أمـــــريـكــا بين الاستفراد والاستبداد !
بقلم : عدنان النحوي
هذه لحظات فريدة من التاريخ البشري ، تنفرد فيها أمريكا بقوة طاغية وكأنها القوة المادية الوحيدة في الأرض ، بعد أن تفسَّخ الاتحاد السوفيتي ، ووقفت روسيا تحاول أن تنهض على مجد سابق . ولكنها مرحلة فيها امتحان لأمريكا وغيرها ، يمحّص الله فيها موقف كل فريق ، موقف أمريكا ، وموقف أوروبا وروسيا ، والصين ، والمسلمين وغيرهم ، حتى يكون الموقف لهم أو عليهم يوم القيامة بين يدي الله سبحانه وتعالى . وإن كانت هذه النظرة والإيمان بالدار الآخرة غير واردة في مفهوم رجال العلمنة والعلمانية . ولكنها الحق الذي سيفاجؤون به قريباً عندما ينتهي الأجل المسمى لكل إنسان ولكل أمة ولكل دولة :
(قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) [ يونس :49]
وكذلك :
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ )
وكذلك :
(وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء )
[ إبراهيم : 42-43 ]
هذا التصور غائب عن كثير من الناس وخاصة أهل العلمانية والعولمة . فإذا ضاق بهم السبيل يتساءلون أين نذهب ؟!
يقول سياسي : في اليوم الذي كنَّا نختلف مع الاتحاد السوفياتي كنا نذهب إلى أمريكا ، ويوم أن كنا نختلف مع أمريكا كنا نذهب إلى الاتحاد السوفياتي . واليوم لم يعد إلا أمريكا ، فأين نذهب ؟!(1)
وكثيرون أمثال هذا السياسي ، لا يخطر ببالهم أن يلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى في كلِّ حال ، وظنُّوا أنَّ الاتحاد السوفياتي وهو في أوج قوته قادر على أن يفعل ما يشاء ، وأنه دائم القوة ! فأراهم الله آية من آياته وسنَّة من سننه ، وذلك بسقوط الاتحاد السوفياتي بقدر من الله ، كما سقطت دول أخرى في التاريخ غرَّها ما كان في يدها من قوّة مادية سرعان ما ذهبت القوة وهانت الأمة .
وكلما يضيق الأمر برجل أو دولة يفزع إلى رجل آخر يظنه قويَّاً خالداً ، أو إلى دولة قوية يظنها خالدة .
كُتِبَ في إحدى المجلات اقتراحٌ يُطْلَب فيه عدم السعي لإسقاط أمريكا ، وطالب بالحفاظ عليها دولة وحيدة مهيمنة ! لأن في سقوطها ضرراً كبيراً ...(2) كأنه لم يذكر الله في حياته ، ولم يقرأ القرآن ، ولم يعمر قلبه بالإيمان . وكان حسبه أن يتذكر دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم :
( اللهم لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك )
إنَّ ميزة زعماء أمريكا أنهم واضحون جريئون في تصريحاتهم التي تكشف حقيقة أطماعهم وجوهر سياستهم وعزيمة عدوانهم .
لمحة على التاريخ تكشف لنا ظاهرة الغرور والكبر عند كلِّ من أنعم الله عليه بقوّة . فغالباً ما يدَّعي هذا وذاك أنه هو سيد العالم وأنَّ الله اختاره لقيادة العالم، وإن كان شعباً ، فالشعب هو الشعب المختار . مرضٌ واضح في تاريخ الضالين من الشعوب والزعماء .
فاليهود حرَّفوا كلام الله ، وأعلنوا أن الله اختارهم وحدهم ، وسموا أنفسهم أنهم " شعب الله المختار " والتحريف واضح ، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى رب جميع الشعوب ، وخالق جميع الناس ، فلا يفضِّل دماً على دم ، ولا جنساً على جنس ، ولكن يفضل الإيمان والتقوى والعمل الصالح ومن يلتزم ذلك . فالله فضَّل المؤمنين المسلمين الذين آمنوا بموسى عليه السلام ودخلوا معه في دينه الإسلام ، وفضَّل المؤمنين المسلمين الذين آمنوا بالنبيّ الذي بعثه الله إليهم بدين واحد هو الإسلام ، دين جميع الأنبياء والرسل الذين ختموا بمحمّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وبرسالته الخاتمة المهيمنة .
