شهادةُ العائدين من بغداد
بقلم : فادي شامية
في شهادة من عائدين من رحلة الجهاد في العراق أحدهما لبناني والآخر فلسطيني – فضلا عدم الكشف عن إسميهما الحقيقي- يقول العائدان بأنهما شعرا منذ اليوم الأول لتوجههما إلى بغداد بأنه يوجد تململ في صفوف الضباط العراقيين لا سيما الضباط المساعدون.
يقول أبو مجاهد بأنه كان من أواخر الذين التحقوا بالجهاد في العراق، وقد بقي في بغداد للدفاع عنها، وأنه قد شارك في معركة المطار الذي يقسم بأنه تحرر من القوات الغازية بعد أن تكبدت خسائر كبيرة، ولكنه يضيف أنه دهش عندما علم بأن القوات الاميركية كانت تدخل من الطريق الرئيس لبغداد بعد دحرها من المطار، ما أكد شكوكه بأن خيانة قد وقعت.. أما صديقه خالد - فلسطيني- فيقول بأنه نـُقل إلى الناصرية للمشاركة في القتال وقد لاحظ هناك أن القوى النظامية كانت تتنازعها رغبتان الأولى هي الدفاع عن العراق ضد الغازي الأميركي والثانية خفية ناتجة عن عدم الرضا عن الوضع في العراق، وكان واضحا أن الجنود العراقيين غير مستعدين للتضحية بحياتهم رغم توعدهم القوات الغازية، وكان جليا أن حماسة المجاهدين للقتال تفوق بكثير حماسة الجيش العراقي رغم عدم الاهتمام بالحال اللوجستية للمجاهدين، ويحدثنا أيضا بأن أحد المجاهدين القادمين من الخليج أخبره قبيل مغادرته العراق بأن ضابطا عراقيا منعه من إطلاق النار على قافلة إمداد أميركية قرب الكوت!! .
أما عن موقف الأهالي فقد اختلفت الروايات وفقا لاختلاف عمل كل منهما ففي بغداد بدا الناس أكثر بغضا للأجنبي، أما في الجنوب فقد التزم معظم الناس الحياد لم يرحبوا بالأجنبي ولم يحتضنوا الفدائيين، ومع انهيار النظام بدوا أكثر تعاونا مع القوات الغازية حيث أجبرت العشائر الفدائيين على الابتعاد عن المناطق الآهلة ثم أجبروهم على الإنسحاب من البصرة والناصرية، أما في النجف فقد لعب الأهالي دورا كبيرا في وقف المقاومة وانسحاب قوات الحرس الجمهوري، فيما رحب الكثيرون بالأميركيين.
لكن كل ذلك لا يبرر السقوط المريع لبغداد في حين صمدت أم قصر أضعاف المدة التي صمدت فيها بغداد، فما هو سر ذلك ؟ يقول المجاهدان جازمين بأن الحرس الجمهوري باع بغداد وسلّمها للأميركيين ما عجل في سقوطها، وقد راج في بغداد أحاديث كثيرة تداولها الناس قبيل سقوطها بأن قادة كبار في الحرس الجمهوري أدلوا بمعلومات حول الخطط الدفاعية وأنهم تلقوا تعليمات من قيادتهم بنسف الجسور لكنهم لم ينفذوها وبأن صدام قد شعر بالخيانة ونزل إلى الشارع ليقود المقاومة لكن الاختراق كان اكبر من أن يستوعب فقد كان يقصف كل مكان يعقد فيه اجتماعا لكبار مساعديه ما يجعل احتمال موته واردا.
لكن محدثينا يستدركان قائلين بأن الاميركيين لم ينتصروا لأنهم لم يتعرضوا لقتال فعلي من قبل جيش منظم وكل ما جرى كان قتالا محدودا تفوقوا عليه بتقنياتهم العالية، وبأن أشرس القتال جرى في المواجهات التي شارك فيها المجاهدون ومنها معركة المطار التي فجر فيها عدد كبير من هؤلاء أجسادهم بالغزاة .
ويؤكد أبو مجاهد بأن الخسائر البشرية لدى العدو أكثر بكثير مما أعلن عنه، وبأن البيانات العسكرية للقيادة العراقية كانت أكثر مصداقية من البيانات التي كانت تطلقها القيادة العسكرية الاميركية ولكن كل شيء انقلب عندما اقتربت القوات الأميركية من بغداد وسيطرت على المطار والقصور الرئاسية، وكأن الدفاعات هناك كانت تنتظر هذه اللحظة حتى تهرب، ومع هزيمة العراقيين صار الناس يعتقدون أن كل ما كان يقوله الأميركيون صحيحا، وكانت حقيقة الخسائر من الطرفين أولى ضحايا الاجتياح الأميركي لبغداد.
ويختم المجاهدان حديثهما بأن' كل شيء كان مرسوما' وبأن ما كان يعرض على الشاشات من ضباط يبايعون القيادة العراقية على الموت لم يكن سوى تمثيلية سمجة، فالناس كانوا يكرهون فدائيي صدام وقطاعات كثيرة من الجيش حيدت نفسها ومن لم يتعاون مع الأجنبي انتظر حتى لحظة اقترابه من بغداد ليتصل بالأميركيين التي كانت إذاعتهم تبث للجيش طريقة الاتصال بهم، ' لقد انهار كل شيء بسرعة لأنه في اللحظة الحاسمة خاف الكل من الكل وراح كل ضابط يبحث عن طريقة ليحمي فيها رأسه، وهكذا أصبحنا في اليوم الذي أعقب الهجوم على المطار ولم نر أحدا من الضباط أو الجنود الذين كانوا يرافقوننا .. لقد تركونا وحدنا '.. يقول أبو مجاهد: ' ربما يكون العراقيون معذورين في امتناعهم عن الدفاع عن نظام صدام حسين، ولكن ما سيجلبه لهم الاحتلال سيكون أفظع! لقد رأيناهم يهتفون بحياة رئيسهم وبلحظة صار أكثرهم يلعنه! ويختم خالد كلامه: ' لقد شعرنا بأننا ذهبنا إلى بلد لا يرحب الكثير من أهله بنا وقد قاتلنا إلى جانب قوات كانت تستغرب أحاديثنا عن الجهاد والشهادة !!'.
المصدر
- مقال:شهادةُ العائدين من بغدادموقع:الشبكة الدعوية