الواقعية الدعوية
بقلم : جمال زواري أحمد
إن الدعاة إلى الله وهم يتحركون بدعوتهم في دنيا الناس ، لابد أن تصاحبهم الواقعية في كل خطواتهم ، نظرا للعقبات الكثيرة والعراقيل العديدة والأحداث الجسام التي يفرزها الواقع المتغير والمتحرك ويتمخض عنها كل حين ، والضخ الفكري والإعلامي والثقافي والسياسي والإجتماعي والإقتصادي الذي يصاحب كل ذلك، والأزمات التي تتوالد بشكل مستمر ، وتأثير ذلك على الدعوة والدعاة مما يحتم عليهم أن يتعاملوا معه بواقعية وموضوعية ، واقعية في التفكير ،واقعية في التصور، واقعية في التحرك، واقعية في التعامل ، واقعية في السلوك ، لأن الإتكال على الخيال والمنى بضاعة المفاليس ، فلاينبغي الطيران بغير جناح ، ولاالسباحة في غير ماء ، ولامعالجة الأمراض المستعصية بالإسبرين ، فإن ذلك لايجدي نفعا ، بل يكون محل سخرية وإستهزاء ، كحال الرجل الذي جاء لإبن سيرين فقال له: إني رأيت نفسي في المنام أطير بغير جناح وأسبح في غير ماء ، فقال له إبن سيرين : إنك رجل كثير الأماني).
فماذا تعني الواقعية التي تكون لازمة للدعاة وضرورية للدعوة ؟
الواقعية :أن توازن بين الطموحات والإمكانيات، بين ماتصبو إليه وماتقدر عليه فلا تتورط في امور لاتعد لها العدة ولم تهيء لها الوسائل المناسبة ولاتملك الأدوات الكافية لتحقيقها، وهو ماعناه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله:(إ ياك ومايعتذر منه)(الحاكم والبيهقي)، والحديث الآخر:( لاينبغي لمؤمن أن يذل نفسه \"قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: \"يتعرض من البلاء لما لا يطيق \" (رواه ابن ماجة وأحمد عن حذيفة، والترمذي).
الواقعية: أن تدرك أن التمكين للمشروع الدعوي الذي تحمله وضمان القبول للدعوة من طرف الآخرين ، لايكون بالهتاف الهائج ولاباللسان السليط ولا بالعواطف الطاغية ولابالشعار المخدر، لأن من غذى نفسه واتباعه بالشعارات حصد الأزمات ، إنما يكون التمكين بالخبرة والقدرة والتفوق والإستبصار والحكمة والعمل النافع الجاد والوفاء الثابت والتضحية العزيزة ، وهذا لايستطيعه أصحاب الأماني الزائفة والخيالات الكاذبة .
الواقعية: أن تتكيف مع المرحلة التي تفرض على الدعوة أن يعلو فيها صوت العقل على صوت العاطفة ، وحجة الفقيه على جلجلة الخطيب ، ومنطق المفكرين على مشاعر المتحمسين ، وأن يتقدم فيها من هو أنضج فكرا لامن هو اطول لسانا ، وأن تزن أعمالها وتحركاتها وفقا للأحكام الشرعية الفسيحة ومصلحة الأسلام الذي تعمل له والمشروع الذي تسعى إلى تحقيقه ، لاإستجابة لشعور وقتي ولاإرضاء لحماسة العامة وأهواء الخاصة ، فالدعاة ليسو فنانين يقدمون مايطلبه المستمعون.
الواقعية :أن تقدر للرجل قبل الخطو موضعها ، وتخشى أن تضعها على أرضية رخوة أو هشة أو ملغمة، يقطف ثمارها من يرصدها ويوجهها إلى مبتغاه وبأقل التكاليف ، فالدعاة والدعوة أكبر من أن يتلاعب بهم ذوو الأهواء والمصالح ، فالمنبت لاأرضا قطع ولاظهرا أبقى.
الواقعية: تعني أن الدعوة ليست طلقة فارغة تحدث دويا ولاتصيب هدفا ، إنها نور في الفكر وزيادة في الخير وأصالة في العلم وهداية للحيارى وحب للآخرين وحرص وشفقة عليهم وكمال في النفس ونظافة في الجسم وسماحة في المعاملة ودماثة في الأخلاق وإشعاع للجمال وإبداع في الإنجاز وصلاح في العمل ونظام يرفض الفوضى ونشاط يحارب الكسل وحياة وجد وجهاد في كل ميدان ، وقبل ذلك ومعه وبعده إرضاء لله وحرص في ثوابه ورغبة صادقة في جنته .
الواقعية: أن تقول للمحسن أحسنت وإن كان من ألد أعدائك وخصومك، وللمسيء أسأت وإن كان أقرب الناس إليك ، ولايكن حالك كالذين وصفهم الشاعر:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا
- عني وماسمعوا من صالح دفنوا
جهلا علينا وجبنا على عدوهمو
- كلبئست الخلتان الالجهل والجبن
الواقعية :أن تعلم أن النصر في حلبة الصراع لايكون بعاطفة ساخنة يتحرك بها شخص أو يستفز بها جمهور ، فربما كان سقوط المشاريع وفسادها وإضمحلال الأفكار وإصابتها في مقتل ناشئا عن مشاعر حارة وراء أفكار مرفوضة.
الواقعية :أن لاتصور دعوتك ومشروعها دموي المزاج شرس المسلك ، يؤخر اللطف ويقدم العنف، يهتم بقص الأظافر والأشعار أكثر مما يهتم بقص زوائد الأنانية والغرور والكبر والحسد والبغضاء والإنحراف والفساد، ويغمط الناس حقهم ويبخسهم أشياءهم.
الواقعية: أن تراع قوانين الله في كونه وسننه في الحياة ، كما تراعي أحكامه في شرعه ، أن تتبن سياسة النفس الطويل والصبر الجميل والخلق الأصيل والعمل الجليل ، أن تصبر على البذرة حتى تنبت وعلى النبتة حتى تورق وعلى الورقة حتى تزهر وعلى الزهرة حتى تثمر وعلى الثمرة حتى تنضج وتينع ويحين قطافها ، وتؤتي أكلها بإذن ربها ، فلايمكنك قطف ثمارك حصرما ، ولاأن تجن من الشوك العنب كما يقولون. فهل أدركنا المقصد من الواقعية الدعوية التي نريدها أن تكون حاضرة في قاموس الدعاة ومجسدة في عملهم بعيدا عن التفريط والإستسلام والإمعية وإخضاع الدعوة وثوابتها من دون علم والوقوع تحت ضغط الأحداث حتى نصل إلى التمييع وفقدان الهوية و التميز ، فالواقعية التي نقصدها بضوابطها وتأصيلها الشرعي المتحررة من كل عوامل ذهاب الريح المؤدي إلى الإتلاف : ( فالظروف تستطيع تكييفنا ، ولاتستطيع ــ بإذن الله إتلافنا) كما قال العلامة إبن باديس رحمه الله.
- الكاتب: جمال زواري أحمد ــ الجزائر ـ
المصدر
- مقال:الواقعية الدعويةموقع:الشبكة الدعوية