الزبد الفاني و النفع الباقي
بقلم : خميس النقيب
" فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ"
حب الدنيا وكراهية الموت يفتح الباب للظلم وعندما يعلو صوت الظلم فانه يغلق الاخلاص ويدفن المواهب ويحاصر الابداع ويقتل الحرية ، وينبت التشرذم ، ويغذي التفرق وينشر السلبية المقيتة ..!!! والاسلام يعتبر ان القعود و الكسل وعدم الإقبال على التضحيات مرجعه إلى مرض خطير أصاب الشخصية في مقتل فأحبت الدنيا وكرهت الموت ، نعم إنها أحبت الدنيا وتعلقت بها وخدعتها وغرتها وزين لها" حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة والأنعام و الحرث "( آل عمران :14) نسيت أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا ، و الله عنده حسن الثواب ، وهذا كان سر هزيمة المسلمين اليوم وتخلفهم مع كثرتهم ، وانتصار الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وتقدمهم مع قلتهم .
هذه القلة صنع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم جيلاً فريداً فهم يقومون الليل ، ويصومون النهار ، فرسان رهبان ، ينفقون بأيمانهم ما لا تعلمه شمائلهم ، قطعوا المسافات هجرة إلى الله بدينهم ، وقضوا الليل و النهار عبداً لله ، وعمارة للكون فعمروه بمنهج الله ، لذلك لم يشعروا بالتفاهة و الضياع ولم يعيشوا والدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم إنما عاشوا لإقامة الحق ، وإفاضة الخير وإشاعة الجمال وبناء العدل في هذا الكون لتسعد البشرية بشرعة ربها .
يشعر بذلك ويعمل على نشرها في الآفاق كما فعل هدهد سليمان حين تفقد الطير فقال " مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين "( النمل :2) ، فإذا بالهدهد يقول له " أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين "( النمل :22) ، ولكي ترى كم من المسافات قطع وكم من الجهد بذل ، وكم من الوقت اخذ ؟ لك أن تعرف أن مملكة سبأ تقع في جنوب الجزيرة باليمن فقطع الهدهد هذه المسافات الشاسعة و الفيافي و القفار وبلغ قائده بما رآه حتى يرسل أتباعه لينشروا دعوة الله .
كان هذا حال هدهد يسعى بدعوته ...!! وكان علي اثر ذلك ايمان مملكة سبأ كلها بالله وحده وهذا التاريخ الذي صنعه الهدهد سجل وحفظ وهانحن نتدارسه ويبقي للاجيال اللاحقة تتعبد به لله تعالي ...!!
وهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعدما رأى فيها من دلائل الحق و المنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه ، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان ، تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتاً ، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله و الظلم من فوقه ومن تحته ، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره ، وسعى به إلى قومه ، وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون ، وجاء من أقصى المدينة يسعي ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق ، وفي كفهم عن البغي ، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكوا أن يصبوه على المرسلين ، وظاهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان ، ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته ولكنها العقيدة الحية في ضميره والإخلاص لدعوته الذي دفعه لهذه التضحية فجاء من أقصى المدينة إلى أقصاها " قال : يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون "(يس 2.-21 ) ، إن الذي يسعى هذا السعي ، ويبذل هذا البذل ، وهو لا يطلب أجراً ولا يبتغى مغنما ، إنه لصادق في تضحيته مخلص لدعوته يريد لها انتشاراً وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبى تكليفاً من الله ؟ ما الذي يدفعه إلى حمل هذه الدعوة ومواجهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة ؟ و التعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم ، وهو لا يجنى من ذلك كسباً ، ولا يطلب منهم أجراً ، بل بذل جهده وأنفق وقته ليلقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة وأشهدهم عليها ، وطلب منهم أن يقولوها كما قالها .