فعلى مدار التاريخ كانت الأمة المفضَّلة عند الله ، هي الأمة التي تلتزم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالإيمان بالله . الأمة التي تحمل رسالة الله ودينه فتبلّغه للناس وتتعهّدهم عليه ، لنشر المعروف الحق بذلك ، وتنهى عن المنكر الباطل . وهذه الأمة أمة واحدة على مدار التاريخ :
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ..........) [ آل عمران : 110]
( ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ) [ البلد : 17-20 ]
ولكن الناس غيَّروا هذا الميزان الرباني وحرَّفوه وبدَّلوه ، وأخذ كلٌّ يدَّعي أنه هو المختار ، دون أن يخشع بين يدي الله ويشكر نعمته عليه ، فيؤمن ويعمل عملاً صالحاً .
ففي القرن السابع عشر ، كانت فرنسا هي القوة المسيطرة ، فرفعت بذلك شعارها الذي ينادي بدور فرنسا في " تحضير العالم "، مهملة كل شعوب الأرض وكلَّ إنجازاتهم . ولما برزت بريطانيا كقوة مسيطرة رفعت شعار مسؤولية الرجل الأبيض في " تحضير العالم " . وارتكبت من المجازر والظلم والإفساد في الأرض ما ملأ تاريخها بصفحات سوداء ، كما ملأت فرنسا تاريخها في فترتها بصفحات سوداء من شدَّة ما اعتدت وظلمت وأفسدت .
ولما جاء دور أمريكا اعتبرت نفسها سيدة العالم ، وأنها مسؤولة عن نشر ما تدعيه من زخرف الديمقراطية والحريَّة من خلال مجازر كان من ضحاياها الملايين من شعوب الأرض ، بالإضافة إلى جرائمها في سجونها ومعتقلاتها ، حيث تُلْغي ما يدّعونه من ديمقراطية وحرية وعدالة ومن حقوق الإنسان .
ولا نزال نحن اليوم في عصر أمريكا وسلطانها . ولقد أسكرها ما بلغته من قوة وسيطرة ، وهول سلاح وتقدّم صناعي ، فلم تعد تقيم وزناً للمبادئ والقيم ، وشعارات العدالة والحريّة . فالعدالة هي حق أمريكا في تأمين مصلحتها وحدها فقط ، والحرية هي لأمريكا وحدها . ولعلَّ تاريخ أمريكا ونشأتها قد بدأ بالظلم والفتك والعدوان على شعب أمريكا الأصلي ـ الهنود الحمر ـ ثمَّ مجازر الحرب بين بريطانيا والمستعمرين لأمريكا ، الحرب التي انتهت باستقلال أمريكا عن التاج البريطاني ، من خلال حروب اشترك في هول جرائمها بريطانيا والمستعمرون لأمريكا .
ومع نموّ قوة أمريكا حتى تفرّدت بذلك اليوم ، أصبح المبدأ الديمقراطي ومعاني الحريَّة والعدالة يعني عندها أنه ما يحق للأمريكان لا يحق لغيرهم ، وأنهم هم الشعب المختار " لتحضير العالم ". ونسوا ما بيّن الله سبحانه وتعالى لهم ولنا وللناس كافة من عِبَر في التاريخ ومواعظ :
(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [ الأنعام : 11 ]
قلنا إن تاريخ أمريكا بدأ منذ لحظة النشوء بأسوأ أنواع الجرائم ، فلقد كان عدد الهنود الحمر ، كما يسميهم المعتدي الجديد ، مليوناً من خلق الله ، فلم يبق منهم بعد مراحل النشوء إلا (350) ألفاً فقط . فالذين أبيدوا على يد المعتدين (750) ألفاً . وانظر كذلك ما فعلوا في أفريقيا ، وكيف ساقوا الرجال والنساء عبيداً يحملونهم إلى أمريكا ليكونوا خدماً لهم في أجواء الإذلال . وحسبك أن تقرأ كتاب " الجذور the Roots " لمؤلفه " ألكس هالي Alex Haley " ، الذي يصف رحلة الأفريقيين الذين سيقوا عبيداً إلى أمريكا ، وما لاقوه من عذاب وإجرام في الرحلة القاسية ، وبعد وصولهم ، وما لا قوه من حقد كبير ضد السود بعامة . ولقد بلغ عدد العبيد في أمريكا سنة ( 1850) ( 3.200.000) وكان سكان أمريكا 23 مليوناً .
