حرب ضد المقاومة وضد التاريخ أيضا
بقلم : فهمي هويدي
ليس مفاجئا قرار حماس وقف حوارها مع أبو مازن، وانما ازعم ان ذلك هو الخبر الوحيد الطبيعي الذي قرأناه في الملف الفلسطيني خلال الايام العشرة الماضية الذي حفل بالمفاجآت المستمرة، إن شئت فقل ان قرار حماس هو الموقف المعقول الوحيد الذي وقع في اجواء اللامعقول التي سادت مؤخرا في الافق الفلسطيني.
ذلك ان المعقول والاصل ـ بل من البديهي ـ في مواجهة اي احتلال ان تستند قوى المقاومة وتستدعى لكي تنهض بمهمتها ومسؤولياتها التاريخية في مواجهة الاحتلال، لاننا تعلمنا من خبرات التاريخ ودروسه ان الاحتلال لا بد له من قوة ضغط ترغمه على الرحيل، واذا كان ذلك الاحتلال بشراسة وجموح الاحتلال الاسرائيلي، واذا كان الطرف الذي يمثل الاحتلال له سجل اجرامي ببشاعة وفظاعة ممارسات رجل مثل ارييل شارون، فان اقصاء المقاومة وادانة ممارساتها وتجريدها من سلاحها، هذا الجهد اذ قدر له ان يحقق مراده، فانه يغدو جريمة كبرى لا تغتفرها الشعوب، ولا يغفرها التاريخ، ولا يمكن القبول بها بأي معيار.
هذه الجريمة جرى الاعلان عنها رسمياً وصراحة في قمة العقبة، التي تطوع رئيس الوزراء الفلسطيني أبو مازن بادانة مقاومة العدوان ورفض ما سماه «عسكرة الانتفاضة»، وهو تعبيره الاثير الذي ما برح يستخدمه في استنكار الانتفاضة وتأكيد رفض ممارساتها التي اعتبرها «ارهابا».
ان أي مواطن عربي عادي تابع مؤتمري شرم الشيخ والعقبة لا بد ان يتملكه شعور، هو خليط من الصدمة والدهشة، من جراء ما سمع بأذنيه ورأى بعينيه، لان ما صدر عن هذين المؤتمرين جاء بمثابة تبني شبه كامل لمفردات الخطاب الامريكي والاسرائيلي، صحيح ان الاطراف العربية لم تستجب لبعض المطالب الامريكية، مثل التطبيع مع اسرائيل واعادة السفيرين المصري والاردني الى تل ابيب، وهو موقف قلل من درجة العبثية ولم يلغها، الا ان ما صدر بعد ذلك جاء فادحا على النحو الذي سبقت الاشارة اليه. حتى ان خطاب أبو مازن جاء كما قيل، بمثابة اعلان حرب على الشعب الفلسطيني. واذا كان الامر كذلك فقد كان طبيعيا ومفهوما ان تقطع حماس، حوارها مع أبو مازن، ببساطة لانه بكلامه اغلق الباب امام امكانية استمرار ذلك الحوار.
وفي حدود علمي فان المقاومة الاسلامية والوطنية ابدت استعدادا لاعلان هدنة مؤقتة لاتاحة الفرصة لاختبار النيات مجددا، بحيث اذا ما قوبل موقفهم هذا باستجابة موازية من الطرف الاخر، فلربما كان بوسعهم ان يتقدموا إلى ما هو أبعد في التعامل مع العدو الاسرائيلي، وثمة فرق احسبه لا يحتاج الى بيان بين الهدنة والتجميد المؤقت، وبين الغاء السلاح وجمعه وتفكيك هياكل المقاومة، واقصائها تماما عن المشهد، بدعوى ان الارض الفلسطينية لابد ان تقوم عليها سلطة واحدة.
لا تفوتنا المفارقة هنا، لان السلطة التي تريد ان تبسط نفوذها وتمارس هيمنتها وسلطانها على الفلسطينيين، وتستعدي عليهم الى ذلك الحد، لا تزال عاجزة عن حماية اولئك الفلسطينيين من وحشية المستوطنين أو عدوان الجيش الاسرائيلي، وبذات القدر فانها عاجزة عن صد عمليات الهدم والتجريف التي يمارسها الاسرائيليون يوميا بحق البيوت والزراعات الفلسطينية.
هذه «اللقطة» الصغيرة تختزل المشهد البعثي كله، اذ المطلوب قهر المقاومة، ومن ثم تجريدها من الورقة الوحيدة الموجعة التي يملكها الفلسطينيون، بل الورقة الوحيدة التي يملكها العرب (هل نقول ورقة التوت؟) في مواجهة اسرائيل.
اما تفاصيل المشهد العبثي وحلقات المفاجآت التي تتالت في شرم الشيخ والعقبة فقائمتها طويلة، وبعضها غير قابل للتصديق.
