بدر الدين: بيان الحكومة تجاهل القضايا الملحَّة والمهمة
2006-14-03
كتب- عبد المعز محمد
مقدمة
- هناك شبهات في عمليات بيع القطاع الخاص للأجانب
- التقارير الدولية والخاصة بالبنك المركزي تكشف زيف أرقام الحكومة
وصف المهندس أشرف محمود بدر الدين- عضو الكتلة البرلمانية لنواب الإخوان المسلمين بالبرلمان المصري- بيانَ الحكومةِ الذي ألقاه الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء يوم الإثنين 30 يناير 2006 بأنه كان عموميًّا؛ حيث لم يحدِّد برنامجًا زمنيًّا محددًا لتنفيذ ما ورد بالبيانِ من وعود.
كما تجاهل البيانُ القضايا الملحَّةَ التي أصبحت مطلبًا وطنيًّا لكافةِ القُوى والاتِّجاهات السياسيةِ، والتي أدَّى تجاهلها إلى حالةِ الجمودِ السياسي والفساد والظلم الاجتماعي والتخلف العلمي الذي يهدد مصر الآن في أمنها الوطني ومكانتها القومية وريادتها الإسلامية ودورها العالمي.
وأورد النائب العديدَ من الملاحظات والردود، وقال إنه في مجال بناء الشخصية المصرية تجاهل البيان أهم مجال، وهو مجال بناء الإنسان المصري، فالإنسان هو محور الكون، ومن ثم كانت سعادة الإنسان هدفَ كل تنمية وتقدم ورقي، وكان لا بد من تزكيةِ كل ما يسمو بإنسانية الإنسان ويرتفع بخصائصه من إيمان وأخلاق تحيي الضمائر وتدفع إلى الإتقان والبذل والتضحية والعطاء، ولما كان شعب مصر متدينًا بطبعه، إلا أن بعض القيم المادية قد أثَّرت تأثيرًا سلبيًّا على الشخصية المصرية السوية، فكان لا بد لمن يريد الإصلاح أن يسعى إلى إعادة بناء هذه الشخصية على أساس الإيمان والاستقامة والأخلاق من خلال احترام ثوابت الأمة وتربية النشء على مبادئ الإيمان والأخلاق الفاضلة والاهتمام بالأسرةِ وحمايتها، وحث الجماهير على الالتزام بالعبادات والتمسك بالأخلاق الفاضلة والمعاملات الكريمة وتنقية أجهزة الإعلام مِن كل ما يتعارض مع أحكام الإسلام ومقتضيات الخلق القويم.
الإصلاح السياسي
وفي مجال الإصلاح السياسي قال النائب إنه في مجال الإصلاح السياسي والذي يمثِّل نقطةَ الانطلاقِ لإصلاحِ بقيةِ مجالات الحياة كلها والذي لا تقوى عليه حكومة ولا أي قوى سياسية منفردة؛ لأنه عبءٌ يجب أن يحمله الجميع، وقد جاء بيان الحكومة بشأن الإصلاح السياسي على شكل جرعات بطيئة جدًّا ستؤدي إلى تأخير مسيرة الإصلاح لعقود طويلة، وإلا فأين بيان الحكومة من ضمانات حقيقية لتداول السلطة عبر اقتراع عام حر نزيه، وضمانات حرية الرأي والجهر به والدعوة السلمية إليه وحرية الاجتماعات الجماهيرية العامة وحق التظاهر السلمي، وحرية تملك واستعمال وسائل الإعلام، وحرية تشكيل الأحزاب السياسية، وألا يكون لأي جهة إدارية حق التدخل بالمنع أو الحد من هذا الحق وإصدار قانون جديد للأحزاب، وإصدار قانون السلطة القضائية نابع من إرادة القضاة أنفسهم يضمن استقلال السلطة القضائية وإلغاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية ونظام المدعي العام الاشتراكي، وقانون مباشرة الحقوق السياسية بضمانات حقيقية لنزاهة الانتخابات وصحتها واستخدام الرقم القومي في العملية الانتخابية، وإلغاء قانون الطوارئ وكافة القوانين الاستثنائية المقيِّدة للحريات والمحاكم الاستثنائية والعسكرية، دون انتظارٍ لإصدارِ قانون الإرهاب الذي يحذِّر كلَّ المخلصين من أنه ربما يكون أسوأ من قانون الطوارئ، وتحديد سلطات رئيس الجمهورية بما يجعله رمزًا لكل المصريين، فلا يترأس أيَّ حزب سياسي ويكون بعيدًا عن المسئولية التنفيذية للحكم، والإفراج عن المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، واحترام حقوق الإنسان، ومنع التعذيب في أقسام الشرطة والمعتقلات، وتعديل قانون الإجراءات الجنائية، خاصةً ما يتعلق بالحبس الاحتياطي، وإلغاء حبس الصحفيين ومراجعة العقوبات المقيدة لحريتهم، ومجال مساندة الفئات محدودة الدخل وزيادة الأجور.
