عبدالفتاح نافع يكتب: حماس التي في خاطري
قد يبدو الجميع في حالة من الصدمة والذهول وفقدان التوازن مما يسمعه عن المصالحة من مؤيد لها ومعارض.
ولكنني هنا سأتجاوز حدود الصدمة ، وأتحدث عن المصالحة بعين المتجرد الذي لم يُكون رأيًا حتى الآن لاختلاط الأمر عليه ، ولكثرة الوثائق التي يجب عليه قراءتها أو الإطلاع عليها قبل أن يقف مع أو ضد هذه المصالحة ولمعايشة جزء من الظروف التي اضطرت فيها حماس للقبول بهذه المصالحة وبما أنه لم يتسنَ لنا الإطلاع علي ذلك حتى الآن فسوف أتحدث عن المصالحة من الناحية السياسية البحتة ومن الناحية الشرعية.
وقبل ذلك أوجه حديثي إلي من يعارض بقسوة ويتهم حماس بالتخاذل وبقبول المصالحة التي يتغني بمعارضتها قطاعات كبيرة من كل التوجهات وحتى الإسلامية منها.. أوجه حديثي في شكل سؤال... ماذا قدمتم لحماس طوال فترة الحصار التي امتدت حتى كادت أن تقضي علي الأخضر واليابس في غزة ؟
لكل من وقف عاجزًا عن تقديم يد العون والمساعدة طوال فترة الحصار أن يكف قلمه الممتد بالسوء إليهم ، وكان عليكم قبل أن تبسطوا فيهم ألسنتكم وأقلامكم ، أن تذكروا جهدكم الذي بذلتموه لفك الحصار الصهيوني والعربي الغاشم عنها... بل إن شئت فقل الحصار العالمي .
ما فعلته حماس سياسيًا أنها قرأت الواقع العالمي ولمحت الغدر في كل العيون ، وضاق الحال بها وبسكان غزة ، فخضعت سياسيًا كما ترون ، علي الأقل لتعطيل ما قد تُقدم عليه قوي الشر وما تكيده لها ، وهي محاولة لرتق الفتق الاجتماعي نتيجة للأزمات الطاحنة اقتصاديا التي يكابدها القطاع منذ الحصار والذي ازدادت حدته مؤخرًا نتيجة لإحكام السيطرة ، وإحكام الغلق ، الذي تستعد بعده الطلقة للخروج من الفوهة بعد طرق إبرة ضرب النار لمؤخرة الطلقة بعد الضغط علي زناد البندقية ، مجرد خطوات مرحلية ، والطلقة حتمية الخروج ، والطلقة تعرف وجهتها وقرارها في صدر حماس وغزة والقطاع.
فقد بدا لي أنها إحدى المناورات السياسية التي اقتربت فيها حماس من قاذفات الرصاص ثم قامت بوضع صدرها السياسي أمام هذه الفوهات لتفتدي به كل أبناء القطاع من شر قد أُريد بهم ، حتى وإن لاكت الألسنة هذا التصرف ، وشهرت بحماس ووصفوهم بكل وصف لا يليق بها وهي التي كانت وستظل شرف هذه الأمة ، وأنها كانت وستظل هي النقطة المضيئة والمهابة في خريطة الوطن القاتمة السواد ، رضوا بذلك ، وبدوا منكسرين في قبولهم ، وأظن أن هذه المصالحة هي غرسًا وزرعًا للفتيل لا نزعًا له ، فإن اتفقوا في نقاط في هذه المصالحة كلها ، إلا أنها فيما هو مؤكدٌ ستتحطم علي صناديق ذخيرة حماس وعلي فوهات مدافعها التي سيجعلها أبو مازن هي جواز مرور كل بنود المصالحة ، ولن ينفذ من وجهة نظري أي شيء من بنودها قبل الحديث عن نزع حماس لروحها ولروح الأمة الإسلامية المتمثلة في سلاحها الذي جعل لها كل هذه المهابة والجلال في كل النفوس ، والذي جعل كل أحرار العالم ينظرون إليها وإلي مقاومتها بسلاحها صنيع أيديها بعين الإكبار والإعظام ، فهي بذلك سياسيا لها مطلق الحرية فيما تتخذه من خطوات سياسية من شأنها رفع الأيادي السوداء الآثمة من علي أعناق حوالي مليوني فلسطيني هم سكان غزة والقطاع ، نوافق أو نعارض!!! فحماس وشعب غزة هم من يكتوون بنيران الحصار ، وهم أصحاب القرار.
نتفق أو نختلف هي مجرد سياسة...
أما من الناحية الشرعية فقد حرصت حماس علي كل معاني الصلح السامية ، وعلي كل معاني الأخوة... وان جنحوا للسلم... واعتصموا.. فمن الناحية الشرعية ليس هناك مخالفة شرعية... ومع الفارق في التشبيه هناك صلح الحديبية في عام 6 هجرية وكلنا نعلم ما حدث فيه ، وبنوده الجائرة التي أثارت حفيظة سيدنا عمر بن الخطاب ، ورده عن غضبة سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعن عمر ، فلم يُسمي ذلك انكسارا أو تخاذلًا وإنما ضرورة سياسية ليس فيها مخالفة للشرع.
فعلتها حماس ربما يكون ذرًا للرماد في وجه من يقول بعد أن يشتد الخطب ، وحين تقوم كل القوي الظالمة الغاشمة لدحر غزة بمن فيها .. ألم نقل لكم ، ماذا عليكم لو كنتم قبلتم بالمصالحة ، ما كان ضركم شيء مما يحدث لكم الآن ، نصحناكم بالقبول ولكنكم لم تسمعوا إلا صوت أنفسكم ، أنتم من فعلتم بنفسكم ذلك ، لا قِبل لنا بمساعدتكم.
حماس بدت خاضعة ومنكسرة ، لكنه انكسار لتغيير المسار وتعديل الأولويات.. وإبقاءً علي حياة من وقفوا خلفها ودعموها طوال كل هذه الفترة...
والعجيب أن من يعيب عليهم قبول المصالحة هو من كان يهلل ويصفق كلما أعلن نظام السيسي الانقلابي عن تدمير الأنفاق التي كانت تمد غزة بالغذاء والعلاج..
قد يبدو من كلامي أنني مع قبول حماس للمصالحة ، ولكنني اجتهد لرصد بعد الأحداث التي من شأنها أن تلفت أنظارنا إلي بعض الحقائق التي تجعلنا نرفق بهم في محنتهم...
ولا نخذلهم أبدًا.
المصدر
- مقال: عبدالفتاح نافع يكتب: حماس التي في خاطري موقع الشرقية أون لاين