المعاني السياسية للحج

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
المعاني السياسية للحج


بقلم : طارق حميدة

الناظر في أحكام الشريعة العامة والشعائر بخاصة يلحظ الكثير الكثير من الحكم والعبر في هذه الأحكام وتلك الشعائر، وتعالى الله وتنزه أن يشرع ما يناقض سعادة الإنسان ومصالحه.

ويستطيع الإنسان أن يتلمس العديد من النفحات في الصلاة والصيام والزكاة، غير أنه يدفعنا للتفيؤ بظلال الحج كوننا نعيش في موسمه، وسنتعرض بالذات لنفحاته السياسية لما لها من أثر في الصراع الدائر بين الحق والباطل .

الحج والوعي السياسي

الإسلام لا يقبل لأتباعه أن يكونوا (كالأطرش في الزفة) غافلين عما يجري حولهم سواء في الدائرة القريبة التي تمسهم مباشرة، أو الدوائر البعيدة، ومن هنا كان حديث المصطفى عليه السلام ' من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم' والاهتمام يبدأ بالتعرف على الأحوال والشعور بالآلام والتأييد والمساعدة والمناصرة والحزن لهم والفرح لأفراحهم حتى يكون المسلمون حقاً كالجسد الواحد، هذا في الدائرة الإسلامية، أما في الدائرة الأبعد فقد رأينا كيف اهتم القرآن ،وأثار اهتمام المؤمنين، لمعركة بين الروم والفرس في بداية سورة الروم.. كل ذلك والمؤمنون بمكة قبل أن يكون بين المسلمين والروم أي احتكاك، إن الوعي السياسي بكل ما يجري في العالم ضرورة ملحة لمن أراد أن يخدم دينه وأمته، وكل حدث وإن كان بعيداً جغرافياً فإن له تأثيره المباشر أو غير المباشر في مواقع أخرى، لقد كان الوعي السياسي لدى الرسول عليه السلام بواقع الحبشة وأن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، داعياً لتوجيه الصحابة رضوان الله عليهم إلى الهجرة هناك، حتى يجعل الله لهم مخرجا . وإذا كان الإسلام يطلب من أتباعه حتى وهم في أوطانهم، أن يكون لديهم الوعي السياسي 2والاهتمام بأمور المسلمين ،فإنه يهيئ لهم في كل عام ،أن يجتمعوا بإخوانهم من كل أنحاء العالم فيتعرفوا على أخبارهم وأحوالهم وأماكن سكناهم وظروف معيشتهم ومكائد ومؤامرات الكفار ضدهم وجهادهم ضد الكفار ونشاطهم في نصرة الإسلام ونشره.

هذا أمر، والأمر الآخر أن المسلم وهو يرى هذه الآلاف المؤلفة من الحجاج يشعر بقوة الإسلام ويمتلئ عزة ويزداد بدينه تمسكاً وبالمسلمين ارتباطاً ولشياطين الإنس والجن تحدياً . العج..والثج

بعد أن يحرم المسلمون يبدءون بالتلبية بأعلى أصواتهم تنفيذاً لسنة المصطفى عليه السلام التي تقرر أن أفضل الحج العج والثج،.. والعج رفع الصوت بالتلبية، وأما الثج فالنحر.

وكأني بالمسلمين وهم يرفعون أصواتهم بأقصى ما يستطيعون يريدون أن يُسمعوا الدنيا كلها:مؤمنها وكافرها، سهولها وجبالها، برها وبحرها وجوها، وأرضها وسماءها، هذا الهتاف الخالد( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) إنه إعلان من المسلمين أنهم سينقادون لله وحده، وسيلبون أوامره ولن يخضعوا لأحد سواه، إذ لا شريك له، وهو سبحانه الذي له الحمد والملك والنعمة، وكيف يُخضع في ملك الله لسواه وكيف نَسْبح في نعمه ونعبد سواه.. ونحمد من لا يستحق الحمد ؟

التلبية إذن عهد أن لا يخضع المؤمن لأحكام غير أحكام الله شرقية أو غربية وأن لا يطيع من يعصي الله .

وإذا كان كثير من المظاهرات وهتافاتها تذهب أدراج الرياح حيث أن أكثر الناس يقولون ما لا يفعلون، فإن هذه المسيرات الحاشدة الملبية في موسم الحج لا تكتفي(بالعج) بل تتبعه(بالثج) الذي يؤكد استعداد المؤمن للتضحية والفداء .