وقال النائب إن البيان أشار إلى أن معاشات الضمان الاجتماعي تصرف لـ744 ألف أسرة بقيمة 500 مليون جنيه في العام بمتوسط 56 جنيهًا شهريًّا للأسرة، وسيتم رفعها إلى 1.1 مليار جنيه تُقدَّم لمليون أسرة بمتوسط 92 جنيهًا تقريبًا للأسرة في الشهر، وأن هذه المعاشات متدنيةٌ للغاية، ولا تكفي لتحقيق أي حد أدنى من حياة كريمة لفرد واحد وليس لأسرة كاملة، ولا بد من رفعها للضعف على الأقل ورفعها سنويًّا بنسبة تزيد على معدل التضخم الحقيقي للحفاظ على قدرتها الشرائية، وإذا كان المستفيدون سيرتفعون إلى مليون أسرة فإن تعدادهم يمكن أن يصل إلى 4 ملايين نسمة أي قرابة 6% من تعداد السكان، وتساءل النائب: هل سيكون ثقيلاً على الحكومة أن تخصِّص لهم 2.5 مليار جنيه في الموازنة القادمة؟!
وفيما يتعلق بزيادة الرواتب قال النائب إن البيان يشير إلى أنها ستزيد بنسبة 75% إلى 100% خلال السنوات القادمة، بمعنى أن ارتفاع الأسعار سيلتهم معظمها إذا ظل معدل التضخم عند مستوياته المرتفعة المسجَّلة في العامين الماضيين.
الاحتكار
وأوضح النائب أن الحكومة قالت إنه من إنجازاتها في مجال مراعاة محدودي الدخل إصدار قانون تنظيم المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وكذلك إعدادها لمشروع قانون حماية المستهلك، ويتفق الجميع على أن مواجهة الأوضاع الاحتكارية هي إحدى الضرورات الأساسية للمجتمعات التي تسير على قواعد اقتصاد السوق، وعلى حد تعبير المهندس رشيد محمد رشيد وزير الصناعة والمختص بهذا الشأن في حواره مع المصور بتاريخ 200424/12/: "نحن كحكومة طالما أعلنَّا أن توجهنا للاقتصاد الحر؛ لذلك نحن في حاجة شديدة وملحَّة لإصدار قانون منع الاحتكار ونحن في حاجة لهذا القانون بنسبة 100%.
وأضاف النائب أن حماية الأوضاع التنافسية ومحاربة الاحتكار ضرورةٌ لضمان وصول السلعة أو الخدمة للمستهلك بأفضل الأسعار والجودة المتاحة، وهي ضرورة أيضًا لانتعاش الاقتصاد القومي؛ إذ بدون توافرها فمهما قامت الدولة بتخفيضات في الجمارك أو الضرائب فلن يستجيب المحتكرون بتخفيض أسعار بضاعتهم، ما داموا في أوضاع تتيح لهم فرض الأسعار التي يريدونها وتحقيق مكاسب أكبر، وعليه فمن غير المعقول أن قانون محاربة الاحتكار الذي وافق عليه مجلس الشعب منذ ما يقرب من عام ما زال غير مطبَّقٍ حتى الآن بالرغم من الحاجة الملحَّة إليه.
وأضاف النائب أنه فيما يتعلق بمجال الاستثمار وتطوير الأداء الاقتصادي فقد أشار البيان إلى أن قيمة الاستثمارات الجديدة بالأسعار الجارية بلغت 92.5 مليار جنيه عام 2005/2004 مقابل 79.6 مليار جنيه في العام المالي السابق بزيادة 16.2%، إلا أن رئيس مجلس الوزراء أشار إلى أن معدل التضخم بلغ 16.7% في عام 2005/2004 وبالتالي فإن الحجم الحقيقي للاستثمار تراجع بشكل طفيف.
