إخوان ليبيا في عيون المصريين
بقلم: الحاج فرج النجار .. من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين

لا أعلم حركةً من الحركات الإسلامية على كثرتها قد لقيت من العَداء والمحاربة مثل ما لقيت جماعةُ الإخوان المسلمين عبر نيف وسبعين عامًا من تاريخها المجيد المشبع بالجهاد والتضحية والبذل والعطاء.
ورغم تكاثر السهام، وتوالي الطعنات التي وُجِّهت إلى هذه الجماعة فإنَّ ذلك لم يزدها إلا صلابةً وقوةً وصفاءً وطهارةً وعزةً ورفعةً وثباتًا ورسوخًا، فهي كالمعدن الثمين يُعرَض على النار لتزيل ما علق به من خبث وما خالطه من شوائب، ثم يخرج المعدن الثمين أشد ما يكون لمعانًا وأبهى ما يكون منظرًا.. ﴿.. فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: 17)، فإذا بها- رغم كل الأحداث الدامية- الأمل المرجو لأمة منكوبة بحكام ظالمين مفسدين، والنور الذي يهدي وسط دياجير ظلمات لفَّت وطن أمة بأكملها.
فالإخوان المسلمون هم الواقفون اليوم على ثغرات الإسلام في جميع بقاع الأرض، يدافعون أعداء الله، ويبذلون النفس والنفيس لإعلاء كلمة الله، ولم يكن ما لقيه الإخوان المسلمون على أيدي أعداء الله مثارَ تساؤل أو استغراب، وإنما هم في ذلك كما حكى الله عن المؤمنين الصادقين: ﴿.. قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22).
ولكن الذي يؤلم كل مسلم مخلص وكل داعية صادق أن ينبري أناس يدَّعون القيام بالدعوة إلى الله ويدَّعون الحرص على الإسلام وأهله، ثم لا يَخلُصون من هذه الدعاوى إلا إلى مهاجمة الإخوان المسلمين ومذمَّتهم والانتقاص من دعوتهم؛ مرةً بدعوى أنهم غير سلفيين، ومرةً بدعوى أنهم طلاب حكم، ومرةً بدعوى أنهم أصحاب أغراض سياسية ومبادىء أرضية، ومرةً بدعوى أنهم فشلوا في إقامة الدولة الإسلامية، وأن ذلك راجع إلى قصور منهجهم وفساد تخطيطهم، ومرةً بدعوى أنهم يهادنون الحكومات ويُحالفون الحكام، ومرةً بدعوى أنهم يمارسون العنف والإرهاب!!
والغريب في الأمر أن تتردد هذه الأكاذيب، وتنتقل من بلد إلى بلد، ومن قُطر إلى قُطر، وكأنَّ في الأمر تخطيطًا مرتبًا وتنظيمًا محسوبًا، بحيث يؤدي ذلك إلى النتائج المرجوة، وهي طمس معالم هذه الدعوة وتشويه صورتها، وبالتالي القضاء عليها نهائيًّا، وهكذا تُطلُّ علينا هذه الاتهامات بين الوقت والآخر من بعض العناصر المنهزمة نفسيًّا وشعوريًّا في بقاع كثيرة من وطننا الإسلامي، وهذا يضطرنا إلى سرد بعض الوقائع عن دعوة الإخوان المسلمين في هذه البقاع، كصفحات من تاريخ هذه الدعوة المباركة، ولنبدأ بليبيا التي يُحاكَم فيها الإخوان الآن ظلمًا وبغيًا وعدوانًا؛ حتى تستبين الحقائق وتتضح الأمور.
بدأت حركة الإخوان المسلمين في ليبيافي أوخر الأربعينيات، وذلك بثلاثة طرق:
- 2- عن طريق أعضاء هيئة التدريس المصريين من جماعة الإخوان المسلمين، والذين كانوا يدرِّسون في ليبيا.
- 3- عن طريق الجهد المشكور الذي بذله الأستاذ الدكتور عز الدين إبراهيم، وهو أحد ثلاثة من شباب الإخوان المسلمين هربوا من الجور والظلم الذي حاق بالجماعة في سنة 1948م، والآخران هما الأستاذ محمود الشربيني وجلال سعدة، وقد لجآ إلى قصر الملك في بنغازي، وكان الدور الخاص بالدكتور عز الدين إبراهيم في مدينة بنغازي بالذات دورًا له آثاره الطيبة؛ حتى إنه لا يكاد يكون هناك شاب من شباب هذه المدينة ممن لهم شأن يُذكر إلا وقد تتلمذ على يد هذا الداعية المسلم.
وهكذا بدأت دعوة الإخوان المسلمين في ليبيا، وأخذت لها مكانًا مرموقًا، وربَّت شبابًا حملوا لواء الدعوة إلى الله رغم ما لاقوه من عنَت السلطة الظالمة، سواء في عهد الملك إدريس أو في عهد القذافي، ورغم إعراض الناس عنهم؛ بسبب فتنة الناس بجمال عبد الناصر التي بلغت حد الهوس والتهور، فصدق عليهم قول الله عز وجل: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54).
