الإخوان المسلمون في ليبيا انتشار حقيقي .. رغم التضييق !
الكاتب: موقع المختار
في عام 1998 م قامت أجهزة الأمن الليبية بحملة إعتقالات واسعة في صفوف جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا نالت من الجماعة كلها ؛ ولم يكن غريبا ان تقوم السلطات الليبية في ظل التعتيم الاعلامي الكامل بحملة واسعة في صفوف الإسلاميين في صيف 98 م ؛ ذلك بان حملات حملات الإعتقال لم تتوقف يوما ما في صفوفهم ، وبخاصة في السنوات الأخيرة ، ولكن الغريب غاية الغرابة في هذه الحملة في هذه الحملة بالذات أمورا لم تكن معتادة في كل سابقاتها ، وذلك لعدة اسباب :
- أولاً : سعة هذه الحملة ، لا من حيث عدد المعتقلين فيها ، والذين بلغوا عدة مئات ؛ ولكن من حيث الإنتشار الجغرافي لها ، حيث امتدت إلى أغلب المدن الليبية شرقا وغربا دون استثناء .
- ثانياً: أنها شملت بشكل غير مسبوق أعداداً واسعة من المؤهلين تأهيلاً علمياً عالياً كالعشرات من اساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين، بالأضافة إلى كوادر المجتمع وفئاته المتعددة الأخرى .
- ثالثاً: كونها في صفوف الإخوان المسلمين بالذات دون غيرهم من الجماعات والتوجهات الإسلامية الأخرى ، التي تعودنا أن تشملهم مثل هذه الحملات في السنوات الماضية .
إن الكثير من الناس في ليبيا يعرفون كيف نشأت جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا في بداية الخمسينات ، في فترة زمنية هامة من تاريخ العالم الإسلامي .
حيث لم تسلم ليبيا من موجة التخلف العامة في ظروف ما بعد الاستعمار الإيطالي وهيمنة الإدارة البريطانية آنذاك على زمام الأمور كوريث للاستعمار الإيطالي ، لتخرج ليبيا من هذا الخضم وهي أحوج ما تكون إلى حملة الإصلاح الشامل التي دعت إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين للمساهمة في هذا الدور .
في تلك الفترة تأسست جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا ، وكان للأستاذ عز الدين إبراهيم ـ ذلك الشاب المصري الذي لم يتجاوز العشرين من عمره دور كبير في ذلك ؛ حيث جمع الشباب في مدينة بنغازي ـ المدينة الرئيسية في شرق ليبيا ـ ونظم صفوفهم في أسر الإخوان المعتادة ، وكانوا رغم قلة الإمكانيات يقيمون المناشط في غابة في طرف المدينة او على ساحل البحر ، مستخدمين العربات التي تجرها الخيول ' نسميها في ليبيا الكاروات ' .
كما كان لبعض المدرسين المصريين من الإخوان والمنتدبين للعمل في مدارس مدينة طرابلس ' العاصمة في الغرب ' ذات الدور فيها ، حيث عملوا على نقل فكرتهم الإسلامية وإقامة تنظيم الإخوان هناك وربطه بالعمل في مدينة بنغازي ، رغم بعد المسافة ' 1000 كم تقريبا ' وقلة المواصلات آنذاك ، ليجتمع عمل الجماعة في تنظيم واحد ، وتكونت البذرة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا والبلد أحوج ما يكون إلى مثل هذه الدعوة المباركة .
ولقد كان رجوع عز الدين إبراهيم إلى مصر سنة 1953 م بعد الانقلاب العسكري فيها ، ظنا منه بأن الأوضاع الصعبة التي اضطرته إلى الهروب من مصر أيام الملك فاروق قد انتهت ، وأن صفحة جديدة قد بدأت هناك ، تاركاً تنظيم الإخوان في ليبيا وقد قام عليه وقاده الشباب الليبي بعد أن تأكد من صحة نشأته القائمة على الجدية والتعاون مع الجميع نحو إصلاح الأوضاع العامة المتردية في ليبيا ، وعلى رأس هؤلاء ' جمعية عمر المختار الوطنية ' التي كان لعز الدين إبراهيم علاقة قوية برموزها .
والحقيقة أن النظام الملكي القائم في ليبيا آنذاك قد رحب بوجود شباب الإخوان المصريين في ليبيا ومنهم عز الدين إبراهيم ، الذين فروا من مطاردة أجهزة الملك فاروق لهم ، بل إن الملك إدريس ' حاكم ليبيا آنذاك ' نفسه ، قد أخلهم في جواره وأسكنهم في قصره الخاص ، ورفض تسليمهم إلى الملك فاروق عندما بعث مطالبا بهم، لذلك لم تلق جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا أي تضييق يذكر من قِبل النظام الملكي .
