أم وأبناؤها الخمسة.. صاروخ إسرائيلي "خطف أرواحهم وغيبهم عن الحياة "!!
أم وأبناؤها الخمسة.. صاروخ إسرائيلي "خطف أرواحهم وغيبهم عن الحياة "!!
رؤية تكتم عليها "عم" الشهداء .. ولكن حدث ما توقعه!!
الرضيع "عبد الهادي" ... زحف خلف والده فأنجاه الله .. وبقي يبكي أمه وإخوته!!
"رحلتم وتركتموني وحيداً أصارع عذاب الألم، وبطش القهر، وأنات الفراق.!!" رحلتم خلسة من عالمي المكلوم.. دون أن تلامس قُبلاتكم المعهودة وجنتي... وُئدت طفولتي البريئة، ومن يداوي جرح قلبي الشجي ويعيد شرذمة ذكرياتي؟!!... ألم تكن معي يا أُخي بلال وأنتِ يا إيمان قبل لحظات من فراقكما، تلهوان وتمرحان معي وابتسامتكما مزجتها عَبرات الابتهاج..
هل أذنبت بحقكما لتتركاني وحيداً بين جدران صمت مطبق، وفضاء لم يعد له فضاء ؟!!!.. أمي أين ذهبتي؟.. لقد بحثت عنك في وجوه البشر وخلف الشجر وبين الحجر.. تلمست دفء من هدهدني وهدأ روعتي، وأسكت صرختي ولم أشعر بدفئك..بالله عليكِ ألم نتفق جميعاً أن نغادر منزلنا في ذلك اليوم باتجاه بيت جدي احتماء من صاروخ غاصب أو قذيفة محمومة، كما أخبرنا أبي.. أنا التزمت بالوعد ولكن أنتم لم أجدكم هناك.. بل رأيتكم بلباسكم الأبيض تُحملون على أكف أناس كثر، رددت حناجرهم بأوج علوها بالثأر. فعن أي ثأر يتحدثون؟؟!
شمعة مطفأة!!
تلك كلمات مقتضبة حاولت أن أنسجها على لسان الطفل عبد الهادي عيسى البطران من سكان مخيم البريج وسط قطاع غزة، بعد أن عجز لسانه عن أن يعبر عما في خلده، ويترجم ما رصدته عيناه الصغيرتان من هول الفاجعة وجلل المصاب الذي ألم بأسرته.
عبد الهادي أكمل عامه الأول بعد أسبوع واحد من شن (اسرائيل) عدوانها على قطاع غزة في السابع والعشرين من الشهر المنصرم، والذي راح ضحيته نحو 1300 شهيد وأكثر من 5500 جريح.. ولم يحتفل بإيقاد شمعته الأولى مع أسرته التى غيبت فيها آلة القتل الإسرائيلية والدته وأخوته الخمسة عن مسرح الحياة. فبعيد أذان مغرب يوم الجمعة الموافق 16/1/2009 ، كان منزل المواطن عيسى البطران 39 عاماً على موعد مع جريمة إسرائيلية، دون سابق إنذار لا تزال آثارها باقية حتى اللحظة .. أضيفت هذه الجريمة المجردة من معاني الانسانية والمنزوعة من صحوة الضمير الى سجل إسرائيلي حافل بالنقاط السوداء وبقع الدم الفلسطينية التي أصبغت صفحات ذلك السجل العتيق باللون الأحمر...
زحف على ركبتيه!!
فبينما كانت الأم منال ( 35 عاماً) وبناتها الثلاثة إسلام (14 عاما)، والتوأمتان، إحسان وإيمان (11 عاما)، وولداها بلال (8 سنوات)، وعز الدين (5 سنوات) يشاركان بعضهم البعض على عجالة في تعبئة ملابسهم داخل الحقائب إذاناً للذهاب إلى بيت جدهم حسن الشعرواي" والد الأم" القاطن بنفس المخيم- وذلك خشية تعرض حياتهم للخطر في ظل الهجمة الاسرائيلية الشرسة التي استمرت 22 يوماً - وإذ بصاروخ إسرائيلي يباغتهم من نافذة الغرفة الواقعة الى الشمال الشرقي للشقة، وهي غرفة مخصصة للبنات.. ويفرض سكونه في كل أرجاء المكان.
