التحولات الكبرى والحِراك العظيم
بقلم : محمد مفيد الخالد
تمر الأمة العربية والإسلامية بلحظة تاريخية لها ما بعدها، وجاءت نتيجة لما قبلها من أوضاع وأحداث، لقد بدأت بالفعل بعض التحولات الكبرى في المنطقة العربية والإسلامية، وبدأ الحِراك يأخذ أشكالاً لم تكن معروفة من قبل، وأرى أن لهذه اللحظة خصائص إذا جاز التعبير، أو محطات أُحب أن أقف عندها وذلك لإعطاء هذه اللحظة أهمية من ناحية، ولتوضيح أهمية تلك المحطات في صناعة وصياغة التحولات الكبرى من ناحية أخرى، أهمها في رأيي :
1. قناة الجزيرة الفضائية: لعبت قناة الجزيرة وما زالت دورا كبيرا لمصلحة القضايا الكبرى في المنطقة العربية والاسلامية، من خلال الفضاء الإعلامي المفتوح الذي استطاعت رغم كل الصعوبات والتحديات أن تصنعه داخل الأحداث ومِن حولها، وشاركت مشاركة كبيرة جدا في فضح وكشف الكثير من الحقائق التي تؤدي الى مزيد من صناعة الوعي الجماهيري، ولا أريد أن أذكركم في دور الجزيرة في حرب لبنان وحرب غزة وثورة تونس الخ ... فكلكم تذكرون وتشهدون .
2. ثورة تونس: الشكل مختلف، الفكر مختلف، الوعي مختلف، إنها ثورة استطاعت أن تكون نموذجا فعليا وما زالت، وقد تحطمت على أبوابها كل المُسلّمات الوهمية التي كانت مسيطرة على العقول من يأس وسلبية وضعف وعجز، وهاهي اليوم تمهد لثورات أخرى في دول أخرى يبدو أن مصر العظيمة أولها.
3. وثائق ويكليكس وظاهرة تسريب الحقائق : بعد التسريبات الكبيرة عبر ويكليكس التي كشفت وثائق السياسة الأمريكية في العالم وخاصة الشرق الأوسط، وتليها تسريبات جديدة عبر الجزيرة الفضائية لوثائق المفاوضات مع الكيان الصهيوني، وقبل ذلك الوثائق التي حصلت عليها حماس بعد السيطرة على غزة ، نستطيع أن نقول أن لهذه الظاهرة دور كبير وتأثير أكبر إذا تفاعل معها الناس بمثقفيهم وشبابهم وقياداتهم بالشكل المطلوب، فكشف الحقائق جميل لكن الأجمل هو التعامل بذكاء وحنكة مع تلك الحقائق التي تحولت في أغلبها من مجرد تحليلات وتنبؤات الى وثائق باليوم والتاريخ.
4. فكر النهضة: بدأ هذا الفكر يعطي معاني كبيرة ويحاول الإجابة عن أسئلة كبرى كانت غائبة لفترة زمنية طويلة عن العقل العربي ، ومن هذه المعاني على سبيل المثال لا الحصر، إعمال العقل، ومعالجة عالم الأفكار، والخروج عن المألوف، ومراجعة التراث البشري الموروث، والتخلص من سلطة القديم والقائم، والتعامل مع السنن الكونية والاجتماعية، كل هذه المعاني وغيرها قدمت لولادة مرحلة جديدة بعقلية جديدة ، وما يميز فكر النهضة أنه يبقى حتى نهاية الطريق، فهو لا يمهد لانتقالة نوعية في حياة الإنسان فحسب بل يطلق كل ممكناته للوصول إلى ذروة الحضارة الإنسانية .
5. النخبة: لقد استطاعت النخبة المخلصة المثقفة الغيورة على مصالح الأمة العربية والاسلامية أن تنشر وعيا للناس عبر سنوات من التحدي كان الظلم فيها سائدا من خلال أنظمة قمعية ، وكأن هذه النخبة من خلال فلسفة خطابها وقوته وتمسكها بالثوابت وعدم تسليمها، كانت تشارك في تأسيس مرحلة جديدة ذات تحولات كبرى.
