رمضان .. المنهجية في خطوات التغيير
بقلم : علاء سعد حسن
في حوار لي مع صديقي أستاذ اللغة الإنجليزية حول إمكانية تعلم اللغة واستخدامها وممارستها وأنا في هذا العمر المتقدم ، قال لي صديقي : هذا يتوقف على تحديد الهدف من التعلم والغرض الذي ستستخدم فيه اللغة ، وكلما كان الهدف محددا وواضحا وبسيطا أي غير متشعب ولا كبير جدا .. كانت الوسائل المؤدية إليه واضحة ومحددة .. وكان الوصول إلى أفضل النتائج في أقصر وقت وبأقل جهد سهلا ميسورا ..
وانتهى الحوار ووقفت مع نفسي وقفة تأمل .. ما أكثر الأهداف في حياتنا وما أكبر الغايات .. نريد الكثير والكثير جدا ولا نحقق إلا أقل القليل - لو تحقق - .. وجدتني أريد أن أحفظ القرآن الكريم فهو ولا شك أهم وأعظم .. وهو يحقق أمنية أكبر بكثير من تعلم لغة .. وأريد كذلك أن أحفظ الكثير من الحديث النبوي الشريف .. وأريد ، وأريد .. ورغم كثرة الأحلام والآمال وعريض الأماني فإن العمل يئده سوف ولعل وعندما .. وتضيع الآمال وتنتهي الأحلام وفي زحمة الحياة لا يتحقق شئ .. وأقبل رمضان وأبواب الخير في رمضان واسعة فسيحة لا تحدها حدود ولا يحصيها عادّ ، ولكن مع كثرة أبواب الخير واشتهاء النفس أن تقدم فيه كل أنواعه وتستزيد منه من الخيرات وتغترف فيه من الطاعات .. وتتزود لعام كامل.. يتوه الإنسان بين تلك الأبواب والمجالات .. وقد يخرج من رمضان بصيام وقيام وقراءة لكنه لا يخرج بالتغيير المنشود .. لا يخرج بجديد يضيفه إلى شخصيته وخصاله .. وذلك التغيير وهذا الجديد هو ما يسميه علماء النفس : بالتربية والتي هي كل تغير مقصود وهادف يطرأ على الإنسان فيعدل من سلوكه نحو الأفضل ..وتساءلت كم من الأعوام مرت وأمنية حفظ كتاب الله تعالى عزيزة غالية على نفسي ، وطموحي كل الطموح أن أحققها يوما .. حتى بدا لي أن تحقيقها في عالم الشهادة بات مستحيل ا؟ .. وكم رمضان مر وأنا قادر على ذلك الحفظ لكني لم أحفظ بعد ؟
وذكرت نصيحة صديقي مدرس اللغة الإنجليزية بتحديد الهدف والوسائل وتضييق نطاق الأمنيات .. ووضع وسائل قياس التحصيل لقياس النتائج بدقة وموضوعية .. وتذكرت الحديث الشريف عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ : «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى? الله تَعَالَى? أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ. صحيح مسلم 1780.. وفي المثل : طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة .. أحتاج في رمضان هذا العام إلى المنهجية في التغيير من حالي مع كتاب الله ومع نفسي عموما ، المنهجية التي تعتمد على مجموعة من العوامل منها :
1 – إرادة التغيير .. والعزيمة عليه ( … إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم … ) الرعد11
2 - وضوح الهدف ودقة تحديده مع إمكانية الوصول إليه .
3 – تحديد الوسائل العملية المؤدية لتحقيق الهدف بعيدا عن الطموحات البراقة والأماني العِذاب .
4 – موضوعية الأهداف والوسائل وواقعيتها .. لتلائم الظروف المحيطة بالإنسان حتى يسهل تنفيذها بعيدا عن التسويف والتأجيل .
