أحمد عابدين يكتب: المسكوت عنه في حدوتة السيسي
(3 مايو 2016)
"ربنا خلقني طبيب أوصف الحالة، وكل العالم بيقولوكم اسمعوني، خبراء المخابرات والسياسيين والإعلاميين وكبار الفلسفة". بعد أقل من عامين في منصب الرئاسة، لم يعُد يخفى على أحد قدرات السيسي المحدودة جداً في التفكير والكلام والحوار والإدارة، حتى أصبح ظهوره منبع للفكاهة والألش ومادة خام لصفحات الكوميكس والضحك والبرامج الساخرة حول العالم، إلا أن خلف كل هذا الهزل يصدمنا سؤال في غاية الخطورة لا يملك أي مصري يخاف على وطنه رفاهية تجاهله، وهو كيف وصل رجل بهذه القدرات المحدودة لمنصب خطير وحساس جداً كمنصب مدير المخابرات الحربية؟
لقد كان مشوار السيسي من رئاسة المخابرات إلى رئاسة الجمهورية في غاية البساطة، خاصة وإنه تم عبر جماعة الإخوان وببعض المساعدة من الأجهزة الأمنية، إلا أن رئاسة جهاز بخطورة المخابرات الحربية، شيء آخر، حيث أنه من المفترض أن يتم بعد اجتياز المرشح لها اختبارات صعبة وبناء دراسة كاملة عن مؤهلاته وقدراته، فضلاً عن تصوره ورؤيته وخطته لتطوير عمل الجهاز كما يحدث في كل بلاد العالم
حيث أن هذا الجهاز هو المسئول الأول عن أمن المؤسسة العسكرية برجالها ومنشآتها وقدراتها، بجانب مسئوليته الخطيرة عن القدرات التخطيطية والفكرية والمخابراتية داخل المؤسسة وعن جمع وتحليل وبناء تصور كامل عن القدرات العسكرية للدول الأخرى المعادية أو غير المعادية، بمعنى أوضح هي عقل القوات المسلحة المُفكر وعينه المُبصرة المتفحصة، والتي من المفترض أن تكون كل كلمة أو تصرف صادر عنها يكون وفق أسس علمية مدروسة، وهو المغاير تماماً لطريقة وأداء السيسي.
لقد ظل السيسي حتى توليه منصب الرئاسة مختفي عن الأعين بشكل ملحوظ، فلم يظهر في أية وسيلة إعلامية طوال حكم المجلس العسكري أو بعده، إلا من بعض الدقائق القليلة التي كانت تسربها الشئون المعنوية أثناء حكم محمد مرسي وهو يتحدث إلى الضباط والجنود، بعد خضوعها للتقطيع والمونتاج، وهي نفس الطريقة التي أُدير بها حملته الانتخابية، وهو ما يمكن أن يشفع للكثيرين ممن خُدعوا فيه وفي قدراته
إلا أنه بعد تولي الرئاسة اتضحت الكارثة، فبجانب عجزه عن تركيب جملة واحدة كاملة بشكل صحيح أو مفهوم، فهو لا يمتلك أية قدرات أو رؤى أمنية أو إدارية، فازدادت العمليات الإرهابية في سيناء بشكل كبير، وقنابل تجتاز المطارات وتفجر طائرات، وطائرات تقصف قوافل للسياح، حتى طالت أيدي الإرهابيين من سيناء لتصل إلى قلب العاصمة وتتمكن من تفجير موكب النائب العام واغتياله.
في أكتوبر من عام 2011، قدمه المشير طنطاوي لجون برينان مستشار الرئيس الأمريكي لمكافحة الإرهاب، بوصفه خليفته في منصب وزير الدفاع، وذلك بعد مرور أقل من عامين على اختياره لرئاسة المخابرات، حيث أن هذا الجهاز مرتبط مباشرة بوزير الدفاع، وهو ما يستدعى السؤال عن علاقة السيسي بطنطاوي، والقدرات التي اكتشفها فيه لتؤهله لتلك المناصب الحساسة والخطيرة في وقت صعب كالذي تمُر به المنطقة ككل
والذي يواجه فيه الجيش المصري تحدياً لم يسبق مثله منذ مئات السنين، خاصة وأن الرجل منذ طلته الأولى وهو يتعامل بمنطق الدرويش أقرب منه لرجل المخابرات، فإجابته عن رؤيته المستقبلية فور ترشحه للرئاسة، قال عنها "ده مرتبط بثقتي في ربنا مش بس بالعلوم البشرية، أنا متصور أن السماء إبتدى يصعب عليها المصريين..
فلو شاءت إرادة ربنا إني أكون في الموضع ده هيكون أمر فيه العجب"، ووصفه لنفسه بأنه طبيب الفلاسفة، وحديث أحد أصدقاءه القدامى عن الورد والقراءات التي كان يقرأها، فضلاً عن هلاوس حروب الجيل الرابع والخامس.
وبرغم خطورة الحديث عن أي شيء يخص القوات المسلحة حالياً، بعد أن جعلها قادتها مُحصنة ضد السؤال أو الاستفسار أو حتى الحديث العابر، إلا أنه وبكل خوف عليها وعلى الوطن أدعو المخلصين فيها إلى مراجعة ما حدث لها خلال عصر اللامبارك ورجاله، والوقوف على حقيقة الوضع، حيث أن ذلك أول وأهم خطوة في طريق الإصلاح، الذي أتمنى أن يبدأ بأقصى سرعة.
المصدر
- مقال: أحمد عابدين يكتب: المسكوت عنه في حدوتة السيسي موقع كلمتي