إن إخلاص الداعي الذي يبذل الطاقة ويقضى وقته في الدعوة إلى دين الله لينتشر بين الناس جميعاً ، ويكون رأياً عاماً لدعوته لا ينتظر تكليفاً من أحد ولا أمراً من قيادة ، إنما هي تلقائية الحركة بدافع الإخلاص لها ..هذا الرجل رغم تعرضه للايذاء في الدنيا الا ان القران حفظ موقفه والذين حاربوه تلاشوا وانتهوا الا ان روحه لا زالت تسري علي صفحات القران تنهل منها الارواح المتعبة فتنهض ، والضمائر المعطلة فتصلح ، و والعقول الغافلة فتتألق ..!! ان الهدهد قدم نفع عظيم للناس ومؤمن ال يسن قدم نصحا رائعا للبشر فبقي هذا وذاك .. مكث في الارض انه الحق الذي لابد ان يبقي ويعلو اما الباطل فهو الي زوال وجفاء وصدق الله " ..كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ "(الرعد : 17) ثم ضرب الله سبحانه مثلا للحق والباطل بماء أنزله من السماء, فجَرَت به أودية الأرض بقدر صغرها وكبرها, فحمل السيل غثاء طافيًا فوقه لا نفع فيه.
وضرب مثلا آخر: هو المعادن يوقِدون عليها النار لصهرها طلبًا للزينة كما في الذهب والفضة, أو طلبًا لمنافع ينتفعون بها كما في النحاس, فيخرج منها خبثها مما لا فائدة فيه كالذي كان مع الماء, بمثل هذا يضرب الله المثل للحق والباطل: فالباطل كغثاء الماء يتلاشى أو يُرْمى إذ لا فائدة منه, والحق كالماء الصافي, والمعادن النقية تبقى في الأرض للانتفاع بها, كما بيَّن لكم هذه الأمثال, كذلك يضربها للناس; ليتضح الحق من الباطل والهدى من الضلال.والذي حدث في بلادنا من هذا القبيل ... ثورات رأيت فيها هدهد سليمان ورأيت فيها مؤمن ال يسن وغيرهم جابهوا الباطل بكل صوره وتعرضو للايذاء في سبيل الحق والحرية فقدموا باذن الله نفعا عظيما للامتين العربية والاسلامية لذلك ينظرون تاريخا عظيما سيبقي ويدرس ويعظ اما الزبد فتمثل في موقعة الجمل رقم 2 وقناصة الغدر ومن قبل ذلك مسرحية شب وشوري 2010 وما قبلها ، وما نسج في صحف ومجلات وفضائيات النظام البائد صاحب الجمهورية وصاحب روزاليوسف وصاحب الاهرام وغيرهم ممن لا احب ان اذكر اسماءهم هنا ... اين هم الان ؟ بل اين اسيادهم ؟!! زبدا رابيا ذهب جفاء ...!!
تعجب عندما تعلم ان اعضاء الحزب البائد كانوا يتسابقون من يشتري برميل بلنك ( زيت اسود ) لطمس الدعايات المضادة من وجهة نظرهم لفكرتهم وان كان الاسلام ... تصور اسفلت لطمس الاسلام ولازالت هذه الجريمة علي الحوائط يراها القاصي والداني في البحير وغيرها شاهدة علي فشل وانحطاط وسقوط هؤلاء الذين كانوا ولا زالوا وسيظلون زبدا رابيا ..!! انهم لوثوا التاريخ بصنيعهم وبصدهم عن الحق كهؤلاء " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرةثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون")الانفال : ) اما الذين كانوا يناضلوهم بالوسائل المتاحة صنعوا ثورة فاقت كل التوقعات ، فعلا شأنهم ، وانجلي عزمهم ، وانتصر حقهم ، وانتشر نفعهم ، وتواصل ابداعهم ... حتي ان رؤساء وزراء تركيا وفرنسا وامريكا انبهرا بهذا الابداع واتخذوا ميدان التحرير مزارا لهم ...!!! والثوار يرفضون لقاءهم – لاسباب قد تكون مقنعة اوغير مقنعة - لكني احببت ان اربط ذلك برؤساء النظام السابق الذين كانوا يذهبون ليبوسوا الايادي هناك في تلك الدول فما يستقبلهم احد ولا يجالسهم احد ، ولا يكلمهم احد الا موظفين درجة ثالثة او رابعة ...!! اللهم الا بضع دقائق من علية القوم اترك استخلاص النتائج لك عزيزي القاريء .... الست تتفق معي انها كانت مذلة ...!!
