بيان من الإخوان المسلمين إلى شعب وادى النيل (1)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
بيان من الإخوان المسلمين إلى شعب وادى النيل (1)

بقلم / الإمام حسن البنا

مقدمة

هدف الإخوان المسلمون منذ نشأتهم إلى أن يجددوا لهذه الأمة شبابها، ويبعثوا إليها مجدها، ويخلقوا روحا جديدا فى الجيل الجديد على أسس الإسلام، والإسلام كما عرفوه وآمنوا به نظام شامل لمختلف نواحى المجتمع، وبرنامج كامل يبنى الأمة على أقوم الدعائم، وأرقى المبادئ، وأروع المثل، كما يكفل لجميع العناصر والأديان حياة هانئة تحت ظلال العدالة، والإخاء، والمساواة، فهو كافل الحريات، وحامى الأقليات، ومحقق الإنصاف بين مختلف الطبقات.

ولقد كان من البدهى أن يطبع الإسلام تابعيه على الحرية التامة، والعزة المطلقة فلا يرتضون ذلا فى الأرض ولا هوانا: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[المنافقون: 8].

لهذا كان لزاما عليهم- لكى يحققوا للأمة ما يرتجون لها من عزة وكرامة- أن يعملوا جاهدين على تحريرها من نير الأجنبى، واستخلاصها من براثن الاستعمار الغاشم مستوحين فى ذلك روح الحق، ونزاهة القصد ونهج السبيل.

فلما أن وضعت الحرب أوزارها، هب الإخوان يفقهون الأمة فى حقوقها، وينبهون الشعب إلى مطالبه المشروعة، ويستنهضون العزائم للعمل على نيل هذه الحقوق، فأصدروا البيانات وعقدوا المؤتمرات، وطلعوا على الأمة فى كل مطلب من مطالبها بمختلف الدراسات، ونادوا بإلحاح أن تنسى الأحزاب ما بينها من اختلافات ومهاترات فتتجمع الأمة صفا واحدا، فلا يجد الأجنبى منفذا من بين هذه الخلافات للمماطلة والمراوغة والتسويف، وأهابوا بأولى الأمر أن يعملوا من جانبهم وبحكم أوضاعهم الرسمية على تحقيق أهداف الوطن ونيل حقوقه المغتصبة.

ومرت الأيام والشهور والإخوان يستحثون الخطى، ويستثيرون الهمم حتى طلعت الصحف ذات يوم بأن الهيئة السياسية قد اجتمعت، وأن المطالب قد تحددت، وأن الحكومة المصرية قد أرسلت مذكرتها إلى الحكومة الإنجليزية؛ تطلب تحقيق هدفى الجلاء ووحدة وادى النيل.

انتظر الشعب نتيجة ما سعت إليه الحكومة، وإذا بتصريح من وزير الخارجية المصرية تهتز به أمواج الأثير وتتناقله الصحف، كان له أثره السيئ فى نفوس أبناء النيل خاصة، ودول العروبة بوجه عام، فلقد صرح الوزير –كما أذيع- بأن مشاكل مصر والعالم العربى ليست مما تمخضت عنه الحرب وأنها لهذا لا تدخل فى اختصاص مجلس الأمن.. ولقد دهش الجميع لهذا التصريح الخطير الذى تسببت عنه أزمة وزارية، والذى قال عنه أحد وزراء الحكومة الحاضرة: (إنه وضع القضية المصرية فى قفص) ومن عجب أن قابلت الحكومة هذا التصريح بالصمت التام فلم تعلن رأيها فيه.

الأمر الذى يسجل عليها رضاءها عنه وتسليمها به.

وفى يوم 31 يناير الماضى، طلعت علينا صحف الصباح بالنص الرسمى للمذكرة المصرية والرد البريطانى.

المذكرة المصرية

الذى يلفت الأنظار فى المذكرة المصرية أنها سلكت مسلك الضعف والاستجداء فى أسلوبها مما يسر للإنجليز التهرب من الاعتراف بحقوقنا التى انعقد إجماع الأمة عليها.