وفي هذا الجو نشطت جماعة الإخوان في ليبيا رغم الظروف الصعبة في البلد ، ورغم التأثر العام بالموجه الناصرية العاتية وحملات عبد الناصر الإعلامية المركزة ضد الإخوان ، مما كان له أشد الأثر في مواجهة مناشط الإخوان ودعوتهم في ليبيا ، ومع ذلك فقد لاقى الإخوان قبولا واسعا ، بخاصة في صفوف الطلاب في الجامعة الليبية آنذاك ، خلال الخمسينات والستينات في مدينتي طرابلس وبنغازي على السواء .
وسارت دعوة الإخوان المسلمين تشق طريقها بهدؤ وروية ، وفي ثقة كبيرة بمنهجها الرباني المعتدل ، بين فئات الشعب كافة وكل يوم تزداد وضوحا وقوة ، إلى قام النظام عام 73 م وبما يسمى بالثورة الثقافية ، واعتقل قيادات الجماعة في ذلك الحين ، واذاقهم سوء العذاب ، وفرض عليهم ترك العمل إكراها . لكن الأمر بيد الله وحده وليس له من الأمر شىء .
واستطاعت الجماعة أن تحافظ على كيانها وان تعمل بشكل سري كامل ، استطاعت بصورة رائعة أن تستمر في عملها حتى في أحلك الظروف واشدها شراسة .. ولازالت بحول الله وقوته ، فإن الله حافظ عباده من الكيد والمكر ..
في تلك الأثناء خرج عدد من الإخوان إلى الخارج وكونوا ما يعرف ' بالجماعة الإسلامية الليبية ' التي تمثل جماعة الإخوان المسلمين تحت هذا المسمى ، ولها العديد من الرموز من بينها ، الحاج عبد الله بوسن ؛ الذي كان يدرس في مصر في فترة الستينات ، واعتقل مع الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى ، وهو الآن مقيم في بريطانيا .
ومع تزايد مد الصحوة الإسلامية المباركة ازداد العمل نضجا وتوسعا في كافة شرائح المجتمع الليبي ، وعملت الجماعة على توعية هذه الصحوة المباركة بعرض الوسطية والاعتدال في الفهم والسلوك ، وانتشر خبر الدعوة في بيوتات الليبيين ؛ نتيجة التوسع في العمل الاجتماعى وتقديم المساعدات العينية والمعنوية للمحتاجين ، واستقبل الناس وجوه الإخوان النيرة بكل ود ومحبة ، وكانوا يفتقدونهم بين الحين والحين ، وانتشر الإطراء والمديح لفعل أصحاب الأيادي المتوضئة من شباب الإخوان المسلمين وغيرهم .
وأنتشر الشريط الإسلامي بعامة ، وساهم الإخوان في توفير المواد المناسبة للصحوة المباركة ، وانتشر الحجاب الإسلامي بالرغم من التصريحات الرسمية أن الحجاب من عمل الشيطان ، وكثرت مراكز تحفيظ القرآن في معظم المساجد ، وكان للإخوان حضور وافر فيها ، وكثر الكتاب الإسلامي وتوفر بين يدي الشباب بالرغم من التضييق والمنع .
وساهم الإخوان من خلال تواجدهم في كافة مناحي الحياة الاجتماعية والمهنية في عودة السمت الإسلامي للرجل المسلم والفتاة المسلمة من خلال سيرتهم الحسنة في كافة القطاعات التي يتواجدون فيها ..
وفي كل مرة كانت تتعرض الجماعة للمضايقة والاعتقال لبعض افرادها حدث ذلك في عام 95 وعام 96 م حتى كانت الاعتقالات الاخيرة عام 98 م والتي قصد بها الإخوان بالدرجة الاولى .
والمطلع على أسلوب ونتائج عمل الإخوان في ليبيا منذ نشأتها الى الان يلمس بوضوح ما يلي :
1. كون الإخوان المسلمين في ليبيا جماعة سلمية لم يؤخذ عنها يوما اتجاها لاستخدام العنف او تأييده للوصول الى اهدافها .
2. قدرة أبنائها على نشر فكرتهم بين فئات المجتمع المختلفة بشتى الوسائل الممكنة ، فهم يسيرون في طريق دعوتهم بثقة عالية ، و بهدؤ تام ، ولعل دور كل أخ منهم في تفاعله مع المحيط من حوله ، ساهم بدور كبير في توعية الكثير من فئات المجتمع بخاصة ، والصحوة الإسلامية بعامة؛ نحو الفكر والمنهج الإسلامي المعتدل الذي بات جليا أنه يصب في المصلحة الوطنية لليبيا .