"وقبل وقوع تلك الحادثة الأليمة التي أوقفت فيها نبضات قلوب صغيرة، كان الرضيع عبد الهادي جالساً في الصالون الواقع إلى الجنوب الغربي للشقة، بصحبة ألعابه وما أن رأى والده يهم لترك المنزل متوجهاً لتأدية صلاة المغرب في المسجد الكبير حتى تبعه زحفاً على ركبتيه إلى أن وصل إلى أول خمس درجات للأسفل، فاضطر والده حمله بين ذراعيه ليعود به إلى أمه المنهمكة ما بين تعبئة الملابس وتحضير العشاء. حسب ما قاله الشاب محمود أحد أقرباء العائلة في حديثه لـ "فلسطين" .
ويضيف محمود (23 عاماً) بصوت خافت بعد أن قدم لي التمر والقهوة العربية "قهوة دون سكر": "إن الله عز وجل لطف بعمي عيسى وابنه الصغير عبد الهادي، فقبل أن يضع عمي قدميه على عتبة الغرفة إذ بالصاروخ ينفجر ويحصد أرواح من فيه.. فلم يعرف حينئذ ماذا يفعل عمي من هول الصدمة؟ أيسعف أبناءه الخمسة وزوجته، أم يلوذ بطفلة الحي إلى الأسفل طلبا للمساعدة؟ فاختار خياره الثاني.
فلا حياة لمن تنادي!!
ويواصل حديثه: "كتب الله لي أن أكون شاهداً على تلك المجزرة الشعواء.. فما أن جاورت "سوبرماركت جودة" الذي يبعد أمتاراً عن منزل عمي أثناء توجهي إلى منزلي عائدا من السوق، وإذا بصوت انفجار في المكان، يتبعه تصاعد للدخان من شقة عمي التي تبلغ مساحتها نحو 180 م في الطابق الثاني لمنزل العائلة فأسرعت على الفور إلى المكان".
ويتابع بعد لحظة صمت خيمت على المكان المضاء "بلمبة الغاز" إثر انقطاع التيار الكهربائي" لقد صعقت مما رأته أم عيني.. فجميع أبناء عمي ووالدتهم، أجساد صامته دون حراك، وقد شوهت شظايا الصاروخ بعضهم، وأخضبت دماءهم بملابسهم.. فحملت ابن عمي عز بين ذراعي، وركضت به مسرعاً نحو الشارع صارخاً على الناس بأعلى صوتي لمساعدتي "فلا حياة لمن تنادي" ... فالسكان المجاورون للمنزل هرعوا بشبابهم وشيبهم وأطفالهم ونسائهم إلى الشوارع والطرقات بعيداً عن المكان، ظناً منهم أن المنزل سيتعرض لغارة أخرى، وأن ما حدث مجرد صاروخ تحذيري اعتادوا على أن تطلقه طائرة الاستطلاع، ولم يدركوا حينها أن الغارة اقتنصت فرائسها.. فأصبت بانهيار عصبي وكاد أن يغمي علي عندما شاهدت أحشاء و مكنونات رأس "الطفل عز" متدلية على كتفي بدمائها.