فأولا: بنت الحكومة مطلبها على تعديل المعاهدة التى أثبتت الظروف أنها لم تعد صالحة لأن تكون أساسا للعلاقات بين الدولتين، بل إن هذه الظروف نفسها قد فرضت بطلان هذه المعاهدة وإلغاءها إلغاء تاما لأسباب أهمها: زوال عصبة الأمم من الوجود، وقيام ميثاق الأمم المتحدة الذى اشتركت مصر فى توقيعه، وتغير الظروف الاستثنائية التى أبرمت فيها للمعاهدة فضلا عما بذلته مصر من مجهود أثناء الحرب فاق ما قررته المعاهدة بمراحل كثيرة، وفاق ما كان منتظرا منها مما أدى إلى تغيير مجرى الحرب فى جانب الحلفاء كما اعترف بذلك قادة الحرب وزعماء الدول الكبرى أنفسهم.

ثانيا: لم تحدد الحكومة فى مذكرتها مطالب البلاد فى قوة وصراحة، وكان أولى بها -وهى صاحبة الحق- أن توضح هذا الحق توضيحا قويا تؤكد فيه أنها لن ترضى عن الجلاء ووحدة وادى النيل بديلا.

ثالثا: السودان، شطر الوادى، لقد فجع أبناء النيل جميعا لهذا الأسلوب المتخاذل الذى صاغت فيه الحكومة قضية السودان، بل قضية وادى النيل، فلقد طلبت فى ذيل مذكرتها أن تشمل المحادثات مسألة السودان"مستوحية" مطالب السودانيين وأمانيهم، وكان أحرى بها ألا تردد هذه النغمة الملتوية التى يذكرها الإنجليز على الدوام ليفرقوا بين شطرى الوادى، ولقد أعلنا غير مرة أن مطالب السودانى وأمانيه هى بعينها مطالب المصرى وأمانه: جلاء تام، ووحدة كاملة.

هذا فيما يختص بالمذكرة المصرية، ضعف فى الأسلوب، وغموض فى الطلب، وتراخ فى الحق الواضح!!

الرد البريطانى

أما الرد البريطانى، فقد جاء متمما لسلسلة المراوغات التى بدأت منذ الإحتلال البريطانى المشئوم سنة 1882 إلى الآن، والتى توالت فيها النكبات على مصر- رغم الوعود التى بذلت بسخاء ولم تف إنجلترا بشىء منها- وكان منها هذه الاتفاقات الباطلة التى أبرمت ففصلت السودان عن مصر، والمفاوضات الفاشلة التى انتهت بمعاهدة سنة 1936 وهى التى لم تكن سوى قيود كبلت البلاد، واتخذت منهما انجلترا ذريعة للاحتلال الصريح الذى نواصل الجهاد اليوم للتحرر منه.

وأهم ما يستوقف النظر فى هذا الرد:

أولا- أن أسلوبه هو عين الأسلوب الذى تعودته مصر منذ أول أيام الاحتلال المشئوم فهو- كما قلنا- التواء وتهرب وتسويف.

ثانيا- تتمسك بريطانيا بالأسس التى قامت عليها معاهدة 1936 متجاهلة الظروف الجديدة التى هدمت هذه الأسس، وقضت على هذه المعاهدة بالبطلان كما سبق أن أوضحنا.

ثالثا- تتجاهل بريطانيا مركز مصر الدولى، وما بذلت من جهود حربية عظيمة فى صفوف الأمم المتحدة فتقرنها مع مجموعة الأمم البريطانية والإمبراطورية رغم مركزها الملحوظ فى الشرق الأوسط والجامعة العربية، وعضويتها فى هيئة الأمم المتحدة وفى مجلس الأمن الدولى، وفى ذلك ما فيه من جرح لكرامتها وإنكار لوضعها الدولى القائم.

رابعا- المشاركة: إنه لفظ جديد فى قاموس السياسة الاستعمارية البغيض، ولا يقبلها المصريون بحال من الأحوال. إذ ليس من المعقول أن نعمل على الخلاص من براثن هذه الشركة الممقوتة فى جنوب الوادى لنلقى ويلاتها فى الشمال من جديد.