وأضاف أن معدل الاستثمار (نسبة ما تنفقه الأمة من ناتجها المحلي الإجمالي على بناء أصول إنتاجية وخدمية جديدة) بلغ في العام المالي (2005/2004) 16.6% مقارنةً بنحو 16.4% عام 2003/2004 وهو مستوى شديد التدني عن المعدل العالمي 21% عام 2004، في حين وصل 45% في الصين، و39% في بلدان شرق آسيا والباسيفيكي.
أما معدل الاستثمار باعتباره المحرك للنمو الاقتصادي من أدنى المعدلات في العالم والمنطقة، فهو يعبر عن الفشل وقصور الأداء، كما أن معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي بلغ 4.1% عام 2004 حسب بيانات صندوق النقد الدولي وبلغ 4.8 % عام 2005 وهو يقل كثيرًا عن نظيره في مجموع الدول النامية والذي بلغ 6.4 %، 9% بالصين، 7.8% في دول شرق وجنوب شرق آسيا؛ مما يعني أن مصر ضمن الدول النامية بطيئة النمو الاقتصادي، كما أن البيان لم يتضمن حجم الاستثمار الخاص المحلي.
البطالة
وفيما يتعلق بمعدل البطالة يقول البيان إنه انخفض من 10% إلى 9.5% للمرة الأولى منذ سنوات، وقال إنه أمرٌ يتناقض مع البيانات الرسمية التي تشير إلى أن معدل البطالة بلغ 9% عام 2002/2001 وارتفع إلى 9.9% عام 2003/2002، ثم ارتفع إلى10% في العام المالي 2005/2004، وبالتالي فإن الحديث عن وصول معدل البطالة إلى 9.5% حديثٌ غريبٌ ومناقضٌ للبيانات الرسمية التي هي محلُّ نقدٍ علميٍّ شديد؛ لأنها قائمة على أن عدد العاملين فعليًّا بلغ 19.1 مليون عامل من أصل قوة العمل المصرية (عاملين وعاطلين) التي بلغ مقدارُها 21.2 مليون عام 2005/2004، لكنَّ بيانات البنك الدولي تشير إلى أن قوة العمل بلغت 26.7 مليون عام 2003، أي أنها لن تقلَّ عن 27.5 مليون عام 2005/2004.
وبهذا التقدير الواقعي يصل عدد العاطلين إلى 8 مليون ويرتفع معدل البطالة إلى 29% من قوة العمل، وفي ظل عدم وجود نظام لإعانة العاطلين فإن البطالة ستدفعهم إلى هُوَّة الفقر والعنف الأسري والجنائي واليأس.
وقال إن البيان أشار إلى توفير 256.8 ألف فرصة عمل في مشروعات موَّلها الصندوق الاجتماعي بقيمة 1178 مليون جنيه، أي أن تكلفة فرصة العمل الواحدة أقل من 4600 جنيه، مؤكدًا أنها تكلفةٌ غير واقعيةٍ؛ لأن التكلفةَ الحقيقيةَ لإيجاد فرصةِ عملٍ دائم في المشروعاتِ الصغيرةِ لا تقل عن 15 ألف جنيه، وبالتالي فإن عدد فرص العمل التي يشير إليها بيان الحكومة تحتاج إلى مراجعة قد تخفض العدد إلى الثلث.
وأضاف أن البيان أشار إلى البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية الذي وعد بتوفير 4.5 مليون فرصة عمل حتى عام 2010، وأشار إلى تقديم 3 مليارات جنيه كقروضٍ صغيرة تتراوح بين 5: 10 آلاف جنيه لإيجاد 600 ألف فرصة عمل بواقع 5 آلاف جنيه لإيجاد فرصة عمل في هذا المجال، وهذه التقديرات مثبتةٌ منذ 15 سنة وهي غير واقعية، أما البرنامج الثاني فيتضمن استحداث 900 ألف فرصة عمل جديدة خلال السنوات الستة القادمة من خلال 2000 مشروعٍ سنويٍّ بقيمة 5 ملايين جنيه للمشروع الواحد (إجمالي 10 مليارات جنيه) تقدم البنوك 5 مليارات منها، ويقدم صغار ومتوسطو رجال الأعمال 5 مليارات جنيه كاستثمارات لتمويل هذا البرنامج، وهو أمرٌ يتوقف على توافر هذا التمويل لدى رجال الأعمال الصغار والمتوسطين وتصوراتهم حول مناخ الاستثمار، وهذا البرنامج يُعتبر إعلانَ نوايا لا يتضمن أي آليات عملية للتطبيق.
