.. مدينة جميلة.. تتميز بجمال طبيعتها وبكثرة مساجدها.. أغلب سكانها بوسنويون.. زرنا نهر درينا المتدفق من الجبال العالية وتسلق الشباب الجبل الذي ينبع منه النهر.. واكتفى الكهول بالتمتع بالمنظر الخلاب.

· وفي نهايةالأسبوع.. غادرنا كوسوفا.. بعد أن تعرفنا على هذا البلد العزيز.. وعلى رئيس المشيخة الشخصية المنافحة عن الإسلام في البلد.. وعلى نخبة رائعة من شباب الإسلام في البلقان..

ودعنا هذه البلاد.. ولسان حالنا يردد مع الشاعر:

ودعته وبودي لو يودعني

صفو الحياة وإني لا أودعه.

المصدر