صوت الطحين الأمريكي يعلو فوق حوار الحضارات
بقلم : يوسف العمايرة
انفض الأسبوع الماضي المؤتمر الثالث لحوار الحضارات والأديان الذي انعقد في العاصمة القطرية الدوحة، بحضور (86) شخصية يمثلون الديانات السماوية الثلاث من مختلف أنحاء العالم، حيث ناقشوا العديد من القضايا الحضارية والفكرية والدينية والمجتمعية.
في ختام المؤتمر، أعرب الحضور عن سعادتهم بإتمام هذا الإنجاز الحضاري في ظل تفاهم جميع الأطراف لبعضها، مؤكدين أنهم لم يناقشوا المسائل السياسية التي تبرز جوانب الخلاف، وإنما اقتصر الحديث على التباحث في نقاط الالتقاء، الأمر الذي عزز نجاح المؤتمر حسب أقوالهم.
بهذه التصريحات الختامية، تم إجهاض المؤتمر الذي عقد بغياب قيادات عربية وإسلامية بارزة، إذ أن أي مؤتمر لا يناقش نقاط الاختلاف بين المجتمعين الذي يمثلون حضارات –هي في حالة صراع مستمر- بهدف الوصول إلى تسويات حضارية، لا جدوى من انعقاده أصلا. لكن لا بأس، فجميعنا يدرك أن المبدأ الذي تلتقي عليه الحضارات الممثلة في المؤتمر، هو وحدانية الله تعالى، وبذلك يكون مؤتمر الأديان والحضارات هذا، لا أكثر من مؤتمر صلة أرحام، إن أبقى المستعمرون الجدد لهم أرحاما في هذا العالم.
ما يلفت الانتباه هنا، وتزامنا مع انعقاد المؤتمر، واستمرارا لحالة حضارية موصومة بالاستعمار والهيمنة، هو ذاك الصوت المنبعث من الأرجاء المجاورة لقاعة المؤتمر، من العراق، السودان، الصومال، فلسطين، أفغانستان وكل الدول العربية والإسلامية الراضخة بالطواعية المكرهة، وهو الصوت الذي حاور شعوبنا العربية والإسلامية على مدى العقود الماضية.
إنه حوار الطحين الذي اعتبر أهم المكونات الأساسية للغة التفاهم الأمريكية مع هذه الشعوب وشعوب دول العالم الثالث عموما، ليضحى حوارا تفردت به الإدارة الأمريكية، وتميزت به بجدارة عن كل القوى العالمية التي امتلكت سيف السطوة عبر التاريخ.
المقصود بحوار الطحين هنا، محاورة الشعوب -بعد إفقارها- من مكامن فقرها، فالشعوب العربية التي تخلصت من الاستعمار، وكان بمقدورها استغلال ثرواتها الطبيعية الهائلة والارتكان عليها في المحافل الدولية، تعرضت لعملية تجريد أمريكية لمواردها، بمعاونة الأسر الحاكمة والعوائل المالكة، للدرجة التي أضحى فيها المواطن العربي في بغدان المشرق -وهو ينشد بلاد العرب أوطاني- يرقب بعيون "زرقاء اليمامة" باخرة الطحين الأمريكية التي ستدخل محيطنا الإقليمي من البوابة الغربية عبر مضيق جبل طارق، فيما كانت أعناق مواطني تطوان المغرب تشرئب وهي ترقب باخرة أخرى تلج المنطقة من بوابتها الشرقية في مضيق هرمز أو البوابة الوسطى عبر "باب المندب"، مع إغفال أن هذه الباخرة أو تلك، قد جابت بحار العالم ومحيطاتها، لتصل إلى الأفواه العربية "الأبية"، بمساندة ورقابة وإشراف وتوزيع الأسطول السادس الأمريكي، الذي يمثل الإدارة الأمريكية في تعاملها مع الآخرين، حضاريا وفكريا ومنهج قوة وتسلط.
على أساس لغة حوار الطحين، قمحا كان أم دقيقا، رأى المواطن العربي بأم عينه، كيف صاغت الولايات المتحدة الأمريكية منطقته العربية، لتصبح منطقة شرق أوسطية، يُقبل فيها غير الأعراب لاعبين أساسيين أقوياء، بيدهم قوة الحسم المادي والمعنوي، ثم السعي لإقامة نظم أمنية وتحالفات استراتيجية بين بعض الدول العربية وغير العربية، للدرجة التي أبقت على رغيف الخبز محور اهتمامات هذا المواطن منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، وفي سبيله اشتعلت "ثورات خبز" عديدة في أقطار عربية، نجح حوار الطحين الأمريكي في إخمادها مقابل مكاسب سياسية وأمنية واستراتيجية انتزعت من المؤسسات العربية الحاكمة، لتضفي على الهيمنة الامريكية سمات الشرعية، كالصداقة والمصالح المشتركة وعلاقات الاحترام المتبادل.