إن الشعور بجسامة المسئولية ، وعظم الأمانة التي يحملها المسؤل، فكيف ينام قرير العين ، مرتاح البال صاحب هذا الشعور ؟ وهو يستشعر أن الواجبات أكثر من الأوقات ، يجب أن يقتنص العاقل في هذه الدنيا كل لحظة لصالح دعوته ، ثم لصالح وطنه من أجل ذلك كان من دعاء الصديق رضى الله عنه “ اللهم لا تدعنا في غمرة ولا تأخذنا على غرة ولا تجعلنا من الغافلين " وكان عمر رضى الله عنه يدعو أن يرزقه الله البركة في الأوقات وإصلاح الساعات ، لأنه لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه ؟ وعن ماله مم اكتسبه ؟ وفيما أنفقه ؟ وكان ابو الدرداء يقول العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل ان تتركه ومن بني قبره قبل ان يدخله ومن ارضي ربه قبل ان يلقاه ...
إن هذا الجهد الذي يبذله المسؤل ، وهذا الوقت الذي ينفقه في سبيل هذه المسؤلية لا يحتاج من الفئة التي عاهدت الله على حمل الامانة ومواصلة الطريق مهما كانت الصعاب إلى من يأمرهم بهذا أو يكلفهم به أو حتى يذكرهم به ، فهذا الأمر الجلل – اقامة الحق ونشر العدل - لا يغيب عنهم لحظة من ليل أو نهار ، فهي الهواء الذي يتنفسونه وهي الحياة التي بها ولها يحيون ، فهل الإنسان في حاجة إلى تذكرة ليستنشق الهواء ؟ فكيف بالمسؤل الذي يجرى في عروقه الحق ، وهو بالنسبة له الحياة ؟ أيحتاج إلى توجيه من أحد يكلفه وهي حركته التلقائية أينما كان في بيته أو مكتبه أو متجره أو وظيفته ، مع أهله أو جيرانه أو مجتمعه إنه يشعر بأنه مكلف بذلك سلفاً من قبل الله عز وجل .
عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه دخلت عليه زوجته فاطمة وهو يبكي فسألته عن سر بكائه , فقال : إني توليت أمر أمة محمدأسودهاوأحمرها , ففكرت في الفقير الجا ئع والمريض الضا ئع والعاري والمجهود , والمظلوموالمقهور الغريب, والأسير والشيخ الكبير وذوي العيال , والمال قليل وأشباههم فيأقطار الأرض وأطراف البلاد , فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة , فخشيت ألا تثبتلي حجة فبكيت.وعن حماد أن عمرلما استخلف بكى فقال. يا أبا فلان , أتخشىعلي؟ قال: كيف حبك للدرهم؟ قال: لا أحبه , قال: لا نخف فإن الله سيعينك. وقال مالك بن دينار: الناس يقولون : مالك , زاهد , وإنماالزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها. اللهم وفق ولاة امورنا أ وارفع شأن بلادنا ، وتقبل بفضلك شهداءنا ، واعز بكرمك ثوارنا ، اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك ، وحب العمل الذي يقربنا حبك ،اللهم أظلنا بظلك يوم لا ظل إلا ظلك ،اللهم اجعلنا مع النبيين والصديقين والصالحين والشهداء وحسن اؤلئك رفيقا ، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل ،ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ،وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي أهله وصحبه وسلم ،والحمد لله رب العالمين
المصدر
- مقال:الزبد الفاني و النفع الباقيموقع:الشبكة الدعوية