"نار الجحيم"
ويواصل حديثه الهادئ لـ"فلسطين": "إن الصاروخ الذي أطلق على المنزل -حسب من عاينوه- يطلق عليه هل فير2 " أي نار الجحيم" وزنه 45كغم،وهو قادر على اختراق حديد سمكه 8 سم وموجه للأفراد"، فدمر الغرفة بمن فيها، وخرق أرضية الغرفة قليلاً دون أن يلحق أذى بمن يقطن في الطابق الأسفل".مشيراً إلى أنه لحظة القصف كان عز وبلال على النافذة يؤشران بأصبعيهما إلى الطائرات الإسرائيلية، التي قضت على طفولتهم وقذفت بأجسادهم على أغصان الشجرة أسفل المنزل، وأن عائلته استغرت ثلاثة أيام تجمع أشلاء شهدائها. ويوضح أن عمه عيسى الذي يعمل سكرتيراً في مدرسة ذكور البريج الابتدائية "ج" قد تعرض مسبقاً لمحاولتي اغتيال إسرائيليتين فاشلتين أثناء استقلاله لسيارته، ومرة ثالث لقصف منزله قبل نحو عامين.
ومكثت طويلاً انتظر للتحدث مع والد الشهداء ، فلم يسعفنى الحظ والوقت معاً، ولكن ما حمله عمهم مصطفى البطران " أبو أحمد" في حديثه أمر يستحق التدقيق فيه، عندما بادرنا أطراف الحديث بالقول: "قبل عدة أيام من وقوع الحادثة رأيت في منامي ما يدلل على ما حدث".
رؤية تحققت!!
وقال: "حلمت ذات ليلة أني أنزل من سيارة أجرة عائداً من عملي كمفتش، متوجها صوب منزل عائلتي" بيت والدي" وأثناء مروري بالمكان شاهدت أخي أحمد المتوفى منذ عام 1996 يطلب مني الجلوس عنده في محل الخياطة، فاعتذرت له وقلت سوف أذهب لأطمئن على أخي عيسى.. فعندما صعدت إلى منزل عيسى وجدته يحمل ابنه عبد الهادي بين ذراعيه ويقف على مقربة من باب المنزل، وفي الغرفة المجاورة" غرفة البنات" التي شهدت الجريمة شاهدت بقية أبنائه وزوجته جميعهم مغطون" بلحاف ابيض على كامل أجسامهم"، مشيراً إلى أنه تكتم على الحلم ولم يخبر به العائلة إلا بعد الحادثة.
ويتابع حديثه: "قبل استشهاد أبناء أخي بربع ساعة تقريباً كانوا في منزلي يلعبون مع أبنائي، وطلبت منهم البقاء لكنهم أصروا على الرجوع لمنزلهم، وهو أمر غير معتاد فكانوا يمكثون ساعات طويلة في منزلي" لافتاً إلى أن ابن أخيه بلال طلب من شقيقته البقاء في منزله، فردت عليه أخته " إذا بقينا عايشين إن شاء الله تيجي وتنام".
وقال أبو أحمد: "قبل القصف أيضاً ببضع دقائق شعرت ببرودة شديدة، طلبت من زوجتي بغطاء ثقيل يقيني تلك البرودة التي أذهلت الجميع، حيث الطقس لم يكن بارداً جداً، ولم أكن لحظتها مريضاً، بل طلبت من ابني أيضاً أن يهاتف عمه كي يأتي بأبنائه إلى منزلي حفاظا على حياتهم، وقد أراد الله ما أراد".
صور وذكريات!!
ويعيش الآن الرضيع عبد الهادي في أحضان بيت جده "والد أمه"، بينما ترقد أجساد أخوته وأمه في مقبرة البريج إلى الجنوب الشرقي من المخيم في قبر جماعي، قسم لثلاثة أجزاء كل اثنين في قبر، فيما بات الوالد صابراً، راضياً بما كتبه الله ، يزور طفله، ويترحم على عائلته، لتبقى صورهم وذكرياتهم ما قد تسعفه على مكابدة ألم الفراق، ولوعة المصاب،..
لقد انهيت كتابة هذه القصة، ولم تنته هذه الأسرة سيما عندما يدرك الطفل أول ما يقوى لسانه على النطق أن كلمة ماما قد أزيلت رغماً عنه من قاموسه اللغوي..
المصدر:كتائب الشهيد عز الدين القسام-المكتب الإعلامي