الراقصون على جراحاتنا
بقلم : أ-محمد شفيق السرحي
لا أحد يستطيع أن ينكر ما للفن والفنون من أثر كبير وعميق في تاريخ الثورات والحركات التحررية وسلاح فعال في فلسفة المقاومة التي ينتهجها أصحاب الأرض المغتصبة والمحتلة هذا عدا عن كونها وسيلة مشروعة وقوية -إذا كانت بضوابطها الشرعية- للتعبير عما يختلج الصدور من آلام وآهات نتيجة لما يلقاه الإنسان المضطهد من قسوة الظلم والظلام والسجن والسجان، وحتى ما للفن من تأثيرات تربوية ونفسية وأهمية في تكوين النفس البشرية فهي تميل إلى الجماليات والفنون التي تبعث في النفس الراحة والارتياح سواء كان مرئيا مشاهدا أو مسموعا مستنطقا ( فالله جميل يحب الجمال ) (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ).
حتى إذا ما تفكرنا وتأملنا في صفحة الكون ذلك الكتاب المفتوح الدال على عظمة الخالق تجد إبداعا وجمالا لا مثيل له يعجز أصحاب الإبداع عن وصفه مهما بلغوا من قدرات خارقة ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ) (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين )(فلا أقسم بمواقع النجوم، وانه لقسم لو تعلمون عظيم ) (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، والى السماء كيف رفعت، والى الأرض كيف سطحت، والى الجبال كيف نصبت ) .
ولو رجعنا إلي تاريخنا الإسلامي وتراثنا الأصيل لوجدنا أن فقهاءنا وعلماءنا أطلقوا مصطلح الفن على العلوم الشرعية وغيرها من علوم الدنيا فكان فن العقيدة وفن الفقه وفن المصطلح في الحديث وفن الحساب والهندسة، إذن هو في صلب فكرنا وحضارتنا وتراثنا الأصيل .
وفي وقتنا المعاصر وفي ظل الانتفاضة المباركة خرج المبدعون بأقلامهم وريشهم وبمواهبهم الفذة برغم المعوقات وقلة الإمكانات ليقولوا للعالم أجمع أننا شعب يعشق الحياة ولكنها ليست أي حياة، أننا أصحاب مشروع حضاري إشعاعي يهدف إلى تحرير الأرض والإنسان مع كون هذا المشروع نموذجا يحتذى لكل حركات التحرر في العالم بما فيه من صور رائعة وعظيمة من آيات الصمود والتحدي ككف يواجه مخرز .
فكانت الرائعة أمية جحا التي جسدت الصورة الأروع في المقاومة الفنية والإعلامية هذا بالإضافة إلى زملائها الآخرين من فناني الكاريكاتير والرسم.
وكان المبدع أبو هربيد الذي جسد بفنه التصويري ملحمة تصويرية جميلة بنقل الصورة على حقيقتها من ميدان جرائم المحتل الغاصب حينما يسرق البسمة والفرحة من أطفالنا ويجعل اليتم حليف فتاة مغلوب على أمرها اسمها هدى غالية ومن قبلها الذي نقل صورة الطفل الدرة الذي مات في حضن أبيه ولم يكن آخرهم فضل شناعة الذي استشهدت كاميرته- بعد أن جاهدت في نقل الحقيقة من موقع الحدث بكل تفاصيلها - بعد أن أسلم الروح إلى باريها وغيرهم الكثير ممن عرفنا وممن لم نعرف.
وحدث عن النشيد والمسرح والإبداع الفني بألوانه وأشكاله الذي لا يتسع المقام عن سرده بكليته من مهرجانات ومسابقات فنية وغير ذلك، وجيش من المبدعين الذين انبرى معظمهم ليقاوموا بفنهم الأصيل والطاهر العفيف قهر الإنسان واستضعافه وقتل الحجر والشجر في مهده ووأد البسمات والضحكات الغاليات بين الأم وابنها والزوجة وزوجها هذا كله بغلاف من الحشمة والطهارة والوطنية التي تجعل الأعمى يبصر ويرى والأصم يسمع ويتكلم والقلب المتحجر يستسلم للدموع التي تجلو القلوب ما عراها من القسوة واللامبالاة، شكلت لغة حقيقة للفن الحقيقي المعبر عن قضية العالم المستبد الخانع الخاضع للطغاة والمستبدين.
بهذا تكون مقاومة الفن الحقيقي للعدو الغاصب والمعبر حقيقة عن واقع المعاناة التي يحياها شعبنا على أرضه وعبر منافيه الدانية والقاصية .
ولن يكون فن مقاوم سوى الذي يعبر عن تجربة شعورية لأصحابها (ما حك جلدك مثل ظفرك ) لا باستجلاب من يعبر عنهم وعن معاناتهم ثم هم يرقصون على جراحاتنا وآلامنا بعد أن صنعتها دولهم وحضاراتهم المزعومة .
ثم انه منذ متى كان هز الخصور والكشف عن المفاتن والصدور فنا اللهم إلا ما سمعنا عنه في بلاد لا تقوم حضارتها إلا على الإباحية والمجون وصدق الذي قال (إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) صلى الله عليه وسلم.
أن يقام مهرجان للرقص المعاصر في رام الله وقطاع غزة يغص في آلامه ومعاناته وحصاره الخانق وكأن أناسه يعيشون في بلاد الواق الواق لا يدرى ما حالهم ولا يعلم ما هي مصائبهم أو أنهم ترى أحوالهم وعذاباتهم وهناك من صمت أذنه وخرس لسانه عن النطق والشجب والاستنكار بل وربما شارك عدوه ضد بني جلدته مقابل( ثمن بخس دراهم معدودة) أو أنهم (صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) إنها والله (لأحدى الكبر ) التي لا يعرفها إلا الراقصون على جراحاتنا.
المصدر
- مقال:الراقصون على جراحاتناموقع:الشبكة الدعوية