خامسا- أما الرد على المذكرة المصرية فى شأن السودان فقد اكتفى بهذه الإشارة العابرة التى أتى بها عقب فراغه من تنظيم الأسس للمحادثات المقبلة مقتصرا على مجرد العلم، وفى هذا إهدار للحقوق وتجاهل لما أجمع عليه أبناء الوادى من وحدة كاملة.

سادسا- وفى الوقت الذى تطلب فيه الحكومة المصرية إشخاص وفد للمفاوضة فى لندن، إذا بالحكومة البريطانية تحيل الأمر على سفيرها فى مصر بعد أن حولته من مفاوضة إلى محادثة مع هذا السفير الذى يعلم أبناء الوادى مدى ما ذهب إليه فى تطبيق المعاهدة المشئومة بما يخالف نصها ولا يطابق روحها.

يا أبناء النيل

هذه هى المذكرة المصرية وهذا هو الرد البريطانى عليها، وإن الإخوان المسلمين فى أنحاء الوادى ليعلنون فى قوة ووضوح أنهم لن يرتضوا بعد اليوم ذلا ولا هوانا، ولا يقبلون ترددا فى نيل حقوقهم ومطالبهم ويدعون الشعب كله، أفرادا وجماعات، أحزابا وهيئات أن يقفوا معهم صفا واحدا فى المطالبة بهذه الحقوق والعمل على تحقيقها أو الفناء فى سبيلها.

أيها المواطنون, إن الإخوان المسلمين ليسجلون على الحكومة هذا الموقف الضعيف، ويسجلون على الإنجليز هذا الجحود، ولقد علمتنا التجارب أن الاستقلال والحرية ما كانت يوما من الأيام صكا يكتب أو اتفاقا يعقد، لا يشفى غلة ولا يطفئ أوارا، ويهيبون بالأمة أن تستعد لجهاد متصل عنيف، فليس للهوان بعد اليوم من سبيل.

ولتعلموا أن المفاوضة وسيلة وليست غاية مقصودة لذاتها، ولا يمكن أن تقدم الغاية على الوسيلة إلا إذا اطمأننا على أسس بينة لتحقيق هذه الغاية، فلنتعظ بالماضى، وليحذر الساسة ألاعيب المستعمرين، ولتتوحد الصفوف وتتحد الجهود بتوجيه وطنى خالص لوجه الله والوطن.

أيها المواطنون: إن حقوقكم قد اجتمعت عليها كلمتكم، وارتبطت على المطالبة بها قلوبكم، وهى الجلاء التام عن وادى النيل بلا مراوغة ولا تسويف، ووحدة الوادى بلا تردد ولا إمهال، وحل المشاكل الاقتصادية المعلقة بيننا وبين الإنجليز على وجه السرعة، حتى تتنسم البلاد ريح الحرية، ويطمئن الناس على حياتهم ومستقبلهم.

والإخوان المسلمون إذ يضعون هذه الحقوق والأهداف من رسالتهم موضع العقيدة والإيمان أنها ليست مما يصح أن يكون محلا للمساومة على الإطلاق، وكل من حاول ذلك فهو خارج على وطنه متحمل وحده تبعة عمله منبوذ من سائر المواطنين.

يا أبناء النيل:

هذه صيحتنا تدوى فى جنبات الوادى نعذر بها إلى الله وإلى الناس، معاهدين رب السماء أن نمضى قدما فى تحقيق ما نهدف إليه، وأن نواصل الجهاد حتى يعود للوطن مجده فى ظل الحرية الكاملة والاستقلال التام: ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[يوسف: 21].

المصدر: جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (89)، السنة الرابعة، 7 ربيع أول 1365/ 9 فبراير 1946،

للمزيد عن الإخوان والإنجليز وحرب القنال

كتب وملفات متعلقة

مقالات متعلقة

دور الإخوان في حرب القنال 1951م

الإمام حسن البنا والمحتل الإنجليزي

تابع الإمام البنا والمحتل الإنجليزي

متعلقات أخرى

وصلات فيديو

للمزيد عن الإمام حسن البنا

Banna banner.jpg