وأذكر في هذا الصدد أن شباب الإخوان في مدينة بنغازي تولوا القيام بخطبة الجمعة في العديد من المساجد في المواقع المهمة من المدينة، ولأول مرة يستمع الناس إلى شباب يخطبون الجمعة ارتجالاً بلا كُتبٍ ولا أوراق مُعدة، ويعرضون لما يهمُّ الناس من أحداث في حياتهم، فقد كان أئمة المساجد يقدمون الخطب من الكتب المعدة لذلك مما ألف الناس سماعه مرات ومرات حتى كادوا يحفظون تلك الخطب، ولكن المفسدين في الأرض أبَوا إلا التصدي لهذا الجهد المشكور، فأثاروا الأقاويل، وأشاعوا الشائعات بأنَّ هؤلاء الشباب يعملون على ترويج دعوة الإخوان المسلمين من خلال اتصالهم بجماهير الشعب عبر لقاءات المساجد.
وقاد أكبر محاربة لهؤلاء الشباب شيخٌ يترأَّس الجامعة الإسلامية في البيضاء؛ حيث استقدم عددًا من الوعاظ من الأزهر لا بغرض الوعظ والإرشاد؛ وإنما قطعٌ للطريق على هذا الشباب المسلم، وأصدرت الحكومة أمرًا في عهد الملك إدريس بمنع الخطابة وإلقاء الأحاديث في المساجد إلا لمَن يعهد إليهم من إدارة الأوقاف.
كما أنَّ جماعة الإخوان المسلمين في ليبياكان لها القدح المُعلَّى في التصدي للشيوعيين والبعثيين وكشف مخططاتهم وأدوارهم المشبوهة وعمالتهم لأعداء الإسلام، وبعد استيلاء الملازم معمر القذافي على السلطة- بتخطيط المخابرات الأمريكية- كان همه الشاغل هو مهاجمة الإخوان المسلمين ووصفهم بالعمالة الأمريكية، ويصدق فيه قول: (رمتني بدائها وانسلَّت).
وقام باعتقال الإخوان المصريين الذين كانوا لاجئين في ليبيا، وسلَّمهم إلى سلطات عبد الناصر؛ حيث أُودعوا السجون، ومنهم المرحوم الشيخ عبد الرحمن عبد اللطيف- قارىء المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة.
وفى عام 1973م تمَّ اعتقال الإخوان في ليبيا، وتعرضوا لأنواع من التعذيب والإيذاء، ثُمَّ عَرَض التليفزيون مجموعةً منهم؛ حيث ذكروا أنهم أعادوا تشكيل قيادة جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وتحت وطأة الإكراه والإرغام أعلنوا أنهم يحلون هذه القيادة ويتعهدون بعدم إعادة تشكيل أي قيادة جديدة.
وهدأت الأمور نسبيًّا طوال عقدين من الزمان، ولكن سرعان ما أقدمت القيادة الليبية مؤخرًا على توجيه ضربة جديدة للإخوان المسلمين الليبيين، فقبضت على مجموعة من أساتذة الجامعات والمهنيين والطلاب، وقدمتهم لمحكمة الشعب الليبية فيما عُرِفَ بقضية (إخوان ليبيا)، وقضت المحكمة بإعدام بعضهم والسجن مددًا طويلة للبعض الآخر بطريقة جُزافية توضح مدى القمع والكبت الذي يعايشه الشعب الليبي طوال هذه السنين العجاف!!
إنَّ جماعة الإخوان المسلمين هي القائمة- بتوفيق من الله ورعايته- على حمل راية الإسلام والدفاع عنه، ولم تكن في يوم من الأيام تخضع للاعتبارات الشكلية أو الموافقة الرسمية من سلطة ظالمة أو حكومة عميلة، كما أنها تسير في طريقها غير عابئة بالعقبات والمحاكمات؛ لأنها تستمد نورَها من نور السماوات والأرض، وتستمد صمودَها وثباتَها وقوتَها من إيمانها بربها الذي يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).
ونريد أن نوجِّه الحديث إلى الشباب الذين آمنوا بالله وبرسوله وتجمعوا تحت راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله) التي تحملُها بجدارة وبحق وبصدق وإخلاص جماعةُ الإخوان المسلمين، ونريد أن نتوجه إليهم بأن يخلصوا نياتهم لله، وأن يتمسكوا بالجماعة؛ فقد أخرج الترمذي وأحمد عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "إياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد, ومَن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة"، وروى مسلم: "مَن فارق الجماعة قيد شبر فماتَ ماتَ ميتة جاهلية".
ولا يفوتنا هنا أن نذكر أنه إذا قامت جماعة تدعو إلى الله على بصيرةٍ في منطقة من المناطق بحيث تكون ذات منهاج شامل والتزام كامل بكتاب الله وسنة رسوله، إذا قامت مثل هذه الجماعة، لزم كل مسلم الانتماء إليها والتزامها ومبايعتها، ولا يحق له أن يُنشئ جماعةً غيرَها؛ لما في ذلك من تفريق للصف المسلم وإشاعة للخلاف بين المسلمين، خاصةً في هذا الوقت الذي تتكالب فيه قوى الشر على الدعوة الإسلامية وأهلها، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103)، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ)﴾ (الصف: 4).
ولا بد أن نُذكِّر أنفسنا وإخواننا بأنه لا يجوز بحالٍ مفارقة الجماعة أو مفاصلتها إلا إذا أتت أمرًا يُخرجها عن طريق الإسلام الصحيح؛ بحيث يصبح وجودُها خطرًا على الإسلام، وبشرط محاولة الإصلاح والتصحيح، فإذا لم يوجد الإصلاح ففي هذه الحالة لا نقول بمفارقتها فقط بل بمحاربتها أيضًا.
أما غير ذلك من الخلاف في الرأي ووجهات النظر فإنه لا يجوِّز مفارقة الجماعة أو الانحراف عنها، فمَن فعل ذلك فقد أثِمَ وحسابه على الله.