أما البرنامج الثالث وهو برنامج الألف مصنع الذي يتكلف على مدى السنوات الست القادمة 100 مليار جنيه، ويتم خلالها بناء ألف مصنع كبير يقوم الجهاز المصرفي بتقديم ائتمان قيمته 52 مليار جنيه لتمويلها، ويقوم أصحابها بتدبير 48 مليار جنيه لاستكمال التمويل؛ مما سيؤدي إلى استحداث 1.5 مليون فرصة عمل وفقًا لتصورات من وضعوه، وهذا البرنامج أيضًا يتوقف على توافر هذا التمويل لدى رجال الأعمال ومدى قناعتهم بمناخ الاستثمار في مصر، وفرصة العمل وفق هذا البرنامج ستتكلَّف 66.7 ألف جنيه، وهذا التقدير بعيد تمامًا عن الواقع وعن البيانات الحكومية نفسها، وفقًا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة فإن تكلفة فرصة العمل الدائمة في المشروعات الاستثمارية بلغت 250.3 ألف جنيه؛ حيث بلغت التكاليف الاستثمارية للمشروعات الاستثمارية التي أنشئت منذ منتصف السبعينيات وحتى منتصف عام 2003 نحو 375.45 مليار جنيه، ولم توفر سوى 1.5 مليون فرصة عمل (التقرير السنوي للهيئة 2002/2003)، وبافتراض ثبات قيمة تكلفة فرصة العمل فإن أقصى ما يمكن توفيره من الفرص هو 400 ألف فرصة عمل على مدى السنوات الست القادمة.
وأضاف: مما سبق يتبين أنه إذا كانت الحكومة جادَّةً في حل أزمة البطالة فعليها أن تبحثَ عن حلول مغايرة أو إضافية لبرامجها غير الكافية لمعالجة الأزمة، وفيما يتعلق بالنسبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة الذي أشار البيان إلى أنها بلغت 3.9 مليار دولار قال إن الحكومة أرادت تضخيم حجمها لترويج صورة غير واقعية عن كفاءتها، فقامت بدمج الاستثمارات الأجنبية في قطاع البترول في بيانات الاستثمارات الأجنبية المباشرة لأول مرة وعلى غير المعمول به في مصر وفي باقي بلدان العالم، وهو ما أضاف 2.5 مليار دولار لقيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدون أي وجه حق، خاصةً أن هذه الاستثمارات التي تمَّ الاتفاق عليها تنفق على عدة سنوات وليس في العام الذي تم الاتفاق فيه عليها.
كما قامت بالإفراط في بيع الأصول العامة للأجانب في إطار برنامج الخصخصة التي شابت الغالبية الساحقة من عملياته شبهات الفساد وإهدار المال العام، هذا البيع للأجانب يتم تسجيل متحصلاته على أنها استثماراتٌ أجنبية مباشرة، في حين أنها توجَّهت إلى شراء أصول إنتاجية قائمة فعلاً ومنتجة فعلاً؛ ولذلك فإنها استثماراتٌ أجنبيةٌ مباشرةٌ زائفةٌ.
وأضاف أنه طبقًا لإحصائيات الأونكتاد عام 2003 فإن مصر جاءت رقم 16 بين أفريقيا، و11 عربيًّا في جذب الاستثمارات الأجنبية وسبقتها دول مثل السودان وتشاد، وطبقًا لحديث رئيس الوزراء لمجلة U.S. Today أن غالبية الاستثمارات الأجنبية تتجه نحو قطاعي السياحة واستكشاف البترول والغاز، مؤكدًا أنه جاء في البيان أن عدد الشركات التي تم تأسيسها بلغ 9071 شركة برءوس أموال مصدرةً 46 مليار جنيه، ومن المعلوم أن رءوس الأموال المصدرة لا تعني بالضرورة الاستثمارات المنفذة لهذه الشركات، بينما جاء في نشرة البنك المركزي في ديسمبر 2005 أن ما يخص القطاع الخاص المصري والأجنبي معًا من حجم الاستثمارات بلغ 47 مليار جنيه مقارنةً بـ37 مليار جنيه في العام السابق؛ وحيث تضمنت ذات النشرة أن الاستثمارات الأجنبية زادت خلال عام 2004- 2005 حوالي 2 مليار دولار فهذا يعني أن الزيادة ترجع بكاملها إلى الاستثمارات الأجنبية.
المصدر
- بدر الدين: بيان الحكومة تجاهل القضايا الملحَّة والمهمةإخوان أون لاين