وقد قامت أمريكا منذ نشأتها باستعباد شعب نُزِعَ من أرضه في أفريقيا لِتَسْتعبده في أرضها ، وكذلك فعل المجرمون الفارون من أوروبا وأبناء السجون وأمثالهم الذين راقت لهم الهجرة من أوروبا لإحياء الأرض الجديدة البكر ، فواجههم بقايا السكان الأصليين ، خليط عجيب من الناس لا يجمعهم إلا أن يتخلوا عن هويتهم وأخلاقهم ودينهم ، ليذوبوا في صياغة جديدة يذوب فيها الجميع ذوباناً كاملاً ، يعملون ويأكلون ويتلذَّذون في سباق هائل في طلب الدنيا ، يتمتعون بما يشاؤون ! كأنه لم يعد هناك شيء حرام إلا ما حرَّمتْهُ القوانين الجديدة ، دون اعتبار تاريخ البشرية الطويل ، والرسالات السماوية ، متحرّرين من كل شيء ، ليتخلَّصوا من الحياة الأوروبية التي كانت تمثل لهم استعباد الأرواح والأجساد .
لقد تَمَّ هذا الذوبان ، في هذا المجتمع الجديد المتحرر من كل شيء . لقد كتبت صحيفة الواشنطن بوست في افتتاحيتها عقب الإعلان بفوز كلينتون بالرئاسة للمرة الثانية : " الأمريكيون مهتمون فقط بأمور الزبدة والخبز ، ويعتبرون النظام السياسي جهازاً إداريَّاً ...." (3)
ولذلك كانت القاعدة الأولى في السياسة الأمريكية والحياة الأمريكية هي : مصلحة أمريكا أولاً و آخراً . إنها مصلحة مادية ، تسحق كل شيء أمامها لتحقيق هذه المصلحة . ومعنى هذه المصلحة أنها تبرز في كلِّ ميدان : اقتصادي ، سياسي ، اجتماعي ، ليستغلَّ كلّ ذلك من أجل مصلحة أمريكا . سواء أكان ذلك في المصلحة الاستراتيجية التي تمسُّ الأمن الأمريكي وحده أم في غيرها . وقد تُهَدَّم بلاد وأقطار ، ويُقْتَلُ عشرات الألوف هنا وهناك ، تحت ادعاء حماية الأمن الأمريكي، ولا عبرة لأمن أي بلد آخر ، أو أمن البشرية كلها .
لقد عبَّر عن هذه المصلحة المادية الذاتية لأمريكا عدد كبير من المسؤولين وخاصة وزراء خارجية أمريكا ، ورؤساء أمريكا مثل : روزفلت ، وكلينتون ، وبوش ، في تصريحات واسعة في مختلف وسائل الإعلام . يقول كلينتون : " وعندما تصبح القوة مطلوبة ( لضمان أمننا ) فإنَّ علينا استعمالها ، وعلينا أن نرحّب بآمال العالم لا أن نعرض عنها ، ليس من أجل العالم فقط ، بل لأجلنا نحن أيضاً "(4)
ويقول " زوبرت دول " في دراسة في مجلة : " فورين بولسي " :" ... غير أنَّ الأحداث في رواندا والصومال لا تنطوي ، في أسوأ الأحوال ، إلا على تأثيرات هامشية بالنسبة لأمريكا . إننا لا نستطيع أن نستمرَّ في نسف سمعة قواتنا المسلحة من أجل عمليات إنسانية لا تفعل شيئاً في مجال تعزيز مكانة أمريكا "!(5)
أما مادلين أولبرايت فتوجز سياسة وزارة الخارجية بأن : " الأهداف الرئيسة الحيوية هي تأمين مصالح الولايات المتحدة ، والتوسّع بها لتشمل الكرة الأرضية " !