3. تفاعل الجماعة الواضح والمباشر في مؤسسات المجتمع ، وسعيهم لتكوين المؤسسات التي يحتاجها المجتمع الليبي ، من مدراس ودور القرآن ، والعمل الاجتماعى ، ونحو ذلك .
4. أخرجت الجماعة شريحة عريضة من المتعلمين والمتخصصين في كافة المجالات العلمية والادبية بسمت المسلم المبدع الذي يسعى لخدمة دينه ووطنه وابناء بلاده .
وما كان لهذه العوامل وغيرها ، أن تستدعي النظام على جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا ، لبعدهم عن عوامل المواجهة المستفزة له .
إلا أن سياسة النظام ومنذ عام 69 م ـ أي منذ قدومه على سدة الحكم ـ كانت هذه السياسة قائمة على التضييق على كل من خالفه الرأي ، وسياسة القتل والتشريد لكل مخالف ، وترك المجال لما يسمى باللجان الثورية لتعيث الفساد في البلاد ومؤسسات المجتمع بكامله .. لكنها دعوة الله تعالى ، يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون .
لقد تعودت جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا أن تطال يد النظام بعض أفرادها خلال حملات النظام العشوائية التي يقوم بها في صفوف الإسلاميين في كل المناطق ، إلا أن توفيق الله تعالى ، ثم التربية الأمنية لأبناء الجماعة كان سببا في حفظ الجماعة من الانكشاف في مناسبات عديدة .
ورغم أن الحملة الأخيرة 98 م قد امتدت بشكل سريع وغير متوقع لتشمل المئات من المعتقلين في كافة المدن الليبية ، إلا أن الكثير من الأعضاء قد حاول الفرار بدينه من اجهزة الامن الليبية طلبا للأمان خارج البلاد .
غير أن بعضهم لم يتمكن من ذلك وقبض عليهم أثناء عبورهم الحدود ، وقد تشتت الأصقاع بمن كتب الله النجاة من الاجهزة الامنية ، في العديد من الدول ، وليبدأوا محنة الهجرة ومعاناتها ، وكم من عائلة فرق بين أعضائها هذا الحدث الأليم ؛ الأب مهاجر والأبناء والأم صادرت أجهزة الأمن الليبية جوازات سفرهم ،وتركتهم وقد انقطعت بهم موارد الرزق ، بل ويضايقون كل من يقدم العون لهم بالتهديد والسجن ، ناهيك عن عائلات المعتقلين الذين تم القبض عليهم ، وليس لهم سوى الا الله ، وأنعم به من رب كريم منتقم .
كم تم مصادرة الممتلكات الشخصية للمعتقلين أو المهاجرين ، وكم من أخ هاجر فأستولى رجال الامن على شقته وما تحوي من ممتلكات إلى هذا اليوم .
وقد كانت أصداء هذه الحملة كبيرة داخل المجتمع الليبي بين الدهشة والاستنكار ، الدهشة لقدرة الإخوان على إقامة تنظيم بهذا الحجم والمستوى ، واستنكر الناس اعتقال هؤلاء الاشراف الذين ملأت المصداقية والاحترام كل جنبات الذين يعرفونهم
ويشار اليهم في المجتمع بوافر الثقة والنزاهة .
لقد كانت المفاجئة كبيرة وانقلب السحر على الساحر فبدلا من ان يبعدهم الحدث عن مجتمعهم ؛ ساهم الحدث في إضفاء مصداقية كبيرة لهم ، وامسوا بمقتضاه أبطالا وطنيين مخلصين لدينهم ووطنهم .
وبالرغم من ان الإخوان في ليبيا لم تتح لهم فرصة الظهور والتعبير عن رأيهم بوضوح للناس جميعا إلا ان منهجهم هو منهج الإخوان المعروف في العديد من الدول ذات العمل المفتوح ، وكان شعار الإخوان المسلمين في ليبيا :
' العمل من خلال المتاح والاستعداد لأي تطورات مع العمل على التحسين الدائم '
هذه نبذه سريعة عن الإخوان في ليبيا ... ولا تنسوا إخواني وأخواتي أن تنشروا هذه الفقرات إن رأيتم حسنها ، كما لا تنسوا إخوانكم المعتقلين من الدعاء ، والمهاجرون ربما يكونا أحوج من المعتقلين .. لدعواتكم المباركة ...
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم وهدي نبيه الكريم و على آله وصحبه أجمعين
المصدر
- مقال:الإخوان المسلمون في ليبيا انتشار حقيقي .. رغم التضييق !موقع:الشبكة الدعوية