6. القضية الفلسطينية: بلا شك أن القضية الفلسطينية لعبت دورا محوريا ومركزيا في هذه التحولات الكبرى وقد تكون هي من أهم المحطات الخارجية لأي مواطن عربي ومسلم فإذا كانت الكرامة والحرية تشغل المواطن العربي داخليا فإن القضية الفلسطينية هي امتداد لتلك الكرامة والحرية خارج حدود الوطن، وقد كانت للتطورات الأخيرة أكبر الأثر في وجدان وعقل الشباب العربي فمنذ فوز حماس في انتخابات حرة ونزيهة، ومحاربة العالم لهذه النتيجة، رغم ادعاء الغرب نشر الحرية والديمقراطية في العالم، وصولاً إلى حصار غزة والحرب على أهلها وصمود حماس، كل هذا شكّل تطبيقاً عملياً لمدى قوة المطالبة بالحقوق وفعاليتها .
7. قوى الممانعة : تشكل هذه القوى وتوسع امتدادها حاضنة سياسية واقتصادية ورافعة مهمة لهذه التحولات الكبرى وبغض النظر عن تفاصيل وأهمية وقدرة كل قوة من هذه القوى في المنطقة فإن التأثير الإيجابي لكل من سوريا وقطر وحزب الله وحماس والاخوان من داخل المنطقة العربية وكل من ايران وفنزويلا وتركيا وماليزيا من خارج المنطقة كبير وكبير جدا وليست حرب غزة عنا ببعيدة وكيف كان لقوى الممانعة في العالم دورا في تغيير مسار الحرب .
8. تركيا: السياسة الخارجية الجديدة للدبلوماسية التركية والتحالفات مع العمق الاسلامي والاقليمي لتركيا فتحت أبوابا كثيرة وآفاقا عديدة ساهمت في صناعة ودعم التحولات الكبرى في الوطن العربي والاسلامي ، وعلى الأنظمة العربية أن تستفيد من الدرس التركي قبل أن تنقض عليه الشعوب.
9. الشباب والوعي الجديد: من أهم ما يميز هذه المرحلة الجديدة هو عنصر الشباب الواعي القادر على التغيير، فبالإضافة الى الإحصائيات التي تؤشر الى زيادة أعداد الشباب في المجتمعات العربية فإن زيادة الوعي وانتشار فكر التغيير والنهوض بينهم في ازدياد مستمر، وهم بالفطرة يملكون الأدوات لتنفيذ هذا التغيير على أرض الواقع فالحماسة والايمان بالقضية والعمل من أجلها بكل تفاني هي الأدوات اللازمة لأي تغيير .
10. الدكتور يوسف القرضاوي: على مر التاريخ العربي الاسلامي كان للعلماء دورا كبيرا في التحولات الكبرى في التاريخ، وفي هذه اللحظة التاريخية لدينا مجموعة من العلماء المخلصين الذين يقومون بهذا الدور الحاسم وعلى رأسهم فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، فهم الرافعة الشرعية التي تقول كلمتها لا تخاف من ظلم الظالمين ولا تخشى في الله لومة لائم، قاطعة الطريق على علماء السلطان من استخدام سلاح الشريعة والدين لتكريس الظلم والعدوان والتسلط على حرية الناس، مقدمة في ذلك القدوة الحسنة للشباب والمجتمعات.
وحتى نصل الى تحقيق المزيد من الإنجازات على مستوى الأمة، لا بد لنا من الانطلاق أكثر وأكثر وعدم الإكتفاء بإنجازات وتطورات تلك المحطات، فالجزيرة يجب أن تصبح منهج إعلامي لكثير من القنوات والمراكز الاعلامية في الوطن العربي والاسلامي، وثورة تونس يجب أن تصبح ثورات في أكثر من دولة، وكشف الوثائق ينتشر أكثر، وفكر النهضة يتبناه الجميع، والنخبة تقدم المزيد والمزيد، وقوى الممانعة تتوسع، وتركيا وغيرها من الدول الاسلامية يتعمق تحالفها أكثر مع الدول العربية، والعلماء يقومون بدور أكبر، بقي أن نقول لكل شاب عربي مسلم وفتاة عربية مسلمة فلنكن فاعلين في هذه التحولات الكبرى وأضعف الإيمان أن يكون لنا تحولات كبرى على المستوى الشخصي تصب في النهاية لتحقيق نهضة الأمة.
المصدر
- مقال:التحولات الكبرى والحِراك العظيمموقع:الشبكة الدعوية