ومعنى كلمة : " أولبرايت " : " ... والتوسع بها لتشمل الكرة الأرضية " ، فإن التوسع لن يكون بالتعاون الإنساني ، بل بالقوة العسكرية التي بنيت من أجل هذا التوسّع اللاإنساني . فألغى مجلس النواب قانون الحياد مع الحرب العالميَّة الثانية بحجة مساعدة بريطانيا وفرنسا . وبهذه النفسية استخدمت أمريكا كلَّ الوسائل المتاحة : الدبلوماسية وسياسة الضغط والإكراه ، وسخرت الإعلام والشركات التجارية والحركات التنصيرية وأجهزة التجسس والمخابرات من أجل تحقيق هدف التوسع اللاإنساني العدواني المدمّر ! وحسبك ما ألقته القوات الأمريكية في الحرب العالمية الثانية على طوكيو انتقاماً من اليابانيين الذين سبق أن أسروا 75 ألف جندي أمريكي في الفلبين ، حيث ألقى الأمريكيون (150) طناً من القنابل بواسطة 72 طائرة قاذفة ، فهدَّمت 28 ألف منزل ، وقتل مائة ألف ياباني . ثم ألقت القنبلة النووية الأولى على هيروشيما فقتلت مائة ألف في 6/8/1945م ، ثمَّ ألقت قنبلة نووية أخرى على نجازاكي فقتلت 40 ألفاً من السكان ، ومات آلاف عدة بعد ذلك من الإشعاع .
هذا هو معنى التوسع ، وهذا هو معنى الدبلوماسية المملوءة بالحقد وحب الانتقام ، وزيادة الرغبة بالتفوق العسكري واستخدامه الوحشيّ بالتدخل العسكري ، وسرعة الانتشار والتدخل .
ومن هنا أخذت أمريكا تشعر بأهمية السلاح ودوره وخطورته ، فسعت إلى السيطرة على سوق السلاح ، فكانت أكبر بائع للسلاح في العالم . فقد بلغت المبيعات 17.5 بليون دولار سنة 1993م . فشغلت مصانعها وجنت أرباحاً طائلة، وجعلت الدول المستوردة مرتبطة بها من أجل التدريب وقطع الغيار ، وأصبحت تتواجد بشكل سريع وفعَّال في بؤر الصراع .
وأخذت أمريكا تنمّي قدراتها العسكرية بصورة مستمرة مذهلة لا يستطيع أن يجاريها في ذلك أي بلد آخر . وإنما انضمَّ إليها الغرب في تنسيق سياسي وعسكري حسب ما تخطط له أمريكا لمصلحتها الخاصة . وأصبح المبدأ الأمريكي نقاتل من أجل أن ننتصر انتصاراً سريعاً حاسماً بأقل الخسائر .
وبهذا الاستفراد بدا كأنَّ التاريخ أوشك أن يبلغ نهايته . فجاء كتاب :" فرانسيس فوكوياما "الياباني الأصل الأمريكي الجنسية بعنوان : " نهاية التاريخ والرجل الأخير: The end of history and the last man " . يبيّن فيه أنَّ الديمقراطية الغربية هي التي ستسود العالم ، وأن التاريخ توقف عند انتصار النظام الأمريكي . كانت دراسته فيها استعراض لكثير من المبادئ والفلسفات ، واعتبر في دراسته أنه لم يبق إلا الديمقراطية الغربية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي . ولكنه أشار من ناحية أخرى إلى أنَّ الإسلام هو القوة الوحيدة الباقية التي تملك القدرة على التصدي والمنافسة . كل دراسته تقوم على تصورات دنيوية مادية ، لا يدري أنَّ لهذا الكون ربّاً هو الذي يقدّر فيه المقادير كلها تقديراً حقاً عادلاً نافذاً على حكمة لله بالغة .
وظهر كتاب : " نظرية احتواء الشيوعية " لجورج كينان " الدبلوماسي والأستاذ الجامعي ، يبيّن فيه أنَّ الشيوعية هي الخطر الجديد على أمريكا والغرب، ولا بدَّ من تأسيس أحلاف عسكرية تحيط بالاتحاد السوفياتي وتمنع انتشار الشيوعية في الأرض .
وفي السنوات الأخيرة ظهر صمويل هنتجتون الأستاذ بجامعة هارفارد ليعلن نظرية صدام الحضارات يكشف فيه أنَّ العدو الرئيس ليس الشيوعية ، وأنَّ القضاء على الشيوعية لم يُنْهِ المشكلة ، وأن العدو الحقيقي الذي يهدد الحضارة الغربية هو الإسلام .
هكذا تدرَّجت الأحداث والتصورات لتبحث دائماً عن عدو يقاتله الغرب ، أمريكا ومعه الغرب ، ابتداء من النازية ، ثمَّ الشيوعية ، ثمَّ الإسلام . ولكن المعركة مع الإسلام مختلفة كل الاختلاف . فمن أراد أن يحارب الإسلام ، فإنه يحارب الله سبحانه وتعالى ، فالإسلام دين الله الذي اختاره للناس كافة ، دين جميع الأنبياء والرسل ومن آمن بهم . وتبعهم ، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم !
ولذلك أفلتت من فم بوش " كلمات غداة حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 عند انهيار برجي التجارة العالميين في نيويورك ، حين قال عن هذا العمل: " الآن بدأت الحروب الصليبية " ! واتّهم الإسلام بالفاشية ، ونحى كبيرهم " بابا الفتيكان ـ بنديكت السادس عشر " في محاضرته في جامعة " ريجينسورج، ذات المنحى فأعلن أن الإسلام دين منافٍ للعقل ، وقال : " أرني شيئاً جديداً أتى به محمد (صلى الله عليه وسلم ) ، فلن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني ، مثل أمره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف " . في سلسلة الاتهامات للإسلام وللرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
إنها تكشف عن ما في أعماق النفس من تصور مسبق ثابت عن عزيمة الحرب مع الإسلام . ولكنهم لا يريدون أن تكون الحرب حرباً مباشرة ، كما قال نيكسون في كتابه :" نصر بلا حرب " : " يقوم في منطقة الشرق الوسط عاصفة إسلامية ، لا نستطيع مجابهتها ولكن نستطيع أن نغيّر اتجاهها ..." أو ما معناه .
ثم تطورت الأساليب من تحويل اتجاه العاصفة إلى حرب مباشرة ابتدأها بوش ، وصممها ، وأعلنها تحت شعار الحرب على الإرهاب . ولكنْ في حقيقة الأمر هي حرب على الإسلام والمسلمين ، انكشفت في مواقع كثيرة من الكرة الأرضية ، يستغلّون أخطاء بعض المسلمين الذين يخرجون باجتهاداتهم عن مصلحة الإسلام وعن دقة فهم النصوص ، ويتجاهلون المواقف المشرِّفة الرائعة للإسلام في تاريخه الطويل وفي واقعه اليوم .
وأصبحت قضية الإرهاب دويَّاً كبيراً في الإعلام وفي سياسة الغرب تجاه العالم الإسلامي ، وضمُّوا إليه مصطلحاً آخر وهو : " الأصولية الإسلامية " ! وماذا يعنون بالأصوليَّة الإسلامية ؟! إنهم يعنون الذين يتمسكون بأصول الإسلام ، وهل للإسلام أصول غير الكتاب والسنَّة ؟! ولكن إذا كان هناك فهم خاطئ لدى بعضهم ، فإنَّ ذلك ليس ناتجاً عن عدم وضوح الكتاب والسنَّة ، وإنما هو ناتج عن ضغط الواقع والظلم الشديد ، والعدوان السافر ، واحتلال بلاد المسلمين ، وإعطاء فلسطين لليهود وطرد شعبها منه ! هذه المآسي والفواجع والظلم الشديد يدفع كثيراً من المسلمين إلى الانطلاق انطلاقاً عفويّاً كردّ فعل طبيعيٍّ لما يعانونه من ظلم وقهر ! فتحسب أمريكا أنَّ هذه المواقف نابعة كلها من الإسلام وتتجاهل أنها أهم أسباب هذه المواقف ، بما ترتكبه هي من جرائم بحق الشعوب .
وإذا وجد من المسلمين من اتخذ موقفاً عنيفاً نتيجة لشدَّة القهر والظلم ، فمن المسلمين من اتخذ موقف الضعف والاستسلام ، والجرأة على تحريف الأحاديث الشريفة أو فساد تأويل الآيات ، ليُرضوا الغرب بانحرافهم هذا ، وليظهر بمظهر المتحضِّرين بالحضارة الغربية . فإذا كان هنالك من غالى وتطرَّف فهنالك من تهاون وفرَّط ، وبدَّل وحرَّف . ولكن دين الله ـ كتاباً وسنَّة ولغة عربية ـ سيظلُّ حقَّاً يحفظه الله ، لا يضيره عدوان الظالمين ولا تحريف المرجفين .
(1) حسن قطامش : عولمة أم أمركة . ص : ( 3) .
(2) المصدر السابق : ص : ( 3-4) .
(3 المصدر السابق : ص ( 28) .
(4 المصدر السابق : ص ( 34) .
5) المرجع السابق : ص (34)
المصدر
- مقال:أمـــــريـكــا بين الاستفراد والاستبداد !موقع:الشبكة الدعوية