منهج رمضاني محدد وعملي وواقعي :
1 – أن يحدد المسلم مع نفسه ورد حفظ من كتاب الله تعالى .. على أن يكون الورد بسيطا وسهل التنفيذ حتى يلتزم به تماما .. يبدأ ورد الحفظ من آية واحدة إلى صفحة كاملة – كل حسب قدرته وفراغه - .. وقد يستقل كل منا الآية ولكننا إذا علمنا أن آية واحدة نبدأ بحفظها مع أول يوم من رمضان هذا العام مع المداومة عليها بعد رمضان تعني أننا في اليوم الأول من رمضان التالي سوف نبدأ في الآية رقم سبعين من سورة آل عمران .. أرأيت كيف أن حفظ الزهراوين ( البقرة وآل عمران ) غدا ميسورا باستثمار خمس دقائق فقط من وقتك يوميا مع العزم والحسم والمداومة ؟
اجعل شعارك في رمضان : ابدأ بآية وستنتهي بالقرآن الكريم في قلبك
2 – ورد التدبر وليكن آية واحدة من ورد القراءة اليومي .. أو مما يتلوه عليك الإمام في صلاة القيام .. تدبر آية وعش في ظلال معانيها خلال اليوم والليلة لتكن لك زادا ورصيدا وذخرا من الإيمان والتذكرة والتربية .
3 – إن إضافة حفظ حديث شريف واحد يوميا مع الآية الكريمة لن يتطلب من وقتك إلا خمس دقائق أخرى .. كن محددا وابدأ بالأربعين النووية أو جامع العلوم والحكم أو ..
4 – في باب إفطار الصائم .. اشتري في أول رمضان كمية إضافية من التمر أو الرطب أو العجوة .. كل حسب مقدرته .. واحرص على أن تأخذ منها يوميا بضع تمرات قبل المغرب وأنت ذاهب إلى المسجد لتهديها إلى من علي يمينك ومن على يسارك ليفطرا عليها .. وتنال الأجر بمجرد حرصك على السنة بغير عظيم تعب ولا مشقة ودون تكلف .
5 – احرص على التخلص من عادة واحدة سيئة أو خلق واحد مذموم كل أسبوع من الشهر الكريم حتى تتخلص نهائيا من أربعة خصال سيئة في نهاية الشهر .. حدد أهدافك بدقة وصدق مع النفس فأنت أدرى بعيوب نفسك ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) القيامة 14 ، واقلع عن : التدخين – النظرة المحرمة – السباب – الغيبة – النميمة – الكذب – العصبية المفرطة – الإفراط في الطعام والشراب ......
6 – انظر فيمن حولك ممن تحب وتقدر أخلاقه واختر خلقا له ليس عندك تتمنى أن تتخلق به وداوم عليه أسبوعا وتعهد نفسك به وتذكر ( إنما الحلم بالتحلم )
7 – اجعل من ليلة العيد – يوم الجائزة – يوم الاختبار .. استرجع ما حفظت من آيات وأحاديث وانظر إلى ما حققت من أخلاق حسنة وإلى ما أقلعت عنه من صفات سيئة .. اجعل الليلة ليلة قياس النتائج .. وفي البكور اذهب إلى تسلم الجائزة واعتلاء منصة التتويج وسط أهازيج الفرح وتكبيرات العيد
هذه نماذج أهداف محددة وواضحة ، عملية وموضوعية وواقعية ، لا تحتاج إلا إلى البداية والتنفيذ لتكون نواة للمشروع العظيم الذي ننشده : مشروع الشخصية الإيمانية المتكاملة .. مشروع الفرد المسلم .
وأخيرا لا تنس أن المعماري إذا نظر إلى علو البناء الذي يهم بإقامته واتساع رقعته وضخامة أعبائه وهو يقارن بين ما يجب أن يكون عليه من خلال النموذج المرسوم على اللوحة وبين الواقع على الأرض الجرداء التي يبدأ بالرسم عليها خطوطا بيضاء لتبدأ عمليات الحفر .. لعدل عن تنفيذ المشروع .. لكنه ينظر إلى البناء خطوة ، خطوة وطابقا طابقا .. ينظر إلى حفر الأساس تحت الأرض وعينيه على نهاية المشروع قرب السماء .. فابدأ بحفر الأساس على أعماق نفسك وأنت تنظر إلى عظم الشخصية التي ينتظرها العالم منك ...
المصدر
- مقال:رمضان .. المنهجية في خطوات التغييرموقع:الشبكة الدعوية