من حيث المبدأ لم يكن معقولا في ظل الخلل الرهيب في ميزان القوى الراهن «المتمثل في الانبطاح العربي واحتلال العراق» ان يتوقع العرب بعامة والفلسطينيون بوجه اخص، ان يستردوا حقا من الاسرائيليين، أو ان يتوقعوا تعاطفا أو انصافا من الامريكيين بل انني ازعم ان الذين تخيروا ذلك التوقيت البائس لفض الصراع العربي ـ الاسرائيلي واغلاق ملف القضية الفلسطينية، يدركون مدى الحضيض الذي يعيش في ظله العالم العربي، ويعرفون جيدا ان الطرف الراهن هو افضل وقت يستطيعون في اجوائه ان يفرضوا على العرب والفلسطينيين ما يريدون.
- بذات القدر لا اعرف كيف أقنع بعض العرب والفلسطينيين ان القادة الاسرائيليين على استعداد للتعايش مع دولة فلسطينية حقيقية مجاورة، وهو الوهم الذي لا اعرف كيف صدقه البعض، وتغاضوا عن دروس خبرتنا الطويلة مع الزعماء الاسرائيليين، الذين استمرأوا فكرة القبض المجاني، أو القبض مع الوعد بدفع في اجل لا يأتي ابدا، كيف فاتهم ان اسرائيل تريد ان تخرج من كل زوبعة خطة الطريق بمرحلتها الاولى التي تجهض المقاومة وتسلم بتركيع الفلسطينيين ومنظمات المقاومة في المقدمة منهم، وبعد ذلك سوف يجدون الف ذريعة للتسويف وتعطيل اية استحقاقات اخرى تلزم الاسرائيليين.
- وحتى اذا ما تحقق الوعد، فمن قال ان الفلسطينيين ناضلوا وضحوا وبذلوا كل غال ورخيص، بما في ذلك دماء زهرة شبابهم، لكي يظفروا في النهاية بعنوان «دولة» لا تتجاوز صلاحية بلدية، في مقابل التنازل عن حق العودة وعن القدس وعن مطلبهم في ازالة سرطان المستوطنات الذي استشرى في الضفة والقطاع.
ان الغاء الذاكرة. والاطاحة بكل درس خبرة التعامل العربي مع اسرائيل. وافتراض البراءة في الادارة الامريكية التي ما انصفت الفلسطينيين يوما ما، وافتراض الاخلاص في الزعامة الاسرائيلية وشارون وصحبه الذين اكتسبوا شرعيتهم من التقول في الدم الفلسطيني، واحتقار العرب والمسلمين، هذه المؤشرات تعكس حالة من الغيبوبة تبعث على الذهول، علما بأن أي مبتدئ في عالم السياسة يستطيع بغير جهد ان يدرك امورا ثلاثة ـ اولها ان الوضع العربي الراهن ليس ظرفا مناسبا للتفاوض حول مستقبل القضية الفلسطينية ـ وثانيها ان الادارة الامريكية الحالية، ورئيسها المقبل على انتخابات رئاسية جديدة في العام القادم، سيجد منها فرصة لاثبات مزيد من الانحياز لاسرائيل، ولضمان تأييد اكبر عدد من المتحولين اليهود في الحملة الانتخابية، ومن ثم فان وقت استرضاء اسرائيل من جانب الادارة الامريكية وليس مطالبتها بأي استحقاقات للفلسطينيين، اما الامر الثالث فهو ان اسرائيل تدرك ذلك كله، ونعلم انها ليست مضطرة لتقديم أي شيء للفلسطينيين أو العرب، وكل ما تريده هو توقف الانتفاضة، وان تنتزع من الطرف الفلسطيني والعرب اكبر قدر من التنازلات، لاغلاق الملف على النحو الذي يلبي الطموحات الاسرائيلية، ويضمن تركيع الفلسطينيين.
المطلوب الان هو ان يتحقق التركيع بأيد فلسطينية. ومن اسف ان مناضلا مثل أبو مازن اصبح مفوضا في ذلك، ومؤيدا بشدة من جانب الامريكيين والاسرائيليين وبعض العرب.
لقد قلت في مرة سابقة ان برنامج أبو مازن وتعهداته اذا نفذت فانها ستعود حتما الى حرب اهلية فلسطينية، طالما تمنتها اسرائيل وسعت من اجل اطلاق شرارتها. وتمنيت ان يدرك الرجل عواقب ما هو مطلوب منه ومقدم عليه، وان يحاول تجنب اشعال ذلك الحريق الذي لن يسلم من لهيبه احد، بمن فيهم أبو مازن نفسه. وبعد قمة العقبة يبدو ان لحظة الحسم اقتربت، وان الرجل مطالب بأن يفيد بما وعد امام الامريكيين والاسرائيليين، الامر الذي يعني ان الطلقة الاولى في الحرب الاهلية الشريرة على وشك الانطلاق.
لا اعرف ماذا سيكون رد فعل منظمات المقاومة الفلسطينية، التي اكتفت منها حركة حماس بمجرد وقف الحوار، لكن الذي اعرفه وأثق به ان الحرب البائسة التي يعد لها أبو مازن ليست ضد المقاومة وحدها ولا ضد الشعب الفلسطيني فحسب، ولكنها ضد التاريخ ايضا.
المصدر
- مقال:حرب ضد المقاومة وضد التاريخ أيضاموقع:الشبكة الدعوية