في عيد التضحية والفداء

إن الأمة التي تقتدي بخليل الله وتعلن استعدادها للتضحية بالنفس والنفيس هي الأمة التي تستحق رضا الله أولاً، ثم يحفظ لها ما استعدت أن تضحي به، كما حفظ الله لإبراهيم عليه السلام وحيده إسماعيل حين صدق الرؤيا وتل ولده للجبين.

لقد ضحى أصحاب محمد عليه السلام بالأهل والمال والديار والأنفس في سبيل الله فرضي الله عنهم ورد لهم مالهم وأهلهم وديارهم وأعزهم وجعلهم سادة الدنيا، وما خسروا من الضحايا كثيراً، ولكن المسلمين بعدهم لّما دب فيهم الوهن وآثروا الدنيا وكرهوا الموت وتركوا التضحية سخط الله عليهم فخسروا المال والأهل والولد والديار وإزهاق الأنفس وغاصت ركب الخيل في دمائهم .

فليعبدوا رب هذا البيت… لا رب البيت الأبيض

إن لكل أمة بيتاً معظماً تجعله قبلة لها، وتتلقى من أربابها أحكامها وشرائعها وشعائرها ومواقعها السياسية، وفي أيامنا هذه يكاد يولّي معظم الناس وجوههم شطر البيت الأبيض بعدما سقط أرباب البيت الأحمر(الكريملين)، ويحجون إليه بين الفترة والأخرى لتجديد الولاء وتجديد العهد على استمرار الخضوع لأرباب هذا البيت العبيد الآبقين. غير أن المسلم الذي كرمه الله يجعل قبلته بيت الله الحرام، يتجه إليه في صلاته خمس مرات يومياً، ويحج إلى هذا البيت ويطوف حوله مجدداً العهد أنه سيظل ملتزماً بعبادة رب هذا البيت، والخضوع لأحكامه ونصرة دينه، وأنه لن يخضع للآلهة المزيفين المتربعين على عرش البيت الأبيض..أو غيره من أرباب البيوت الصغيرة هنا وهناك .

إلا إلى ثلاثة مساجد

من المتوقع أن يتذكر من يكرمه الله تعالى بالحج وزيارة المسجد الحرام والمسجد النبوي.. حديث المصطفى عليه السلام بأنه لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ويتذكر قبلة المسلمين الأولى ومسرى نبيه، ثم يفتح المصحف على سورة الإسراء فيقرأ في مطلعها ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) فيحس بالألم أنه لا يستطيع أن يشد الرحال إلى المسجد الثالث بسبب الحواجز .. وعندها ينبغي أن يتبدل الألم عزماً وأملاً وتفكيراً في العمل ويختم هذا الشعور بقول الله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا)… فيقرر أن يكون هو ذاك الولي وذاك النصير .

الرجم … وعهد المقاومة

والمسلم حين يرمي الجمار يعلن أنه مصمم على محاربة كل قوى الطغيان والشر ومقاومة شياطين الإنس والجن.. إنه ليس فقط سيرفض الانصياع للكفر والطغيان ولكنه سيحاربهم بكل ما أوتى من قوة، حتى ولو لم يملك إلا مثل هذه الحصيات،التي تشبه حبات الحمص أو الفول، إن أمة بهذا العزم وبهذا التصميم على المقاومة لن يهزمها عدو متجبر أو فرعون مستكبر، وإنما تهزم الأمم حين تفقد نفوسها الإرادة في الرفض والمقاومة . إن هذه الأمة التي وصف الله أبناءها بأنهم أشداء على الكفار، رحماء بينهم،حين يحجون يرى الواحد منهم الفرق الشاسع بين وصف القرآن وواقع الأمة ، فهؤلاء الحجاج الذين يمثلون مختلف ألوان البشر وألسنتهم يلبسون ثياباً موحدة ويقومون بمناسك واحدة ... للأسف تفصل بينهم السدود والحواجز ، ويلقى واحدهم الأمرين حتى يزور أشقاءه وأخوته في بلد آخر، بينما تقدم كل التسهيلات لأعداء الله .

المصدر