الرؤية الحضارية الأمريكية المرتكزة على أساس حوار الطحين، لم تتغير وليس من المتوقع أن تتبدل، فهي مساومة مكشوفة وصريحة وعلنية في أغلب الأحيان، فيما تتخذ طابع السرية الممعنة في الإذلال أحيانا أخرى.
وفي هذا الإطار، لم يستح صانعو السياسة الأمريكية يوما من إعلان مساوماتهم على الملأ، وفي كل المحافل، ولم يكن هذا الأمر محرجا أو معيبا لهم، كيف ذاك؟ ما دام المقصود هو تحقيق مصالحهم وبناء قواعد نفوذ لهم في المنطقة، يستطيعون من خلالها الهيمنة على الجزء الأكبر من قارة آسيا إضافة للشق الجنوبي من الكرة الأرضية.
وكما في مختلف ألوان السياسة الأمريكية، فقد صُبِغَ حوار الطحين بالازدواجية والكيل بمكيالين، إذ تعاملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع منطقة العالم العربي كوحدة جغرافية ذات أهمية استراتيجية من النواحي السياسية، الاقتصادية والعسكرية ...الخ، شرط أن يبقى هذا الوطن "العروبي" إقليما واحدا يخضع لهيمنتها، في حين يتم رفض أي مظهر أو توجه وحدوي يهدف إلى ربط كيانات هذا الإقليم القطرية ببعضها، بحيث تمتلك أحد المقومات الحضارية الهامة ليكون لها حضورها وثقلها السياسي على الساحة الدولية. أي أن أمريكا تريد العالم العربي وحدة واحدة تحت إبطها، لا أن يكون وحدة جامعة لأبنائه التائهين التواقين إلى وطنهم العربي الكبير.
مؤتمر حوار الحضارات والأديان في الدوحة، يأتي في ظل صخب حوار الطحين الأمريكي، وقرقعة الحوار الأخير، لا تزيد الأول إلا تشويها للمفاهيم الحضارية، وعرقلة وإفشالا لكل المساعي الداعية إلى لقاء الحضارات على موائد الحوار في المستقبل، علما أن حوار الطحين الأمريكي قد نجح في استقطاب القوى الغربية المختلفة لخياره الحضاري بدرجات متفاوتة، خاصة مع تبني الحملة ضد ما اصطلحوا على تسميته بـ"الإرهاب العربي والإسلامي". فإلى جانب مواقف أوروبية مساندة بشكل مطلق، ظهرت قوى مباركِة لا مشاركِة، فيما التزمت أطراف ثالثة جانب التنديد غير أنها لم تجرؤ على استخدام حقها الإنساني في المحافل الدولية "الفيتو VITO"، دفاعا عن حقوق الشعوب المستضعفة. وحال هذه الأطراف تذكر بتسلية الامبراطور الروماني ديشيمو بروتوس (Dichmo Brotos) الذي كان يتلذذ وشعبه مشاهدة عروض المصارعة القاتلة في سنوات ما قبل الميلاد، ويرقبون بإمعان بوابتا المسرح الرئيستان، التي يدخل المتصارعون من إحداها، وتلقى جثث من يسقط منهم مع جثث الحيوانات الضارية من البوابة الأخرى، فلا تزيد هذه العروض المميتة الإمبراطور إلا حبورا وسرورا، واحتفاء بانتصار الأقوياء على الضعفاء.
سيبقى المواطن العربي يتذكر تفاصيل حوار الطحين الأمريكي معه عبر عقود طويلة، وسيلقنه للأجيال القادمة، وسيروي مشاهد حية ومثيرة من حيثيات ذاك الحوار، وأنه في يوم من الأيام كان الطحين يصل إلى أفواه الجائعين، لكنهم سرعان ما يحرمون مذاقه لرفضهم المساومة على كرامتهم، وستبقى الأجيال تذكر طائرة ألـ(B52) المقاتلة، وهي تحمل في أحشائها أكياس الطحين مع القذائف الذكية، ليصل الطحين إلى أمعاء أبناء العرب والمسلمين معجونا بدمائهم، برسالة حضارية أمريكية مفادها، أنه يمكن أن تقتلك القذيفة الأمريكية، ولكنك ستموت وبجانبك كيسا من الطحين الأمريكي، فاهنأ وطب موتا.
كما اصطلح البعض أن في أدب الشعر شعراء شعير – على سبيل المثال - فإن الوقائع الحضارية الحديثة أفرزت لغة حوار الطحين، وبرغم مجيء هذا النوع من الأدب الحضاري متأخرا، لكنه يسود أكثر حقبة تاريخية تعيشها البشرية تعقيدا، وما يحسب له، أنه تفوق على غيره من أساليب حوار الحضارات.
المصدر
- مقال:صوت الطحين الأمريكي يعلو فوق حوار الحضاراتموقع:الشبكة الدعوية